fbpx
دراساتمجتمع

اللارسمية كنمط للعيش: منافع متبادلة مع الدولة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

في الجزء السابق من هذه الورقة قمت أولا باستكمال المدخل النظري المقدم في الجزء اﻷول منها مع تطويعه للاستخدام في تناول العمران اللارسمي الذي هو موضوع الجزئين الثاني والثالث التطبيقيين. وتعرضت أولا للأوجه المختلفة للارسمية في اﻹسكان في مصر، وعلى وجه التحديد تناولت تصنيف هذا اﻹسكان إلى ثلاثة تمظهرات رئيسية هي اﻹسكان اللارسمي الناشيء عن البناء على اﻷرض الزراعية، والمناطق التي اكتسبت صفة العشوائيات فقط ﻷن المدينة نمت لتحتويها، وعشوائيات تدهور البيئة المبنية.

تختلف هذه اﻷنماط من حيث تاريخ تشكلها وأسبابه. فالبناء على اﻷرض الزراعية شكل تمددا اضطراريا للمدينة مع نموها السكاني الطبيعي والناجم عن الهجرة الداخلية إليها من اﻷقاليم، مع عدم إمكان ملاحقة التمدد المخطط له على الظهير الصحراوي لهذا النمو ليس من حيث كفاية الوحدات السكنية المتوفرة فحسب ولكن من حيث ملائمة هذه الوحدات للقدرات المالية المحدودة لغالبية أصحاب الطلب عليها، ومن حيث ملاءمة مواقع الإسكان المخطط له مع نمط خلق فرص العمل المستجدة بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات. في المقابل لم تكن المناطق المنتمية إلى الفئة الثانية جزءا من عمران المدينة حتى يمكن تسميتها بالعشوائيات حتى نمت المدينة لتحتويها فتتغير قيمتها الاقتصادية بتغير أنماط الاستخدام المتاحة لها، ومن ثم فاعتبارها مناطق عشوائية هو باﻷساس تبرير لتفريغها من سكانها الحاليين تمهيدا لإدخالها في إطار تنمية عمرانية أكثر ربحية. وأخيرا بالنسبة للمناطق من الفئة الثالثة، برغم انتمائها إلى قلب المدينة منذ نشأتها، فقد شهدت تدهورا في بيئتها العمرانية نشأ عن تدني القدرات المالية لسكانها مع التحولات الاجتماعية التي اجتذبت السكان ميسوري الحال إلى مناطق إقامة أخرى.

تناول الجزء السابق بعد ذلك نمط العمران الحديث وارتباطه بالدولة الحديثة وتقنيات ممارستها للسلطة وبصفة خاصة تقنيات الضبط والسلطة الحيوية. واستعرضت في هذا القسم نماذج لمناطق اﻹسكان الرسمي التي نشأت في مصر مع نشاة الدولة الحديثة بها في عهد محمد على وأسرته ثم في عهد الجمهورية بعد 1954 وحتى اليوم. وإذا كنت قد ربطت في هذا القسم بين نمط العمران الرسمي وبين تقنيات ممارسة السلطة كما بينها ميشيل فوكو فإنني في القسم التالي الذي افتتح به هذا الجزء أنتقل إلى النظر في تاريح تطور هذا العمران الرسمي من خلال أثر تفاعل ثلاثة حقول رئيسية هي الحقول السياسي والبيروقراطي والاقتصادي، وهو تحليل أعتمد فيه على المفاهيم النظرية لبيير بورديو.

