ترجمات

مصر والاتحاد الأوروبي تحديات وآفاق

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

حالت مجموعة من التحديات الداخلية، والإقليمية – في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – دون استمرار عملية التحول السياسي في مصر رغم مرور أكثر من سبع سنوات على اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011.  ويُعتبر الاستقرار في مصر عاملاً رئيسياً لضمان استقرار المنطقة بأسرها، نظراً لموقعها الجغرافي المتميز، وعدد سكانها الكبير (حوالي 100 مليون نسمة)، ودورها الهام في رسم سياسات العالم العربي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التحديات الكبيرة التي تواجه مصر تؤثر كثيراً على المنطقة الأورو-متوسطية، وهو ما جعل الدعم الذي يقدمه شركاء مصر الدوليين، مثل الاتحاد الأوروبي، لتحقيق الاستقرار والازدهار في مصر، وسيلة ضرورية من أجل الحفاظ على مصالح أوروبا واستقرارها.
ولتحقيق ذلك، قام البرلمان الأوروبي بإعداد دراسة حول التحديات التي تواجه الاستقرار في مصر؛ تناولت بعض العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية الرئيسية، التي قد تؤدّي إلى عدم الاستقرار في البلاد على مدى العقود المقبلة.
وقامت الدراسة بتحليل الجوانب الأساسية للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر، وقدَّمت بعض التوصيات بشأن السياسات التي يستطيع الاتحاد الأوروبي من خلالها دعم استقرار مصر وازدهارها على المدى البعيد. وترى الدراسة أنه لا يجب أن تأتي الشراكة الاقتصادية والأمنية بين الاتحاد الأوروبي ومصر على حساب دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وتقترح أن تركز المساعدات البرامجية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمصر على الشباب والنساء والتعليم وإدارة المشروعات. وتتوقع الدراسة أن تكون الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر أكثر نجاحاً إذا تبنت الدول الأعضاء سياسات موحدة تجاه مصر.
وكان مركز أبحاث البرلمان الأوروبي قد نشر في 19 يناير 2018 هذه الدراسة بعنوان: “مصر المستقرة من أجل منطقة مستقرة – التحديات الاجتماعية والاقتصادية وآفاقها”. وتنقسم الدراسة إلى محورين رئيسيين: يتناول المحور الأول تحليل التحديات الرئيسية التي تواجهها مصر؛ أما المحور الثاني فيركز على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومصر.
ومع أن هناك العديد من التحديات التي تواجه مصر، فإن الدراسة ركزت بشكل أكبر على التحديات التي ترى أنها قد تؤثر على استقرار وازدهار البلاد على المدى البعيد. ومع أن التحديات التي تم تحليلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض، إلا أنه الدراسة ركزت في كل قسم على فئة واحدة في كل مرة، وتناولتها بشكل موسع – اجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية – مع إبراز علاقتها بالعناصر الأخرى، مما يشكل إطاراً تحليلياً متكاملاً لتقييم عوامل عدم الاستقرار في مصر من زوايا كثيرة مختلفة:
1- القسم الأول يبحث العوامل الاجتماعية، مع التركيز على الضغوط الديموجرافية والتعليم والصحة: حيث يؤدي النمو السكاني مع الضغوط الديموجرافية المرتبطة به، بالإضافة إلى المشاكل المزمنة للتعليم، إلى انعدام فرص الباحثين الجدد عن العمل في دخول سوق العمل.
2- يركز القسم الثاني على بعض التحديات الاقتصادية الرئيسية التي تواجه مصر: مثل البطالة بين الشباب؛ وعدم تكافؤ الفرص الاقتصادية، خصوصاً بالنسبة للمرأة؛ وفشل المصادر التقليدية للإيرادات؛ ودور الجيش.
3- أما القسم الثالث فيبحث التحديات السياسية والأمنية: فبالإضافة إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية، لا تزال مصر تعاني من نظام سياسي يتسم بالاستقطاب الشديد ويؤدي إلى التشرذم. فمنذ الانقلاب العسكري عام 2013، تم فرض قيود على حرية التعبير، حيث تم سجن العديد من النشطاء والمعارضين للحكومة. وكان للتمرد “الإسلامي” المتواصل في سيناء وفي مناطق أخرى من البلاد تأثير سلبي على البيئة الأمنية وحال دون عودة السياحة.
4- يركز القسم الرابع على التحديات البيئية: حيث يُشكل ارتفاع مستوى المياه في البحار، وندرة المياه العذبة، وزيادة نسبة التلوث عبئاً متصاعداً على الإنتاج الزراعي، ونظام الرعاية الصحية العامة، والاقتصاد بشكل أعم.

