fbpx
ترجمات

فورين أفيرز: التركيبة السكانية وبناء القوى العظمى

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية بتاريخ 11 يونيو 2019 مقالاً كتبه نيكولاس إبرستادت بعنوان “مع التركيبة السكانية الهائلة تأتي القوة العظمى”، وجاء فيه:

لماذا تؤثر التركيبة السكانية على الجيوبوليتيك؟

قد لا يكون تأثير التركيبة السكانية على الجيوبوليتيك (الجغرافيا السياسية أو الجيوسياسية) أمراً حتمياً، ولكنه بالنسبة لطلاب الجيوسياسية، فإن الأمر قد يكون قريباً من ذلك. فعلى الرغم من أن المقاييس التقليدية للقوة الاقتصادية والعسكرية تحظى في كثير من الأحيان باهتمام أكبر، إلا أن هناك القليل من العوامل التي قد تؤثر على التنافس بين القوى العظمى على المدى الطويل بقدر ما تؤثر التغيرات في حجم وقدرات وخصائص التركيبة السكانية لهذه القوى.

وتُعتبر الولايات المتحدة مثالاً جلياً على ذلك. ففي عام 1850، كان عدد السكان في الولايات المتحدة حوالي 23 مليون نسمة، أي أقل بـ 13 مليون نسمة عن فرنسا. أما اليوم، فيبلغ عدد سكان الولايات المتحدة حوالي 330 مليون نسمة، أي أكبر من سكان بريطانيا وهولندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا مجتمعين. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان، أصبح لدى الولايات المتحدة أكبر قوة عاملة ماهرة في العالم، ومن خلال تدابير مثل متوسط ​​سنوات التعليم للكبار، أصبح سكان أمريكا منذ فترة طويلة من أعلى سكان العالم في مستوى التعليم. وتبين هذه الأساسيات الديموغرافية المواتية، أكثر من الجغرافيا أو الموارد الطبيعية، السبب في ارتفاع نجم الولايات المتحدة كقوة اقتصادية وعسكرية بارزة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية – ولماذا لا تزال تحتل هذه المكانة حتى اليوم.

ومع ذلك، فإن الأداء في الماضي لا يضمن تحقيق نفس النتائج في المستقبل. وبفضل التركيبة السكانية، إلى حد كبير، أصبحت دول مُناوئة للولايات المتحدة، مثل الصين، منافسين حقيقيين لها على مكانة القوى العظمى، وذلك خلال العقود القليلة الماضية. وفي الوقت نفسه، تآكلت الولايات المتحدة أو أهدرت تفوقها الديموغرافي بعدة طرق، حتى في الوقت الذي كان فيه حلفاؤها التقليديون في أوروبا وآسيا يعانون من مشاكل مثل الركود أو التراجع في عدد السكان. وحتى الآن، فإن الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة تظل محدودة، وذلك بسبب معاناة المنافسين الجيوسياسيين الرئيسيين للولايات المتحدة من مشاكل ديموغرافية خطيرة تخصهم. ولكن إذا نظرنا إلى المستقبل، فإن النمو السكاني وارتفاع مستويات التعليم قد يدفعان دولاً جديدة نحو وضع القوة العظمى.

وتعطينا التركيبة السكانية فكرة واضحة عما ستكون عليه الجيوسياسية في العالم مستقبلاً – وكيف يجب أن تستعد واشنطن لذلك. وللحفاظ على ميزة الولايات المتحدة في ذلك، فإن على القادة الأميركيين اتخاذ خطوات لإبطاء أو تغيير الاتجاهات الديموغرافية السلبية التي تساعد الآن على تآكل أساسيات القوة الأمريكية. وعليهم أيضاً البدء في إعادة التفكير في الاستراتيجية العالمية لواشنطن، مع إدراك أن مستقبل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يكمن في الديمقراطيات الناشئة والمتنامية في العالم النامي. ومن خلال السياسة الداخلية الحكيمة والدبلوماسية بعيدة النظر، يستطيع القادة الأمريكيون ضمان تعزيز الموارد البشرية التي لا تزال كبيرة في بلادهم القوة الأمريكية لفترة طويلة في القرن القادم.

