fbpx
دراسات

الرقابة المدنية على الأجهزة العسكرية: ضوابط وتجارب

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

لا يوجد تعريف متفق عليه لمصطلح العلاقات المدنية العسكرية، حيث إن الدراسات التي تناولت هذا المصطلح سعت إلى دراسة العلاقة بين المدنيين والعسكريين. ولكن بشكل عام يقصد بالعلاقات المدنية العسكرية، علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية؛ ويصنفها البعض على أنها علاقة معارضة، حيث تكون هناك جماعتان منظمتان محددتان لكل منهما مصالح تناضل من أجلها وتساوم الطرف الأخر عليه، ولكل طرف مهامه الخاصة به، فالعسكريون مهمتهم الدفاع عن الوطن وحماية الحدود، أما المدنيون فمسؤوليتهم الإنتاج والتنمية والتطوير وإدارة شئون البلاد وتنظيم العلاقات السياسية داخليا وخارجيا.

وبعد امتداد موجة الانتقال إلى الديموقراطية لتشمل دول شرق أوروبا وعديد من دول العالم الثالث، طرحت “ريبيكا شيف” ما أسمته “نظرية التوافق” للتأكيد على الفصل بين العسكريين والمدنيين، وأهمية الحوار واقتسام القيم والأهداف بين العسكريين والنخب السياسية والمجتمع، والتأكيد على أن المؤسسات والمتغيرات الثقافية هي التي تمنع أو تعظم احتمالات التدخل العسكري، وأنه كلما زاد التوافق بين العسكريين والنخبة السياسية والمجتمع تراجعت احتمالات التدخل [1].

وفي المقابل طرح “دوجلاس ل. بلاند” نظرية اقتسام السلطة”، والتي تقوم على أساس أن للعسكريين دورهم في مجالات الدفاع بشكل أساسي إلى جانب دورهم في حفظ الأمن الداخلي وقت الضرورة، وتقوم النظرية على افتراض أن السيطرة المدنية على العسكريين قد تحققت ومستمرة من خلال اقتسام السلطة حيث إن لكل من المدنيين والعسكريين مسئولياته تجاه جوانب معينة يحاسب عليها ولا يكون هناك تداخل بين المسئوليات.، وأن هناك مصدر واحد لتوجيه العسكريين نابع من المدنيين المنتخبين خارج المؤسسة العسكرية، والسيطرة المدنية هنا عملية متغيرة وديناميكية تتغير وفقا للأفكار والقيم والظروف المحيطة والقضايا والمسئوليات والضغوط المرتبطة بالأزمات والحروب.[2]

ويرى “بلاند” أنه لا يوجد تعارض بين اقتسام المسئولية والسيطرة المدنية، حيث إن اقتسام السلطة بين العسكريين والمدنيين يرجع إلى أنهما يتشاركان في اتخاذ القرارات في القضايا الاستراتيجية، والتي تتضمن مجموعة من القرارات المتعلقة بأليات الدفاع وقدراتها، وكذلك القضايا التنظيمية، والتي تتعلق بالقوات المسلحة والمجتمع.

واستناداً إلى المقولات التي تقوم عليها نظريتا “التوافق” و”اقتسام السلطة” تأتي هذه الدراسة للوقوف على عدد من التجارب والخبرات في إطار مقارن بين الدول الديموقراطية والدول حديثة التحول نحو الديموقراطية.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين، يتناول الأول، معايير وقواعد الرقابة المدنية على الأجهزة العسكرية والأمنية وتحدياتها. والثاني: العلاقات المدنية العسكرية: تجارب وخبرات.

المبحث الأول: معايير وتحديات الرقابة المدنية على الأجهزة العسكرية والأمنية[3]:

يبرز إجماع دولي واسع، تتشاركه الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية وشبه إقليمية مختلفة مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والاتحاد الأفريقي، على أنه يجب على حكم القطاع الأمني أن يراعي مجموعة من المعايير المتفق عليها دولياً. وتعتبر هذه المعايير الدولية أن فرض الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات يشكل خطوة أساسية لتحقيق الأمن الجماعي[4] ولمنع نشوب الصراعات.

أولاً: معايير الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية والعسكرية

تولي مدونة قواعد السلوك حول الجوانب السياسية والعسكرية للأمن التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا أهمية كبيرة للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات وتحظر بالتالي التعاون العسكري مع الدول التي لم تفرض هذه الرقابة. وتنص المادة 25 من تلك المدونة على أن “الدول المشاركة لن تقبل أو تدعم القوات المسلحة التي لا تخضع لمساءلة أو رقابة سلطاتها التي تم إنشاؤها دستورياً”. وإنّ هذه المدونة ملزِمة أخلاقياً لكافة الدول الأعضاء في المنظمة والتي يبلغ عددها 57 دولة في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا الوسطى. وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تحافظ على علاقات مميزة مع ستة من شركاء التعاون من دول البحر الأبيض المتوسط، وهم إسرائيل والأردن والمغرب وتونس ومصر.[5]

في حين أن مدونة قواعد سلوك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا واضحة جداً حول الحاجة إلى فرض رقابة ديمقراطية على القوات المسلحة، تشمل عدداً قلي اً نسبياً من التعليمات المفصلة حول الطريقة التي يتوجب على الدول من خلالها ممارسة الرقابة على القوات المسلحة أو محاسبتها. عادةً ما تفرض الدولة الرقابة الديمقراطية من خلال مجموعة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية التي تعزز بعضها البعض. والرقابة الديمقراطية الفعّالة للقوات المسلحة تتطلب بشكل خاص:

1-إنشاء سيادة مدنية على القوات المسلحة:

يجب على دستور الدولة وقوانينها الوطنية أن تنص، بعبارات لا لبس فيها، على أن القوات المسلحة خاضعة للقادة المدنيين المنتخبين ديمقراطياً. كما يجب على الإطار القانوني أن يحدد سلطات ومسؤوليات كل من رئيس الدولة والحكومة والبرلمان والقضاء والقوات المسلحة في أوقات السلم والحرب، وأن يوضح العلاقات بين هذه الجهات المختلفة. بهدف تطوير علاقات مدنية عسكرية سليمة، من المهم ألا يمنح الدستور القوات المسلحة أي حق في تفسير دستور الدولة و/أو قوانينها، أو في التعيينات السياسية (مثل وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس لجنة الدفاع البرلمانية، إلخ (، وفيما يتعلق بسياسات أو موازنات الدفاع. في المقابل، يجب على الإطار القانوني أيضاً أن يضمن أن السياسيين يحترمون المهنية العسكرية ولا يتدخلون في صناعة القرارات التكتيكية والعملياتية على سبيل المثال.

2. ضمان القيادة المدنية في عمليتي التخطيط ووضع الموازنات في مجال الدفاع:

تشكل مسؤولية التخطيط ووضع الموازنات في مجال الدفاع جزءاً من المسؤوليات الرئيسية التي تقع على عاتق الحكومة المدنية. ففي حين تقدم القوات المسلحة الخبرة التقنية، يعود القرار السياسي النهائي حول عمليات التخطيط وإعداد الموازنات في مجال الدفاع إلى المدنيين، وهو ليس عبارة عن مهمة عسكرية تقع ضمن مسؤولية وزارات الدفاع. وبهدف ضمان القيادة المدنية في التخطيط ووضع الموازنات في مجال الدفاع، يكفي أن تكون وزارة الدفاع تحت الرقابة المدنية فحسب، بل يجب أن تتمتع بعدد كافٍ من الموظفين المدنيين. في هذا الإطار، تُظهر أفضل الممارسات أن وزارات الدفاع التي تعمل بشكل جيد دائماً ما تشمل مزيجاً من الموظفين المدنيين والعسكريين، وذلك من أجل التأكد من أنه يمكن لصانعي القرار الاعتماد على الخبرة المتممة لبعضها لدى كل من المجموعتَين. إلى جانب ذلك تتعاون وزارة الدفاع مع البرلمان و/أو اللجان المتخصصة حول كافة مسائل التخطيط ووضع الموازنات في مجال الدفاع. وتبين التجربة في هذا الصدد أن البلاد الخارجة من حكم استبدادي لا تتمتع في العادة بالمؤسسات اللازمة للتخطيط ووضع الموازنات في مجال الدفاع من قبل المدنيين. بالتالي تحتاج هذه البلاد إلى الاستثمار في تطوير الموظفين والمؤسسات، مثل وزارة دفاع قادرة على العمل ضمن إطار السيادة المدنية.

3. إنشاء إشراف برلماني فعّال:

بغية ضمان الشرعية الديمقراطية والدعم الشعبي، يجب على البرلمان أن يلعب دوراً هاماً في اتخاذ قرارات الدفاع والأمن على المستوى القومي. وعادة ما يعمد البرلمان على إنشاء لجنة أو عدة لجان متخصصة في هذه القضايا) مثل الدفاع والأمن والاستخبارات (. بشكل عام، يصادق البرلمان على تعيين كبار القادة العسكريين وعلى فصلهم أو ترقيتهم، كما يوافق على الموازنات التفصيلية والنفقات المالية والتقارير حول مداخيل القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات. ويوافق أيضاً على قرارات سياسة الأمن القومي التي تقدمها الحكومة، ويتخذ القرارات حول حالات الحرب والسلم.