شركات المقاولات في مصر

تقاطع السياسي، البيروقراطي، والاقتصادي

تنتج الملامح التفصيلية لنماذج العمران الحديث في مصر عن التفاعلات الداخلية لثلاثة حقول رئيسية هي الحقول السياسي والبيروقراطي والاقتصادي، وعن تقاطع عمل هذه الحقول الذي يحدد وزن كل منها فيه تفاعلات حقل السلطة؛ أي اﻷوزان النسبية للاعبين الرئيسيين في هذه الحقول في الصراع على الهيمنة على الدولة وتوجيهها. وعلينا قبل مناقشة هذه التفاعلات داخل الحقول الثلاثة وبينها اﻹشارة إلى أن مفهوم الحقل السياسي الذي نحن بصدد استخدامه هنا نظرا لغياب الممارسات الديموقراطية التقليدية عن الواقع المصري خلال تاريخ مصر الحديث بصفة شبه تامة، يتعلق باﻷساس بمجموع المواقع الموضوعية والعلاقات بينها الذي يتمحور حول نشاط العمل على استقرار السلطة السياسية بالحصول على أكبر قدر من الانصياع الطوعي للجماهير. بمعنى آخر ما يميز الحقل السياسي في سياق تغيب عنه اللعبة الديموقراطية هو أن اللاعبين فيه سواء كانوا أفراد أو مؤسسات يدور نشاطهم الأساسي حول إحداث أو إبقاء توازنات مختلفة تسمح بأن يكون للنظام الحاكم شرعية جماهيرية كافية لاستمراره في الحكم.

في الفترة اﻷولى لنشأة الدولة الحديثة في مصر كان الثقل اﻷكبر للاعبي الحقل السياسي الذي توجه اهتمامه إلى إنشاء عمران يعكس أولا النموذج المختلف للدولة المنقطع عن عهدها السابق، ما قبل الحداثي، ويتوجه ثانيا لتلبية متطلبات الطبقة المتوسطة التي نشأت مع نشأة الدولة الحديثة وتكونت من موظفي وضباط بيروقراطيتيها المدنية والعسكري، إضافة إلى متطلبات الطبقة اﻷرستقراطية النامية حول اﻷسرة الحاكمة. ثقل الحقل الاقتصادي في هذه الفترة كان ضئيلا نسبيا مقارنة بالحقل السياسي، وتجربته اﻷهم هي أحياء مصر الجديدة والمعادي، وساير في معظمه التوجه للطبقة المتوسطة والاستثمار في الوحدات السكنية المؤجرة لعائلاتها، فيما عدا الحالات التي مثلت نشاطا جانبيا للاستثمار الصناعي والتي توجهت إلى الطبقة العمالية. ثقل الحقل البيروقراطي في هذه الفترة تنحصر أهميته في الدور التنظيمي والرقابي. (Sims, D. 2010, Mitchell, T. 1988)

الفترة الممتدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تتميز بتداخل كبير بين الحقول الثلاثة، وربما يمكن القول بإن السيادة فيه كانت للحقل البيروقراطي، الذي أمد الحقل السياسي بلاعبيه الرئيسيين، ويكاد يكون قد ابتلع الحقل الاقتصادي بشكل كامل نتيجة لملكية الدولة وإدارتها المباشرة للكيانات الاقتصادية المختلفة. وقضت سياسات بيروقراطية في جوهرها حتى وإن خرجت من الحقل السياسي مثل تثبيت اﻹيجارات على مساهمة صغار المستثمرين في إنشاء مباني سكنية بغرض تأجير وحداتها. التوجه الغالب للحقل السياسي كان التوسع العمراني بهدف توفير المساكن للطبقة العاملة مسايرة للنمو الصناعي الكبير حينها. تدخل الدولة كان في كامل عمليات إنتاج العمران بالنسبة ﻷغلب التوسعات العمرانية في هذه الفترة وصبغته السيادة البيروقراطية بنمطية وتكرارية واضحة. (Sims, D. 2010)

عقد الثمانينات كان انتقاليا اختلطت فيه استمرارية سياسات ميزت الفترة السابقة عليه مع الصعود البطيء لدور الحقل الاقتصادي وانهيار دور الحقل البيروقراطي تحت وطأة وزنه الزائد وترهله، فيما بدأت سياسات الحقل السياسي العمرانية تتحول إلى موقع رد الفعل إزاء أزمة متصاعدة للإسكان ونمو الإسكان اللارسمي. وبرغم أن هذه الفترة شهدت نشأة العديد من المدن الجديدة الرئيسية، إلا أن هذه المدن فشلت طوال هذه الفترة في اجتذاب عدد السكان المتوقعين لها. ويعود هذا الفشل في معظمه إلى أن هذه المدن خُططت على أساس فرضية استمرار النمو الصناعي بحيث تمثل أسر عمال وموظفي المناطق الصناعية بها نصف سكانها ويشكل النصف الثاني عمال وموظفو الكيانات الخدمية والاقتصادية اللازمة لتغطية احتياجات النصف اﻷول. ولكن النمو الصناعي الذي افترض أن يتحمل القطاع الخاص عبئه تأخر، حيث أن القطاع الخاص النامي حينها اختار أنشطة اقتصادية غير صناعية في اﻷساس ليستثمر بها. (Sims, D. 2010)