قوة الشعب

في زمن الإمبراطوريات والممالك القديمة، كانت الزيادة السكانية تعني توفر أعداد أكبر من الناس الذين يمكن فرض الضرائب عليهم وإرسالهم إلى الحرب. ولكن بفضل التطور الاقتصادي الحديث، أصبحت التركيبة السكانية الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمنذ الثورة الصناعية، أدت الابتكارات التكنولوجية وغيرها من التحسينات في الإنتاجية البشرية إلى انخفاض كبير في أسعار الموارد الطبيعية والسلع الأساسية مثل الغذاء. وفي الوقت نفسه، رفعت بشكل كبير من العوائد التي تعود على العمالة الماهرة. وفي الواقع، فإنه يمكن أن يُعزَى معظم النمو الاقتصادي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية إلى عاملين اثنين: التحسينات في رأس المال البشري – وهو تعبير جامع للتعليم، والصحة، والتغذية، والتدريب، وعوامل أخرى تحدد الإمكانات الفردية للعامل – ومناخ الأعمال التجارية المواتية، مما أدى إلى إطلاق العنان لقيمة تلك الموارد البشرية. حيث يتمتع رأس المال البشري، على وجه الخصوص، بتأثير غير عادي على الاقتصاد. وعلى سبيل المثال، فمع كل عام يزيد في العمر المتوقع للإنسان اليوم، على سبيل المثال، تشهد اي دولة من الدول زيادة دائمة في نصيب الفرد من الدخل بحوالي أربعة في المائة. وبالنسبة لكل سنة دراسية إضافية يحصل عليها مواطنو الدولة، تشهد الدولة، في المتوسط، زيادة بنسبة 10 في المائة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد أدت التباينات الشاسعة بين تنمية رأس المال البشري في مختلف الدول اليوم إلى فجوات في الإنتاجية الاقتصادية بينهم أكبر من أي وقت مضى على مدار التاريخ. وعلى سبيل المثال، ففي عام 2017، ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، بلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في أيرلندا حوالي 100 ضعف نظيره في جمهورية أفريقيا الوسطى (عندما تم ضبطه حسب القوة الشرائية النسبية). ومع ذلك، فإن مثل هذه التباينات ليست قاطعة: فبفضل التقدم التكنولوجي الهائل، يمكن للدول الآن زيادة رأس مالها البشري بشكل أسرع من أي وقت مضى. وقد استغرق الأمر 117 عاماُ من السويد في الفترة من 1886 إلى 2003 لرفع متوسط ​​العمر المتوقع فيها من 50 سنة إلى 80 سنة؛ وحققت كوريا الجنوبية نفس الإنجاز في أقل من نصف الوقت، بين أواخر الخمسينيات و 2009.

وعلى الرغم من إمكانية حدوث مثل هذه التحسينات السريعة وغير المتوقعة في كثير من الأحيان في رأس المال البشري، فإن الديموغرافيا ككل علم اجتماعي يمكن التنبؤ به إلى حد ما. وعلى عكس التوقعات الاقتصادية أو التكنولوجية، فإن التوقعات السكانية تكون دقيقة إلى حد ما لعدة عقود على الأقل، لأن معظم الناس الذين سيكونون على قيد الحياة عام 2040، على سبيل المثال، هم من بين من يعيشون اليوم. وعلى الرغم من أن مثل هذه التوقعات لا يمكنها التنبؤ بالمستقبل، إلا أنها يمكن أن تقدم خطوطاً تقريبية لمعالم السياسة الدولية – في إطار العالم المتغير للممكن في الشؤون الدولية. وعلى صانعي السياسة الذين يرغبون في التخطيط طويل الأمد الاهتمام بذلك.

مشاكل السكان في الصين

اليوم، تهيمن على الساحة الدولية قوة عظمى واحدة (هي الولايات المتحدة) وهناك قوتان كبيرتان أخريان (هما الصين وروسيا). وأدت المغامرات الأمريكية الأخيرة في الخارج والاضطرابات السياسية في الداخل بطبيعة الحال إلى أن يستنتج البعض أن القوة الأمريكية آخذة في التراجع. ومع ذلك، فإن إلقاء نظرة على التوقعات الديموغرافية لكل من الصين وروسيا، يوحي بأن المخاوف من أن الولايات المتحدة قد تفقد مكانتها المتفوقة في وقت قريب هي استنتاجات في غير محلها.

تُعتبر الصين هي المنافس الدولي الرئيسي للولايات المتحدة، وتبدو للوهلة الأولى أنها منافس يُثير الإعجاب حقاً. إنها أكثر دول العالم اكتظاظاً بالسكان، حيث يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة تقريباً، وقد شهدت خلال العقود الأربعة الماضية أسرع نمو اقتصادي مستمر في تاريخ البشرية. ويُعد الاقتصاد الصيني الآن أكبر اقتصاد في العالم، وفقاً لمعدل القوة الشرائية النسبية. وعادة ما يُعزَى نمو الصين منذ السبعينيات إلى سياسات دنج شياو بينج، التي دفعت البلاد في اتجاه أكثر ملاءمة للسوق بعد أن أصبح الزعيم الأوحد للبلاد في عام 1978. لكن التركيبة السكانية لعبت أيضاً دوراً مهماً في ذلك. فما بين عامي 1975 و 2010، تضاعف تقريباً عدد السكان الذين هم في سن العمل في الصين (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 64 عاماً)، وزاد عدد ساعات العمل بشكل أسرع، حيث تخلت البلاد عن سياسات ماو تسي تونج التي جعلت العمالة المأجورة أقل توفراً وأقل جاذبية. وارتفع إجمالي التحصيل العلمي وتحسن الوضع الصحي بشكل سريع أيضاً.