أهم النقاط التي تناولتها الدراسة:

تُعتبر مصر شريكاً مهماً للاتحاد الأوروبي في إيجاد حلول لمواجهة عدد من التحديات الاستراتيجية، التي تتخطَّى الحدود القومية إلى المنطقة الأورو-متوسطية – بما في ذلك السيطرة على الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط، ومكافحة الإرهاب، والسعي لحل الصراعات الكبرى التي دمرت دولاً بعينها في الشرق الأوسط مثل ليبيا وسوريا واليمن. وفي الوقت نفسه، تواجه مصر مجموعة من التحديات الداخلية: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية.

1ـ الانفجار السكاني

يُعتبر النمو السكاني المتصاعد هو أحد الدواعي الرئيسية لعدم الاستقرار في مصر خلال العقود القادمة. وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإنَّ عدد سكان مصر سيصل إلى 150 مليون نسمة بحلول العام 2050. أما في العام 2100، فسيصل إلى 200 مليون نسمة. ولم تنجح السياسات الحكومية في مجال تنظيم الأسرة في الحدِّ من النمو السكاني المتزايد، الذي يقف، بالإضافة إلى نظام التعليم المترهل، حجر عثرة في وجه الشباب المصري ويمنعه من مواجهة الحياة ودخول أسواق العمل. ومع استمرار النمو السكاني بهذا الشكل، سيكون من الصعب على المدن المصرية أن توفّر خدمات الإسكان والصرف الصحي والرعاية الصحيّة والتعليم.

2ـ التغير المناخي

تشكل الآثار الناتجة عن التغيُّر المناخي – كارتفاع درجات الحرارة والتغيُّر في أنماط المطر وارتفاع منسوب مياه البحر والزيادات المحتملة في الأحداث المناخية الكارثية – تهديدات كبيرة للمجتمعات المحلّية وللقطاع الزراعي في دلتا النيل، التي تُعتبر المصدر الرئيسي لإنتاج الغذاء في مصر. أما الأراضي المنتجة للمحاصيل والصالحة للزراعة، فسوف تتعرَّض لمزيدٍ من الضغط، لإنتاج كميات أكبر من المواد الغذائية والحبوب، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة نقص المياه. وفي إطار مشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ستؤدي الفيضانات من البحر المتوسّط في دلتا النيل، والانخفاض في الإنتاج الزراعي الذي سيترتب عن هذه الفيضانات، إلى تقليص العمالة في القطاع الزراعي. وبالتالي، فإنَّ تغيُّر المناخ في مصر يمكن أن يكون له تأثير كبير على صحة المجتمعات المحليّة ورفاهيتها، مع ارتفاع نسبة خطر تعرُّضها لسوء التغذية؛ وسيؤدي إلى تفاقم الفقر والاضطرابات الاجتماعية.

3ـ الإجراءات الاقتصادية وأثرها على محدودي الدخل

شرعت الحكومة المصرية بدءاً من العام 2015 في تطبيق إجراءات قالت إنها تهدف إلى الإصلاح الاقتصادي؛ ولكن السؤال هو: هل آتت هذه السياسات أُكلها، وحسنت أوضاع محدودي الدخل والفئات الأشد فقراً؟
هناك بعض المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي قد تدعو إلى التفاؤل، وتشمل:

  • أدّى تعويم الجنيه المصري إلى ثبات نسبي للسيولة بالعملات الأجنبية، وضَبَط السوق السوداء للعملة الأجنبية.
  • ساعدت الإصلاحات المالية على استقرار الإيرادات العامة.
  • من المتوقع أن تؤدِّي الزيادة المتسارعة لاحتياطيات مصر من الغاز، بما في ذلك حقل ظهر للغاز الطبيعي، إلى تحسين العجز التجاري وضمان إمدادات الطاقة المحلية خلال السنوات العشر المقبلة. وقد يساعد كذلك على فتح سوق جديدة للتصدير في المستقبل.