الفترة من تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم شهدت صعود الحقل الاقتصادي ليصبح الفاعل الرئيسي في نمو العمران الرسمي. وعلى خلاف كبار لاعبي الحقل الاقتصادي في الفترة اﻷولى الذين كان توجههم صناعيا ومن ثم كان إسهامهم العمراني أغلبه موجه للطبقة العاملة، أو لاعبيه الذين عملوا بالاستثمار العقاري الموجه للطبقة المتوسطة، اتجه كبار اللاعبين في حقل اقتصادي توجهه اﻷساسي مالي وعقاري إلى تلبية الاحتياجات الجديدة للطبقة الرأسمالية الناشئة وللطبقة المتوسطة العليا للمهنيين المستقلين أو كبار موظفي الشركات متعددة الجنسيات والمحلية. هذه المتطلبات الجديدة كانت في معظمها تدور حول التمايز الطبقي الذي يعكس الفجوة المتسعة للدخل بين هاتين الطبقتين وما دونهما، وشعور متزايد بالحاجة إلى اﻷمن نتيجة اتساع هذه الفجوة نفسها. دور الحقل السياسي في هذه الفترة أصبح محصورا أكثر فأكثر في حال رد الفعل ومحاولة توفير السكن لطبقة متوسطة انهارت قدرتها المالية فلم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها من خلال السوق، فاﻹسكان الرسمي الاستثماري يفوق قدرتها، أما اﻹسكان اللارسمي فلا يحقق الحد اﻷدنى الذي لا زالت تتمسك به من المكانة الاجتماعية. أما الحقل البيروقراطي الذي بلغ ترهله وانهيار كفاءته مداه؛ فدوره انحصر في تسهيل الالتفاف حول اشتراطات البناء وتسهيل الاستيلاء على أراضي الدولة أو هدم العقارات ذات القيمة التاريخية والمعمارية في المناطق القديمة. (Sims, D. 2010)

العشوائيات في مصر

ملامح العمران اللارسمي

العامل الرئيسي لتشكيل العمران اللارسمي هو كونه يستجيب لاحتياجات من لا يجدون لهم مكانا في العمران الرسمي الذي يتوجه المطروح في السوق منه في معظمه إلى أصحاب الدخول المرتفعة. وبصفة مبدئية فإن المستجد من هذا العمران كان عليه الاتجاه إلى أطراف المدينة وتخومها حيث تنخفض أسعار اﻷراضي، وهي المحدد الرئيسي في التكلفة الكلية للبناء. ولكن غياب القدرة المالية اللازمة ﻹنشاء مشروعات كبيرة على الظهير الصحراوي جعل من اﻷراضي الزراعية المتاخمة للمدينة البديل اﻷمثل كونها ملكيات خاصة صغيرة ناتجة عن تفتت الملكيات الزراعية التي وزعت من خلال قانون الإصلاح الزراعي على صغار المزارعين.

نمط العمران الناشئ على الأراضي الزراعية حكمه تقسيم هذه اﻷراضي وفق حياض الري، كمحدد شبه طبيعي وإن كان من صنع اﻹنسان، ولكنه محدد يهدم من اﻷساس فكرة الملائمة الوظيفية حيث أن وظيفته الأولى لا علاقة لها على اﻹطلاق بوظيفته الجديدة. الملمح الرئيسي الناتج عن هذا المحدد هو ضآلة مساحات قطع اﻷراضي، وضيق الشوارع التي حلت محل قنوات الري الداخلية بين الحياض. أما المجال اﻷساسي للملائمة الوظيفية في هذا العمران فهو تخصيص أكبر مساحة ممكنة للفراغات الضرورية على حساب المرافق والخدمات. وينتج عن ذلك بالضرورة وحدات سكنية لا توفر الحد اﻷدنى من اشتراطات الصحة العامة.(Malterre-Barthes, C. 2016)

نظرا ﻷن المناطق السكنية النامية بشكل لارسمي ليست مخططة مسبقا فلا مكان بها للخدمات والمرافق المختلفة، ومثل هذه الخدمات إن وجدت تقدم كرشاوى سياسية للحد من تذمر السكان فالخدمات مثل المدارس والوحدات الصحية والمكاتب الحكومية يتم بناؤها على أي مساحة متوافرة أو حتى استغلال وحدات سكنية قائمة ﻹيوائها، أما المرافق فيتم تمديدها دون اعتبار لاشتراطات السلامة والكفاءة الخاصة بها، ومن ثم فكلاهما دائما ومنذ البداية غير ملائم لتحقيق وظيفته بالقدر المطلوب. ويمتد التداخل في الاستعمالات ليتخطى الخدمات الحكومية والخدمات التجارية التي تتداخل مع الاستعمال السكني بصفة عامة في مصر لتصل إلى الاستعمالات الصناعية وورش إصلاح السيارات واﻷدوات الكهربائية وغيرها. وفي أحيان كثيرة تعد هذه المناطق ملجأً مناسبا ﻷنشطة صناعية غير رسمية وغير مشروعة أيضا. ولكن تداخل الاستعمالات في مناطق اﻹسكان اللارسمي يتخطى حتى حدود الخاص والعام، فضيق الفراغات السكنية يدفع بأنشطة تمارس عادة في الفراغات الخاصة إلى الشارع وتشمل لعب اﻷطفال واﻷنشطة المنزلية كغسيل الملابس وإعداد الطعام.

نمط العمران الناشئ على اﻷراضي الزراعية يمثل النموذج الذي أعيد إنتاجه في مناطق اﻹسكان اللارسمي اﻷخرى وإن اختلف النسيج العمراني بها، فالحاكم لما يستجد من بناء بها هو خفض التكلفة اﻷولية للبناء إلى أقصى حد ممكن لتيسير الحصول على الوحدات السكنية لفئات محدودي الدخل، ومن ثم فقد تشكل نمط معماري أصبح طابعا يميز طبقيا مساكن الفئات اﻷكثر فقرا، ملامحه الرئيسية هي واجهات الطوب اﻷحمر بدون تشطيبات، واﻷسقف المنخفضة والنوافذ الضيقة والغرف متناهية الصغر إلخ. (Kipper, R. 2009)

بصفة عامة يوجد العمران اللارسمي في مستو تحت شبكة رادار الدولة الحديثة التي تشكلها ممارسات السلطة الضبطية والحيوية، فهذه الممارسات جميعها تعمل من خلال التوقع المسبق الناشئ عن التحكم في الظروف المنتجة للممارسات الاجتماعية. وفي حين أن سياسات الدولة هي ما أنتج الظروف المؤدية إلى نشأة الإسكان اللارسمي فهي لم تخطط لخلق هذه الظروف. ومصطلح العشوائيات الذي صكته مؤسسات الدولة لتسمية مناطق هذا العمران يعكس في الواقع عجز أدوات الدولة عن التعامل معه، فحقيقة اﻷمر أن العمران اللارسمي ليس عشوائيا، فهو نمط منتظم ومطرد وله ملامح ثابتة ناتجة بشكل منطقي عن المحددات الحاكمة له. ولكن بالنسبة للدولة ينحصر المنظم فيما له صورة ذهنية مسبقة تجعله مكشوفا دون الحاجة إلى رؤيته بشكل مباشر. الانتظام في عرف الدولة الحديثة هو ما تنتجه سياساتها الضبطية وتتوقعه سياساتها الحيوية، فهو ليس المعروف بعد وجوده بل المعروف مسبقا ﻷن المعرفة به هي ما ينتجه باﻷصل. (Mitchell, T 1988)

بالنسبة للحقول الثلاثة التي تنشئ تفاعلاتها الداخلية والبينية العمران الرسمي، فعلاقتها بالإسكان اللارسمي شبه معكوسة. فهذا العمران له حقله الاقتصادي شبه المستقل ليس على مستوى الاستثمار العقاري فحسب بل حتى في بقية اﻷنشطة الاقتصادية. وهو ليس منتجا مباشرا لسياسات نشأت في الحقل السياسي بل يفرض على هذا الحقل أن ينتج سياسات للتعامل معه، وهو يتطلب أن تتحمل المؤسسة اﻷمنية الدور السياسي المباشر عند التعامل مع سكانه، ومع غياب أدوات الرقابة غير المباشرة التي توفرها الممارسات الضبطية بشكل مسبق، تضطر هذه المؤسسة إلى إنشاء تواجد مادي مستمر من خلال شبكات المخبرين وبناء علاقات نفع متبادل مع قيادات الجريمة شبه المنظمة. وفي الواقع يمكن القول بأن لارسمية إسكان الفقراء في مصر أسهمت في أن تكون دولتها اﻷمنية ذات امتداد مادي عميق في الحياة اليومية لقطاع شعبي مهم، وهو ما يميزها عن نماذج الدولة اﻷمنية الكلاسيكية في أوروبا الشرقية ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي على سبيل المثال.

صورة لأبراج نايل سيتي من عشوائيات رملة بولاق أبو العلا

الاستيعاب المتبادل بين الدولة والعمران اللارسمي

منذ بواكير نشأتها كان على الدولة الحديثة أن تتعامل مع كثير من الظواهر الاجتماعية التي لم تنتجها بنفسها، ولكن اﻷكثر عنادا بين هذه الطواهر كان عمران المدينة القديمة، فلم يكن باﻹمكان محو هذا العمران بين ليلة وضحاها واستبداله بآخر تنتجه أدوات الحداثة. ومن ثم فقد احتاجت الدولة الحديثة في تمظهراتها حول العالم عقودا طويلة حتى نجحت في محو العمران القديم أو تحييده. وخلال هذه الفترة طورت أدوات مختلفة للتعامل مع هذا العمران وتطور النسيج الاجتماعي لسكانه الناتج باﻷساس عن محاصرة الدولة الحديثة له. هذه اﻷدوات، التي كانت في أغلبها أمنية، استمرت بالغرب طوال الفترة التي كانت الدولة هناك في حاجة إليها، وفي خلال هذه الفترة انتقلت مع غيرها إلى المستعمرات فيما أصبح اليوم يسمى بالعالم الثالث، ولكنها منذ ذلك الحين أخذت منحى مختلف في تطورها في الغرب وفي مستعمراته. (Pierson, C. 2004)

نشأة العمران الحديث مواكبا للنمو السريع للمدن على حساب العمران القديم وأحيانا بموازاته صاحبه فرز طبقي مستمر. بينما اجتذبت المناطق السكنية الجديدة الطبقات اﻷعلى دخلا؛ تركز فقراء المدن والمهاجرون إليها من الريف في اﻷحياء القديمة التي انهارت قيمة اﻷراضي والمباني فيها بحيث وفرت وحدها البديل السكني المناسب للقدارت المالية المحدودة لهؤلاء. في الوقت نفسه نشأت المؤسسة العقابية الحديثة وتطورت أدواتها ومنها الشرطة كمؤسسة شبه عسكرية ولكنها مستقلة عن الجيش. ومع هذه المؤسسة ونتيجة لممارساتها الضبطية نشأت الجريمة المنظمة الحديثة في صورتها اﻷولى، والتي فيها كانت البيئة المناسبة للعمل بعيدا بقدر اﻹمكان عن أعين الشرطة هي تلك التي توفرها مناطق العمران القديمة. وبرغم أن الجريمة المنظمة قد تطورت مع الوقت ولم تعد في معظمها في حاجة إلى العمل من مناطق تركز الفقراء فقد ظلت صورة هذه المناطق كمأوى لمحترفي الجريمة باقية في الوعي الجمعي للمجتمعات الحديثة حتى وقتنا هذا. (Delanty, G. 2019)

الأداة اﻷكثر أهمية التي طورتها المؤسسات اﻷمنية في الغرب في ذلك الحين لمحاولة التغلغل داخل الصندوق اﻷسود الذي مثلته مناطق العمران القديمة كان التواجد المادي المباشر من خلال شبكة من المخبرين من أفرادها، وتمديد مدى رؤيتها بإنشاء شبكة موازية لها ومتصلة بها من المرشدين من أهالي هذه المناطق. وقد نقلت دول الغرب هذه اﻷداة مع غيرها عندما أنشأت من الصفر أو أعادت تنظيم قوى الشرطة المحلية في مستعمراتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويمكن القول إنه في الحالة المصرية كان تطور هذه اﻷداة عبر التقلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر طوال عقود وبصفة خاصة فيما بعد السبعينات أثر فارق في تشكيل ما يمكننا تسميته بالاستيعاب المتبادل بين الدولة وبين مناطق الإسكان اللارسمي.

نشأة ونمو مناطق اﻹسكان اللارسمي على الأراضي الزراعية بصفة خاصة وسم هذه المناطق بصفات عمرانية أوضحناها سابقا هذه الصفات العمرانية كان لها أثر بالغ في طبيعة المجتمع الناشئ فيها. بصفة أساسية هذا المجتمع لم تتح للدولة التدخل في شؤونه اليومية بنفس القدر المعتاد والمتوقع، فقبل أي شيء لم تخطط الدولة لنشأته بالتخطيط لوجود المناطق السكنية التي يعيش فيها أفراده، ولم تمد هذه المناطق بالمرافق والخدمات التي تتناسب مع الكثافة السكانية بها، ثم هي لم تتمتع بالنفاذ التلقائي والمعرفة المسبقة بأنشطة السكان وأماكن تواجدهم في ساعات النهار والليل كما هو الحال في المناطق المخططة. على جانب آخر تأتي الغالبية العظمى من أفراد هذا المجتمع من بين الفئات اﻷكثر فقرا الذين تكاد تكون المدينة قد لفظتهم إلى تخومها ﻷن مواردهم لا تتيح لهم الحصول على سكن داخلها، ويضاف إليهم المهاجرون إلى المدينة من الأقاليم القادمون بحثا عن رزق لم يتوافر في مناطق نشأتهم، وهم بالضرورة لا يملكون موارد تكفي لإيجاد سكن في قلب المدينة أيضا. (Malterre-Barthes, C. 2016)

يغلب على خيال الناس أن “العشوائيات” تنتج الجريمة. هذا بالطبع تصور طبقي ناشئ عن أن الخيال الجمعي متعلق في أغلبه بصور الجريمة الرثة التي يمارسها صغار الخارجين عن القانون، وهؤلاء ممن لا تحقق لهم ممارسة الجريمة إلا حصيلة صغيرة هم بالضرورة من الفقراء، وهم أيضا من يترددون أكثر من غيرهم على أقسام الشرطة والسجون وتقوم الشرطة بتسجيلهم لتطاردهم كلما وقعت جريمة في مجال تخصص أي منهم. ولكن بخلاف صغار الخارجين عن القانون تجتذب مناطق اﻹسكان اللارسمي بحكم صعوبة النفاذ إليها جانبا مما يمكن أن نسميه بالبنية التحتية للجريمة المنظمة، وعلى هامش هذه البنية تنشأ فئة البلطجية، وهم المطلوب وجودهم لتوفير الحماية واستمرار العمليات المختلفة للجريمة المنظمة وذلك في اﻷغلب في مواجهة المنافسين. وما يحتاجه البلطجية أنفسهم للنجاح في تحقيق مهامهم هو السيطرة على محيطهم، وفي حين أن هذا يحتاج أحيانا إلى استخدام القوة إلا أنه أغلب الوقت يتم بسبل أخرى تنطوي على قدر من تبادل المنفعة مع السكان ومع الشرطة ومع سياسيين وأصحاب نفوذ ومصالح مختلفين ممن يحتاجون في أحيان كثيرة إلى خدماتهم. (Saitta, P. 2017)

هذه الصورة المركبة لتوازنات القوى داخل مناطق العمران اللارسمي تجعل شبكات المخبرين والمرشدين غير كافية لتحقيق نقاذ كامل للشرطة داخل هذه المناطق. وبصفة عامة فإن السيطرة الكاملة أمر مستحيل، وحين لا يكون ثمة خيار إلا السعي لتحقيقها فهذا لا يمكن له أن يتم إلا باكتساح المنطقة المعنية بشكل كامل، وبخلاف أن هذا أمر ذو كلفة عالية فهو وفق فقه أولويات المؤسسة اﻷمنية ليس ضروريا. فأولويات المؤسسة اﻷمنية كانت طوال عقود هي اﻷمن السياسي. ولا يشمل ذلك تعقب المعارضين فحسب وإنما ضبط العمليات السياسية وبصفة خاصة الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وحيث إن تحقيق هذه اﻷهداف لا يتعارض بأي حال مع مصالح الجريمة المنظمة وحماتها في هذه المناطق فإن الطرفين وجدا مساحة واسعة للتعاون وتبادل المنفعة والتنسيق فيما بينهما. وقد تطورت العلاقة الحميمية للمؤسسة اﻷمنية بشبكات البلطجية في المناطق اللارسمية إلى حد اعتمادها على هذه الشبكات ﻷداء مهام ذات أغراض سياسية خارج مناطقها. وفي كثير من اﻷحيان استخدم البلطجية لتنفيذ هذه المهام أشخاص عاديون من مناطق نفوذهم وذلك عندما تدعو الحاجة إلى أن يظهر هؤلاء كمواطنين عاديين مؤيدين لسياسات الدولة في مواجهة المعارضة. (O’Donnell, S. 2010)

التحالف اللصيق بين شبكات البلطجية وبين قوات اﻷمن النظامية ظهر في بعض المواجهات مع معارضي نظام مبارك وبصفة خاصة في أحداث هامة مثل الاستفتاء على التعديلات الدستورية في عام 2007، وانتخابات 2010 التي تخلت فيها قيادة الحزب الوطني عن التوازنات التي رعاها الحرس الحديدي القديم وسعت إلى خلق برلمان خال تماما من المعارضة، ولكن هذا التحالف تجلى بأوضح ما يكون منذ اندلاع ثورة يناير 2011، فقد ظهر البلطجية جنبا إلى جنب مع القوات النظامية في كثير من المواجهات، كما أوكل إليهم في أحيان كثيرة مواجهة وتفريق مسيرات ومظاهرات كثيرة، وبلغ عنف جماعات البلطجية العاملة بتوجيه شبه مباشر من المؤسسة اﻷمنية مداه في أعقاب انقلاب يوليو 2013 في مواجهة المسيرات المضادة للانقلاب.

ملمح هام لهذه العلاقة المركبة للدولة من خلال مؤسستها اﻷمنية بمناطق العمران اللارسمي من خلال جماعات البلطجية صاحبة النفوذ فيها، هو أنها علاقة غير مباشرة تتم عبر شبكة معقدة من العلاقات المباشرة عند اﻷطراف على مستوى القاعدة أو قريبا منها. وتعتمد هذه الشبكة على علاقات مشخصنة أي بين أشخاص بعينهم من الأطراف المختلفة، وعلى قواعد لبناء الثقة والمنفعة المتبادلة، وفي حين قد تكون المنفعة المطلوبة عائدة على المؤسسة نفسها من خلال تحقيق أهداف سياسية أو أمنية في مناسبات بعينها، فاليومي والمعتاد هو خليط من عمليات النفع المتبادل بين أشخاص داخل الشبكة على مستويات مختلفة.

وهذا ما يخلق تشابكا معقدا يستحيل معه القول بأن جهة ما تأتمر دوما وبشكل مستمر بأمر اﻷخرى، أو بعبارة أخرى لا يمكننا القول بإن هذه العلاقة تمثل تغلغلا للدولة في هذه المناطق من خلال أدوات غير تقليدية، فحقيقة أن العلاقات متشعبة وشخصية تعني أن الجهة النظامية في الصورة اﻷكبر لا يمكنها الاعتماد بموثقية كافية على التسلسل القيادي لتنفيذ استراتيجية ما إذا ما اصطدم ما يتطلبه هذا التنفيذ مع مصالح أفراد أو مجموعات عند مستو ما من الشبكة، فهؤلاء قادرون على عرقلة التنفيذ وإجهاضه حفاظا على مصالحهم الخاصة، ولا يجعل هذا القيادة النظامية عاجزة عن السيطرة على الطرف اﻵخر فقط بل يجعلها عاجزة عن السيطرة على أفرادها أنفسهم في بعض اﻷحيان. ومن ثم بينما تحقق هذه الشبكة من العلاقات ارتباطا عضويا للمؤسسة اﻷمنية بمصالح متجذرة في النسيج الاجتماعي لهذه المناطق بحكم تحقيقها عند أطرافها لمنافع واضحة للأفراد، فإن هذا الارتباط يتحقق على حساب تماسك المؤسسة اﻷمنية ذاته.

العشوائيات في مصر

خاتمة

إذا كان العمران اللارسمي ممثل جيد للارسمية في عمومها، وأحسبه كذلك، فإن بإمكاننا القول إن المناقشة السابقة تدعم تعريفنا للارسمية بأنها نمط عيش محايث للحداثة. فهي أولا نمط مختلف للعيش، من حيث إنها ليست منتجا لتقنيات ممارسات السلطة الضبطية والحيوية المميزة للحداثة ومن حيث إنها تقلب اتجاه العلاقات الموضوعية التي تقوم عليها الحقول الاجتماعية المميزة أيضا للحداثة. وهي ثانيا نمط محايث للحداثة، بمعنى أنها برغم اختلافها عنها فهي تدور وجودا وعدما معها ولا يمكن تصورها بدونها.

كنمط للعيش، تتميز اللارسمية بأنها نمط من توجيه ممارسات الذات واﻵخر من خلال علاقات قوة مباشرة ومشخصنة، في ظل غياب الضمانات الموضوعية التي تمنحها الرسمية للعلاقات غير المشخصنة مثل الوضع القانوني في المعاملات. علاقات القوة المباشرة والمشخصنة هذه تمتد حتى إلى العلاقة بالدولة التي لا يمكنها التعامل مع الظواهر اللارسمية إلا من خلال علاقات زبونية ﻷفراد يتورطون بشكل شخصي في تبادل المنفعة. وفي الواقع إذا كان افتراضنا لتعريف اللارسمية صحيحا فإن سيادتها تؤدي إلى ازدياد رخاوة الدولة في ذات الوقت الذي تجعل فيه نظامها الحاكم مرتبطا بشكل عضوي بالمجتمع إلى حد يصعب معه اقتلاعه.

كما سبق القول في الجزء السابق من هذه الورقة ليس العمران أو اﻹسكان اللارسمي والاقتصاد اللارسمي هما الممثلين الوحيدين للارسمية، ومن ثم فالتعريف السابق للارسمية اعتمادا على مناقشة اﻹسكان اللارسمي وحده تظل فرضية تحتاج لدعمها إلى مناقشة تمظهرات أخرى للارسمية.

مصادر الدراسة

Kipper, R. (2009). Cairo: a broader view. In R. Kipper, & M. Fischer (Eds.), in Cairo’s Informal Areas: Between Urban Challenges and Hidden Potentials. Nonprint SA Portugal.

Mitchell, T. (1988). Colonizing Egypt. Berkeley: University of California Press.

Delanty, G. (2019). Formations of European modernity: Springer International Publishing.

Pierson, C. (2004). The modern state. London New York: Routledge.

Charles, J. (2019). Dimensions of resilience in developing countries. Springer International Publishing.

Misztal, B. (2000). Informality: social theory and contemporary practice. London New York: Routledge.

UN-Habitat, (2016). Country Profile Egypt.

UN-SRH, S. R. o. a. h. (2018). Questionnaire: informal settlements and human rights – Egypt.

Malterre-Barthes, C. (2016). Housing Cairo. from small-scale informal housing construction to semi-professional speculative urban schemes.

Saitta, P. (2017). Practices of subjectivity: the informal economies and the subaltern rebellion. International Journal of Sociology and Social Policy, 37(7/8), 400–416. URL: http://dx.doi.org/10.1108/ijssp-06-2016-0073

Roy, A. (2004). Urban informality transnational perspectives from the Middle East, Latin America, and South Asia. Lanham, Md. Berkeley, Calif: Lexington. Books Center for Middle Eastern Studies, University of California at Berkeley.

O’Donnell, S. (2010). Informal housing in Cairo: are ashwa’iyyat really the problem?

Horwood, C. (2011). Cairo: a city in transition. Nairobi: UN-Habitat.

Sims, D. (2010). Understanding Cairo: the logic of a city out of control. Cairo, New York: The American University in Cairo Press.[1].


الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
الفقر أزمات العشوائيات الإسكان البيئة العمرانية البناء على اﻷراضي الزراعية اللارسمية في مصر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close