وبالنظر إلى هذا السجل المُبهر، يتوقع الكثيرون ـ بما في ذلك على ما يبدو القيادات الصينية ـ أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم خلال العقدين المقبلين. ومع ذلك، فإن التوقعات الديموغرافية في البلاد على المدى البعيد تشير إلى عكس ذلك. حيث شهدت الصين على مدى الجيلين الماضيين انهياراً في الخصوبة، وتفاقم الأمر بسبب برامج بكين القاسية للسيطرة على السكان. وعلى الرغم من أنه تم إلغاء سياسة الطفل الواحد في عام 2015، والتي كان قد تم فرضها في عام 1979، ولكن أضرار هذه السياسة كانت قد وقعت بالفعل. فقد كان معدل الخصوبة الإجمالي في الصين أقل من مستوى نسبة الإحلال الطبيعية التي تُقدر بـ 2.1 طفل لكل امرأة منذ أوائل التسعينيات على الأقل. ووفقاً لقسم السكان بالأمم المتحدة، فإن المعدل الإجمالي للخصوبة في الصين يبلغ الآن 1.6، لكن بعض المحللين، مثل تساى فانج، وهو عالم ديموغرافي وعضو في اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، يعتقدون أن النسبة قد تكون 1.4 – أقل من نسبة الإحلال بأكثر من 30 في المائة. وقد تصل الخصوبة إلى ولادة واحدة أو أقل لكل امرأة تعيش في المدن الكبرى مثل شنغهاي.

ومع عقود من الخصوبة شديدة الانخفاض في ماضيها القريب، وعقود أخرى من ذلك قادمة، مع عدم وجود احتمال لنزوح جماعي، ستشهد الصين ذروتها السكانية بحلول عام 2027، وفقاً لتوقعات مكتب الإحصاء الأمريكي. لقد تقلص بالفعل عدد السكان الذين هم في سن العمل خلال السنوات الخمس الماضية، ومن المقرر أن ينخفض ​​بمقدار 100 مليون على الأقل بين عامي 2015 و2040. وستشهد البلاد انخفاضاً كبيراً بشكل خاص في عدد السكان الذين هم في سن العمل وتقل أعمارهم عن 30 عاماً، مما قد يؤدي إلى هبوط بما يقرب من 30 في المائة خلال هذه الفترة. وعلى الرغم من أن هذا الجيل الصاعد سيكون الأفضل تعليماً في تاريخ الصين، إلا أن النمو الإجمالي للبلاد في التحصيل العلمي سيتباطأ مع احتلال الأجيال الأكبر سناً والأقل تعليماً النصيب الأكبر من إجمالي السكان رويداً رويداً. ويُقدر مركز فيتجنشتاين للديمغرافيا ورأس المال البشري العالمي أنه بحلول عام 2040، سيكون عدد البالغين في الصين أقل من معدل ​​سنوات الدراسة في بوليفيا أو زيمبابوي.

ومع تراجع عدد السكان الذين هم في سن العمل بالصين، فمن المتوقع أن يصل عدد سكانها الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً إلى مرحلة الانفجار. أما بين عامي 2015 و2040، فمن المتوقع أن يرتفع عدد الصينيين الذين تبلغ أعمارهم فوق سن الـ 65 من حوالي 135 مليون إلى 325 مليون أو أكثر. وبحلول عام 2040، يمكن أن يكون عدد المسنين في الصين ضعف عدد الأطفال دون سن 15 عاماً، ويمكن أن يرتفع متوسط ​​أعمار سكان الصينيين إلى 48 عاماً، مقارنة بـ 37 سنة في عام 2015 وأقل من 25 سنة خلال عام 1990. ولم تصل أي دولة إلى تلك النسبة المتصاعدة في أعداد كبار السن كما هو الحال في الصين. وعلى وجه الخصوص في الريف الصيني، ترى أن النسبة شديدة الارتفاع، حيث يهاجر الشباب الصيني إلى المدن بحثاً عن فرصة عمل. وعلى وجه العموم، فإن كبار السن في الصين في عام 2040 سيكونون فقراء وغير متعلمين على حد سواء، ويعتمدون على الآخرين في الغالبية العظمى من استهلاكهم واحتياجاتهم الأخرى.

وبشكل عام، تُشكل هذه الاتجاهات الديموغرافية غير المواتية تحديات كبيرة للاقتصاد الصيني. ومما يزيد الطين بلة، فإن الصين تواجه عوامل ديموغرافية سلبية إضافية. فوفقاً لسياسة الطفل الواحد، على سبيل المثال، كان الآباء الصينيون في كثير من الأحيان يختارون اللجوء إلى الإجهاض عند علمهم باحتمالية أن يكون الجنين أنثى، مما ساعد في إيجاد واحدة من أكثر ظواهر عدم التوازن في نسب النوع (بين الأطفال الرضع) في العالم الحديث. وفي السنوات المقبلة، سيتعين على الصين التعامل مع مشكلة زيادة عدد الذكور بعشرات الملايين، ومعظمهم من ذوي خلفيات ريفية محرومة، مع عدم وجود احتمالات للزواج أو الإنجاب أو الاستمرار في تواصل نسل العائلة.