أما النتائج السلبية التي ترتبت على الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة مؤخراً، فقد تمثلت بشكل رئيسي في زيادة الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها غالبية المصريين، فرغم أنَّ تعويم الجنيه المصري قد شجع على عودة بعض الاستثمارات الأجنبية، إلا أنَّ العملة المحلية فقدت أكثر من نصف قيمتها، مما أدَّى إلى ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، فوصلت أسعار الوقود والمواد الغذائية والمرافق العامة إلى مستويات غير مسبوقة. وشهد شهر يوليو 2017 ارتفاع معدَّل التضخُّم السنوي إلى 34,2 في المئة، مع ارتفاع تكاليف النقل بنسبة 36,7 في المئة، والرعاية الصحية بنسبة 24 في المئة، وتكاليف الأغذية والمشروبات بنسبة 43 في المئة. وقد أدّى ذلك إلى إضعاف قدرة المصريين الفقراء على شراء السلع اليومية العادية.

4ـ الدور الاقتصادي للجيش

يعتبر القطاع الخاص عاملاً أساسياً في أي خطط إصلاح طويلة المدى، ولكنه يجد نفسه شيئاً فشيئاً في منافسة اقتصادية مع الجيش. وقد شارك الجيش المصري في العديد من الأنشطة الاقتصادية، ويحتكر بشكل شبه ممنهج بعض المشاريع التجارية الأخرى. فمنذ عام 2011، عزز الجيش من هيمنته على الاقتصاد، من خلال حضوره في العديد من المشروعات التي حصل بموجبها على عقود مع الحكومة، أو تلك التي قام بإطلاقها بنفسه.
وتشمل هذه المشروعات أنشطة متنوعة مثل إنتاج الأسمنت، وتوريد المواد الطبية للمستشفيات، وإنشاء المزارع السمكية وتصنيع عدادات المياه، وخلافه. وفي عام 2015 أصدر السيسي قرارا (رقم 446 لسنة 2015) يتيح للقوات المسلحة تأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي. وقد زاد القرار من مخاوف رجال الأعمال المصريين تجاه تغول الجيش على مقدرات الأعمال بمصر؛ حيث يتمتع الجيش أصلاً بمكانة خاصة في الاقتصاد المصري، ويرجع ذلك في الأصل إلى قدرته على خفض تكلفة الإنتاج – حيث يقوم باستخدام المجندين كعاملين دون دفع أجور لهم، مما يجعل من الصعب على شركات القطاع الخاص المنافسة معه بأي حال. وترى الدراسة أن سيطرة الجيش على الاقتصاد والنظام السياسي في مصر ستظل معضلة كبيرة، إذا لم تقم الحكومة بخطوات ملموسة لتصحيح هذا الوضع.

5ـ القمع السياسي

كما يتضح من الاعتقالات الأخيرة التي طالت عدداً من المرشَّحين الرئاسيين والشخصيات المعارِضة، فإنَّ السياسة المصرية تقهقرت وعادت البلاد إلى التسلط وحكم الفرد بشكل يفوق بمراحل ما كان عليه الحال إبان حكم مبارك. حيث اتجهت الحكومة إلى تعزيز سيطرتها على وسائل الإعلام المصرية، وامتلكت أجهزة المخابرات حصصاً في شركات الإعلام. وفي عام 2016، وضع السيسي إطاراً جديداً لتنظيم الإعلام، أُنشئت من خلاله ثلاث هيئات إشرافيه خاضعة لسيطرة الحكومة، وتمتلك صلاحيات واسعة في الإشراف على المحتوى والتراخيص، مع قليل من الحماية للصحافة والصحفيين. ويكفي أن تعلم كم كان السيسي واضحاً في ذلك عندما قال في خطابٍ له أذاعه التليفزيون المصري: “متسمعوش كلام حد غيري”.

6ـ التمرُّد في سيناء

لطالما كانت سيناء أرضاً خصبةً لنشاط لجماعات المتطرفة، ويرجع ذلك جزئياً إلى إهمال الحكومة للمنطقة، وعدم قدرتها على السيطرة على طبيعتها الوعرة. وتستخدم العملية العسكرية التي تجري في سيناء الآن تحت اسم “سيناء 2018″، القوة الغاشمة في محاولة لاجتثاث الإرهاب والقضاء على التمرد المسلح هناك. ولضمان نجاح العملية، ينبغي على الحكومة أن تجمع بين بين القوة وبين إطلاق خطة تنمية شاملة طويلة الأجل. ولكن الأجهزة الأمنية تتعامل مع البدو الذين يعيشون في سيناء على أنَّهم جزء من التهديد الأمني، وهذا هو نفس الأسلوب الذي اعتمدته الحكومة خلال تاريخها الطويل في معالجة أعراض الإرهاب، بدل معالجة الدوافع الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراءه.