4. تطوير خبرات حول الحكم المدني للقطاع الأمني

تتطلب السيادة المدنية تطوير الخبرة والمعرفة المدنيتَين الضروريتين. فمن دون تطوير هذه الخبرة، يصعب تعيين موظفين مدنيين في مناصب أساسية تُعنى بفرض الرقابة على مؤسسات مثل وزارة الدفاع أو البرلمان والإشراف عليها. من هنا غالباً ما ينطوي إنشاء رقابة ديمقراطية على قرار فاعل تتخذه الدولة للاستثمار في مؤسسات البحث والتدريب المستقلة. ففي هذه المؤسسات يمكن للمدنيين المهتمين أن يكتسبوا المعرفة حول الشؤون الأمنية على الصعيدين الوطني والدولي، وحول البيئة الأمنية الخاصة بالبلاد، وعمليات التخطيط للدفاع والأمن (بما في ذلك وضع الموازنة)، ومنع الفساد في عمليات الشراء العسكرية، وغيرها. من جهتها، غالباً ما تلجأ الدول غير المستعدة لفرض الرقابة الديمقراطية إلى استخدام خبرة المدنيين المحدودة كذريعة لتقييد دورهم والحيلولة بشكل فاعل دون ظهور مؤسسات التدريب اللازمة لتدريب المدنيين تدريباً جيداً.

5. تطوير ثقافة الانفتاح والشفافية

يشمل حكم القطاع الأمني الذي يعمل بشكلٍ جيد العديد من الأطراف المختلفة ويتطلب نقاشاً عاماً لأن قرارات الدفاع المكلفة غالباً ما تتضمن تنازلات هامة في مجالات سياسات أخرى مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعي. يشير ذلك إلى أن قرارات الدفاع والأمن لا تختلف عن أي مجال آخر من مجالات سياسات الحكومة.

لذا يجب أن تكون المعلومات التي يستند إليها صانعو القرار السياسي في اتخاذ قراراتهم منفتحة وشفافة. بالتالي فإن الرقابة الديمقراطية تعني الشفافية عبر موازنات دفاع مفصلة تشمل كافة المداخيل والنفقات العسكرية ومدفوعات رواتب/ مستحقات أعضاء القوات المسلحة وموظفي وزارة الدفاع. كما تتطلب الرقابة الديمقراطية سياسات وعمليات شراء شفافة.

يُذكر أن تطوير ثقافة الشفافية يستلزم وقتاً طويلاً، إلا أنه يبقى عنصراً ضرورياً لضمان نزاهة كل من القوات المسلحة والمدنيين بشكل مستقل وضمن علاقتهما ببعضهما البعض.

6. بيئة حرة لوسائل الإعلام والمجتمع المدني

تتطلب الرقابة الديمقراطية أيضاً بيئة حرة لوسائل الإعلام والمجتمع المدني، تسمح لهم بالتحقيق في القضايا المتعلقة بالأمن القومي والدفاع وتقديم تقارير فيها، في إطار خالٍ من الرقابة السياسية أو العسكرية. ومع مرور الوقت، يمكن لوسائل الإعلام والمجتمع المدني تطوير فهم سليم حول قضايا الأمن وقد تقدم مساهمات هامة للنقاش الدائر في البلاد حول الأمن القومي، وبالإضافة إلى التخطيط ووضع الموازنات وعمليات الشراء أو التوريدات في مجال الدفاع.

7. فهم القوات المسلحة لدورها في النظام الديمقراطي

يتطلب تأسيس الرقابة الديمقراطية من أعضاء القوات المسلحة أن يطوروا فهماً لدورهم في المجتمع الديمقراطي وأن يلعبوا هذا الدور بارتياح. يُشار إلى أن دمج القوات المسلحة في العملية الديمقراطية لا يوفر للقوات المسلحة شرعية وتأييداً شعبياً أكبر بكثير فحسب، بل إنه يعني أيضاً أن أعضاء هذه القوات هم مواطنون بشكل كامل، ولهم حرية ممارسة حقوقهم السياسية. تطرح عملية إيجاد بيئة ديمقراطية وتكييفها مع خصوصيات كل دولة العديد من التحديات.

ويشكّل تأسيس الرقابة الديمقراطية المدنية للقوات المسلحة إحدى التحديات الرئيسية والتي تطلب تحقيقها عدة عقود في بعض البلدان. مع ذلك، فإنها عبارة عن جزء لا يتجزأ من التنمية الديمقراطية، ولا يمكن أن تقتصر الديمقراطية على بعض مجالات الحكومة دون سواها، إذ لا وجود للديمقراطية دون الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، كما أن الاستقرار والتنمية على المدى الطويل في البلاد يتوقفان على قدرته على تحقيق التوازن في علاقاته المدنية العسكرية. وينطبق الأمر بشكل خاص على البلدان الخارجة من صراع أو من حكم استبدادي.

ثانياً: تحديات الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية والعسكرية

تشكل مجموعة من الجوانب تحديات وصعوبات حقيقية تواجه دور الرقابة البرلمانية على مؤسسات الأمن والدفاع وسياساتها ومن أبرزها:

التحدي الأول: قوانين الخصوصية بحيث يمكن أن تعرقل الجهود المبذولة لتحسين الشفافية في قطاعات الأمن والدفاع[6]. بحيث تشكل الخصوصية أو السرية عائق أمام الرقابة البرلمانية، بحيث أنه في هذا الجانب يجب أن يكون البرلمانيون قادرين على مناقشة مسائل الخصوصية بشكل علني، لهذا، يجب العمل على إرساء ثقة متبادلة بين المدنيين والعسكريين. بحيث لا ينبغي أن تكون الخصوصية شيكا على بياض للسلطة التنفيذية. وبالتالي الحد من دور الرقابة البرلمانية على هذه المؤسسات، خصوصا إذا كان هناك قصور تشريعي فيما بخص حرية المعلومات.

التحدي الثاني: الصعوبات المرتبطة بالخبرة والمعرفة الكاملة للتعامل مع القطاعات الأمنية-الدفاعية، هذه الأخيرة التي يعتبر مجالها الأكثر تعقيدا وتشابكا. فالرقابة البرلمانية إذا لم تكن مصحوبة بخبرة نواب البرلمان فتصنف على أنها غير فاعلة، فغالبا ما يعتمد البرلمانيون على الحكومة والإدارات للحصول على الخبرة. وهذا ما خلص إليه Marjan Malesic, Hans Born et Karl Haltiner في إحدى دراساتهم، أكدوا من خلالها أن[7]: “هناك عقبات قانونية وسياسية تحول دون ممارسة رقابة فعالة على قطاع الأمن والدفاع من قبل البرلمانيين، لأنهم يفتقرون إلى الخبرة ويعملون على أساس مخصص. مع تأكيدهم على أن جودة الرقابة البرلمانية على قطاعي الأمن والدفاع لا تعتمد فقط على الإطار الدستوري والقانوني الذي يحدد سلطات النواب فيما يتعلق بالقوات المسلحة والمؤسسات الأخرى المسؤولة عن سياسة الأمن القومي، ولكن أيضا على القدرة العملية لممارسة الصلاحيات “.

إذن، البرلمانات مدعوة للرقابة على الأمور المتعلقة بالأسلحة وفيما يتعلق بسياسات القوات المسلحة أو السياسات الأمنية بصفة عامة، وذلك يتطلب خبرة دقيقة للتفاعل مع هذه السياسات نظرا لأهميتها وحساسيتها باعتبارها من أهم المقومات الرئيسية للدولة[8]. لذلك فأغلب النواب ليس لديهم الخبرة الكافية للتعامل مع القضايا الأمنية-الدفاعية. وقد لا يكون لديهم الوقت أو الفرصة لتطويرها بسبب تحدي الإطار الزمني الذي تحده مدة الولاية التشريعية.

التحدي الثالث: المتعلق بالتعاون الدولي في مجال الأمن والدفاع[9]: بحيث يمكن أن يؤثر هذا التعاون على الشفافية والشرعية الديمقراطية للسياسة الأمنية لأي بلد، إذا كان ذلك سيؤدي إلى إبقاء البرلمان خارج هذه العملية أي التعاون الدولي، لذلك فمن الأهمية بمكان أن يكون البرلمان قادرا في المناقشات والقرارات التي تجري على النطاق الدولي على المشاركة فعليا لضمان المتابعة وممارسة صلاحياته الرقابية.

المبحث الثاني: إدارة العلاقات المدنية العسكرية: تجارب وخبرات

هناك عدة تجارب نجحت في تحقيق عملية انتقال ديمقراطي، وأدارت العلاقات المدينة العسكرية بشكل جيد بعد حدوث الانتقال، ووضعت خطط ناجحة في إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية، وسنتناول هنا عدة تجارب لاستخلاص بعض الدروس والنتائج، التي من المهم معرفتها للنخبة الفاعلة والمهتمين بمجال العلاقات المدنية العسكرية.

ومن تحليل عدد من تجارب الدول التي حدث بها انتقال وتحول ديمقراطي، تبرز عوامل مشتركة بين تلك التجارب ساعدت وساهمت على حدوث ذلك التحول وذلك على النحو التالي:

أ- تراجع الدعم الدولي للنظم العسكرية في تلك البلدان.

ب- تدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير على يد تلك النظم العسكرية.

جـ- تيقن جزء من داخل المؤسسة العسكرية بان الضرر سيلحق بالمؤسسة العسكرية ككل في حال استمرار النظام العسكري واتخاذ القرار بالوقوف مع التغيير.

د-تيقن جزء من المؤسسة العسكرية أن الراغبين في التحول لا يسعون لهدم المؤسسات العسكرية والأمنية، وكان الخطاب الذي تتبناه قوى التغيير يؤكد على ذلك، ولذلك قرروا الوقوف مع التغيير بعد تدهور الأوضاع، مع وجود ضمانات لحفظ مكانة المؤسسة العسكرية وقياداتها.

هـ- الملف الحقوقي والانتهاكات التي مارستها تلك النظم العسكرية في حق الشعوب.

وفي إطار هذه العوامل يأتي تناول النماذج والخبرات التالية:

النموذج الأول: التجربة التركية

تعتبر التجربة التركية من التجارب المهمة في تجارب الانتقال الديمقراطي في العصر الحديث، حيث استطاعت حكومة العدالة والتنمية تقليص سلطه المؤسسة العسكرية إلى حد كبير، بالرغم من السيطرة الفعلية للمؤسسة العسكرية على جميع مفاصل الدولة على مدار سنوات عديدة‏، حيث منذ نشأه الجمهورية التركية على يد مصطفي كمال أتاتورك تم إعطاء الجيش دورا رياديا في بناء الدولة، الأمر الذي منحه المشروعية، ووضع على عاتقه حماية الدولة، وأصبح هذا الدور يمتد إلى المجتمع وحتى المجال المدني، أي تجاوز المهام المعتادة للجيش في حماية أمن الدولة من العدوان فهناك نوع من أنواع الوصاية التي يتمتع بها الجيش. لكن العوامل الدستورية والقانونية والمؤسساتية كان لها أثر في تكريس هذا الدور أيضا.

فمن ضمن الأليات القانونية التي يبرر بها الجيش تدخله في الحياة السياسية، القانون الذي تم وضعه سنه 1935 تحت عنوان “واجبات الجنرال” ينص على أن واجبات القوات المسلحة هو الدفاع عن الوطن والشعب التركي ضد الأعداء الداخليين والخارجيين[10]، كما تنص المادة 85 من نفس القانون على “أن القوات المسلحة سوف تدافع عن البلد باستخدام القوة إذا ما تطلب الأمر ذلك” وهو ما ظهر جليا في كافة الانقلابات العسكرية التي قامت بها المؤسسة العسكرية التركية، بالإضافة إلى حصولها على العديد من الامتيازات حتى تجعل من تدخلها أمرا طبيعيا في الحياة السياسية وكافة مؤسسات الدولة من قضاء ومجلس التعليم العالي الذي كان يوجد بها مستشار عسكري”.

هناك عدة عوامل ساعدت القوة المدنية في تركيا على تقليص دور المؤسسة العسكرية، ومنها: الدعم الدولي بعد أحداث سبتمبر واتجاه القوي العظمي وعلى رأسها أمريكا إلى دعم الأحزاب الإسلامية التي تنتهج النهج الليبرالي، وذكاء القوة السياسية التابعة لحزب العدالة والتنمية الذي قدم نفسه على أنه حزب محافظ ليس له علاقة بالأحزاب الدينية، واتبع نهج عدم التصادم المباشر مع المؤسسة العسكرية، واستغلال الرغبة المجتمعية للانضمام للاتحاد الأوروبي باعتباره مطلب علماني لتقليص صلاحيات المؤسسة العسكرية وبدأ بتطبيق معايير كوبنهاجن.

استطاع حزب العدالة والتنمية إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية بإتباع العديد من الإجراءات ومنها:

أولا: كان الحزب يهدف إلى أن تحصل تركيا على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، ومن أجل هذا كان عليه أن يلبي المتطلبات السياسية لمعايير كوبنهاغن. حيث عمل على إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات المدنية العسكرية، وهو يعلم بهذا الشكل بأنه بات مدعوما بشكل قوي، لأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هو مطلب قومي أتاتوركى في الأساس، ومطلب النخب العلمانية، ومطلب الشعب من أجل حياه اقتصادية أكثر رفاهية.

وكانت المؤسسة العسكرية تدرك تماما أن سعي انضمام تركيا للاتحاد الأوربي يعد سحب لكافة سلطاتها السياسية ولقوتها الاقتصادية المتميزة، ويعنى أيضا إعادة تنظيم وضعيتها الدستورية وفق المعايير، غير أنها لا يمكنها البوح والجهر بمعارضتها مطلب قومي أتاتوركى، واستغل حزب العدالة والتنمية ذلك جيداً لإخضاع المؤسسة العسكرية التركية للرقابة المدنية.

وفقا لهذه المعايير أيضا، في عام 2003 تم تحويل الأمين العام لمجلس الأمن القومي التركي إلى شخص مدني بعد أن كان يترأسه شخصية عسكرية على مدار عقود، وتم تقليص صلاحيته وتحويله إلى مجلس استشاري.

وتأتي أهمية هذا التغيير من كون مجلس الأمن التركي من أهم المؤسسات الموجودة في تركيا، حيث كان قد تشكل في دستور 1961 ويتألف من عسكريين ومدنيين. ونصت المادة (118) من دستور 1982 على زيادة عدد الأعضاء العسكريين في المجلس بإضافة قادة قوات أفرع القوات المسلحة بغية زيادة الثقل العسكري على المدني داخل المجلس. كما تم تغيير صفة قرارات المجلس من كونها توصيات يدفع بها إلى مجلس الوزراء إلى قرارات يُعلن بها مجلس الوزراء.[11]

ونص دستور 1982 على تشكيل الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني.[12]

 وقد أوضح القانون المنظم لهذا النص الدستوري وجوب أن يتولى أمانتها فريق أول ترشحه رئاسة الأركان العامة كما تم تحديد مهام الأمانة لتشمل شئون تركيا جميعها؛ العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية فضلاً عن مسئوليتها عن حماية المبادئ الكمالية.

كما أنها مخولة لمراقبة الجهاز التنفيذي وتوجيه فعالياته والتدخل في إدارته. وللأمانة العامة الحق الصريح في الحصول على المعلومات والوثائق السرية على كل درجاتها وبشكل مستمر عند طلبها من الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات والأشخاص.

وبهذه الصلاحيات، أصبحت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي تشكل ذاكرة الدولة ومركز عملياتها. وأصبح مجلس الأمن القومي مرتبطا بعلاقات مباشرة بمؤسسات الدولة مثل مؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركية، والمجلس الأعلى للتعليم، وجهاز تخطيط الدولة، والمحافظات والوزارات، ويقوم بتوجيهها.

ومن أجل تنفيذ هذه المهام، ضمت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي عدداً كبيراً من الوحدات التخصصية المعنية بكل من الشئون الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية والثقافية، والعلمية والتكنولوجية، والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، ومتابعة شبكة المعلومات الدولية، ودراسة الحالة النفسية للمجتمع.[13]

لذلك قامت الحكومة المدنية المنتخبة بالتعديل في مهامه، وجاءت التعديلات على النحو التالي:

تم تعديل المادة (4) التي كانت تعطى مهام واسعه للمجلس وأمانته، التي تتمثل بالمتابعة والتقييم الدائم لعناصر القوى الوطنية ومتابعه أوضاع الدولة في مختلف نواحي الحياة وكان التعديل على النحو التالي:

  • اقتصار مهامه فقط على أن يقوم المجلس بإخبار مجلس الوزراء بآرائه ثم ينتظر ما يوكل إليه من مهام ليقوم بتنفيذها، وبذلك تحول إلى جهاز استشاري وفقد وضعيته التنفيذية.
  • سحب الحق منه في الحصول على المعلومات السرية وألغي وصول المجلس إلى الهيئات المدنية ووضعت ميزانيته تحت سيطرة رئيس الوزارة.
  • أُبعد الممثلون العسكريون من المجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، كما أدى إلغاء محاكم أمن الدولة إلى تقليص سلطات المؤسسة العسكرية التي حاكمت المدنيين أمام محاكم عسكرية.
  • السماح برفع الدعاوى القضائية لاستجواب ومقاضاه الجنرالات القدامى بشأن قضايا الفساد.
  • السماح للعسكرين بإدلاء تصريحات تتعلق بشأن الوضع الأمني والعسكري فقط وتحت إشراف السلطة المدنية أيضا.

وبالرغم من أن الجيش التركي وبعض قياداته كانوا يعارضون كل فترة هذه الإصلاحات ويحاولون العودة إلى صدارة المشهد عبر الضغط بالقضية الكردية أو مسألة دولة قبرص، كانت الحكومة التركية تتعامل مع هذه الضغوطات بشيء كبير من الحكمة دون الصدام، لكن في النهاية كانت تنجح في حسم جولات الصراع لصالحها.

ثانيا: في عام 2008 قامت حكومة العدالة والتنمية بالكشف عن منظمة تدعي “أرغنكون” كانت تتكون من القوميين العلمانيين في “الدولة العميقة”، داخل النظام السياسي، وكانت تقوم بإعداد انقلاب عسكري على حكومة العدالة والتنمية، فاستغلت حكومة العدالة والتنمية هذا الحدث، وقامت بإخراج العديد من القيادات والضباط التي كانت لا ترغب في تحويل الدولة التركية إلى دولة مدنية.

ثالثا: في عام 2010، قامت الحكومة التركية باستفتاء شعبي وضعت فيه العديد من المواد التي تقيد نفوذ المؤسسة العسكرية في المجتمع، وجاءت نسبة الاستفتاء بنسبة تفوق الـ 50% على هذه التعديلات ومن أهمها:

  • إلغاء دورة الأمن القومي التي كانت تُدرّس في المدارس الثانوية من المنهاج الوطني، والتي كان يستعلها الجيش التركي لإعداد أجيال تؤمن وتعتقد يقين الاعتقاد بأن الجيش فقط هو الذي يستطيع أن يحكم، وذلك حتى تستطيع القوى المدنية تثبيت عقيدة عسكرية جديدة، ترسخ أن الجيش مهامه فقط تأمين البلاد من العدوان الخارجي، وأن على الجيوش أن تبعد تماماً عن الحياة السياسية حتى تتفرغ لمهامها.

في عام 2011 م، كان هناك تطور هام في العلاقات المدنية العسكرية داخل الدولة التركية، وهو قبول الاستقالة التي تقدم بها كل من رئيس الأركان التركي وقادة القوات الجوية والبحرية و44 من القادة من أجل الضغط على حكومة العدالة والتنمية وإثارة حفيظة الضباط، وتعيين قيادات جديدة، وكانت هذه من أكبر الفرص التي استغلتها حكومة العدالة والتنمية للتخلص من قيادات لا ترغب في الانتقال الديمقراطي، وقد استغلت هذه الحادثة لتقليص دور المؤسسة العسكرية في المجتمع وسن بعض القوانين ومن أهمها:

  • سن قانون أعطى للبرلمان حق الموافقة على نشر تقارير ديوان المحاسبة المتعلقة بالمؤسسات الأمنية والدفاعية وإدخال المدنيين في رسم وتخطيط سياسات الأمن الوطني، وبالتالي فقد اختفت السرية التي كانت تتمتع بيها الميزانية العسكرية، بالإضافة إلى إصدار محكمة تركية حبس رئيس الأركان كنعان إيفرين.
  • صياغة المواد التي تتعلق بحق القوات المسلحة في الدفاع عن الوطن داخليا وخارجيا، وقصر مهامها على الدفاع عن الوطن ضد الأعداء الخارجيين فقط.
  • تعيين القيادات من حيث الكفاءة، لا من حيث الرتبة الأعلى.

استمر الهدوء فترة من الزمن بين الجيش التركي والحكومة المدنية في تركيا، حتى جاءت محاولة الانقلاب الفاشلةـ في يوليو 2016م، التي كان يقودها بعض القيادات داخل الجيش التركي، وكان على رأسهم قائد الجيش الثاني التركي آدم حدوتي[14]، وبعد فشل تلك المحاولة اتخذت الحكومة المدنية في تركيا بعض الخطوات الأخرى لتقييد دور المؤسسة العسكرية وإخضاعها للسلطة المدنية، وكانت تلك الإجراءات على النحو التالي:

  • جعل منصب وزير الدفاع منصب سياسي، ولا يشترط أن يتولى هذا المنصب شخصية عسكرية، وربط منصبه برئاسة الأركان
  • إجراء تغيير في هيكلة مجلس الشورى العسكري وإضافة العنصر المدني بداخله
  • نقل تبعية قيادات الأمن العام من رئاسة الأركان إلى وزارة الداخلية
  • خضوع النظام الصحي للقوات المسلحة إلى وزارة الصحة، وهو مطلب شعبي لما كانت تتمتع به المؤسسة العسكرية من نظام صحي متميز عن باقي حلقات الشعب المختلفة
  • إغلاق كافة المدارس الثانوية العسكرية والحربية بسبب تسريب الامتحانات من داخل الثانوية العسكرية وإعطائها لعناصر فتح الله جولن
  • نقل المناطق العسكرية والمنشآت العسكرية إلى خارج المدن، حيث نُقِلت الحاميات والمعسكرات، وبدأت القوات بالخروج من مدينتي إسطنبول وأنقرة وكانت هذه أهم وأخطر الخطوات التي اتخذت.
  • إلغاء المحاكم العسكرية العليا، والمحكمة الإدارية العسكرية، وإلغاء كافة المحاكم العسكرية في البلاد ماعدا المحاكم التأديبية

 وبذلك، لم تتراجع سياسة حزب العدالة والتنمية ومقاربته للعلاقات المدنية العسكرية إلى الوراء على الرغم من الضغط العسكري الذي مارسته المؤسسة العسكرية طيلة فترة حكمه، وفي نفس الوقت نجحت حكومة العدالة والتنمية من رفع الكفاءة العسكرية للجيش وتطوير مجال التصنيع العسكري[15].

النموذج الثاني: التجربة الأرجنتينية

تتسم التجربة الأرجنتينية في الانتقال الديمقراطي من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، بطابع التفاوضية التدريجية والتي تمت من قبل النخب السياسية الجديدة لتوفير مجموعة من الشروط أو التفاهمات.

منذ بداية الثلاثينيات من القرن العشرين حتى المنتصف الأول من السبعينات، كانت الأمور في الأرجنتين لم تهدا قط، فقد قام الجيش في هذه الفترة بأكثر من 10 انقلابات عسكرية، فتدهور الاقتصاد نتيجة الإدارة السياسية السيئة في الحكومة وانتشار الفساد في الجيش وتزايد الحصول على القروض الخارجية التي أخذها قادة الجيش ليس لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، ولكن لإقامة مشاريع استثمارية خاصة بهم خارج البلاد، وكثرت المظاهرات ضد الحكومة لسوء إدارتها وزادت الإضرابات في قطاع العمال وزادت أعمال العنف والاحتجاجات ضد الحكومة.

واجه قيادات الجيش كل هذا بقمع شديد تحت شعار ما يعرف بالقبضة الحديدية، وكثرت أعداد المفقودين وقتل واغتصاب المئات من النساء، وقتل العشرات من الأطفال، وحل الجيش البرلمان وقام بإلغاء صلاحيات الإدارة المحلية واستبدال أعضاء مجلس القضاء الأعلى بقضاة مؤيدين للحكم العسكري.[16]

وصلت انتهاكات حقوق الإنسان تحت الحكم العسكري في الأرجنتين برئاسة خورخة فيديلا، إلى أعلى مستوى في تاريخ الأرجنتين، وكان اكثر قطاع تعرض لانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الفترة هو قطاع المرأة الأرجنتينية، فقد خُطف الكثير من النساء واغتصب اغلبهن، ثم أخذ منهن أولادهن بعد الولادة ودفعوا إلى عائلات العسكر أو عائلات موالية لهم ليقوموا بتربيتهم على الولاء للجيش أو يصبحوا جنودا في المستقبل، ومن أغرب الأشياء التي سجلها التاريخ الأرجنتيني تحت الحكم العسكري هو تسييس الرياضة لصالح تثبيت سلطتهم في البلاد، وهذا ما لم يعرفه التاريخ الحديث إلا قليلا أو شبه نادر، كانت هذه إحداها.

ونتيجة لذلك، ظهرت حركات مقاومه كثيرة ضد الانتهاكات لحقوق الإنسان، كان أهمها حركه أمهات المختطفين قسرياً، فقد بدأت بـ 14 امرأة قاموا بالاجتماع والوقوف في ساحه بلازا دي مايو كل يوم خميس عده ساعات أمام القصر الجمهوري للمطالبة بمعرفه أماكن أبنائهن المختفين، ثم زاد عدد الأمهات ولقد لاقت قبولا شعبيا كبيرا من المارة في الشوارع، مما أدي إلي زيادة عدد الرافضين للنظام واتسعت رقعة المسيرات التي تطالب بإسقاط النظام العسكري الذي قابلهم بالقمع والرصاص والقمع والقتل والاعتقالات، إلا إن حركة المعارضة بدأت بالتحرك دوليا، وبدأت تظهر ضغوط دولية متزايدة، كان لها أكبر الأثر في تنحية الحكم العسكري عن سدة الحكم تدريجيا.

ثم تكونت بعض التنظيمات المسلحة لمقاومة وحشية وفساد قيادات الجيش، ومنها الجيش الثوري الشعبي (أي أر بي) (والمنتج نيوز أم بي أم)، وواجه قيادات الجيش هذه التنظيمات المسلحة ببطش وقسوة شديدة ولم يستطع القضاء حماية هؤلاء الثوريين ولا المحامين الذين يقومون بالدفاع عنهم.

ثم نفذ فيديلا “استراتيجية الهروب إلى الأمام”، فقام بالدخول في حرب جزر الفوكلاند بين الأرجنتين وبريطانيا لتحرير الجزر التابعة للأرجنتين، والتي كانت تحتلها بريطانيا، وهذا لصرف الشعب عن الاحتجاجات ضده، وكانت الحرب بطبيعة الحال غير متكافئة، فانتهت بهزيمة قاسية للجيش الأرجنتيني، وتحمل خسائر فادحة وانتصرت فيها بريطانيا واحتفظت بهذه الجزر، وسميت تلك الحرب بأنها أسرع حرب في التاريخ. وأدى ذلك لتردي الأوضاع في البلاد وخاصة الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر، وارتفع الضغط الشعبي مما أدي لزيادة قمع الجيش للشعب، وانتهكت حقوق الإنسان بصورة دامية.

 فازدادت الضغوط الدولية على الأرجنتين نتيجة هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، وأدت هذه العوامل لتنحي الجيش عن مقاليد الحكم لصالح حكم المدنيين بضمانات منها عدم ملاحقة قادة الجيش وتحصين خورخة فيديلا من الملاحقات القضائية، ثم تم تسليم مقاليد الحكم لرئيس مدني منتخب يدعى ألفونسين بعد فتره طويلة من الحكم العسكري للبلاد

 قامت الحكومة المدنية في الأرجنتين مباشرة باتخاذ بعض الإجراءات لتقليص دور وسلطه المؤسسة العسكرية، ومن تلك الإجراءات:

  • تلتزم القوات المسلحة بالدفاع عن البلاد من أي عدوان خارجي واعتبار ذلك دورها الرئيس، وفي بعض الحالات الضرورية يمكن استدعاؤها للمشاركة في أعمال الإغاثة في أوقات الكوارث وتقديم الخدمات اللوجستية في أعمال مكافحه تهريب المخدرات
  • تحويل وزارة الدفاع إلى وزارة مدنية وإنهاء سلطات وصلاحيات جنرالات الجيش في الشركات والمشروعات الاقتصادية التي كانت تخضع للمؤسسات العسكرية من قبل.
  • إقالة 200 جنرال من كبار الجنرالات العاملين من العمل في أجهزة المخابرات، التي أصبحت تتبع رئاسة الدولة مباشرة
  • تخفيض ميزانية الإنفاق العسكري إلى النصف تقريبا مع تخفيض عدد القوات العاملة إلى الثلث.
  • محاكمه العسكريين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة الانقلابات من الرتب العليا “عقيد فما فوق” مع العفو عن الرتب الأقل المتورطة في تنفيذ الانتهاكات “ذلك كون القيادات العليا هي من تعطي الأوامر والقيادات الوسطى والصغرى تنفِّذ فقط”

 تعرضت الأرجنتين نتيجة هذه القرارات التي عملت على تقييد وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة والرقابة المدنية، إلى عده انفجارات متتالية وقف وراءها بعض العسكريين الغاضبين من عملية الانتقال الديمقراطي، وكانت الرسالة واضحة من المؤسسة العسكرية من وراء هذه التفجيرات، و هي أنه لن تنعم الأرجنتين بالاستقرار اذا استمر الرئيس ألفونسين في عمليه العدالة الانتقالية، وكان عليه أن يراجع نفسه و يختار بين الاستمرار في تطبيق مقتضيات العدالة الاجتماعية والقصاص من المجرمين، وبين التراجع لدرء خطر انقلاب عسكري جديد على التحول الديمقراطي، وتأمين الإجراءات الحثيثة التي كان قد بدأها لإعادة الحياه الديمقراطية وإنعاش الاقتصاد الأرجنتيني والحفاظ على المكتسبات الجزئية التي حققها المدنيون في مواجهه القوات المسلحة.

 فاختار أن يتراجع أمام ضغط القوات المسلحة وقام بإصدار قانون عفو عن ضباط الرتب الوسطى عرف باسم قانون نقطه النهاية والطاعة الواجب، ولكن أدي ذلك لحالة من الغضب الشعبي المتصاعد ولاسيما في القطاعات الأكثر تضررا من الحكم العسكري وحركت عدة قضايا في محاكم دول أخرى وأمام المحاكم الدولية ضد المنتفعين من قانون العفو.

 مع فترة انتهاء حكم ألفونسين في 1989، تسلم الرئيس كارلوس منعم الحكم عام 1990، حيث اتسمت الملامح العامة لعملية إدارة العلاقات المدنية العسكرية خلال فترة رئاسته باللين مع المؤسسة العسكرية، وذلك لتجنب الاحتكاكات معها، مع عدم الإخلال بالقواعد الرئيسية التي وضعها الرئيس السابق. قام كارلوس منعم بترسيخ علاقات مدنية عسكرية تقوم على الثقة المتبادلة وفي اطار ذلك قام بإصدار عفو عام عن الجنرالات والضباط من الرتب الأقل الذين ساهموا في القتل وانتهاكات حقوق الإنسان، وقام بعفو جزئي عن بعض قيادات الجيش من عقوبة السجن مدى الحياة إلى الاعتقال المنزلي، ولكن فهم بعض قيادات الجيش الرسالة بطريقه خاطئة، فقاموا بتنظيم تمرد عسكري بقصد اختبار قوة الرئيس، فما كان منه إلا أن أصدر أوامره لقيادة القوات المسلحة بالتصدي لهذا التمرد وتصفيته بقوة وبحسم، وألغى التجنيد الإجباري، وخفض عدد الجيش مع الاستمرار في رفع كفاءة ونوعيه التسليح، وعمل على تخطيط ميزانية الإنفاق العسكري فيما يسمح بتحرير موارد مالية أكبر لتمويل التنمية المجتمعي.

جدير بالذكر، أن كارلوس منعم قد واجه في فتره حكمه ضغوطا كثيرا من الولايات المتحدة لتوسيع دور القوات المسلحة في مكافحة تهريب المخدرات، لكنه التزم بما كان قد استقر في فترة حكم الرئيس السابق له ألفونسين، وهو أن يقتصر دور القوات المسلحة على مجرد تقديم الإمدادات اللوجستية فقط، وأن تتولى قوات الشرطة وحرس الحدود والسواحل مسؤولية الحرب على مهربي المخدرات. وفي فترة حكم كارلوس منعم، اتجهت السياسة الخارجية للأرجنتين إلى عقد سلسلة اتفاقيات للتعاون وتسوية النزاعات الحدودية مع جارتيها شيلي والبرازيل، وهو ما سمح للقوات المسلحة أن تلعب أدوارا مهمة عالميا في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وفي أعمال الإغاثة، خصوصا خلال انتشار وباء الكوليرا في بعض المناطق في عام 92/ 1993.

ومع مرور الوقت، تحسنت العلاقات المدنية العسكرية لصالح المدنيين في الأرجنتين، وازدادت سيطرتهم على المؤسسة العسكرية وألغى قانون العفو الذي أصدره الرئيس منعم، بالإضافة للقانونيين “نقطه النهاية والطاعة الواجبة” وهكذا ظلت الأمور حتى فتره 2007 في تدرج من الحكم العسكري إلى الحكم المدني.

 ومما سبق يتضح أن تجربة الأرجنتين والتعامل مع الحكم العسكري رغم نواقصها وعيوبها إلا أنها تعتبر نموذجية على المستوى الدولي، حيث تمت ملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات ضمن النظام القضائي الأرجنتيني، وتم محاكمة الرئيس خورخي فيديلا وتوفي عن عمر ناهز 87 عاما أثناء قضائه عقوبة السجن على خلفية جرائم ضد الإنسانية وتم التعزيز من سيطرة القوة المدنية على السلطة.[17]

النموذج الثالث: التجربة الإسبانية

‏بعد الحرب العالمية الثانية اجتاحت أوروبا حركات تحول ديمقراطي، إلا أن إسبانيا كانت بعيدة عن الديمقراطية والحداثة ‏فلم يمنح فرانكو رئيس إسبانيا فرصة الانضمام للناتو ولا لمجلس أوروبا، إلا أنه سمح بالانضمام إلى الأمم المتحدة سنة 1955. جدير بالذكر هنا، أن الوضع الخاص للجيش الإسباني حيث كان يتسم بدوره الخاضع لنظام فرانكو وغياب الأيديولوجية ‏مما سهل الأمر كثيراً بعد عملية الانتقال الديمقراطي، لرقابة وخضوع المؤسسة العسكرية للمدنيين، ويمكن القول إن هناك عوامل ساعدت على هذا الانتقال في التجربة الإسبانية:

  • مدنية النظام، فبالرغم من أن نظام فرانكو كان نظاما سلطوياً، إلا إنه كان مدنياً
  • من النقاط الهامة في التجربة الإسبانية، التدرج في مسار الديمقراطية، حيث تم التفاوض بين كل من النخب العسكرية والمدنية.
  • ‏التأييد الشعبي للتحول الديمقراطي، وهو من العوامل المهمة التي يعول عليها في عملية التحول الديمقراطي، حيث إنه في عدم وجود هذا التأييد من الصعب جدا على النخب المدنية تسهيل عملية التحول ديمقراطي
  • ‏اتحاد واتفاق القوى السياسية المدنية الإسبانية في تدعيم عملية التحول الديمقراطي، إلا أنه في أغلب البلاد العربية غالبا ما تفشل عملية التحول الديمقراطي لعدة أسباب، من ضمنها صراع القوى السياسية وتشتتها.

يمكن القول إن التحول ديمقراطي الحقيقي في إسبانيا قد بدأ بالفعل بشكل حقيقي، خصوصا بعد وفاة الديكتاتور فرانكو في 1975، خاصة أنه قبل وفاته سمح لعودة ‏النظام الملكي في شخص الملك كارلوس، الأمر الذي ساعد في ظهور العديد من الأحزاب السياسية التي ساهمت في عملية تدعيم التحول الديمقراطي، ولإعادة صياغة وصلاح مفهوم العلاقات المدنية العسكرية ولا ننسي أن الدعم الدولي من الأسباب المهمة في التحول الديمقراطي، حيث انه في غياب الدعم الدولي يمكن أن ينشأ العديد من العراقيل والصعوبات التي تبطيء عملية التحول الديمقراطي، ولكن لا يجب أن ننسى أنه في حال وجود ضغط شعبي ومؤسسي كبير على السلطة الحاكمة سوف يساعد ذلك على إجبار الموقف الدولي على التغير لصالح التحول الديمقراطي. [18]

كيف تم إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية في إسبانيا:

  • إنشاء وزارة الدفاع بشكل جديد، وأصبح منصب وزير الدفاع منصب سياسي، ساعد ذلك الأمر في ترسيخ السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية، وتم إعادة تعريف أدوار ومهام القوات المسلحة في الدستور، ونصت المواد المتعلقة بالجيش الإسباني على أن أدوار (حماية الأراضي الوطنية، ومنع وصد العدوان الخارجي، والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية، وإخضاع ميزانية الجيش للرقابة المدنية على كافة الأنشطة)
  • العامل المهم الذي أدى إلى حدوث انتقال ديمقراطي في إسبانيا، هو ظهور جماعة يطلق عليها (السنهدرين). جماعة السنهدرين هي جماعة تتكون من مدنيين تأسست في نهاية السبعينات تألفت من مجموعة من الأكاديميين والبيروقراطيين استخدموا المصادر الأكاديمية والدورات التعليمية القصيرة، وبعد الانضمام إلى الناتو في عام 1982 أخذوا الخبرة في التدرب من خلال مركز الحلف في بلجيكا. باختصار، فقد كانوا إلى حد كبير مجموعة من العصاميين وتعلموا في الميدان ومن خلال الفرص المتاحة. وقد تواصل هؤلاء المدنيون مع مجموعة صغيرة من الضباط وأعادوا معا تعريف العلاقات المدنية-العسكرية. مما ساعد على وضع القوات المسلحة تحت سيطرة مدنية ديمقراطية. ولترسيخ السيطرة المدنية عليها للقيام بهذا الأمر، قامت تلك المجموعة بوضع خطه لكسب تأييد القوات المسلحة من اجل السماح للقيام بتلك التعديلات، حيث قدمت ضمانات للمؤسسة العسكرية بشأن وحدة إسبانيا، وتوطيد النظام الملكي، وتحديث القوات المسلحة من خلال شراء معدات جديدة والقيام ببرنامج تدريب جديدة، فعلى سبيل المثال، وافقت رئاسة الوزارة المدنية في يناير 1977 على رفع ميزانيات الدفاع إلى 31% كل عام على الرغم من أن إجمالي الزيادة خلال تلك الفترة من 1971-1976 كانت 20% فقط”.
  • الخطوة الأصعب بالنسبة لجماعة السنهدرين كانت هي إنشاء وزارة الدفاع وتعيين وزير دفاع مدني في ظل رفض كبير من داخل المؤسسة العسكرية ‏لرئيس مدني وترجيح عسكري كونه من ذات الخلفية إلى أنه على الرغم من ذلك في عام 1977 قررت جماعة السنهدرين ‏ومجموعة من الضباط ‏السير على نهج الدول الديمقراطية. كانت وزارة الدفاع في البداية وزارة جوفاء إلا أنها بدأت تعمل تدريجيا في القضايا المتعلقة بالميزانيات والموظفين ووضع السياسة الدفاعية، وبعد عام 1979 تولى وزير مدني السيطرة على الوزارة.[19]
  • كان العنصر الرئيسي للسيطرة المدنية والرقابة المدنية على الجيش الإسباني، هو إنشاء هيئة الأركان المشتركة، حيث ‏أصبحت هيئة استشارية سنة 1984 ‏وليست هيئة قيادية. ‏ومنذ ذلك التاريخ أصبحت وزارة الدفاع وزارة ديمقراطية كغيرها من الوزارات تخضع للسلطة العليا (المدنية)‏، والعمل على تحرير باقي مؤسسات الدولة من الوجود العسكري، وذلك عن طريق سن بعض القوانين الهامة التي تحدد أدوارها. ففي عام 1978‏، تم وضع القانون الأساسي للدفاع الوطني، وتم فرض الرقابة البرلمانية على السياسة الدفاعية من خلال لجنة الدفاع، وبالطبع فقد حدث رد فعل مضاد لتلك التحولات، حيث قام بعض أفراد المؤسسة العسكرية بانقلاب واحتجاز رئيس الوزراء، إلا أن تلك المحاولات فشلت وخرج الملك كارلوس بوصفه قائد ‏القوات المسلحة بدعم الديمقراطية وإدانة ‏الانقلاب ومن ذلك تعلم المدنيون درساً، وهو الاعتدال في استراتيجيات السيطرة المدنية العسكرية، حتى لا يشعر العسكريون بتهديد كبير ويقوموا بالانقلاب على عملية الانتقال الديمقراطي وهي ما زالت في مهدها.[20]

النموذج الرابع: تجربة البرازيل:

كان من أهم الصلاحيات التي يتمتع بها الجيش البرازيلي، أن القوات المسلحة البرازيلية هي المكلفة بحماية مضمون القانون والنظام الدستوري لحماية النظام، وكان الجيش يسيطر على وكالات الاستخبارات الرئيسية، وكان مسؤولا أيضا عن الرقابة على المشرعين القانونيين، وكان الجيش هو المسئول عن الخدمة الفعلية، وكان يقدم الضباط الرتب العليا في مناصب السلطة التنفيذية، وعدم وجود وزارة الدفاع وعدم وجود تشريعات روتينية أو دراسات مفصلة من قبل الكونغرس خصوصا في المسائل الخاصة بالأمن الوطني، وغياب تام لتأثير الكونغرس على الترقيات الخاصة بإجراءات العسكرية، القوات الخاصة بالشرطة كانت تحت قياده القوات المسلحة، كانت القوات المسلحة لديها الحق في اعتقال المدنيين دون إصدار أوامر قضائية، وكان اقتصاد الجيش البرازيلي متغلغل بشكل كبير في المناطق الاقتصادية الخاصة بالمدنيين مثل النقل البحري والطيران وغيرها.

الخطوات التي اتخذنها الحكومة المدنية لإخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية:

عملت الحكومة البرازيلية المدنية التي جاءت من الفترة 1985 إلى عام 2000، على أن تعيد هيكلة العلاقات المدنية العسكرية وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات، وكانت تلك الإجراءات على النحو التالي:

  • تقليص الميزانية العسكرية حيث أصبحت الميزانية العسكرية لها وضع آخر غير الوضع المعتاد، حيث نجد أن الاهتمام بالإنفاق العسكري كان له أولوية أقل عند السياسيين، استخدم تقليص الميزانية العسكرية كنوع من أنواع السيطرة السياسيين المدنيين على الجيش.
  • الإضرابات الخاصة بحقوق العمال، فنجد أن المؤسسة العسكرية كانت تفرض سيطرتها ليس على الأمور والشؤون السياسية فقط، بل على الأحوال الاقتصادية وتمنع الاحتجاجات العمالية، ولكن بعد عام 1985 بعد الإضراب الخاص بالعمال كان يعتبر دليل على تقليص سلطات الجيش والتوجه نحو الديمقراطية، حيث كانت المؤسسة العسكرية سابقا ترى أن إضراب العمال هو عائق أمام الاستقرار الاقتصادي، الذي سوف يؤثر عليها في النهاية، لذلك كانت قد أصدرت بوقتها قانون من شأنه منع الإضرابات العمالية: إما من خلال منع الأجور أو تخفيض الضمان الاجتماعي الخاص به، ولكن ما حدث أنه تم رفع تلك القوانين، ولم يعد يتم العمل بها وأصبح للمدنيين اليد العليا على الاتحاد العمالي.
  • إنشاء وزارة للدفاع لأول مرة في تاريخ الجيش البرازيلي، وإخضاع نشاطها وميزانيتها للسلطة المدنية، وللرقابة البرلمانية “بشكل جزئي”.

جدير بالذكر أنه لم يتقلص دور الجيش البرازيلي بالشكل الكبير المطلوب للتحول والانتقال الديمقراطي، وحتى وقتنا الحالي ما زال الجيش في البرازيل يتمتع بامتيازات إلى حد ما، ولكن على الرغم من ذلك إلا أنه استطاعت القوى المدنية أن تنجح بالقيام بالعديد من الخطوات التي عملت على تقليص سلطة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة[21]

‏ النموذج الخامس: تجربة تشيلي:

تجربة تشيلي متشابهة إلى حد كبير مع البرازيل، حيث قام الجيش بالموافقة على التفاوض لحكومة مدنية، ولكنه سيطر على شروط التفاوض وحافظ على ‏مكانته وامتيازات كبيرة إلى فترة طويلة إلى حد ما، وهو ‏الأمر الذي صعب مهمة الحكومات المدنية التي تصل إلى سدة الحكم، لأنهم يصبحون في مواجهة جيش ما زال لدية رغبة في الحكم والعمل السياسي.

فعلى سبيل المثال وضع دستور 1980م، آلية من شأنها أن تضمن الاستمرارية في السلطة للقادة العسكريين، والقائد العام للقوات المسلحة يظل حتى عام “1997 أوغستو بينوشيه” بعد خروجه من الحكم. تم إنشاء مجلس الأمن القومي الذي استحوذت المؤسسة العسكرية فيه على أغلبية المقاعد، وتحديد حد أدنى من الميزانية للقوات المسلحة ولا يستطيع رئيس الجمهورية عزل قيادات من الجيش إلا بموافقة قائد القوات المسلحة الذي تم تحصينه من العزل لمدة 4 سنوات‏، وكذلك الأمر ‏ بالنسبة للسلطة القضائية فقد ضمن تقدم القانون الأساسي للقوات المسلحة بالحفاظ على ميزانية مستقلة.

 كيف تم إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية؟

 أدت السياسة القمعية لبينوشيه إلى الإضرابات العمالية والاعتصامات، التي سرعان ما تحولت إلى مسلحة. ونتيجة القمع المفرط الذي استخدم من قبل القوات المسلحة، استغلت الأحزاب المعارضة الأمر وقامت بتشكيل ما يعرف باسم “جبهة الوفاق الوطني”، بدأت الجبهة في التحرك السياسي لتوعية المواطنين بحقوقهم والضغط على صانع القرار ومؤسسات الدولة للسماح بقدر أكبر من الديمقراطية.

في عام 1988، كان موعد الاستفتاء لتجديد فترة رئاسة “بينوشيه”، وقد استغلت المعارضة هذه الفرصة وحشدت جماهيرها للتصويت بـ “لا” والضغط على النظام لمحاولة الحصول على ضمانات كافيه للتأكد من صحة الاستفتاء. تزامن مع ذلك إصدار الحكومة التشيلية ونتيجة ضغط قوى المعارضة، قانون جديد للانتخابات يسمح لأي حزب يجمع 35 ألف توقيع أن يكون له مراقبون أثناء عملية الاقتراع، ويمنح 15دقيقة كل ليلة على التليفزيون طوال 4 أسابيع قبل التصويت، وبدأت على إثره أحزاب المعارضة التشيلية في جمع التوقيعات اللازمة، حيث استطاع الحزب الاشتراكي التشيلي جمع التوقيعات اللازمة بعد أن وعدوا المواطنين بأنهم سيقولون (لا) لـ “بينوشيه” نجحت المعارضة في الاستفتاء الذي جاء بنتيجة 55% لا ل “بينوشيه” تم تسريب الخبر من خلال إذاعة راديو محلية خاصة، ثم أكده تصريح مقتضب من وزير الداخلية مساء نفس اليوم، وبذلك توجب على “بينوشيه” الرحيل وتسليم السلطة، ليعلن الشعب التشيلي نجاحه في إسقاط الطاغية بطريقة ديمقراطية سلمية.، وكان من بين القرارات الحاسمة التي أجبرت بينوشيه على قبول نتيجة الاستفتاء، أن جزءا داخل المؤسسة العسكرية أقر بفوز التصويت بـ “لا”، ومنهم قائد القوات الجوية.

بعد هزيمة “بينوشيه” في معركة الاستفتاء، بدأت القوى المعارضة بالعمل على تعديل الدستور بالتفاوض مع الحكومة وقد توصلوا إلى اتفاق، ألا وهو:

 تعديل المادة 54 في الدستور، أتاحت هذه المواد تنظيم الانتخابات على أسس حرة ونزيهة وإعطاء حرية أكبر لإنشاء الأحزاب ومشاركة المواطنين في الحياة السياسية بشكل عام. إلا أن هذه التعديلات حافظت في الوقت ذاته على امتيازات المؤسسة العسكرية بما فيها تحصين “بينوشيه” مدى الحياة من خلال عضويته الدائمة في مجلس الشيوخ، وتم طرح هذه المواد في استفتاء عام على الشعب وحصد أغلبية كبيرة تمثلت بـ 85% من أصوات الناخبين.

وفي العام 1989، خاض المعركة الرئاسية “باتريسيو الوين” رئيس الحزب الديموقراطي المسيحي (تأسس عام 1957) حيث فاز فيها أمام منافسه “هيرنان بوتشيه” الذي كان أحد وزراء حكومة “بينوشيه”. وظل “بينوشيه” متمتعا بحصانته حتى عام 2004 حتى تم احتجازه في لندن بسبب وجود دعاوى انتهاك حقوق الإنسان لم تسقط بالتقادم، وهو ما شجع القضاء التشيلي لمراجعة القوانين الداخلية الخاصة بالعفو الجنائي وإعادة تفسيرها لتتماشى مع القوانين الدولية الخاصة بالتهم الجنائية التي لا تسقط بالتقادم، ومن ثم بدأ في التحقيق مع “بينوشيه” عندما وجهت له اتهامات رسمية لدوره في عمليات الاختطاف والاختفاء في تشيلي صاحب ذلك اعترافات رسمية من الجيش بارتكاب جرائم التعذيب والاختفاء القسري للمواطنين، ولكن “بينوشيه” قد توفي في عام 2006 قبل انتهاء المحاكمة. إن كان “بينوشيه” قد توفي قبل أن يصدر ضده حكم فان الديمقراطية التي شهدتها تشيلي بعده كانت المكسب الأكبر للشعب التشيلي، ففي عام 2005 قامت القوى المدنية في تشيلي بإصلاح دستوري، تضمن ما يلي:

  • إزالة حق ‏الجيش في حماية النظام المؤسسي للدولة، لأن الجيش كان يستغل هذا الحق، الذي كان ينص عليه الدستور للتدخل واحتكار الحياة السياسية.
  • منح الرئيس الحق في عزل قادة القوات المسلحة.
  • إنهاء سيطرة الجيش على مجلس الأمن القومي.
  • إخضاع ميزانية الجيش للرقابة البرلمانية.
  • إلغاء مسألة أعضاء مجلس الشيوخ المعينين والتي تشمل القادة المتقاعدين من كل أفرع القوات المسلحة، بالإضافة إلى انه تم بذل جهد ‏تثقيفي وتعليمي داخل الجيش من أجل أن يفهم ويتصرف أعضاء المؤسسة العسكرية وفقا لأصول التحول الديمقراطي، بشكل عام فإن أمريكا اللاتينية انتهجت النهج التدريجي كأغلب تجارب التحول الديمقراطي في التعامل مع المؤسسة العسكرية [22].

النموذج السادس: تجربة إندونيسيا:

بدأ إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية في إندونيسيا بمبادرة من الجيش، بعد الإطاحة بالرئيس سوهارتو عام 1997م، ثم أكمل النظام السياسي إدارة الإصلاح العسكري. ومع ذلك، فعلى الرغم من الإنجازات الإيجابية في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، فمازال الجيش لا يخضع لسيطرة مدنية كما هي الحال في الدول الديمقراطية.

بدأ الإمر بإصلاح المؤسسات الأمنية في إندونيسيا على يد النخبة نفسها من الجنرالات والعسكريين. وافق هؤلاء على عدة إصلاحات دستورية وقانونية، مثل فصل الشرطة عن الجيش، وقطع علاقتها مع ذراعها المدني المتمثل في حزب سوهارتو، ومنع العسكريين من تولي الوظائف المدنية أثناء خدمتهم، والوقوف على الحياد في انتخابات 1999، وحتى القبول بتقليل المقاعد المخصصة للجيش في البرلمان.[23]

لكن هذه الإصلاحات المؤسسية لم تقترن برغبة حقيقية في تغيير وضع الجيش على أرض الواقع؛ فحافظت المؤسسة العسكرية على استقلالها عن الحكومة المدنية؛ ولم تتنازل عن نظام «الكوتر» الذي يجعل لكل وحدة إدارية مدنية (من المستوى الوطني حتى مستوى القرى) وحدة عسكرية موازية؛ وحافظت على حصانة الضباط المتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان من الوقوف أمام محاكم مدنية؛ ولم يحدث تغيير يذكر في سيطرة الجيش على قطاع كبير من اقتصاد إندونيسيا، ودخوله منافساً في الكثير من الأنشطة التجارية، إلا انه في عهد الرئيس عبد الرحمن وحيد (1999-2001) قد حققت العلاقات المدنية-العسكرية في إندونيسيا تقدماً مهما للغاية.

فعندما تولى السلطة، بدا الرئيس وحيد عازماً على الشروع في عملية إصلاح جذرية للمؤسسة العسكرية، وفرض السيادة المدنية على المجال السياسي، قد كان أبرز مثال على ذلك: إنشاء أول جهاز تنفيذي منتخب منذ عام 1955، واستبعاد قطاعات واسعة من نخبة النظام السابق من الحكومة، وسعى إلى تهميش وجود القوات المسلحة في البيروقراطية الرئاسية، وتم تعيين أكاديمي مدني يحوز احتراما على نطاق واسع كوزير للدفاع (وهو أول وزير دفاع مدني منذ أوائل الخمسينيات).

كما حل وكالة الأمن الحربي ذات السمعة السيئة لأنشطتها في المراقبة السياسية، والغي المكاتب السياسية والاجتماعية في وزارة الداخلية، المعقل التقليدي للجيش كما فصل قوات الشرطة عن القوات المسلحة الإندونيسية في عام 1999.[24] ولذلك فقد تغيرت مهام القوات المسلحة الإندونيسية، ولم تعد مسئولة عن المهام غير الدفاعية. كما أزاح وحيد أيضا العديد من جنرالات الجيش، الذين وصلوا إلى مرتبة الصدارة تحت حكم سوهارتو، بالإضافة إلى تقليص دور القوات المسلحة في مجلس النواب ثم تم إلغاؤه في انتخابات عام 2004، وتم إنهاء الأعمال التجارية التي يسيطر عليها الجيش بحلول عام 2009.

برغم كل هذه الإجراءات، ظلت المؤسسة العسكرية في إندونيسيا وإلى وقتنا الحاضر، ذات تأثير وتلعب بقوة في المشهد السياسي والاقتصادي، لم يتحقق خضوع حازم للقوات المسلحة لوزارة الدفاع للرقابة المدنية، كما لم يتحقق إصلاح فعلي لنظام تمويل القوات المسلحة (لا سيما من خلال تحسين الرقابة على مؤسساتها الاقتصادية) لذلك تعتبر التجربة الإندونيسية لم تحقق تحولا ديمقراطيا حقيقا إذ ما زالت المؤسسة العسكرية ذات صلاحيات واسعه ليست من وظيفتها الأساسية.

من الجدير بالمشاهدة من خلال قراءة التجربة الإندونيسية، وطبقاً للمعادلة التي تقول “طول أمد الانقلابات العسكرية والأنظمة المستبدة يقابله انخفاض في طلبات الساعين إلى الديمقراطية”، فحكم سوهارتو ظل إلى ما يزيد عن ثلاثين عاما بقليل، وكان خروج سوهارتو من الحكم أقصى أماني الساعين نحو التغيير، وقد تفهم الجيش هذا وتيقن أن المشكلة فقط في سوهارتو وعدد قليل من معاونيه، وأن خروجه سيرضي جماعات التغيير وجموع الشعب الذي ذاق من سوهارتو أصناف العذاب والتنكيل، ولذلك قام الجيش من باب هذا الفهم والتيقن، بإخراج سوهارتو من الحكم، وتقديره لمجريات الأحداث التي كانت ستلحق بذلك الخروج والتي تمت بالفعل، فرضى الشعب وجماعات التغيير، وإلى الآن هم راضون، ولكن يظل الجيش الإندونيسي هو المتحكم الفعلي في مجريات الأمور والمسيطر على كافة الملفات. ولذلك يجب على الدارسين في حقل العلاقات المدنية العسكرية ومستخلصي الدروس والعبر من دراسة تجارب الانتقال الديمقراطي، أن يتعلموا من الخطأ الذي وقع فيه الساعون إلى التغيير في إندونيسيا.


الهامش

[1] [Rebecca L. Schiff, “civil–military reconsidered: A theory of concordance“, Armed forces and society , vol 22, No.1, fall 1995 ,pp7-29.

[2] أحمد علي أوغلو، الجيش والمنظومة السياسية أثناء وبعد الانتقال السياسي: حالة السودان والجزائر، الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر 6 يونيو 2019م، تاريخ الدخول 14 يوليو 2021م، الرابط

[3] يتقدم الباحث بوافر الشكر للدكتورة نورة الحفيان على مساهمتها المهمة في تحرير وصياغة هذا المبحث من الدراسة، وتوفير المصادر المتخصصة باللغة الفرنسية والتي كان لها دورها الكبير في إثراء البحث.

[4]. الأمن الجماعي يعني أن أمن طرف واحد يهمّ جميع الأطراف الفاعلة، ما يدفعها للاستجابة الجماعية للتهديدات ولانتهاكات السلام.

[5] حكم القطاع الأمني في مصر: العلاقات المدنية العسكرية تحت المجهر، مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، تاريخ النشر 2-4 أبريل 2014، الرابط

[6] – Contrôle parlementaire du secteur de la sécurité : Disséminer les meilleures pratiques dans les Etats membres de la CEDEAO Atelier parlementaire régional Accueilli par l’Assemblée nationale du Mali et organisé conjointement par le Centre pour le contrôle démocratique des forces armées – Genève (DCAF), l’Union interparlementaire (UIP) et le Réseau africain du secteur de la sécurité (ASSN) Bamako, 28 et 29 novembre 2011, Disponible sur le lien suivant : http://archive.ipu.org/splz-f/bamako11/report.pdf

[7]– Bastien Irondelle, Olivier Rozenberg, et d’autres : Evolution du contrôle parlementaire des forces armées en Europe, Op. Cit, P : 9, Disponible sur le lien suivant : https://hal.archives-ouvertes.fr/hal-02290568/document

[8]– Hans Born, Philipp Fluri, Simon Lunn (Eds.) : Contrôle et Orientation : La Pertinence du Contrôle Parlementaire pour le Secteur de la Sécurité, Op.Cit, P : 9.

[9] – Contrôle parlementaire du secteur de la sécurité: Principes, mécanismes et pratiques, Centre pour le contrôle démocratique des forces armées – Genève, Guide pratique pour les parlementaires, N°5 – 2003, Disponible sur le lien suivant : http://archive.ipu.org/PDF/publications/decaf-f.pdf

[10] د. طارق عبد الجليل، الدستور في تركيا من القبضة الحديدية الى دستور بلا عسكر، القاهرة، دار نهضة مصر، 2013.

[11] التطور التاريخي للدساتير التركية (3): الجزء الثاني: دستور 1962، ترك برس، تاريخ النشر 09 سبتمبر 2015م تاريخ الدخول 14 يوليو 2021م، الرابط

[12]  دستور تركيا الصادر عام 1982 شاملاً، الرابط

[13] رسالة ماجستير دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا أثناء فترة حكم حزب العدالة والتنمية (2003_2010)، إعداد الطالب زيد أسامه احمد الرحماني

[14] الجيش التركي: خريطة معلوماتية أولية، محمود جمال، المعهد المصري للدراسات، الرابط

[15]موقع رؤية تركية العلاقات المدنية العسكرية في عهد حزب العدالة والتنمية، رمضان أكير ويوسف أوزكير تاريخ النشر 01/03/2018، تاريخ الخول 01 يوليو 2021م، الرابط الرابط

[16] كتاب التجربة الأرجنتينية: تحديات الإصلاح السياسي والاقتصادي، إسماعيل صادق، الرابط

[17] العدالة الانتقالية في النموذج الأرجنتيني: نضال من أجل المساءلة صلاح الدين بوجلال، asjp، تاريخ النشر 18 يوليو 2018م، تاريخ الدخول 14 يوليو 2021م، الرابط

[18] النماذج والدروس: العلاقات المدنية العسكرية، النموذج الإسباني، علاء الدين عرفات، المركز العربي للبحوث والدراسات، تاريخ النشر 16 إبريل 2016م، تاريخ الدخول 14 يوليو 2021م، الرابط

[19] المعجزة الإسبانية.. عندما تتغلب إرادة الشعب على الديكتاتور وحاشيته، ميدان، تاريخ النشر 11 يناير 2021م، تاريخ الدخول 14 يوليو 2021م، الرابط

[20] النماذج والدروس: العلاقات المدنية العسكرية، مساهمة في وضع نموذج مصري، المركز العربي للبحوث والدراسات علاء الدين عرفات، الرابط

[21] إثر العلاقات المدنية العسكرية على التحول الديموقراطي في البرازيل، د منى عقيل الرابط

[22] الصفحة الرسمية لمشروع أكاديمية الدستور تاريخ النشر 12/11/2014 احمد عصام، الرابط

[23] النماذج والدروس: العلاقات المدنية العسكرية مساهمة في وضع نموذج مصري النموذج الإندونيسي، علاء الدين عرفات، المركز العربي للبحوث والدراسات، تاريخ النشر 16 مارس 2016م، تاريخ الدخول 05 يوليو 2021م، الرابط

[24] التحول الديمقراطي في إندونيسيا: من الاستبدادية إلى الديمقراطية الوليدة ناديه عبد الحميد تاريخ النشر 22/07 /2020، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close