وسوف تواجه الصين أيضاً مثل هذه المشكلة مع الجيل القادم، حيث ستتلاشى أو تتبخر الهياكل الأسرية الصينية التقليدية. فمنذ فجر التاريخ، اعتاد المجتمع الصيني على الاعتماد على شبكات القرابة الممتدة في التعامل مع المخاطر الاقتصادية. ومع ذلك، فإن جيلاً صاعداً من الشباب الصينيين الذين يقطنون في المناطق الحضرية هم مجرد أطفال، شبان وشابات فقط يعيشون دون وجود أي شبكات قرابة لهم: فليس عندهم أشقاء أو أبناء عم أو عمات أو أعمام. وسيكون انتهاء 2500 عام من التقاليد الأسرية بالنسبة للحضارة الصينية بمثابة خروج إلى المجهول، في الوقت الذي تبدو فيه بكين غير مستعدة لهذه القفزة الكبيرة الوشيكة.

المفارقة الروسية

أما بالنسبة لروسيا، فقد تكون التوقعات الديموغرافية أسوأ من ذلك. فالكرملين ينظر إلى نفسه على أنه يحكم قوة عالمية، ومع ذلك فإن هذه النظرة المبالغ فيها تجاه الذات لا تتطابق إلى حد كبير مع الموارد البشرية المتاحة للبلاد. فبالنظر إلى السكان ورأس المال البشري، تبدو روسيا كقوة محكوم عليها بالتراجع الحتمي الذي لا يمكنها تفاديه.

في بعض الجوانب، تُعد روسيا بلداً أوروبياً بامتياز: فهي تعاني من الشيخوخة وتقلص عدد السكان وصعوبات في استيعاب القوى العاملة المهاجرة من ذوي المهارات المتواضعة التي يعتمد عليها اقتصادها بشكل متزايد. وعندما يتعلق الأمر برأس المال البشري، فإن روسيا تواجه أزمة حادة. فبعد نصف قرن كامل من الركود أو الانكماش، شهدت روسيا أخيراً بعض التحسن خلال العقد الماضي في الصحة العامة لشعبها، كما يتضح من تدابير مثل العمر المتوقع عند الولادة. لكن مع ذلك لا يزال الوضع مريعاً. ففي عام 2016، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، كان من المتوقع أن يعيش الذكور الروس في سن الـ 15 ما يُقدر بـ 52.3 عاماً: أقل قليلاً من نظرائهم في هايتي. أما بالنسبة للإناث الروس اللاتي في الخامسة عشرة من العمر، فرغم أنهن أفضل حالاً من الذكور، فقد كان متوسط ​​العمر المتوقع لديهن أعلى بقليل من المعدل الذي أوردته قائمة الأمم المتحدة لأقل البلدان نمواً.

وبالإضافة إلى مشاكلها الصحية، فقد فشلت روسيا في إنتاج المعرفة. وتحقق روسيا مستويات عالية من التعليم، في حين تظل مستويات رأس المال البشري منخفضة – وهو ما يُمكن أن نطلق عليه: “المفارقة الروسية”. فعلى الرغم من أن المواطنين الروس يتلقون ظاهرياً هذا المستوى من التعليم، فإن روسيا (التي يبلغ عدد سكانها 145 مليونًا) تحصل على عددٍ من براءات الاختراع سنوياً من مكتب الولايات المتحدة للبراءات والعلامات التجارية يقل عما تحصل عليه ولاية ألاباما (التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة). وتحقق روسيا من الصادرات الخدمية أقل مما تحققه الدنمارك، التي يبلغ عدد سكانها ستة ملايين نسمة، ولديها ثروات خاصة أقل مما في السويد التي يبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة. وبما أنه من المتوقع أن يتقلص ويتلاشى عدد السكان الروس الذين هم في سن العمل بين عامي 2015 و2040، فإن إمكانات موسكو الاقتصادية ستنخفض أيضاً طبقاً لذلك.

ويمكن للدول الرجعية الطموحة مثل روسيا أن تثق، لبعض الوقت، في ثقلها في مجال الشؤون الدولية. ومع ذلك، فبالرغم من التدخل في شؤون الدول الأجنبية والمغامرات العسكرية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن بلاده تواجه قيوداً ديموغرافية تجعل من الصعب للغاية له ولمن يأتي من بعده أن يحافظوا على الموقف الجيوسياسي لروسيا، فضلاً عن أن يسعوا لتحسينه.

الميزة الأمريكية

وبالنسبة إلى منافسيها الرئيسيين، فإن الولايات المتحدة في وضع تُحسد عليه فعلاً. ولا ينبغي أن يكون هذا الأمر مُفاجئاً: لقد ظلت الولايات المتحدة أقوى بلد في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ومزاياها الديموغرافية – عدد سكانها الكبير والمتعلم تعليماً عالياً، ومعدلات الخصوبة المرتفعة نسبياً، والسياسات المرحبة بالهجرة – كانت حاسمة في هذا النجاح.

فالميزة الديموغرافية الأكبر للولايات المتحدة هي حجمها (في عدد السكان). إنها ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ومن المرجح أن تظل كذلك حتى عام 2040. ولا يوجد بلد متقدم آخر يقترب منها في عدد السكان – حيث تبلغ ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان، اليابان، خُمسي عدد سكان الولايات المتحدة؛ وتبلغ ثالث أكبر دولة في عدد السكان، ألمانيا، ربع عدد سكان الولايات المتحدة. وبين عامي 1990 و2015، مثلت الولايات المتحدة كل النمو السكاني تقريباً لـ “المناطق الأكثر تطوراً” في الأمم المتحدة، وتشير كل من توقعات الأمم المتحدة ومكتب الإحصاء الأمريكي إلى أنها ستستحوذ على كل النمو السكاني لهذه المناطق بين عامي 2015 و2040. وفي الواقع، فإن سكان الولايات المتحدة في طريقهم إلى النمو بوتيرة أسرع قليلاً من جميع سكان العالم من الآن وحتى عام 2040 – باستثناء جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، وهي المنطقة الوحيدة التي لا يزال معدل النمو السكاني يزداد فيها.

وتستفيد الولايات المتحدة مما يمكن أن يطلق عليه “الاستثناء الديموغرافي الأمريكي”. ومقارنةً بالدول المتقدمة الأخرى، تتمتع الولايات المتحدة منذ فترة طويلة بمستويات هجرة مرتفعة بشكل واضح. فما بين عامي 1950 و2015، هاجر ما يقرب من 50 مليون شخص إلى الولايات المتحدة، وهو ما يمثل ما يقرب من نصف إجمالي عدد المهاجرين في العالم المتقدم خلال تلك الفترة الزمنية. وقد شكل هؤلاء المهاجرون وأحفادهم معظم نسب النمو السكاني للولايات المتحدة خلال تلك العقود. لكن الخصوبة في الولايات المتحدة مرتفعة أيضاً بشكل استثنائي بالنسبة لمجتمع ثري. وبصرف النظر عن الانخفاض المؤقت أثناء حرب فيتنام وبعدها مباشرة، فإن معدل المواليد في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كان يتجاوز باستمرار معدل ​​البلدان المتقدمة. وبين منتصف الثمانينيات والأزمة المالية في عام 2008، كانت الولايات المتحدة الدولة الغنية الوحيدة التي تتمتع بخصوبة تعادل مستوى الإحلال. وبافتراض استمرار مستويات الهجرة والخصوبة في الولايات المتحدة بهذه المعدلات، فإن معظم علماء السكان يتوقعون أنه بحلول عام 2040، سيصل عدد سكان الولايات المتحدة حوالي 380 مليون نسمة. وسيكون عدد سكانها الأصغر سنا أعلى منه في أي ديمقراطية غنية أخرى تقريبا، بينما سيظل عدد السكان الذين هم في سن العمل في ارتفاع مستمر. وعلى عكس بقية العالم المتقدم في عام 2040، فسوف يظل عدد المواليد في الولايات المتحدة يفوق عدد الوفيات فيها.

ومع ذلك، فإن الميزة الديمغرافية للولايات المتحدة ليست مجرد مسألة أرقام. فعلى مدى أكثر من قرن، استفادت الولايات المتحدة من كادر كبير ومتزايد من العمال ذوي المهارات العالية. وتشير الأبحاث التي أجراها الاقتصاديان روبرت بارو وجونج وها لي عن التحصيل العلمي إلى أن الأميركيين بين عامي 1870 و2010 كانوا أكثر الناس حظاً في التعليم على مستوى العالم وذلك من حيث متوسط ​​سنوات الدراسة بالنسبة لمن هم في سن العمل. وفي عام 2015، وفقاً لتقديراتهما، حصل 56 مليون رجل وامرأة في الولايات المتحدة تتراوح أعمارهم بين 25 و64 عاماً على درجات جامعية أو شهادات عليا: ضعف عدد هؤلاء في الصين وحوالي سدس مجموع هؤلاء على مستوى العالم. وتتصدر الولايات المتحدة العالم في مجال البحث والتطوير، كما تم قياسه من خلال طلبات البراءات الدولية والمنشورات العلمية، وفي تكوين الثروة، حيث جمع الأمريكيون ثروات خاصة منذ عام 2000 تفوق الثروات الخاصة التي جمعها الصينيون على مدار التاريخ المنظور.

المهمة القادمة

وعلى الرغم من هذه المزايا، فليس كل شيء على ما يُرام بالنسبة للولايات المتحدة. فإشارات التحذير تلمع مشيرة إلى عدد من المقاييس الديموغرافية الرئيسية: ففي عام 2014، بدأ متوسط ​​العمر المتوقع في الولايات المتحدة في الانخفاض ببطء ولكن بشكل مطرد لأول مرة منذ قرن. ويُعزَى هذا الانخفاض جزئياً إلى الزيادة فيما يسمى بوفاة اليأس (وهي الوفيات الناجمة عن الانتحار، وتناول جرعة زائدة من المخدرات، أو مضاعفات إدمان الكحول)، خاصة في المناطق التي يُعاني سكانها من الاكتئاب الناتج عن مشاكل اقتصادية. ومع ذلك، فحتى قبل بدء هذا الانخفاض، كان التقدم الأمريكي في مؤشرات الصحة العامة بطيئاً للغاية ومكلفاً بشكل كبير. كما توقف التحسن في التحصيل العلمي لعقود من الزمن: واعتباراً من عام 2010، تلقى البالغون من الأمريكيين المولودين في أوائل الثمانينيات، متوسط 13.7 عاماً من التعليم، وهو أعلى بكسور فقط من متوسط ​​سنوات التعليم التي تلقاها جيل آبائهم (13.5 عاماً)، الذين ولدوا في أوائل الخمسينات. وفي نفس الوقت، فإن معدلات التوظيف للرجال الأميركيين في السن المثالية للعمل (25-54) هي في مستويات لم نشهدها منذ الكساد العظيم.

وعلاوة على ذلك، فمن المحتمل أن تكون التوقعات المتفق عليها للنمو السكاني في الولايات المتحدة متفائلة للغاية. وتفترض مثل هذه التوقعات عموماً أن الخصوبة الأمريكية ستعود إلى مستويات الإحلال. لكن الخصوبة في الولايات المتحدة انخفضت بنحو عشرة في المئة بعد عام 2008 ولا تظهر أي علامات على بوادر للانتعاش. ووفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، بلغ إجمالي معدل الخصوبة في الولايات المتحدة، في عام 2017، 1.77 بالمائة، وهو أدنى مستوى منذ سبعينيات القرن الماضي وأقل من مثيله في دول أوروبية مثل فرنسا والسويد. وتفترض معظم التوقعات الديموغرافية أيضاً أن الولايات المتحدة ستُبقي على معدل الهجرة عند مستواها الحالي البالغ حوالي مليون شخص سنوياً. لكن الهجرة ظاهرة سياسية جوهرية. ففي الماضي، قررت الولايات المتحدة أن توقف الهجرة استجابة لبعض الاضطرابات الداخلية، وقد تقوم بذلك مرة أخرى.

وحتى مع وجود علامات التراجع المثيرة للقلق، فإنه من غير المرجح أن تتفوق أي دولة منافسة على الولايات المتحدة من حيث الإمكانيات البشرية الأساسية في أي وقت قريب. قد يكون لدى الصين والهند، على سبيل المثال، عدد من العمال من خريجي الجامعات أكثر منه في الولايات المتحدة بحلول عام 2040، ولكن الجودة العالية للتعليم العالي في الولايات المتحدة ستؤثر بشكل كبير في صالح الولايات المتحدة، ومن المؤكد أنه سيظل لدى الولايات المتحدة أكبر تجمع من العمال الذين يحملون شهادات الدراسات العليا على مستوى العالم. وإذا استمرت مؤشرات الموارد الديموغرافية والبشرية في الولايات المتحدة في الركود أو التراجع، فقد يفقد الأمريكيون رغبتهم في القيام بدور رائد في الشؤون الدولية. وقد تتصاعد الرغبة في العزلة وتبني الشعبوية، وقد يكون الناخبون الأمريكيون غير مستعدين لتحمل التكاليف الكبيرة للحفاظ على النظام الدولي. وهناك أيضاً خطر لا نظير له في أن اتجاهات الولايات المتحدة المخيبة للآمال نسبياً في مجالي الصحة والتعليم مما سيُلحق الضرر بأدائها الاقتصادي على المدى البعيد.

ولتجنب هذه النتائج، ستحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة تنشيط قاعدة مواردها البشرية واستعادة ديناميتها في مجال الأعمال والصحة والتعليم. وسيكون القيام بذلك صعباً للغاية – وهي مهمة ضخمة تتجاوز صلاحيات الحكومة الفيدرالية وحدها. ومع ذلك، فإن الخطوة الأولى للقيام بذلك هي أن يدرك الأمريكيون من جميع التوجهات السياسية مدى أهمية وإلحاح هذه المهمة.

الحلفاء القدامى

وفي نفس الوقت الذي يحاول فيه صانعو السياسة الأميركيين إعادة الاتجاهات الديمغرافية للولايات المتحدة إلى مسارها الصحيح، فإن عليهم أيضاً أن يفكروا في الشكل الذي ينبغي أن تبدو عليه الاستراتيجية الأمريكية في عالم لم تعد المزايا الديموغرافية المتاحة للولايات المتحدة فيه تضمن استمرار الهيمنة الأمريكية. ويتمثل أحد الحلول الجذابة في الاعتماد بشكل أكبر على شركاء الولايات المتحدة التقليديين. حيث يبلغ إجمالي الناتج المحلي لليابان أربعة أضعاف نظيره في روسيا على أساس سعر الصرف، وعلى الرغم من أن إجمالي عدد سكانها أصغر قليلاً من نظيره في روسيا، إلا أنه يحتوي على كادر أكبر من العمال ذوي المهارات العالية. ويبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي الحالي حوالي 512 مليون نسمة، أي أكثر من عدد السكان في الولايات المتحدة بما يقارب 200 مليون نسمة، ولا يزال اقتصادها أكبر بكثير من اقتصاد الصين، على أساس سعر الصرف.

ولكن المشكلة هي أن العديد من حلفاء واشنطن التقليديين يواجهون تحديات ديموغرافية أكثر صعوبة مما تواجهه الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي واليابان، على سبيل المثال، تضم سكاناً يتمتعون بصحة جيدة وتعليم جيد وإنتاجية عالية، إلا أن كلاً من الاتحاد الأوروبي واليابان سجلوا معدلات خصوبة عند مستوى الإحلال تقريباً منذ السبعينيات، ثم بدأت معدلات الخصوبة في الانخفاض إلى ما دون مستوى الإحلال في الثمانينيات. وفي كل من الاتحاد الأوروبي واليابان، يفوق عدد الوفيات الآن عدد المواليد. ويتوقع انخفاض عدد السكان الذين هم في سن العمل هناك على المدى البعيد، ويشيخ سكانها بشكل عام بمعدلات قد تبدو مثل الخيال العلمي منذ وقت ليس ببعيد. والفرق الديموغرافي الرئيسي بين الاتحاد الأوروبي واليابان هو أن أوروبا تبنت الهجرة وأن اليابان لم تفعل ذلك.

ولكن لكلا النهجين عيوبهما: فبالنسبة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أدت الهجرة إلى تأجيل تقلص القوى العاملة لديهم وإبطاء شيخوخة سكانهم. ومع ذلك، فإن سجل الاتحاد الأوروبي في دمج القادمين الجدد في المجتمع، وخاصة المسلمين القادمين من الدول الفقيرة، غير منتظم على أحسن الأحوال، وتساعد الصراعات الثقافية حول مسألة الهجرة على إرباك السياسة في جميع أنحاء القارة العجوز. لقد تجنبت اليابان مثل هذه التشنجات، ولكن على حساب الانخفاض السريع والمستمر في عدد السكان. وكما هو الحال في الصين، فسيؤدي هذا إلى انهيار الأسرة اليابانية التقليدية. ويتوقع الديموغرافيون اليابانيون أن المرأة اليابانية المولودة في عام 1990 لديها فرصة تقارب 40 في المائة في عدم إنجاب أطفال بنفسها وفرصة بنسبة 50 في المائة لعدم إمكانية وجود أحفاد لها. فاليابان لا تتجه فقط نحو الشيب: لقد أصبحت دولة ذات وحدات اجتماعية منعزلة ومسنة، في ظل الاحتياجات المتزايدة والتناقص في دعم الأسرة.

وعلى الرغم من أن انخفاض عدد السكان لا يمنع حدوث تحسن في مستويات المعيشة، إلا أنه يشكل عقبة في القوة الاقتصادية والعسكرية النسبية. فوفقاً لمكتب الإحصاء الأمريكي، من المقرر أن ينمو عدد السكان الذين هم في سن العمل في الولايات المتحدة بحوالي 10 في المائة بين عامي 2015 و2040. وخلال نفس الفترة، من المتوقع أن يتقلص عدد السكان الذين هم في سن العمل في ألمانيا وكوريا الجنوبية بنسبة 20 في المائة، وفي اليابان، بنسبة 22 في المائة. ومن المتوقع أن يزداد عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، وهم المجموعة التي يتم تجنيد القوات العسكرية العاملة منها عادة، خلال تلك الفترة بنسبة ثلاثة بالمائة في الولايات المتحدة، ولكنها تنخفض ​​بنسبة 23 بالمائة في ألمانيا، و 25 بالمائة في اليابان، و 40 في المائة تقريباً في كوريا الجنوبية.

ويعني هذا التراجع، مقترناً بسياسات ميزانية دولة الرفاهية الحديثة – اقتراض الأموال من الأجيال المقبلة لدفع الفوائد الحالية للناخبين الأكبر سناً – أن معظم حلفاء الولايات المتحدة سيصبحون أقل استعداداً وقدرة لدفع فاتورة الدفاع عنهم على مدى عقود في المستقبل. وبعبارة أخرى، ستصبح الولايات المتحدة أكثر قيمة لشركائها – الذين ارتفع عدد المسنين لديهم – في مسألة الأمن، في نفس الوقت الذي يصبحون هم فيه أقل فائدة بالنسبة لواشنطن – كل ذلك بينما بدأت الميزة الديمغرافية للولايات المتحدة تتآكل.

اتخاذ أصدقاء جدد

ومع ذلك، فحتى في الوقت الذي تستنزف فيه اتجاهات السكان قوة القوى التقليدية في أوروبا وشرق آسيا، فإنها تدفع مجموعة جديدة من الدول، يُعتبر العديد منها حلفاء وشركاء محتملين للولايات المتحدة، نحو وضع القوة العظمى. ومن خلال مغازلة هذه القوى الصاعدة، فإنه يمكن لصانعي السياسات في الولايات المتحدة تعزيز النظام الدولي لعقود قادمة.

وينبغي على واشنطن أن تبدأ بتوجيه اهتمامها إلى جنوب وجنوب شرق آسيا. فمع فقدان اليابان وكوريا الجنوبية لعدد السكان لديها، على سبيل المثال، ستواصل الديمقراطيات الناشئة مثل إندونيسيا والفلبين نموها. وبحلول عام 2040، يمكن أن يصل عدد سكان إندونيسيا إلى أكثر من 300 مليون نسمة، مقارنة بـ 260 مليون نسمة اليوم، ويمكن أن يصل عدد سكان الفلبين إلى 140 مليون نسمة – وهو ما قد يكون أكبر من عدد سكان روسيا. وعلاوة على ذلك، فكلا البلدين تُعتبران من الدول الشابة التي يتزايد فيها عدد الذين يتلقون تعليماً جيداً. وفي عام 2015، بلغ عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 عاماً في الصين ما يقرب من أربعة أضعاف هذا العدد في إندونيسيا والفلبين مجتمعتين؛ وبحلول عام 2040، يُتوقع أن يكون عدد سكان الصين من نفس هذه الفئة العمرية ضعفي عددهم فقط في إندونيسيا والفلبين. ومن المرجح أن تدخل كل من إندونيسيا والفلبين في مواجهة متزايدة مع الصين التوسعية؛ وبينما تواجهان ذلك، فقد تكتشفان أهمية تحقيق تعاون أمني أعمق مع الولايات المتحدة.

وبالمقارنة مع الهند، فإن إندونيسيا والفلبين تبدوان متواضعتين (في النمو السكاني). فالهند تخطو على المسار الصحيح لتجاوز الصين خلال العقد المقبل كأكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان؛ وبحلول عام 2040، قد يتجاوز عدد السكان الذين هم في سن العمل في الهند عددهم في الصين بمقدار 200 مليون. وسيظل عدد سكان الهند ينمو في عام 2040، في الوقت الذي يتراجع فيه عدد سكان الصين بسرعة. وبحلول ذلك الوقت، ستكون أعمار حوالي 24 بالمائة من سكان الصين أكثر من 65 عاماً، مقارنة بحوالي 12 بالمائة من سكان الهند. ومع ذلك، فمقارنة بالصين، تعاني الهند من مشاكل ديموغرافية ومشاكل في الموارد البشرية خاصة بها؛ فهي لا تزال لديها مؤشرات سلبية في الصحة العامة، ومتوسط ​​التحصيل العلمي فيها منخفض، ومستويات الأمية فيها مرتفعة بشكل فظيع. وعلى الرغم من مرور سنوات على محاولات الإصلاح، فلا تزال الهند تحتل المرتبة 130 من أصل 186 دولة حسب مؤشر الحرية الاقتصادية لـ “مؤسسة التراث” (هيريتيج فاونديشن). ومع ذلك، فبحلول عام 2040، قد يكون لدى الهند مجموعة أكبر من العمال المتعلمين تعليماً عالياً والذين تتراوح أعمارهم بين 20 و49 عاماً، وستزداد ميزتها الديمغرافية عاماً بعد عام. وقد بدأت الولايات المتحدة والهند بالفعل في التعاون الدفاعي من أجل مواجهة الصين؛ وعلى القادة الأميركيين أن يجعلوا تعميق هذه الشراكة على رأس أولوياتهم في السنوات المقبلة.

إن لدى الولايات المتحدة اليوم العديد من المزايا على منافسيها الدوليين، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى التركيبة السكانية المواتية لها. ومع ذلك، فلا يمكن اعتبار قوة الولايات المتحدة أمراً مسلماً به. وستكون هناك مأساة جيوسياسية إذا تلاشى بالفعل من المشهد النظام الاقتصادي والأمني الذي أسسته الولايات المتحدة فترة ما بعد الحرب: ومن غير المرجح أن يقدم أي ترتيب بديل قدر الحرية والازدهار لأكبر عدد من الناس كما يفعل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة اليوم. ولحسن الحظ، فإنها مأساة من الممكن تجنبها. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من الشروع في إصلاح قاعدة رأس المال البشري وإقامة تحالفات جديدة للقرن الحادي والعشرين، فبإمكانها أن تعزز – بمساعدة الديموغرافيا – مفهوم السلام الأمريكي أو “باكس أمريكانا” للأجيال القادمة.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close