7ـ العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومصر

تشير تلك التحديّات إلى أن المنطقة الأورو-متوسطية ستتأثر حتماً بأي حالةٍ من عدم استقرار قد تتعرض لها مصر في العقود القادمة. أما أولويات الشراكة الحالية بين الاتحاد الأوروبي ومصر، فتُعتبر دليلاً جلياً على المدى الذي وصلت إليه أوروبا من المخاوف تجاه أي حالة محتملة من عدم الاستقرار في مصر، وتشمل: تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل؛ وإقامة شراكات أقوى في مجال السياسة الخارجية، مع التركيز على تحقيق الاستقرار في المنطقة المشتركة؛ وتعزيز الاستقرار والأمن في مصر.
ويبدو أنه سيكون من الصعب بدرجة كبيرة تحقيق أولويات تلك الشراكة في ضوء التحديات الكثيرة التي تناولتها الدراسة، وعلى وجه الخصوص التحديات الاقتصادية والسياسية منها.

خلاصة

تخلص الدراسة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستطيع أن يفعل الكثير لتعزيز استقرار مصر على المدى القريب. لكن في حال أرادت أوروبا تحقيق تعاون مع مصر على المدى البعيد، فإن عليها تقديم خطة مشتركة تشمل حلولاً للقضايا الآنية، مع تحقيق نمو اقتصادي شامل، ودعم حقوق الإنسان وسيادة القانون. ويستطيع الاتحاد الأوروبي أيضاً اتخاذ موقف حازم بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والحد من حرية التعبير، فالنظام الدكتاتوري هو الذي يولد التطرف، الذي تنعكس عواقبه الوخيمة على مصر والمنطقة والاتحاد الأوروبي كذلك. وفي حالة حدوث بعض التقدم في مجال سيادة القانون وحقوق الإنسان، يستطيع للاتحاد الأوروبي أن يحقق بعض الإنجازات لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المصري، وتأمين مصالحه بشكل أوسع.

التوصيات التي قدمتها الدراسة للبرلمان الأوروبي:

1-  على الاتحاد الأوروبي أن يركز على دعم البرامج الاقتصادية الشاملة، التي تفيد الشباب والنساء من خلال مبادرات مثل برنامج “الاتحاد الأوروبي للنمو الشامل وخلق فرص العمل” وبرنامج الأعمال التجارية الصغيرة التابع للبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير. وعليه كذلك زيادة المنح التعليمية لبرامج مثل “إراسموس +” للمساعدة في إعداد وتأهيل مزيد من الشباب المصري لدخول سوق العمل. كما يمكن لبرامج مساعدات الاتحاد الأوروبي، التي تركز على التدريب المهني أن تساعد في تخفيف الضغط على التعليم الجامعي في مصر، وتوفير المزيد من الفرص لتوظيف الشباب.

2- على الاتحاد الأوروبي دعم طموحات مصر بأن تصبح مركزاً إقليمياً للغاز، حيث أن ذلك يصب في مصلحته أيضاً: فظهور مصر على ساحة إنتاج الطاقة يمكن أن يُعزز أمن الطاقة، في ظل النمو المتزايد لأوروبا على الغاز مع انخفاض الإنتاج المحلي. ويُمكن كذلك أن يساهم التعاون بين دول شرق البحر المتوسط والاتحاد الأوروبي في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.

3- على الاتحاد الأوروبي أن يدعم المبادرات الرامية إلى تطوير مصادر الطاقة المتجددة في مصر؛ للتخفيف من آثار التغير المناخي، والحد من التلوث – مما يساعد على تحسين الصحة وخفض تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بمعالجة الأمراض المزمنة الناجمة عن التلوث المفرط. كما أنَّ زيادة توافر مصادر الطاقة المتجدِّدة يساعد أيضاً على استقرار مصر على المدى البعيد، من خلال تزويد السكان بمصادر طاقة أكثر تجانساً واستدامة.

المصدر
البرلمان الأوروبي
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *