نحن والعالم عدد 15 مايو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 8 مايو 2026 – 15 مايو 2026.
تصاعدت التحولات الإقليمية والدولية هذا الأسبوع مع تعثر إدارة ترامب في حرب إيران، وسط تقارير أمريكية تتحدث عن رغبة البيت الأبيض بالخروج من المواجهة دون تحقيق نصر حاسم، بينما تراهن طهران على “الصمود وعدم الخسارة” لإطالة استنزاف واشنطن سياسيًا واقتصاديًا. وفي الوقت نفسه، تحولت زيارة ترامب إلى بكين إلى محاولة لإدارة التنافس مع الصين أكثر من حسمه، في ظل إدراك أمريكي متزايد بأن بكين تكسب الوقت وتوسع نفوذها بهدوء عبر الاقتصاد والتكنولوجيا.
إقليميًا، برزت مؤشرات على إعادة تشكيل التحالفات الأمنية، بعد تلميحات باكستانية بإمكانية انضمام تركيا وقطر إلى اتفاق دفاعي مع السعودية، بالتزامن مع توسع النفوذ التركي اقتصاديًا وعسكريًا في الجزائر وأوروبا. كما كشفت دراسات وتقارير جديدة عن تحول المقاربة الإسرائيلية في سوريا من “إدارة التهديد” إلى محاولة إعادة هندسة المجال الأمني في الجنوب السوري، بينما صعّد لبنان ضد إيران بشكوى رسمية إلى الأمم المتحدة تتهمها بتوريط بيروت في الحرب الأخيرة.
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الحرب تضرب الداخل الأمريكي بقوة، مع ارتفاع التضخم إلى 3.8% وصعود أسعار الوقود والغذاء، ما وضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق معقد بين كبح التضخم وتجنب تباطؤ اقتصادي أوسع. وفي المقابل، تحولت دول الخليج إلى توسيع الاعتماد على النقل البري وخطوط الطاقة البديلة بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، في مؤشر على بداية إعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة الإقليمية.
أمريكا
تعيش الولايات المتحدة مرحلة شديدة التعقيد مع تحوّل الحرب على إيران من مشروع “ردع سريع” إلى استنزاف سياسي واقتصادي يضغط على إدارة دونالد ترامب داخليًا وخارجيًا. تقارير أمريكية كشفت أن ترامب بات يبحث عن مخرج للحرب أكثر من بحثه عن نصر حاسم، وسط فشل الضغوط العسكرية في دفع طهران إلى التفاوض بالشروط الأمريكية، وتصاعد القلق داخل الحزب الجمهوري من تأثير الحرب على الانتخابات المقبلة وأسعار الطاقة والتضخم.
وفي الوقت نفسه، أظهرت زيارة ترامب إلى الصين أن واشنطن باتت تميل إلى “إدارة التنافس” مع بكين بدل خوض مواجهة اقتصادية شاملة، خاصة مع اعتماد الاقتصاد الأمريكي على استقرار سلاسل التوريد والطاقة العالمية. لكن هذا التردد عزز داخل الأوساط التحليلية الأمريكية فكرة أن الصين تكسب الوقت بينما تؤجل واشنطن الحسم، في لحظة تشهد تراجعًا تدريجيًا في قدرة الولايات المتحدة على فرض إيقاعها منفردة على النظام الدولي.
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الحرب تصل مباشرة إلى الداخل الأمريكي، مع ارتفاع التضخم إلى 3.8% وصعود أسعار الوقود والغذاء، ما وضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة صعبة بين مواجهة التضخم وتجنب تباطؤ اقتصادي أوسع. كما كشفت أزمة انتقال السلطة داخل الفيدرالي والإبقاء على جيروم باول في المجلس بعد انتهاء فترة رئاسته عن حجم الحساسية داخل المؤسسات المالية الأمريكية في ظل اضطراب الأسواق والطاقة عالميًا.
ترامب العالق في حرب إيران.. إدارة تبحث عن مخرج وطهران تراهن على “عدم الخسارة”
كشف تقرير مطول نشرته مجلة The Atlantic للصحفي المخضرم جوناثان لومير، المتخصص في تغطية البيت الأبيض وإدارة دونالد ترامب، عن حالة ارتباك متصاعدة داخل الإدارة الأمريكية بشأن الحرب مع إيران، وسط تزايد القناعة لدى الرئيس الأمريكي بأن الصراع تحوّل إلى عبء سياسي وعسكري يسعى لإنهائه بأي ثمن، في وقت تبدو فيه طهران أقل استعجالًا وأكثر قدرة على استثمار المأزق الأمريكي.
وبحسب التقرير، الذي استند إلى شهادات خمسة مساعدين ومستشارين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فإن ترامب لم يعد ينظر إلى الحرب باعتبارها مشروع نصر استراتيجي، بل بات يتعامل معها كملف ثقيل يريد التخلص منه سريعًا، حتى إنه بات يصفها في جلساته المغلقة بأنها “حرب صغيرة” أو “توقف مؤقت” أو “نزهة قصيرة”، في محاولة واضحة لتقليل حجمها سياسيًا وإعلاميًا.
لكن خلف هذا الخطاب، تكشف أوساط البيت الأبيض عن حالة إحباط متزايدة لدى ترامب بسبب فشل الضغوط العسكرية في دفع إيران إلى تقديم تنازلات أو حتى العودة إلى طاولة المفاوضات بالشروط الأمريكية.
حرب لا يريدها ترامب
ويشير التقرير إلى أن “الملل” الذي يشعر به ترامب تجاه الحرب لم يعد مجرد حالة نفسية عابرة، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية. فالرئيس الأمريكي، المعروف برغبته في تحقيق انتصارات سريعة وصفقات استعراضية، يجد نفسه أمام حرب طويلة لا تحقق الحسم الذي وعد به.
وفي الوقت نفسه، يبدو ترامب مترددًا في العودة إلى التصعيد العسكري الواسع، إذ نقل التقرير عنه مخاوفه من “قتل المزيد من الناس”، إضافة إلى قلق متزايد داخل البنتاغون من استنزاف مخزونات الذخائر الأمريكية في ظل اتساع ساحات التوتر العالمية.
هذا التردد انعكس أيضًا على سلوك الإدارة الأمريكية في الخليج، حيث تحدث التقرير عن التخلي السريع عن عملية “مشروع الحرية” التي أطلقت لحماية الملاحة في مضيق هرمز، بعد مخاوف من أن يؤدي أي احتكاك مباشر إلى استهداف سفن حربية أمريكية وجرّ واشنطن إلى مواجهة أوسع لا يريدها ترامب، خصوصًا قبل زيارته المرتقبة إلى الصين.
مأزق سياسي داخل واشنطن
ولا يقتصر القلق على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث يواجه الحزب الجمهوري مخاوف متزايدة من أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي قد يكلفه خسارة مجلسي النواب والشيوخ.
وبحسب التقرير، فإن نوابًا جمهوريين يمارسون ضغوطًا مباشرة على البيت الأبيض بعد تلقيهم شكاوى متزايدة من الناخبين بشأن تكلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية، وهو ما وضع ترامب أمام معادلة صعبة تجمع بين الضغوط العسكرية والسياسية معًا.
خيارات محدودة ومكلفة
ويلخص جوناثان لومير الخيارات المتاحة أمام ترامب بثلاثة مسارات رئيسية، جميعها يحمل أثمانًا مرتفعة.
الخيار الأول يتمثل في استئناف القصف المكثف ضد إيران، لكن الإدارة الأمريكية تدرك أن قائمة “الأهداف الاستراتيجية المهمة” تقلصت بشكل كبير بعد أشهر من الضربات، ما يجعل أي تصعيد جديد أقل تأثيرًا وأكثر كلفة.
أما الخيار الثاني، فهو تنفيذ عملية برية محدودة للسيطرة على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو استهداف مواقع استراتيجية مثل جزيرة خرج النفطية، إلا أن ترامب يبدو شديد التردد تجاه أي خطوة قد تؤدي إلى سقوط قتلى أمريكيين أو التورط في حرب استنزاف طويلة.
ويبقى الخيار الثالث، وهو الأقرب إلى توجهات ترامب الحالية، إعلان “النصر” سياسيًا ثم الانسحاب التدريجي من الحرب، لكن هذا السيناريو يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بعدم تحقيق الأهداف المعلنة للحملة العسكرية.
فإيران، بحسب التقرير، ما تزال تحتفظ بأكثر من نصف ترسانتها من الصواريخ الباليستية التي كانت تملكها قبل الحرب (ملاحظة: رفعت تقارير استخباراتية أمريكية حديثة هذه النسبة إلى نحو70% بعد إحلال الصواريخ المستخدمة، وعن أن 3 مواقع فقط من أصل 30 موقعًا من مواقع إطلاق الصواريخ على مضيق هرمز قد تم تدميرها، فضلًا عن الاحتفاظ بنحو 70% من منصات الصواريخ المتنقلة)،
كما أن حلفاءها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، لا يزالون قادرين على القتال، بينما لم يتحقق أي تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني أو برنامجه النووي.
إيران تراهن على الصمود
وفي المقابل، تبدو طهران، وفق التقرير، أكثر إدراكًا لطبيعة المأزق الأمريكي، وتسعى إلى استثماره عبر استراتيجية تقوم على الصمود وإطالة أمد المواجهة بدل البحث عن تسوية سريعة.
ويشير التقرير إلى أن القيادة الإيرانية، التي بات الحرس الثوري يلعب فيها دورًا أكثر تشددًا، لا ترى نفسها مضطرة لتقديم تنازلات عاجلة، بل تعتبر أن مجرد منع الولايات المتحدة من تحقيق “نصر حاسم” يمثل نجاحًا استراتيجيًا بحد ذاته.
كما يرى التقرير أن إيران خرجت من الحرب وهي أكثر قدرة على التحكم بمضيق هرمز، بعدما أثبتت قدرتها على تهديد الاقتصاد العالمي وتعطيل حركة الطاقة متى أرادت، ما منحها ورقة ردع إضافية في أي مواجهة مستقبلية.
وفي واحدة من أكثر الإشارات دلالة، يكشف التقرير أن الوفد الإيراني غادر العاصمة الباكستانية إسلام آباد قبل وصول الوفد الأمريكي، في خطوة فُسرت داخل واشنطن باعتبارها “رفضًا واضحًا” لمنح ترامب مخرجًا تفاوضيًا سريعًا.
مستنقع بلا نصر واضح
ويخلص تقرير ذا أتلانتك إلى أن ترامب بات عالقًا في حرب لا يريدها، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن إنهائها بالشروط التي تحفظ صورته كرجل صفقات وانتصارات.
فالتصعيد العسكري يحمل خطر الانزلاق إلى حرب أوسع وخسائر بشرية ضخمة، بينما يعني التراجع الاعتراف بفشل الحملة وعدم تحقيق أهدافها الأساسية.
وفي المقابل، لا تحتاج إيران إلى تحقيق “نصر ساحق” بقدر ما تحتاج إلى تجنب الهزيمة، وهي معادلة تمنحها أفضلية نفسية واستراتيجية في مواجهة رئيس أمريكي يبحث عن صورة انتصار سريع أكثر من بحثه عن حرب طويلة مفتوحة.
ترامب في بكين بعد 8 سنوات.. زيارة تبحث عن صفقة كبرى وسط حرب إيران وتوتر الاقتصاد العالمي
وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين في أول زيارة رسمية له إلى الصين منذ نحو ثمانية أعوام ونصف، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وجيوسياسية واسعة، وسط تصاعد الحرب في الشرق الأوسط واستمرار التوتر التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
ووصل ترامب إلى بكين على رأس وفد سياسي واقتصادي ضخم يضم وزراء ومسؤولين أمنيين إلى جانب قادة كبرى الشركات الأمريكية، في زيارة تستمر ثلاثة أيام، وتُعد أول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين منذ زيارته السابقة عام 2017 خلال ولايته الأولى.
ويرافق ترامب كل من وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير، ومستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر، إلى جانب وفد اقتصادي يضم ممثلين عن 17 شركة أمريكية كبرى، بينهم إيلون ماسك، وتيم كوك، وجينسن هوانغ، ولاري فينك.
حرب إيران تفرض نفسها على أجندة الزيارة
وتأتي الزيارة في توقيت شديد الحساسية، مع استمرار تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والملاحة العالمية، خصوصًا بعد تعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز.
ومن المتوقع أن تتصدر ملفات الشرق الأوسط وأمن الطاقة والملاحة البحرية جدول مباحثات ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في ظل المخاوف العالمية من تحول الأزمة الحالية إلى تهديد طويل الأمد للاقتصاد العالمي.
ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى إلى منع بكين من استثمار الأزمة الإقليمية لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في الخليج وآسيا، بينما تحاول الصين الحفاظ على تدفق الطاقة واستقرار سلاسل التوريد التي تعتمد عليها صناعاتها الضخمة.
كما تبدو بكين معنية بمنع أي انفجار واسع قد يرفع أسعار النفط ويضرب الاقتصاد الصيني الذي يعاني أصلًا من تباطؤ النمو وتوترات التجارة العالمية.
“زيارة الصفقات” أكثر من زيارة سياسية
ورغم الطابع السياسي للزيارة، فإن الرسالة الأساسية تبدو اقتصادية بالدرجة الأولى.
فترامب عاد إلى البيت الأبيض على خلفية خطاب يقوم على إعادة التوازن التجاري مع الصين وتقليص الاعتماد الأمريكي على سلاسل التوريد الآسيوية، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الاقتصاد الأمريكي لا يستطيع تحمل مواجهة اقتصادية مفتوحة طويلة مع بكين، خصوصًا مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الأمريكية–الصينية موجات متتالية من التصعيد المرتبط بالرسوم الجمركية وقيود التكنولوجيا والمعادن النادرة، قبل أن تدخل في مسار تفاوضي متذبذب.
وكان الطرفان قد توصلا خلال الجولة الخامسة من المفاوضات التجارية إلى تفاهمات مؤقتة شملت تعليق الرسوم الجمركية الإضافية لمدة 90 يومًا، إضافة إلى اتفاقات تتعلق بتصدير الفنتانيل وبعض القيود التجارية.
كما سبق أن أعلن ترامب وشي جين بينغ، خلال لقائهما في بوسان أواخر 2025، التوصل إلى “تفاهمات مؤقتة” لتخفيف التصعيد الاقتصادي، شملت تأجيل رسوم إضافية بنسبة 24% وتخفيض بعض القيود المتبادلة.
لماذا يضم الوفد كبار شركات التكنولوجيا؟
ويحمل وجود شخصيات مثل إيلون ماسك وتيم كوك وجينسن هوانغ دلالات تتجاوز المجاملات البروتوكولية.
فشركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى تمتلك مصالح عميقة داخل السوق الصينية، سواء من حيث التصنيع أو المبيعات أو سلاسل التوريد، كما أن ملف الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة بات في قلب الصراع الاقتصادي بين البلدين.
وتسعى واشنطن إلى تحقيق توازن معقد: احتواء الصعود التكنولوجي الصيني دون الوصول إلى قطيعة اقتصادية شاملة قد تضر بالشركات الأمريكية نفسها.
وفي المقابل، تدرك بكين أن استمرار التوتر مع واشنطن قد يهدد تدفق الاستثمارات والتكنولوجيا الغربية التي لا تزال تحتاجها قطاعات واسعة من الاقتصاد الصيني.
من المواجهة إلى “إدارة التنافس”
ويرى محللون أن زيارة ترامب لا تعني بالضرورة نهاية الصراع الأمريكي–الصيني، بل محاولة لإدارته ومنع خروجه عن السيطرة في لحظة دولية شديدة الهشاشة.
فالعالم يواجه حاليًا تداخل أزمات كبرى: حرب مفتوحة في الشرق الأوسط، اضطراب أسواق الطاقة، تباطؤ اقتصادي عالمي، سباق تكنولوجي حاد، وتوترات متصاعدة في آسيا والمحيط الهادئ.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وبكين مضطرتين إلى الحفاظ على حد أدنى من التفاهم، حتى وهما تستعدان لمنافسة طويلة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري في النظام الدولي الجديد.
بكين تريد دورًا أكبر
كما تأتي الزيارة في وقت تحاول فيه الصين تقديم نفسها كقوة قادرة على لعب دور سياسي ودبلوماسي أكبر في الأزمات العالمية، خصوصًا بعد توسع حضورها في الخليج والشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن بكين ستسعى خلال محادثاتها مع ترامب إلى ترسيخ صورة “الشريك الضروري” في إدارة أزمات الطاقة والتجارة العالمية، لا مجرد خصم اقتصادي لواشنطن.
لكن في المقابل، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القوتان الأكبر عالميًا بناء تفاهمات مستقرة وسط هذا الكم من الأزمات والصراعات، أم أن الهدنة الحالية ليست سوى محطة مؤقتة قبل موجة جديدة من التصعيد؟
زيارة بلا اختراقات.. هل تحوّل ترامب في بكين إلى رئيس يؤجل المواجهة مع الصين؟
انتهت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين دون اختراقات سياسية أو اقتصادية كبرى، في مشهد دفع مراقبين إلى اعتبار أن القيمة الأساسية للزيارة كانت “حدوثها بحد ذاته”، أكثر من النتائج التي خرجت بها، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط على إدارة ترامب بسبب الحرب مع إيران وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي.
ورغم الطابع الاحتفالي والبروتوكولي الواسع الذي رافق الزيارة، لم يُعلن عن اتفاقات استراتيجية جديدة أو تسويات حاسمة في الملفات الخلافية الكبرى بين واشنطن وبكين، سواء في التجارة أو التكنولوجيا أو الأمن أو التنافس الجيوسياسي.
ويرى محللون أن الإدارة الأمريكية كانت معنية أساسًا بمنع ظهور أي صورة توحي بفشل الزيارة أو تأجيلها، خاصة بعد تعثر الحرب على إيران وتزايد الانتقادات الداخلية لترامب، إذ كان أي إلغاء أو تأخير سيُفسر باعتباره مؤشر ضعف أمريكي أمام الصين في لحظة دولية حساسة.
“TACO” ترامب يتراجع عند المواجهة؟
وبدأت بعض الأوساط التحليلية والإعلامية باستخدام تعبير “TACO”، وهو اختصار لعبارة “Trump Always Chickens Out” أو “ترامب يتراجع دائمًا”، لوصف سلوك الرئيس الأمريكي في الملفات الكبرى التي تتطلب مواجهة عالية الكلفة أو قرارات جذرية.
وبحسب هذا التقييم، فإن ترامب يميل إلى تجنب الخيارات ذات المخاطر المرتفعة، ويفضل الحلول المؤقتة أو تأجيل الصدامات الكبرى، سواء في ملف الصين أو الحرب مع إيران.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن ترامب لم يُظهر حتى الآن استعدادًا لتحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية اللازمة لمواجهة شاملة مع الصين، رغم إدراكه المتزايد أن الوقت يعمل لصالح بكين لا واشنطن.
كما يعتبرون أن “المغامرة الإيرانية” نفسها لم تكن نتيجة استراتيجية طويلة المدى، بل جاءت في سياق لحظة اندفاع سياسي بعد نجاحات سابقة في ملفات أخرى مثل فنزويلا.
الصين تكسب الوقت.. وأمريكا تؤجل الأزمة
ويستند هذا التحليل إلى فكرة أساسية مفادها أن الصين لا تسعى حاليًا إلى هزيمة الولايات المتحدة عبر مواجهة مباشرة، بل عبر استنزاف طويل الأمد يقوم على الاقتصاد والتجارة والوقت.
فبكين، بحسب هذا التصور، تمكنت لعقود من تقديم سلع منخفضة الكلفة للأسواق الغربية، ما ساعد الاقتصادات الغربية على احتواء التضخم والحفاظ على مستويات معيشية مرتفعة نسبيًا رغم التوسع الضخم في طباعة الأموال والديون.
وفي المقابل، استفادت الصين من هذا النموذج لتحقيق توسع اقتصادي وصناعي هائل مكّنها تدريجيًا من الاقتراب من موقع القوة العالمية الأولى.
لكن هذا المسار ليس بلا حدود، إذ يرى محللون أن النموذج الصيني نفسه يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة مع ارتفاع تكاليف المعيشة والأجور داخل الصين وتراجع هامش “الميزة الرخيصة” التي اعتمدت عليها بكين لعقود.
معضلة واشنطن: المواجهة الآن أم لاحقًا؟
ويطرح هذا النقاش معضلة استراتيجية تواجه الولايات المتحدة:
إما التحرك سريعًا لتصعيد المواجهة مع الصين عبر العقوبات والحصار البحري والحروب الاقتصادية وربما المواجهة العسكرية غير المباشرة، مع تحمل صدمة اقتصادية عالمية ضخمة، أو الاستمرار في سياسة “إدارة التنافس” وتأجيل الحسم، ما يمنح الصين مزيدًا من الوقت لتعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية.
ويشير بعض الخبراء إلى أن الصين كانت قد حددت عام 2027 كموعد مستهدف للوصول إلى مستوى تكافؤ بحري مع الأسطول الأمريكي، وهو ما يجعل السنوات القليلة المقبلة شديدة الحساسية في ميزان القوى العالمي.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن زيارة ترامب إلى بكين لم تُظهر حتى الآن تحولًا أمريكيًا نحو مواجهة حاسمة، بل بدت أقرب إلى محاولة لشراء الوقت وتجنب انفجار اقتصادي عالمي جديد في ظل الحرب مع إيران وأزمة الطاقة العالمية.
إيران قد تحدد الاتجاه الأمريكي
ويربط محللون مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الصين بمسار الحرب مع إيران.
فإذا اتجهت واشنطن نحو تصعيد شامل ضد طهران، بما يشمل استهداف قطاع الطاقة الإيراني وربما البنية النفطية في الخليج، فقد يعني ذلك أن الولايات المتحدة اختارت نهج المواجهة المفتوحة لإعادة فرض هيمنتها العالمية بالقوة.
أما إذا استمرت الإدارة الأمريكية في البحث عن مخارج تفاوضية واحتواء تدريجي للصراع، فقد يكون ذلك مؤشرًا على استمرار سياسة “إدارة الأزمات” بدل حسمها.
وفي كلتا الحالتين، تبدو الصين المستفيد الأكبر من عامل الوقت، طالما بقيت واشنطن مترددة بين كلفة المواجهة ومخاطر التراجع.
عالم يتغير ببطء
ورغم أن الزيارة لم تنتج اتفاقات كبرى، إلا أنها عكست حقيقة أعمق تتشكل في النظام الدولي الحالي: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إيقاعها وحدها كما في العقود السابقة، بينما تواصل الصين توسيع نفوذها بهدوء عبر الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا.
وفي هذا المشهد، قد لا تكون معركة القرن الحادي والعشرين مواجهة عسكرية مباشرة، بل سباقًا طويلًا على القدرة على الصمود الاقتصادي وإدارة الوقت والموارد والتحالفات.
ولهذا، ربما لم تكن أهم نتائج زيارة ترامب إلى بكين ما قيل فيها، بل ما لم يحدث خلالها: لا تصعيد حاسم، ولا صفقة كبرى، ولا مواجهة مباشرة… فقط هدنة مؤقتة بين قوتين تعرفان أن الصدام الأكبر لم يُحسم بعد.
مجلس الشيوخ الأميركي يفشل مجددًا في تقييد حرب إيران.. الجمهوريون يتمسكون بترامب رغم تصاعد الضغوط
فشل مجلس الشيوخ الأميركي، للمرة السابعة منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، في تمرير مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب العسكرية ومنعه من تنفيذ هجمات جديدة ضد طهران دون موافقة الكونغرس، في مؤشر جديد على استمرار هيمنة ترامب على الحزب الجمهوري رغم تصاعد الجدل الداخلي بشأن كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.
وشهد التصويت انقسامًا محدودًا داخل الحزب الجمهوري، بعدما انضم ثلاثة سيناتورات جمهوريين إلى الديمقراطيين لدعم القرار، وهم راند بول وسوزان كولينز وليزا موركوفسكي، بينما صوّت السيناتور الديمقراطي جون فيترمان إلى جانب الجمهوريين، ما أدى إلى سقوط المشروع بفارق صوت واحد، بواقع 49 مقابل 50.
وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر قد دعا الجمهوريين إلى دعم قرار “صلاحيات الحرب”، معتبرًا أن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران بات يفرض أعباء متزايدة على الاقتصاد الأميركي والمواطنين، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.
وقال شومر إن الأميركيين يدفعون أكثر من 4.50 دولارات للغالون الواحد من الوقود، مضيفًا أن “استمرار الحرب يزيد الضغط على العائلات الأميركية ويهدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة”.
حرب تتحول إلى عبء داخلي
ويعكس تكرار محاولات الديمقراطيين تمرير قرارات لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية حجم القلق المتزايد داخل واشنطن من تحوّل الحرب مع إيران إلى أزمة سياسية واقتصادية داخلية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وخلال الأشهر الماضية، حاول الديمقراطيون ثماني مرات تمرير مشاريع مشابهة، بينها ست محاولات داخل مجلس الشيوخ واثنتان في مجلس النواب، لكن جميعها فشلت بسبب التماسك الجمهوري خلف ترامب، باستثناء عدد محدود من الأعضاء الذين أبدوا تحفظات على استمرار الحرب المفتوحة.
ورغم تزايد القلق داخل بعض الأوساط الجمهورية من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الأميركي وأسعار الطاقة، فإن القيادة الجمهورية ما تزال ترفض أي خطوات قد تُفسر باعتبارها تقييدًا مباشرًا للرئيس أو تشكيكًا في استراتيجيته تجاه إيران.
ترامب ما يزال يسيطر على الجمهوريين
ويشير التصويت الأخير إلى أن نفوذ ترامب داخل الحزب الجمهوري ما يزال قويًا، رغم اتساع الانتقادات المرتبطة بإدارة الحرب.
فالحزب الجمهوري يحتفظ بأغلبية مريحة نسبيًا داخل الكونغرس، مع سيطرته على مجلس الشيوخ بـ53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين، وعلى مجلس النواب بـ218 مقعدًا مقابل 212، ما يمنحه القدرة على تعطيل أي تشريعات لا تتماشى مع توجهات البيت الأبيض.
ويرى مراقبون أن عدداً من الجمهوريين باتوا يخشون أكثر من رد فعل قاعدة ترامب الانتخابية، مقارنة بمخاطر استمرار الحرب نفسها، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
الديمقراطيون يراهنون على “الكلفة السياسية”
وفي المقابل، يبدو أن الديمقراطيين يدركون صعوبة تمرير قراراتهم في ظل الأغلبية الجمهورية، لكنهم يستخدمون هذه المحاولات المتكررة لدفع الجمهوريين إلى تسجيل مواقف علنية من الحرب، وتحويل الملف إلى عبء انتخابي محتمل على ترامب وحلفائه.
كما يسعى الديمقراطيون إلى ربط الحرب مباشرة بالأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا ارتفاع أسعار الوقود والتضخم والإنفاق العسكري، في محاولة لتوسيع فجوة الخلاف داخل الشارع الأميركي بشأن استمرار المواجهة مع إيران.
انقسام أميركي أعمق حول الحرب
ويعكس الجدل المتواصل داخل الكونغرس انقسامًا أميركيًا أوسع بشأن أهداف الحرب وحدودها، خاصة مع غياب مؤشرات واضحة على حسم سريع للصراع أو تحقيق الأهداف المعلنة بالكامل.
ففي حين يواصل ترامب تقديم الحرب باعتبارها جزءًا من “استعادة الردع الأميركي” في الشرق الأوسط، يرى منتقدوه أن الإدارة دخلت في مواجهة مفتوحة يصعب إنهاؤها دون كلفة استراتيجية واقتصادية متصاعدة.
ومع استمرار العمليات العسكرية وتزايد الضغوط الاقتصادية، تبدو واشنطن أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتحول الحرب تدريجيًا من ملف خارجي إلى معركة سياسية داخلية قد تلعب دورًا حاسمًا في رسم ملامح الانتخابات الأميركية المقبلة.
التضخم الأميركي يقفز إلى 3.8%.. حرب إيران تضرب جيوب الأميركيين وتربك خطط الفيدرالي
ارتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.8% خلال أبريل الماضي، مسجلًا أعلى مستوى له منذ مايو 2023، في تطور يعكس التأثير المتزايد للحرب مع إيران على الاقتصاد الأميركي، بعدما بدأت صدمة الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والوقود تنتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والكهرباء والمعيشة اليومية للأميركيين.
وبحسب بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأميركي، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.6% على أساس شهري، متجاوزة توقعات الأسواق، بينما سجلت الأجور لأول مرة منذ ثلاث سنوات نموًا أقل من معدل التضخم، ما يعني تراجع القوة الشرائية الحقيقية للمواطنين الأميركيين.
وتشير البيانات إلى أن متوسط نمو الأجور السنوي بلغ 3.6% فقط، مقابل ارتفاع الأسعار بنسبة 3.8%، في مؤشر مقلق يعكس عودة الضغوط المعيشية التي ظن كثيرون أن الاقتصاد الأميركي تجاوزها بعد موجة التضخم الحادة التي أعقبت جائحة كورونا.
حرب إيران تصل إلى “سلة التسوق”
ويربط اقتصاديون القفزة الجديدة في التضخم بشكل مباشر بتداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، خصوصًا بعد تعطل حركة التجارة والطاقة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وقبل الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير، كان التضخم قد تراجع إلى 2.4%، لكن الأسعار عادت إلى الارتفاع بسرعة خلال مارس وأبريل مع تصاعد أزمة الطاقة العالمية.
وقال الخبير الاقتصادي سونغ وون سون إن “تكلفة المعيشة ما تزال غير مريحة للمستهلكين”، مضيفًا أن هذه الأرقام تعني على الأرجح تأجيل أي خفض قريب للفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
كما وصف كبير الاقتصاديين في شركة RSM الأميركية جو بروسويلاس الوضع بالقول: “الحرب وصلت إلى الداخل الأميركي، والناس باتوا يشعرون بها داخل سلة البقالة الخاصة بهم”.
الوقود والكهرباء والغذاء.. موجة غلاء واسعة
وتُظهر البيانات أن أسعار الوقود ما تزال المحرك الأكبر للتضخم، بعدما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 5.4% خلال أبريل، في ثاني أسرع وتيرة ارتفاع منذ أواخر 2023، رغم أنها أقل من القفزة القياسية المسجلة في مارس.
كما ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 2.1% خلال شهر واحد، وهي أسرع زيادة شهرية منذ أكثر من أربع سنوات، مع تأثر قطاع الطاقة الأميركي بارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا.
أما الغذاء، فواصل تسجيل زيادات ملحوظة، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية عمومًا بنسبة 0.5% خلال أبريل، بينما زادت أسعار البقالة بنسبة 0.7%.
وسجلت أسعار الفواكه والخضراوات الطازجة واحدة من أكبر القفزات، بارتفاع بلغ 2.3% خلال شهر واحد، وهي أعلى زيادة شهرية منذ عام 2010، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف النقل والشحن بسبب أزمة الوقود.
وكانت الطماطم من أكثر السلع تأثرًا، بعدما ارتفعت أسعارها بأكثر من 15% للشهر الثاني على التوالي.
الأجور لم تعد تكفي
وللمرة الأولى منذ أبريل 2023، أصبحت الأجور الأميركية تنمو بوتيرة أبطأ من التضخم، ما يعني أن كثيرًا من الأسر الأميركية بدأت تخسر فعليًا جزءًا من قدرتها الشرائية.
ويأتي ذلك في وقت تظهر فيه مؤشرات متزايدة على تباطؤ سوق العمل وارتفاع الضغوط المالية على الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل.
كما أظهرت بيانات صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ارتفاع معدلات التعثر في سداد القروض، خصوصًا قروض الطلاب، في إشارة إلى اتساع الضغوط المعيشية والديون على الأميركيين.
الفيدرالي في مأزق
وتضع هذه الأرقام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أمام معضلة معقدة.
فمن جهة، يحتاج الاقتصاد إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النمو وسوق العمل، لكن استمرار التضخم قرب 4% يجعل أي خفض سريع للفائدة محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا مع استمرار اضطرابات الطاقة العالمية.
كما ارتفع “التضخم الأساسي”، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 2.8% سنويًا، وهو ما يشير إلى أن الضغوط التضخمية لم تعد محصورة فقط في قطاع الطاقة.
ويرى اقتصاديون أن بعض العوامل الحالية قد تكون مؤقتة، مثل آثار الإغلاق الحكومي السابق أو ارتفاع أسعار تذاكر الطيران وخدمات البث، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يبقي التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
أزمة اقتصادية تتحول إلى أزمة سياسية
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الأوضاع المعيشية واحدة من أكبر نقاط الضعف السياسية لإدارة ترامب.
فاستطلاع جديد لشبكة CNN أظهر أن 77% من الأميركيين، بمن فيهم غالبية من الجمهوريين، يعتقدون أن سياسات ترامب ساهمت في رفع تكلفة المعيشة داخل مجتمعاتهم.
ومع اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، وتزايد الضغوط على الطبقة الوسطى، يبدو أن الحرب مع إيران بدأت تتحول تدريجيًا من ملف جيوسياسي خارجي إلى أزمة اقتصادية داخلية تمس الحياة اليومية للأميركيين، وقد تصبح أحد العوامل الحاسمة في المشهد السياسي الأميركي خلال المرحلة المقبلة.
ترامب يزداد ضيقًا من صمود كوبا.. واشنطن تضغط والنظام الكوبي يرفض الانهيار
كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن تصاعد حالة الإحباط داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب فشل سياسة “الضغط الأقصى” في إسقاط النظام الكوبي أو دفعه إلى تقديم تنازلات سياسية جوهرية، رغم أشهر من العقوبات الاقتصادية والتضييق المالي والتلويح بالخيار العسكري.
وبحسب تقرير نقلته وسائل إعلام أمريكية استنادًا إلى مسؤولين في البيت الأبيض، فإن ترامب بات “غير صبور” تجاه استمرار النظام الكوبي في التماسك، في وقت كانت الإدارة الأمريكية تتوقع فيه أن تؤدي الأزمة الاقتصادية الخانقة وانقطاع الوقود وتراجع الدعم الفنزويلي إلى تسريع انهيار السلطة في هافانا.
وتحدث ترامب خلال الأيام الأخيرة عن أن “كوبا تطلب المساعدة”، مؤكدًا أن بلاده “ستتحدث معها في الوقت المناسب”، من دون الكشف عن طبيعة هذه المحادثات أو سقفها السياسي. كما وصف كوبا بأنها “دولة فاشلة” تتجه نحو الانهيار.
تصعيد أمريكي وضغوط غير مسبوقة
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، صعّد ترامب بشكل كبير الضغوط الاقتصادية والسياسية على هافانا، عبر توسيع العقوبات المالية، وتشديد الحصار على إمدادات الوقود، وتقييد التحويلات والسفر، إضافة إلى استهداف الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية الكوبية.
كما لوّحت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة بإمكانية اتخاذ خطوات أكثر حدة، وسط تقارير تحدثت عن زيادة ملحوظة في رحلات الاستطلاع والمراقبة الجوية الأمريكية قرب السواحل الكوبية خلال الأشهر الماضية.
وبينما نفت مصادر أمريكية وجود خطة وشيكة لغزو عسكري، أكدت أن واشنطن تبحث “خيارات متعددة” للضغط على النظام الكوبي، بالتوازي مع اتصالات غير معلنة ومقترحات تتضمن مساعدات إنسانية واقتصادية مقابل إصلاحات سياسية وإطلاق سراح معتقلين سياسيين.
لماذا لم يسقط النظام الكوبي؟
ورغم الضغوط، يبدو أن حسابات الإدارة الأمريكية لم تتحقق حتى الآن، إذ لا يزال النظام الكوبي قادرًا على الحفاظ على تماسكه السياسي والأمني، حتى مع دخول البلاد واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ عقود.
ويرى محللون أن واشنطن أخطأت في تقدير قدرة السلطة الكوبية على الصمود، خاصة أن بنية النظام أكثر مركزية وتماسكًا مقارنة بحالات أخرى مثل فنزويلا، كما أن المؤسسة الحاكمة ما تزال تدير مفاصل الأمن والجيش والاقتصاد بشكل محكم.
كما تشير تقديرات إلى أن القيادة الكوبية تراهن على عامل الوقت، وعلى صعوبة انخراط واشنطن في مغامرة عسكرية جديدة، خصوصًا في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات أكثر تعقيدًا مثل إيران والصين وأوكرانيا.
ماركو روبيو يقود النهج المتشدد
ويلعب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دورًا محوريًا في التصعيد ضد هافانا، مستفيدًا من خلفيته السياسية المرتبطة بالجالية الكوبية المعارضة للنظام.
وتصف تقارير أمريكية روبيو بأنه أحد أبرز الداعين إلى تشديد الخناق على الحكومة الكوبية، مع قناعته بأن الأزمة الحالية تمثل “أفضل فرصة منذ عقود” لإضعاف النظام أو دفعه إلى تغييرات جذرية.
لكن في المقابل، يعتقد مراقبون أن الإدارة الأمريكية تواجه معضلة حقيقية: فهي تريد إظهار القوة والقدرة على فرض التغيير، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي تصعيد عسكري مباشر ضد كوبا قد يفتح أزمة دولية جديدة في محيط جغرافي حساس، ويعيد إلى الأذهان أجواء أزمة الصواريخ الكوبية خلال الحرب الباردة.
هل تقترب “لحظة كوبا”؟
ورغم الحديث المتكرر داخل واشنطن عن أن “كوبا التالية” بعد فنزويلا وإيران، لا توجد مؤشرات واضحة حتى الآن على اقتراب انهيار النظام أو حدوث تدخل عسكري أمريكي مباشر.
لكن المؤكد، بحسب تقارير وتحليلات أمريكية، أن إدارة ترامب تنظر إلى كوبا باعتبارها ملفًا استراتيجيًا مفتوحًا، وأن الضغوط الحالية ليست مجرد عقوبات مؤقتة، بل جزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات السياسية في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية.
لماذا أبقى الفيدرالي على جيروم باول مؤقتًا رغم انتهاء ولايته واعتماد كيفن وارش؟
أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إبقاء جيروم باول رئيسًا مؤقتًا للبنك المركزي، رغم انتهاء ولايته الرسمية التي استمرت ثماني سنوات، في خطوة تعكس حساسية المرحلة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة، وتكشف حجم القلق داخل المؤسسة النقدية من أي فراغ أو ارتباك في القيادة خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا منذ سنوات.
وجاء القرار بعد مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين كيفن وارش رئيسًا جديدًا للاحتياطي الفيدرالي لمدة أربع سنوات، إلا أن توليه المنصب تأجل إلى حين استكمال الإجراءات الرسمية المرتبطة بتوقيع الرئيس دونالد ترامب على قرار التعيين، إضافة إلى إنهاء وارش ترتيبات قانونية وأخلاقية تتعلق بتخارجاته الاستثمارية.
وقال الفيدرالي إن تعيين باول “رئيسًا مؤقتًا” يتماشى مع السوابق المؤسسية خلال مراحل الانتقال بين رؤساء البنك المركزي، لكن القرار فتح باب الجدل داخل المؤسسة نفسها، خاصة مع غياب إطار زمني واضح لانتهاء المرحلة المؤقتة.
لماذا لا يريد الفيدرالي فراغًا في القيادة الآن؟
ويأتي هذا الانتقال في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية.
فالولايات المتحدة تواجه ضغوطًا تضخمية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الإمدادات العالمية بعد أزمة مضيق هرمز والحرب الإقليمية المستمرة، بينما يراقب المستثمرون أي إشارة من الاحتياطي الفيدرالي حول مستقبل أسعار الفائدة.
وفي مثل هذه الظروف، يخشى صناع القرار داخل البنك المركزي من أن يؤدي أي ارتباك إداري أو انتقال غير منظم للسلطة إلى اهتزاز ثقة الأسواق المالية.
ولهذا فضّل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على باول بصورة مؤقتة، باعتباره شخصية معروفة للأسواق وقاد المؤسسة خلال أزمات كبرى، بينها جائحة كورونا وأعلى موجة تضخم تشهدها الولايات المتحدة منذ أربعة عقود.
انقسام داخل الفيدرالي
لكن القرار لم يمر دون اعتراض.
فقد صوّت عضوا المجلس ستيفن ميران وميشيل بومان ضد أو تحفظا على الإجراء، معتبرين أن بقاء باول من دون سقف زمني واضح يخلق حالة ضبابية غير ضرورية، خاصة مع وجود رئيس جديد تمت المصادقة عليه بالفعل.
وطالب المعارضان بأن يخضع أي تمديد إضافي لتصويت جديد إذا تأخر أداء وارش اليمين لفترة أطول.
ويعكس هذا الخلاف نقاشًا أعمق داخل الفيدرالي حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المؤسسة تحتاج إلى استمرارية حذرة أم إلى تحول أسرع في السياسة النقدية مع وصول القيادة الجديدة.
من هو كيفن وارش؟
ويُنظر إلى كيفن وارش باعتباره شخصية مختلفة نسبيًا عن باول.
فوارش، العضو السابق في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين 2006 و2011، لعب دورًا بارزًا خلال أزمة 2008 المالية، ويُعرف بميله إلى تشديد الانضباط النقدي وانتقاده لتوسع تدخل البنك المركزي في الأسواق.
كما يُعتبر أكثر تحفظًا تجاه برامج شراء السندات وتضخم ميزانية الفيدرالي، وهو ما يجعل الأسواق تتوقع نهجًا أكثر تشددًا في التعامل مع التضخم وأسعار الفائدة.
وعمل وارش سابقًا في بنك “مورغان ستانلي”، كما شغل مناصب اقتصادية في إدارة جورج بوش الابن، ما يمنحه علاقات قوية داخل الدوائر المالية والسياسية الأميركية.
الجدير بالذكر أن وارش يهودي الديانة، وهو متزوج من إبنة رونالد لاودر رئيس المجلس اليهودي العالمي، وهو من أهم الشخصيات الداعمة لإسرائيل تأثيرًا على المستوى العالمي.
لماذا ما يزال باول مؤثرًا؟
ورغم انتهاء ولايته كرئيس، فإن جيروم باول ما يزال عضوًا في مجلس المحافظين، كما أعلن أنه سيبقى داخل المؤسسة إلى حين اقتناعه بانتهاء التحقيق الجنائي المرتبط به في إدارة ترامب.
ويُعد باول من أكثر رؤساء الفيدرالي تأثيرًا خلال العقود الأخيرة، بعدما قاد البنك المركزي خلال فترات شديدة الاضطراب، واتخذ قرارات تاريخية برفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.
لكن سياساته واجهت أيضًا انتقادات حادة، خاصة من ترامب، بسبب إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة طويلة، إلى جانب الجدل حول تكاليف تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي.
الأسواق تراقب “الرسالة السياسية”
ويرى محللون أن أهمية الانتقال الحالي لا تتعلق فقط بالأشخاص، بل بالرسالة السياسية والاقتصادية الكامنة خلفه.
فإدارة ترامب تريد على الأرجح قيادة نقدية أكثر انسجامًا مع أولوياتها الاقتصادية والسياسية، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الناتجة عن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو العالمي.
وفي المقابل، يحاول الفيدرالي الحفاظ على صورته كمؤسسة مستقلة لا تخضع بالكامل للضغوط السياسية القادمة من البيت الأبيض.
التضخم هو العقدة الأساسية
وتأتي هذه التطورات بينما يواجه الاقتصاد الأميركي موجة تضخمية جديدة.
فأسعار البنزين تجاوزت 4.50 دولارات للغالون لأول مرة منذ 2022، فيما تستمر أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات بالارتفاع، مع تزايد المخاوف من ترسخ التضخم لفترة طويلة.
وهذا يعني أن الرئيس الجديد للفيدرالي سيتسلم المنصب في لحظة بالغة التعقيد: الاقتصاد يتباطأ، لكن التضخم لم ينكسر بعد، وأسواق الطاقة العالمية ما تزال مضطربة.
وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، تبدو المرحلة الانتقالية داخل الاحتياطي الفيدرالي أكثر من مجرد تغيير إداري، بل جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل الاقتصاد الأميركي، وحدود استقلال البنك المركزي، وكيفية إدارة واحدة من أكثر اللحظات هشاشة في النظام المالي العالمي منذ سنوات.
إيران
أكاديمي إيراني: واشنطن وتل أبيب فشلتا في الحرب.. وإيران خرجت أقوى عسكريًا
اعتبر الأكاديمي والمحلل الإيراني محمد مرندي أن الولايات المتحدة وإسرائيل فشلتا في تحقيق أهدافهما خلال الحرب الأخيرة على إيران، مؤكدًا أن طهران خرجت من المواجهة أكثر قوة على المستوى العسكري، رغم الخسائر الاقتصادية والدمار الذي طال البنية التحتية.
وجاءت تصريحات مرندي خلال مقابلة مطولة مع القاضي والإعلامي الأمريكي أندرو نابوليتانو على قناته على اليوتيوب ضمن برنامج “Judging Freedom”، حيث قدّم قراءة شديدة الانتقاد للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، معتبرًا أن نتائج الحرب ستؤثر على توازنات القوة العالمية، وليس فقط على المنطقة.
وقال مرندي إن استمرار الحرب “ليس منطقيًا” من وجهة نظر المصالح الأمريكية، لأن الولايات المتحدة تواجه أزمات داخلية واقتصادية متراكمة، كما أن التصعيد قد يضر بالعلاقات مع الصين ويعقّد قمة ترامب–شي جين بينغ.
لكنه أشار في المقابل إلى أن “نفوذ إسرائيل واللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة” يجعل احتمال العودة إلى حرب ساخنة قائمًا، مضيفًا أن خطر التصعيد “ليس منخفضًا”.
“إسرائيل لا تستطيع مواجهة إيران وحدها”
وأكد مرندي أن إسرائيل غير قادرة على خوض مواجهة مفتوحة ضد إيران من دون دعم أمريكي مباشر، معتبرًا أن طهران باتت اليوم “أكثر استعدادًا وقوة” مقارنة ببداية الحرب.
وقال إن إيران استخدمت في الأسابيع الأولى من الحرب أسلحة قديمة نسبيًا، بينما واصلت خلال الحرب وبعدها تطوير صواريخ وطائرات مسيرة أكثر تطورًا، مضيفًا أن “التقديرات المسربة من وكالة CIA تقلل من القوة الحقيقية لإيران”.
كما اعتبر أن الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل انتهت فعليًا لصالح طهران، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدأ البحث عن وقف إطلاق نار بعد أيام قليلة من بدء المواجهة.
“ترامب يريد صفقة لكنه يتراجع”
وفي تعليقه على إدارة ترامب، قال مرندي إن الرئيس الأمريكي يتجنب عادةً القرارات ذات الكلفة العالية، ويفضل الحلول الآمنة أو تأجيل الأزمات بدل الدخول في مواجهات حاسمة.
وأضاف أن واشنطن بدأت الحرب بشعار “الاستسلام غير المشروط”، لكنها انتهت – بحسب وصفه – بقبول “خطة إيران ذات النقاط العشر” كأساس للتفاوض.
كما رأى أن فشل الحرب أضعف صورة الولايات المتحدة عالميًا، وقد يؤثر على ثقة حلفائها في شرق آسيا وأماكن أخرى بقدرتها على مواجهة الصين أو فرض الهيمنة العسكرية كما في السابق.
وأشار مرندي إلى مقال نشره المفكر الأمريكي المحافظ روبرت كاغان، اعتبر فيه أن واشنطن لم تستطع “عكس أو السيطرة على هزيمتها” في إيران، معتبرًا أن هذا يعكس إدراكًا متزايدًا داخل النخب الأمريكية لحجم الفشل الإستراتيجي.
إيران: الحصار سيضرب أمريكا أسرع منا
وفي الملف الاقتصادي، أكد مرندي أن إيران قادرة على التعايش مع الحصار والعقوبات، مستشهدًا بفترات سابقة وصلت فيها صادرات النفط الإيرانية إلى مستويات شبه معدومة خلال ولاية ترامب الأولى.
لكنه اعتبر أن الأزمة الحالية ستضرب الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة بوتيرة أسرع مما ستضرب إيران نفسها، خصوصًا مع استمرار اضطرابات الطاقة والتجارة العالمية.
وقال إن الاقتصاد العالمي “يتجه نحو أزمة حقيقية”، وإن آثار الحصار على إيران ستنعكس بشكل كارثي على دول لم تختبر سابقًا العقوبات أو أزمات الإمداد.
هرمز تحت السيطرة الإيرانية
وحول مضيق هرمز، أكد مرندي أن إيران “مصممة” على الاحتفاظ بالسيطرة على المضيق مستقبلًا، مشيرًا إلى أن أي سفينة تمر عبره ستكون مضطرة للامتثال للشروط الإيرانية.
كما تحدث عن تعاون عُماني–إيراني في إدارة المرور البحري، موضحًا أن بعض الدول قد تحصل على معاملة مختلفة تبعًا لطبيعة علاقاتها مع طهران.
وأشار إلى أن إيران ما تزال تصدّر النفط رغم الحصار، وإن كانت الظروف أصبحت أكثر صعوبة نتيجة الحرب والضغوط الاقتصادية.
الإمارات و”العلاقة السرية” مع إسرائيل
وفي تعليقه على التقارير التي تحدثت عن زيارة سرية لنتنياهو إلى الإمارات، اعتبر مرندي أن الكشف عن هذه الزيارة ألحق ضررًا كبيرًا بصورة أبوظبي داخل المنطقة.
وقال إن العلاقات بين الإمارات وإسرائيل كانت معروفة ضمنًا، لكن “إظهارها بهذا الشكل خلال الحرب” يمثل “سمًا سياسيًا” بالنسبة للقيادة الإماراتية، ويقوي موقف إيران وحلفائها في المنطقة.
كما رأى أن نتنياهو يسعى عبر هذه التحركات إلى تعويض إخفاقاته في غزة ولبنان وإيران، وإظهار نفسه كصاحب نجاحات دبلوماسية في لحظة يواجه فيها ضغوطًا داخلية متزايدة.
“إيران ليست كما يصورها الغرب”
وخلال المقابلة، انتقد مرندي ما وصفه بـ ”الصورة المشوهة” التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن إيران، مؤكدًا أن الأمريكيين الموجودين داخل إيران يعيشون حياة طبيعية، وأن المجتمع الإيراني لا يحمل عداءً للشعب الأمريكي بقدر ما يعارض السياسات الأمريكية.
كما اتهم الغرب بدعم تيارات متطرفة مثل “داعش” و ”القاعدة” و ”طالبان” في مراحل مختلفة، ثم تقديمها للرأي العام باعتبارها تمثل الإسلام أو إيران، رغم أن “إيران وحزب الله هما من أكبر أعداء تلك التنظيمات”، بحسب تعبيره.
وختم مرندي حديثه بالتأكيد أن الحرب الأخيرة لن تقتصر نتائجها على الشرق الأوسط، بل ستؤثر تدريجيًا على موازين القوى العالمية، وعلى صورة الولايات المتحدة ونفوذها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية خلال السنوات المقبلة.
تركيا
غاز وحديد وموانئ.. كيف بنت تركيا موطئ قدم اقتصاديًا عميقًا داخل الجزائر؟
تشهد العلاقات التركية الجزائرية تحولًا متسارعًا من مجرد تعاون اقتصادي تقليدي إلى شراكة استراتيجية واسعة، باتت تشمل الطاقة والصناعة والتمويل والنقل والبنية اللوجستية، في مسار يعكس سعي أنقرة إلى ترسيخ حضور طويل الأمد داخل واحدة من أكبر أسواق شمال أفريقيا، بالتوازي مع محاولة الجزائر إعادة تنويع شركائها بعيدًا عن الاعتماد التاريخي على أوروبا.
وجاءت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى أنقرة مطلع مايو الجاري لتكرّس هذا التحول، بعدما شهدت إطلاق “مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” بين البلدين، إلى جانب توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات شملت النقل والتجارة والاستثمار والزراعة والاتصالات والتعاون الصناعي، إضافة إلى بدء مفاوضات اتفاق تجارة تفضيلية قد يعيد رسم خريطة التبادل التجاري في المنطقة.
من مليار دولار إلى شراكة استراتيجية
وتكشف الأرقام حجم التوسع الذي شهدته العلاقات الاقتصادية خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من أقل من مليار دولار مطلع الألفية إلى أكثر من 5.3 مليارات دولار في 2023، ثم إلى ما بين 6.3 و6.5 مليارات دولار خلال 2024، مع هدف معلن من الرئيسين رجب طيب أردوغان وعبد المجيد تبون للوصول إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.
كما أصبحت تركيا رابع أكبر مورّد للجزائر بعد الصين وفرنسا وإيطاليا، في مؤشر على إعادة تشكل تدريجية لخريطة النفوذ الاقتصادي في شمال أفريقيا.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لم يعد قائمًا فقط على التجارة، بل على بناء شبكة مصالح صناعية وطاقوية ولوجستية متداخلة تمنح أنقرة موطئ قدم أعمق داخل الاقتصاد الجزائري.
الحديد والنسيج والطاقة.. مفاتيح التمدد التركي
ويبرز مشروع “توسيالي” للحديد والصلب في وهران كأكبر استثمار صناعي تركي داخل الجزائر، باستثمارات تجاوزت 2.5 مليار دولار وقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 4 ملايين طن سنويًا، ما جعله أحد أهم مشاريع الصناعات الثقيلة في شمال أفريقيا.
كما يشكل مشروع “تايال” للنسيج في غليزان، الذي تبلغ قيمته نحو 1.5 مليار دولار، أحد أكبر مشاريع النسيج في المنطقة، إلى جانب استثمارات “حياة القابضة” التركية في الصناعات الاستهلاكية.
وبصورة إجمالية، تضم الجزائر أكثر من 1600 شركة تركية باستثمارات تفوق 8 مليارات دولار، موزعة على قطاعات الصناعة والتعدين والزراعة والبنية التحتية والخدمات، مع مساهمة هذه المشاريع في توفير أكثر من 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
وفي المقابل، تعتمد تركيا بشكل متزايد على الجزائر كمصدر مهم للطاقة، خصوصًا الغاز الطبيعي، إذ تجاوزت واردات الغاز الجزائري إلى تركيا مليار دولار خلال 2024 ، بينما تعد الجزائر من أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال للسوق التركية.
اتفاقيات لتقليل كلفة التجارة
ولا تتوقف أهمية الاتفاقيات الأخيرة عند بعدها السياسي، بل ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل كلفة الاستيراد والتصدير بين البلدين.
فالاتفاقيات اللوجستية المتعلقة بالنقل والاتصالات والخدمات البريدية والاعتراف المتبادل برُخَص القيادة تستهدف تقليل زمن الشحن وتعقيدات النقل، بينما تسعى الاتفاقيات الفنية الخاصة بالتقييس والمطابقة والحجر الزراعي إلى تسهيل دخول المنتجات التركية إلى السوق الجزائرية بسرعة أكبر وكلفة أقل.
لكن النقطة الأهم تبقى مفاوضات “اتفاق التجارة التفضيلية”، إذ يمكن لأي خفض جمركي أن يمنح السلع التركية ميزة سعرية واضحة داخل السوق الجزائرية، التي تفرض رسومًا مرتفعة نسبيًا على الواردات.
وبحسب الدراسة، فإن تخفيض الرسوم الجمركية قد يجعل المنتجات التركية أرخص بنسبة تتراوح بين 10 و25% في قطاعات حيوية مثل المعدات والآلات والمنسوجات والمنتجات الغذائية والسلع المنزلية.
استراتيجية تركية تقوم على “التموضع” لا التصدير فقط
ويرى التقرير أن تركيا لا تسعى فقط إلى زيادة صادراتها، بل إلى بناء “تموضع إنتاجي طويل الأمد” داخل الجزائر، عبر إنشاء مصانع مشتركة وربط السوق الجزائرية بسلاسل القيمة التركية.
ويظهر ذلك بوضوح في افتتاح فرع لبنك “زراعات” الحكومي التركي داخل الجزائر مطلع 2025، بهدف تمويل التجارة وتسهيل التحويلات والاعتمادات للشركات التركية العاملة هناك. كما اتفق البلدان على رفع عدد الرحلات الجوية الأسبوعية من 35 إلى 80 رحلة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الربط اللوجستي والتجاري.
كما تعتمد أنقرة على استراتيجية انتقائية تركز على القطاعات التي تمتلك فيها ميزة تنافسية واضحة، مثل الحبوب والبقول والزيوت النباتية والمنسوجات ومواد البناء والسلع المنزلية والآلات المتوسطة.
هل تستطيع تركيا تجاوز فرنسا والصين؟
ورغم هذا التوسع، يرى التقرير أن تحول تركيا إلى المورد الأول للجزائر ما يزال هدفًا بعيدًا نسبيًا.
فالصين ما تزال تتصدر قائمة موردي الجزائر بفارق كبير، بصادرات قاربت 11.7 مليار دولار خلال 2024، تليها فرنسا بأكثر من 5 مليارات دولار، بينما بلغت الصادرات التركية نحو 2.87 مليار دولار فقط.
لكن تركيا تبدو قريبة من تجاوز إيطاليا، كما أن التوترات السياسية المتكررة بين الجزائر وفرنسا، إلى جانب المخاوف الجزائرية من الاعتماد المفرط على الصين، تمنح أنقرة مساحة أوسع للتحرك.
ويخلص التقرير إلى أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في صعود تركيا تدريجيًا إلى المرتبة الثالثة ثم الثانية بين شركاء الجزائر التجاريين، مع إمكانية تحولها إلى المورد الأول في قطاعات محددة مثل الأغذية والمنسوجات ومواد البناء وبعض المعدات الصناعية.
أما الوصول إلى المرتبة الأولى بشكل شامل، فسيحتاج – بحسب التقرير – إلى سنوات من النمو المستدام، واتفاق تجارة تفضيلية فعال، وتحول أعمق من مجرد التبادل التجاري نحو شراكة صناعية وهيكلية طويلة الأمد داخل الاقتصاد الجزائري.
إسبانيا تتجه نحو المقاتلة التركية “قآن”.. هل بدأت أوروبا البحث عن بديل عسكري خارج الهيمنة الأمريكية؟
بدأت إسبانيا مفاوضات أولية مع تركيا بشأن احتمال شراء المقاتلة الشبحية التركية “قآن” (KAAN)، في خطوة تعكس تحوّلًا متزايدًا داخل أوروبا نحو البحث عن استقلالية عسكرية وصناعية أكبر بعيدًا عن منظومات التسليح الأمريكية، خصوصًا بعد تصاعد التوترات السياسية بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من الحلفاء الأوروبيين.
وبحسب المعطيات المتداولة، جاءت المفاوضات بعد أشهر من توقيع مدريد عقدًا بقيمة 3.12 مليارات يورو لشراء 45 طائرة تدريب تركية من طراز “هُرجِت”، ضمن شراكة تشمل مشاركة شركات إسبانية في دمج أنظمة الطيران والإلكترونيات العسكرية، ما يشير إلى انتقال التعاون الدفاعي بين أنقرة ومدريد من مستوى الصفقات المحدودة إلى بناء شراكة جوية–صناعية أوسع.
لماذا تفكر إسبانيا في بديل عن F-35؟
وتواجه القوات الجوية الإسبانية أزمة متصاعدة بسبب تقادم أسطول طائرات “هورنت” الأمريكية، التي دخل معظمها الخدمة بين عامي 1986 و1990، مع اقتراب كثير منها من الحد الأقصى لساعات الطيران التشغيلية.
ورغم أن مقاتلة F-35 الأمريكية تبدو نظريًا الخيار الأكثر جاهزية لتعويض هذا النقص، فإن مدريد أبدت تحفظات متزايدة على الاعتماد الكامل على البنية التشغيلية الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بالبرمجيات وأنظمة البيانات والصيانة العميقة المرتبطة بالبنية الرقمية الأمريكية.
وبحسب التحليل الوارد في النص، فإن النقاش داخل إسبانيا لم يعد يقتصر على أداء الطائرة القتالي، بل بات يرتبط بما يوصف بـ ”السيادة البرمجية”، أي قدرة الدولة على التحكم بأنظمة الطائرة وبياناتها وأنظمة الحرب الإلكترونية الخاصة بها دون اعتماد كامل على واشنطن.
“قآن”… مقاتلة أقل نضجًا لكن أكثر استقلالية
وتسوق تركيا مقاتلتها “قآن” باعتبارها منصة قتالية تمنح الدول الشريكة مساحة أكبر من التحكم المحلي في البرمجيات والأنظمة الإلكترونية وسلاسل الصيانة والتحديث، إلى جانب إشراك الصناعات الوطنية للدول المشترية في عمليات الدمج والتطوير.
وترى أنقرة أن هذه النقطة تشكل عنصر جذب أساسيًا للدول الأوروبية التي بدأت تبدي قلقًا متزايدًا من اعتمادها الكامل على الأنظمة الأمريكية، خاصة بعد استخدام واشنطن ملفات التسليح والعقوبات والوجود العسكري كورقة ضغط سياسية في السنوات الأخيرة.
لكن في المقابل، ما تزال “قآن” في مرحلة الاختبارات والتطوير، بعدما أجرت أول رحلة تجريبية لها في فبراير 2024، مع توقعات بدخولها الخدمة الأولية نحو عام 2029، ما يجعل المشروع يحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة مقارنة بـF-35 التي دخلت الخدمة بالفعل لدى أكثر من 15 دولة.
كما تعتمد النماذج الحالية من “قآن” على محركات أمريكية من جنرال إلكتريك، ما يعني أن صادرات الطائرة قد تبقى خاضعة لترخيص أمريكي إلى حين تطوير محرك تركي محلي بالكامل.
ترامب وأزمة الثقة الأوروبية
ويكتسب التحرك الإسباني أهمية سياسية إضافية في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات بين إدارة ترامب وبعض الحلفاء الأوروبيين، خصوصًا بعد تهديدات أمريكية متكررة بإعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا وربطه بالمواقف السياسية للدول الحليفة.
وبحسب التحليل، فإن تهديد ترامب بسحب قوات أمريكية من إسبانيا بسبب موقفها من الحرب على إيران ساهم في تسريع النقاش الإسباني حول بدائل تقلل الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس تحوّلًا أوسع داخل أوروبا، حيث بدأت عدة دول بمراجعة مستوى ارتباطها بالبنية التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، سواء في مجالات الذكاء الاصطناعي أو الاتصالات أو الصناعات الدفاعية.
تركيا تدخل سوق السلاح الأوروبي
وبالنسبة لأنقرة، تمثل المفاوضات مع مدريد فرصة استراتيجية كبيرة.
فنجاح تركيا في إدخال “قآن” إلى السوق الأوروبية سيمنح صناعاتها الدفاعية دفعة هائلة، ويكرّس تحولها من مستورد للسلاح إلى لاعب دولي في صناعة المقاتلات المتقدمة.
كما أن إشراك شركات إسبانية في عمليات الدمج والصيانة يمنح المشروع بعدًا أوروبيًا قد يساعد في تسويقه داخل دول أخرى تبحث عن بدائل أكثر استقلالية من المنظومات الأمريكية.
أوروبا بين “السيادة” والجاهزية
لكن رغم هذا الحماس، لا يزال السؤال الأساسي مطروحًا داخل الأوساط العسكرية الأوروبية: هل تستطيع الدول الأوروبية التضحية بالجاهزية العملياتية الحالية مقابل مكاسب السيادة والاستقلال الصناعي؟
فـF-35 تمتلك سجلًا قتاليًا وتشغيليًا متقدمًا، ومنظومة دمج واستشعار متطورة أثبتت فعاليتها داخل الناتو، بينما ما تزال “قآن” مشروعًا قيد الاختبار لم يخضع بعد لتجارب قتالية حقيقية.
ومع ذلك، يبدو أن النقاش الأوروبي يتحول تدريجيًا من سؤال “ما هي أفضل طائرة؟” إلى سؤال أعمق: “من يملك قرار تشغيل الطائرة والتحكم بها؟”.
وفي هذا السياق، قد لا تكون المقاتلة التركية مجرد صفقة تسليح محتملة، بل مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة تسعى فيها بعض الدول الأوروبية إلى إعادة بناء قدر من الاستقلال الإستراتيجي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
تحالف دفاعي جديد يتشكل؟.. باكستان تلمّح لانضمام تركيا وقطر إلى اتفاق عسكري مع السعودية
كشفت باكستان عن احتمال انضمام تركيا وقطر إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بينها وبين السعودية، في خطوة قد تعيد رسم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وسط التصعيد الإقليمي الناتج عن الحرب الأميركية–الإيرانية واتساع مخاوف الدول الحليفة لواشنطن من الانفلات الأمني في المنطقة.
وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن بلاده ترحب بانضمام كل من تركيا وقطر إلى الاتفاق الدفاعي القائم مع السعودية، معتبرًا أن هذه الخطوة ستسهم في بناء “منصة أوسع للتعاون بين الدول متقاربة التوجهات” بهدف تعزيز الأمن الجماعي والاستقرار الإقليمي.
وأضاف آصف، خلال مقابلة تلفزيونية محلية، أن الاتفاقية ما تزال في طور الاستكمال والتطوير، في إشارة إلى أن الترتيبات الدفاعية قد تتوسع تدريجيًا لتتحول إلى إطار أمني متعدد الأطراف يتجاوز التعاون الثنائي التقليدي.
من اتفاق ثنائي إلى محور أمني أوسع
وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر الماضي، تنص على أن “أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعتبر اعتداءً على الأخرى”، في صيغة تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين.
لكن الحديث عن احتمال انضمام تركيا وقطر يمنح الاتفاق أبعادًا إقليمية أكبر، خصوصًا أن الدول الأربع تمتلك تقاطعات سياسية وعسكرية متزايدة خلال السنوات الأخيرة، سواء في ملفات الشرق الأوسط أو الأمن الإقليمي أو الصناعات الدفاعية.
ويرى مراقبون أن التحالف المحتمل قد يمثل بداية تشكل محور أمني جديد يضم قوى سنية رئيسية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية متقدمة نسبيًا، في مواجهة بيئة إقليمية شديدة الاضطراب بعد الحرب مع إيران.
الحرب مع إيران تعيد تشكيل الاصطفافات
ويأتي هذا التطور بينما تعيش المنطقة واحدة من أكبر عمليات إعادة التموضع الأمني والسياسي منذ سنوات.
فالحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران دفعت عدة دول إلى إعادة تقييم تحالفاتها الدفاعية، خصوصًا مع اتساع الهجمات الإيرانية والتهديدات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
وفي هذا السياق، تبدو السعودية معنية بتوسيع شبكات الردع والتنسيق العسكري، بينما تسعى باكستان إلى تعزيز دورها كلاعب أمني ودبلوماسي في المنطقة، خاصة أنها تلعب دور الوسيط في بعض قنوات التواصل بين واشنطن وطهران.
أما تركيا، فتواصل منذ سنوات تعزيز حضورها العسكري والإقليمي عبر قواعد واتفاقيات دفاعية تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، فيما تحافظ قطر على شراكات أمنية وثيقة مع كل من أنقرة وواشنطن.
تحالف بين خصوم الأمس؟
ومن أكثر الجوانب اللافتة في هذا الطرح احتمال اجتماع السعودية وتركيا ضمن إطار دفاعي واحد، بعد سنوات من التوتر الحاد بين البلدين على خلفية ملفات إقليمية متعددة، بينها الربيع العربي، وقطر، وليبيا، وقضية جمال خاشقجي.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تقاربًا متسارعًا بين الرياض وأنقرة، تُرجم بتعاون اقتصادي وسياسي وعسكري متزايد، مدفوعًا بحسابات براغماتية مرتبطة بتغير البيئة الإقليمية وتراجع الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية التقليدية.
ويرى محللون أن الحرب الحالية سرعت هذا التقارب، ودفعت عدة عواصم إقليمية إلى البحث عن صيغ تعاون أمني أكثر استقلالية ومرونة.
هل نحن أمام “ناتو إسلامي” جديد؟
ورغم أن التصريحات الباكستانية ما تزال في إطار التلميح السياسي، فإنها أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول فكرة إنشاء تحالف عسكري إسلامي واسع.
لكن مراقبين يحذرون من المبالغة في تقدير مدى تماسك أي محور محتمل، إذ ما تزال هناك تباينات كبيرة بين الدول المعنية في ملفات مثل العلاقة مع إيران، وطبيعة الارتباط بالولايات المتحدة، وأولويات السياسة الخارجية.
كما أن باكستان نفسها تحاول الحفاظ على توازن حساس بين علاقاتها مع السعودية وتركيا من جهة، وعلاقاتها المعقدة مع إيران والصين من جهة أخرى.
رسائل ردع أكثر من تحالف نهائي
ويعتقد خبراء أن الحديث عن هذا الاتفاق يحمل بعدًا ردعيًا وسياسيًا بقدر ما يحمل طابعًا عسكريًا فعليًا.
فالرسالة الأساسية تبدو موجهة إلى إيران وإلى القوى الدولية معًا، ومفادها أن هناك محاولات لبناء شبكات أمن إقليمية قادرة على التنسيق الجماعي في مواجهة الأزمات الكبرى.
كما أن وجود تركيا وباكستان – وهما دولتان تملكان صناعات دفاعية متقدمة نسبيًا وقواعد عسكرية وخبرات قتالية متنوعة – يمنح أي إطار أمني محتمل ثقلًا استراتيجيًا أكبر من التحالفات الخليجية التقليدية.
لكن حتى الآن، لا توجد تفاصيل واضحة حول طبيعة الالتزامات العسكرية المحتملة، أو ما إذا كان الأمر سيتطور إلى تحالف دفاعي فعلي متعدد الأطراف، أم سيبقى ضمن مستوى التنسيق السياسي والعسكري المرن.
من اللافت أن اسم مصر، الذي كان يتردد من قبل في إطار تحالف رباعي محتمل يشمل السعودية وباكستان وتركيا ومصر، لم يرد في تصريحات وزير الدفاع الباكستاني الأخيرة.
في ظل الحرب المفتوحة مع إيران وإعادة تشكل الاصطفافات الإقليمية، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها التحالفات الثابتة، لصالح شبكات أمنية أكثر سيولة وتحركًا بحسب طبيعة الأزمات والمصالح المتغيرة.
سوريا
إسرائيل تعيد تشكيل الجنوب السوري.. من “إدارة التهديد” إلى هندسة المجال الأمني
تكشف دراسة استراتيجية موسعة صادرة عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية أن عام 2025 شكّل نقطة تحول جذرية في طبيعة المقاربة الإسرائيلية داخل سوريا، حيث انتقلت تل أبيب من سياسة “الردع التقليدي” المرتبطة بضرب النفوذ الإيراني، إلى مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في الجنوب السوري، مستفيدة من مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد وتراجع نفوذ “محور إيران” في المنطقة.
وبحسب الدراسة التي حملت عنوان “ما بعد المحور: المقاربة الإسرائيلية في سوريا – من إدارة التهديد إلى تشكيل المجال الأمني”، فإن إسرائيل نفذت خلال عام 2025 ما لا يقل عن 416 عملية عسكرية وأمنية داخل الأراضي السورية، في إطار نموذج تشغيلي جديد لم يعد يعتمد فقط على الضربات الجوية، بل على التوغل البري وإدارة المجال الميداني وخلق وقائع سياسية وأمنية طويلة الأمد.
الجنوب السوري.. مركز المشروع الإسرائيلي الجديد
وتوضح الدراسة أن نحو 95.9% من العمليات الإسرائيلية تركزت في الجنوب السوري، بينما استحوذت محافظة القنيطرة وحدها على ما يقارب 78.6% من النشاط العملياتي، ما يعكس – وفق الباحثين – انتقال الجنوب من “هامش حدودي” إلى مركز أساسي لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحاذية للجولان المحتل.
كما تشير الدراسة إلى أن إسرائيل لم تعد تركز فقط على استهداف القدرات العسكرية، بل توسعت نحو التعامل مع المجال المدني والاجتماعي نفسه، إذ استهدفت العمليات الإسرائيلية مواقع مدنية بنسبة قاربت 79.9% من إجمالي الأهداف، في تحول يعكس انتقال المقاربة الإسرائيلية من “إدارة التهديد” إلى “ضبط البيئة المنتجة للتهديد”.
“النموذج الإسرائيلي الجديد”.. إدارة الفراغ بدل الاحتلال المباشر
في القسم الخامس من الدراسة، المعنون بـ ”النموذج الإسرائيلي الجديد: بين إدارة الفراغ ومحاولات تشكيل المجال الأمني”، يخلص الباحثون إلى أن إسرائيل باتت تعتمد نموذجًا مختلفًا عن أنماط الاحتلال التقليدية أو الضربات الخاطفة.
فبدل السيطرة العسكرية المباشرة واسعة النطاق، تقوم المقاربة الجديدة على “التوغل الوظيفي” منخفض الكلفة، عبر دوريات، حواجز، عمليات استطلاع، تدخلات مؤقتة، وضغط أمني مستمر يهدف إلى إدارة المجال الجنوبي ومنع تشكل أي قوة معادية مستقبلًا.
وترى الدراسة أن هذا النموذج يقوم على استثمار الفراغ السياسي والأمني في سوريا ما بعد الأسد، ومحاولة إعادة هندسة الجنوب السوري تدريجيًا كمنطقة خاضعة لترتيبات أمنية إسرائيلية غير معلنة، دون الحاجة إلى احتلال مباشر طويل الأمد.
كما تؤكد أن إسرائيل باتت تستخدم أدوات مركبة تجمع بين الضغط العسكري، والتأثير الاجتماعي، وتوظيف ملف الأقليات، خصوصًا عبر خطاب “حماية الدروز”، بما يمنحها أدوات نفوذ تتجاوز البعد العسكري التقليدي.
اتفاق أمني قيد التشكل؟
أما في القسم السادس من الدراسة، فيتحدث عن “اتفاق أمني محتمل” بين دمشق وتل أبيب، لكنه يبقى – بحسب توصيف الباحثين – عالقًا بين “الإغراء الوظيفي والاستعصاء البنيوي”.
وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل تحاول استخدام الضغط العملياتي والتفوق العسكري لفرض مسار تفاوضي تدريجي يضمن إنشاء منطقة جنوبية منزوعة السلاح، وإبعاد أي بنية عسكرية معادية عن الجولان، وربما بناء تفاهمات أمنية غير مباشرة مع السلطة السورية الجديدة.
لكن الباحثين يشددون في المقابل على أن الوصول إلى اتفاق مستقر يواجه عقبات بنيوية عميقة، أبرزها هشاشة المرحلة الانتقالية السورية، والانقسامات الداخلية، ورفض قطاعات واسعة من السوريين لأي ترتيبات تُفهم باعتبارها تطبيعًا أمنيًا مع إسرائيل.
كما ترى الدراسة أن تل أبيب تحاول استثمار حاجة دمشق الجديدة إلى تخفيف الضغوط الدولية وإعادة تثبيت السلطة، عبر ربط التهدئة الأمنية بمسارات سياسية واقتصادية أوسع، دون أن يعني ذلك وجود تسوية نهائية قريبة.
سوريا كساحة لإعادة ترتيب الإقليم
وفي القسم السابع، المعنون بـ ”المقاربة الإسرائيلية والإقليم: سوريا كساحة إعادة ترتيب لا ساحة حسم أحادي”، تؤكد الدراسة أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الواضح، تدرك أن الساحة السورية ما تزال شديدة التعقيد والتداخل، وأنها غير قادرة على فرض “حسم استراتيجي منفرد”.
وبحسب الدراسة، فإن سوريا تحولت بعد الحرب الإسرائيلية–الإيرانية إلى مساحة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة وتركيا وروسيا ودول عربية، إلى جانب التحولات الناتجة عن تراجع النفوذ الإيراني.
وترى الدراسة أن إسرائيل تحاول استغلال هذه المرحلة لإعادة بناء منظومة ردع جديدة في المشرق، عبر ربط الجنوب السوري بترتيبات أمنية أوسع تمتد إلى لبنان والعراق وحتى الصراع مع إيران.
لكن الباحثين يحذرون في الوقت نفسه من أن البيئة السورية الحالية، بما تحمله من هشاشة وانقسامات وفوضى أمنية، قد تجعل أي محاولة إسرائيلية لفرض هندسة أمنية طويلة الأمد محفوفة بمخاطر انفجار جديد أو نشوء مقاومات محلية مضادة.
من “الحرب بين الحروب” إلى “إدارة المجال”
وتخلص الدراسة إلى أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع سوريا باعتبارها مجرد ساحة لعمليات “الحرب بين الحروب” ضد إيران، بل باعتبارها مساحة لإعادة تشكيل المجال الأمني والسياسي في الجنوب السوري ضمن رؤية إقليمية أوسع.
وبينما نجحت تل أبيب – بحسب الدراسة – في فرض وقائع ميدانية جديدة مستفيدة من انهيار الدولة السورية وتراجع محور إيران، فإن قدرتها على تحويل هذه الوقائع إلى استقرار استراتيجي دائم تبقى مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، قد تجعل سوريا ساحة لإعادة ترتيب النفوذ أكثر من كونها ساحة حسم نهائي للصراع.
متابعات عربية
لبنان يصعّد ضد إيران بشكوى إلى الأمم المتحدة.. اتهامات بتوريط بيروت في الحرب وخرق اتفاقية فيينا
في خطوة تُعد غير مسبوقة في تاريخ العلاقات اللبنانية–الإيرانية، تقدّم لبنان بشكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ضد إيران، اتهمها فيها بخرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، وبالتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية وتوريط البلاد في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، في تصعيد يعكس عمق التحولات السياسية والأمنية داخل بيروت بعد أشهر من المواجهة الإقليمية المفتوحة.
وبحسب مضمون الشكوى المسرّب إعلاميًا، اعتبرت الدولة اللبنانية أن تصرفات إيران تمثل “مخالفة للأعراف والقواعد الدولية”، وأنها أدخلت لبنان في “حرب مدمّرة” خلافًا لإرادة مؤسساته الدستورية، ما يفتح الباب – وفق النص – أمام “المطالبة بإعمال المسؤولية الدولية لإيران وتحميلها نتائج خرقها المتكرر لالتزاماتها الدولية”.
وطلب لبنان اعتماد الشكوى كوثيقة رسمية ضمن سجلات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وقانونية تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي.
اتهام مباشر للحرس الثوري
وتحمّل الشكوى “أجهزة الدولة الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري”، مسؤولية “أفعال غير مشروعة” أدت – بحسب الرواية اللبنانية – إلى إدخال البلاد منذ مارس الماضي في حرب خلّفت آلاف القتلى والجرحى، ودفعت أكثر من مليون لبناني إلى النزوح، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والقرى الحدودية، وتوسّع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
كما تتوقف الشكوى عند بيانات وتصريحات منسوبة للحرس الثوري الإيراني تحدثت عن “عمليات مشتركة” مع حزب الله انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، معتبرة أن ذلك يمثل “تدخلًا مباشرًا وصريحًا” في الشؤون السيادية للبنان.
ويرى مراقبون أن هذه الصياغة تعكس تحولًا كبيرًا في الخطاب الرسمي اللبناني، إذ لم يعد النقاش محصورًا بدور حزب الله الداخلي، بل بات يتجه مباشرة نحو تحميل طهران مسؤولية سياسية وأمنية وقانونية عن الحرب الأخيرة.
ملف الدبلوماسيين الإيرانيين يفجّر الأزمة
وتتضمن الشكوى أيضًا تشكيكًا رسميًا لبنانيًا في الرواية الإيرانية المتعلقة بمقتل أربعة دبلوماسيين إيرانيين خلال استهداف إسرائيلي لفندق “رامادا” في بيروت في مارس الماضي.
وبحسب الرسالتين اللتين بعثتهما الخارجية اللبنانية سابقًا إلى الأمم المتحدة، فإن السفارة الإيرانية لم تنسق رسميًا مع الدولة اللبنانية بشأن إقامة هؤلاء الأشخاص داخل الفندق، كما أن بعض القتلى “لم يكونوا مسجلين بصفة دبلوماسيين”، ما اعتبرته بيروت مخالفة واضحة لاتفاقية فيينا.
كما تثير الشكوى تساؤلات حول ما إذا كان بعض القتلى ينتمون فعليًا إلى الحرس الثوري الإيراني، وليسوا ضمن طاقم دبلوماسي رسمي، في اتهام يحمل حساسية كبيرة على المستوى الدولي.
أزمة السفير الإيراني
وتوقفت الشكوى كذلك عند قضية السفير الإيراني المعيّن محمد رضا رؤوف شيباني، الذي لم يكن قد قدّم رسميًا أوراق اعتماده إلى الخارجية اللبنانية، لكنه أدلى بتصريحات اعتبرتها بيروت “تدخلًا سافرًا” في الشؤون الداخلية اللبنانية.
وبحسب الرواية اللبنانية، فإن شيباني رفض الامتثال لطلب رسمي بمغادرة البلاد، ما اعتُبر تحديًا مباشرًا لقرارات الحكومة اللبنانية وخرقًا إضافيًا للأعراف الدبلوماسية.
وكانت السلطات اللبنانية قد اتخذت خلال الأشهر الأخيرة سلسلة إجراءات غير مسبوقة ضد إيران، شملت سحب اعتماد السفير المعيّن وتصعيد الخطاب السياسي تجاه طهران، خصوصًا من قبل وزير الخارجية يوسف رجّي المحسوب على حزب “القوات اللبنانية”، أحد أبرز خصوم حزب الله داخل الساحة اللبنانية.
لبنان بين واشنطن وطهران
ويتزامن تسريب مضمون الشكوى مع انطلاق جولة جديدة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية في واشنطن، حيث تسعى بيروت إلى تثبيت وقف شامل لإطلاق النار ومنع انزلاق البلاد مجددًا إلى الحرب.
وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومة اللبنانية إظهار أن المسار التفاوضي مع إسرائيل منفصل عن المفاوضات الإيرانية–الأميركية، رغم إدراكها أن أي تفاهم إقليمي واسع بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على الوضع اللبناني.
لكن هذه الخطوات فجّرت أيضًا توترات داخلية حادة، خصوصًا بين حزب الله وحلفائه من جهة، والرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة أخرى، في وقت لا تزال فيه قنوات رئيس البرلمان نبيه بري مفتوحة مع الإيرانيين.
هل يدخل لبنان مرحلة إعادة التموضع؟
ويرى محللون أن الشكوى اللبنانية ضد إيران تمثل أكثر من مجرد احتجاج دبلوماسي، بل قد تكون مؤشرًا على محاولة إعادة تموضع تدريجية للدولة اللبنانية بعد الحرب الأخيرة، خصوصًا في ظل الضغوط الأميركية والعربية لإعادة ضبط علاقة بيروت بطهران وحزب الله.
لكن في المقابل، يحذر مراقبون من أن أي مواجهة مفتوحة بين الدولة اللبنانية والمحور الإيراني قد تدفع البلاد إلى مزيد من الانقسام الداخلي، خاصة أن حزب الله ما يزال يمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا داخل لبنان.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو لبنان أمام لحظة شديدة الحساسية، حيث تتداخل معارك السيادة والدبلوماسية والحرب الإقليمية في بلد ما يزال يحاول الخروج من واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ سنوات.
حزب الله يفتح جبهة تصعيد جديدة.. 23 هجومًا تضرب مواقع إسرائيلية في لبنان والجليل
شهدت الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية واحدة من أعنف موجات التصعيد منذ أسابيع، بعدما أعلن حزب الله تنفيذ 23 هجومًا متزامنًا استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية داخل جنوب لبنان وشمال إسرائيل، في تطور يعكس هشاشة الهدنة القائمة وتصاعد احتمالات الانزلاق مجددًا نحو مواجهة أوسع على الحدود.
وقال الحزب، في سلسلة بيانات عسكرية، إنه نفذ هجمات “دفاعًا عن لبنان وشعبه وردًا على خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار”، مشيرًا إلى أن عملياته شملت استهداف مواقع عسكرية وثكنات وتجمعات جنود وآليات إسرائيلية باستخدام الصواريخ والقذائف المدفعية والطائرات المسيّرة الانقضاضية.
استهداف مقر لواء وثكنة شمال إسرائيل
وأبرز العمليات المعلنة كانت استهداف مقر قيادة اللواء العسكري الإسرائيلي 300 وثكنة “ليمان” في منطقة الجليل الأعلى شمالي إسرائيل، عبر مسيّرات انقضاضية قال الحزب إنها أصابت أهدافها.
وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيلي تفعيل صفارات الإنذار في عدة مستوطنات بالجليل الأعلى بعد رصد مسيّرات قادمة من الأراضي اللبنانية، في مؤشر على اتساع نطاق الاشتباك ليشمل العمق الحدودي شمال إسرائيل.
ويُعد اللواء 300 أحد التشكيلات العسكرية المسؤولة عن القطاع الغربي من الحدود اللبنانية، ما يمنح العملية بعدًا عسكريًا ورمزيًا يتجاوز الضربات التكتيكية المعتادة.
معارك جنوب لبنان تتوسع
وفي جنوب لبنان، أعلن حزب الله تنفيذ 21 هجومًا إضافيًا ضد مواقع وآليات إسرائيلية، استهدفت 12 تجمعًا للجنود والآليات في محيط نهر دير سريان، وطريق “البياضة–الناقورة”، ومحيط موقع البياضة العسكري، إلى جانب بلدات بنت جبيل والطيبة وحولا ورشاف والقوزح والعديسة.
كما قال الحزب إنه استهدف دبابتي “ميركافا”، وخمس جرافات عسكرية، وناقلة جند إسرائيلية باستخدام مسيّرات هجومية وقذائف مدفعية، في هجمات توزعت بين بلدات رشاف والخيام ودير سريان والطريق الساحلي الجنوبي.
وفي تطور لافت، أعلن حزب الله أيضًا التصدي لمروحية إسرائيلية في أجواء بلدة البياضة بصاروخ أرض–جو، مؤكدًا أنه أجبرها على الانسحاب من المنطقة.
الهدنة تنهار تدريجيًا
ويأتي هذا التصعيد بينما تتهم بيروت إسرائيل بمواصلة خرق اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 17 أبريل الماضي.
وبحسب معطيات لبنانية رسمية، شنت إسرائيل خلال يوم واحد فقط 73 هجومًا على مناطق لبنانية، أسفرت عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 44 آخرين، إضافة إلى استهداف مركز صحي ونقطة إسعاف.
ويعكس التصعيد الحالي تآكل الهدنة تدريجيًا، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على ضربات محدودة أو ردود موضعية، بل بدأت تستعيد نمط “الاشتباك المفتوح منخفض الحدة” الذي ساد الحدود خلال الأشهر الماضية.
التصعيد يتزامن مع مفاوضات واشنطن
ويكتسب التصعيد أهمية إضافية لأنه يأتي بالتزامن مع الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية التي تستضيفها واشنطن، وسط محاولات أمريكية للتوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن الحدود ووقف إطلاق النار.
وكان الطرفان قد عقدا جولتين سابقتين في أبريل الماضي، في إطار مسار تفاوضي غير مباشر يُنظر إليه كخطوة تمهيدية لمحاولة تثبيت تهدئة طويلة الأمد.
لكن التطورات الميدانية الحالية تعكس أن أي تفاهم سياسي ما يزال هشًا، خصوصًا في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وتمسك حزب الله بمعادلة “الرد على الخروقات”.
جنوب لبنان يعود إلى “حرب الاستنزاف”
ويرى مراقبون أن الجبهة الجنوبية تتجه تدريجيًا نحو نموذج “حرب الاستنزاف المتبادلة”، حيث يسعى كل طرف إلى فرض قواعد اشتباك جديدة دون الوصول إلى حرب شاملة حتى الآن.
فإسرائيل تحاول الضغط ميدانيًا لإبعاد قدرات حزب الله عن الحدود، بينما يسعى الحزب إلى تثبيت معادلة ردع تمنع تل أبيب من فرض وقائع عسكرية جديدة داخل الجنوب اللبناني.
لكن استمرار هذا النمط من التصعيد يرفع احتمالات الخطأ أو الانفجار غير المحسوب، خاصة مع توسع استخدام المسيّرات والصواريخ الدقيقة واستهداف المواقع العسكرية الحساسة.
لبنان بين التفاوض والحرب
ويأتي ذلك بينما يعيش لبنان واحدة من أكثر مراحله هشاشة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، مع استمرار تداعيات الحرب والنزوح والدمار في الجنوب.
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي الموسع على لبنان في مارس الماضي، قُتل نحو 2951 شخصًا وأصيب أكثر من 8900 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفق بيانات رسمية لبنانية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو بيروت عالقة بين مسار تفاوضي هش في واشنطن، وتصعيد ميداني متواصل على الحدود، فيما يبقى السؤال الأهم: هل ما تزال المواجهة تحت السيطرة، أم أن المنطقة تقترب تدريجيًا من حرب أوسع لا يريدها أحد… لكنه لا يستطيع وقفها؟
واشنطن تصف مباحثات لبنان وإسرائيل بـ ”المثمرة”.. لكن الغارات وحزب الله يعقدان طريق التهدئة
وصفت الولايات المتحدة الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية الجارية في واشنطن بأنها “إيجابية ومثمرة”، في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية المكثفة على جنوب وشرق لبنان، وسط مؤشرات على أن مسار التفاوض ما يزال يصطدم بتشابكات إقليمية معقدة تتجاوز حدود بيروت وتل أبيب.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية إن جلسات اليوم الأول من المفاوضات، التي استمرت نحو ثماني ساعات داخل مقر الخارجية الأميركية، شهدت “نقاشات إيجابية ومثمرة”، مضيفًا أن الوفدين اللبناني والإسرائيلي سيواصلان المحادثات في اليوم التالي “على أمل تحقيق تقدم إضافي”.
وتأتي هذه الجولة بعد جولتين سابقتين عُقدتا في واشنطن خلال أبريل الماضي، ضمن مسار تفاوضي تسعى واشنطن من خلاله إلى تثبيت هدنة أوسع ومنع انزلاق الحدود اللبنانية إلى حرب شاملة.
مفاوضات تحت النار
لكن التفاؤل الأميركي يتزامن مع تصعيد ميداني متواصل يهدد بإضعاف أي تقدم سياسي.
ففي الوقت الذي كانت الوفود تجتمع فيه داخل واشنطن، شهد جنوب وشرق لبنان غارات إسرائيلية وقصفًا مدفعيًا أدى إلى سقوط قتلى وجرحى ونزوح جديد من القرى الحدودية، في خرق متواصل للهدنة الهشة المعلنة منذ 17 أبريل الماضي.
وبحسب المعطيات الميدانية، أسفرت الغارات الإسرائيلية خلال يومين فقط عن عشرات القتلى والجرحى، فيما يواصل حزب الله تنفيذ هجمات ضد مواقع وآليات إسرائيلية على الحدود.
ويعكس هذا المشهد التناقض المركزي الذي يواجه المفاوضات الحالية: تفاوض سياسي في واشنطن، مقابل حرب استنزاف مستمرة على الأرض.
هل تُفاوض واشنطن على لبنان أم على المنطقة؟
ويرى مراقبون أن المفاوضات الجارية لا يمكن فصلها عن التوازنات الإقليمية الأوسع، خصوصًا مع استمرار الحرب مع إيران، والتحركات الدبلوماسية المتزامنة في بكين وإسلام أباد.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس تحرير صحيفة “المدن” منير ربيع أن المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية “تسير على إيقاع التطورات الإقليمية”، مشيرًا إلى أن أي مسار تفاوضي بين بيروت وتل أبيب يبقى مرتبطًا – بشكل مباشر أو غير مباشر – بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران.
وبحسب هذا التقدير، فإن فكرة “فصل الملفات” التي تتحدث عنها الأطراف الرسمية تبدو صعبة التطبيق عمليًا، لأن الجنوب اللبناني بات جزءًا من شبكة الصراعات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
عقدة حزب الله
وتبقى المعضلة الأكبر أمام أي تفاهم محتمل مرتبطة بموقع حزب الله نفسه.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تدفعان – بحسب تسريبات وتحليلات – نحو ترتيبات أمنية تتعلق بانتشار الجيش اللبناني وآليات ضبط الجنوب، بما يشمل مستقبل سلاح حزب الله وانتشاره قرب الحدود.
لكن الحزب يرفض أصلًا فكرة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، كما ترفض إيران أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار الترابط بين الملفات الإقليمية.
وهذا يخلق فجوة داخلية واضحة بين الدولة اللبنانية، التي تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار والحصول على تهدئة، وبين حزب الله الذي يرى أن المعركة جزء من توازنات إقليمية أكبر لا تُحسم فقط عبر التفاوض الثنائي.
واشنطن تريد “ترتيبات أمنية” لا مجرد هدنة
ويبدو أن الإدارة الأميركية تحاول استغلال هذه اللحظة لدفع لبنان نحو ترتيبات أمنية أوسع من مجرد وقف مؤقت للنار.
فالمفاوضات الحالية لا تدور فقط حول وقف الغارات أو تبادل الرسائل العسكرية، بل تتعلق – وفق تقديرات سياسية – بمحاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة.
وفي المقابل، يصر لبنان رسميًا على أولوية “وقف إطلاق نار شامل وكامل”، وهو مطلب لا يبدو أن إسرائيل أو الولايات المتحدة مستعدتان لقبوله بالكامل في المرحلة الحالية، خصوصًا مع استمرار المواجهة مع إيران وحزب الله.
هدنة هشة أم بداية مسار جديد؟
ورغم وصف واشنطن للمحادثات بأنها “مثمرة”، لا تزال المؤشرات الميدانية والسياسية تعكس هشاشة الوضع.
فإسرائيل تواصل الضغط العسكري المكثف، وحزب الله يواصل عملياته ضمن ما يصفه بـ ”الرد على الخروقات”، بينما تحاول الولايات المتحدة منع تحول الجنوب اللبناني إلى جبهة انفجار إقليمي أوسع.
لكن المشكلة الأساسية تبقى أن كل طرف يدخل المفاوضات بأهداف مختلفة:
- لبنان يريد وقفًا شاملًا للحرب.
- إسرائيل تريد ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب.
- واشنطن تريد احتواء الجبهة اللبنانية ضمن إدارة أوسع للصراع الإقليمي.
- وحزب الله يرى أن أي تفاوض لا يمكن فصله عن المواجهة مع إيران.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى محاولة لإدارة التصعيد أكثر من كونها مسارًا واضحًا نحو تسوية نهائية، خصوصًا أن الجنوب اللبناني ما يزال يعيش على إيقاع القصف والردود العسكرية اليومية.
بعد شلل هرمز.. الشحن البري يتحول إلى شريان إنقاذ لاقتصادات الخليج
أعاد الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز رسم خريطة التجارة والطاقة في الخليج العربي، بعدما تحولت الطرق البرية بين السعودية والإمارات وعُمان إلى ممرات حيوية لإنقاذ سلاسل التوريد وتخفيف آثار الحرب الاقتصادية المتصاعدة مع إيران، في واحدة من أكبر عمليات إعادة التموضع اللوجستي التي تشهدها المنطقة منذ عقود.
ومع تعطل جزء كبير من حركة الملاحة البحرية في الخليج، بدأت الحكومات الخليجية والشركات الكبرى بالاعتماد المتزايد على شبكات النقل البري لنقل السلع والبضائع بين الموانئ والمطارات الواقعة خارج نطاق التهديدات الإيرانية، خصوصًا على البحر الأحمر وبحر العرب.
ويقول مسؤولون خليجيون إن الحرب فرضت واقعًا جديدًا دفع دول الخليج إلى تسريع خطط الربط البري والسككي، باعتبارها ضرورة استراتيجية وليست مجرد مشاريع تنموية مؤجلة.
الخليج يعيد اكتشاف “العمق البري”
ولعقود طويلة، اعتمدت اقتصادات الخليج بشكل شبه كامل على الشحن البحري عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط والطاقة العالمية.
لكن مع تصاعد التوتر العسكري وإغلاق المضيق فعليًا أمام جزء كبير من حركة الملاحة، بدأت دول الخليج بإعادة تفعيل شبكات النقل البري كبديل اضطراري يربط الموانئ الآمنة بالأسواق والمناطق الصناعية.
وبحسب تقارير اقتصادية، تضخم أسطول النقل البري السعودي منذ بداية الحرب ليقترب من نصف مليون شاحنة، فيما شهدت شركات لوجستية إماراتية توسعًا غير مسبوق، مثل شركة “تراكر” التي نفذت عملية توريق بقيمة 300 مليون دولار عبر أحد بنوك أبوظبي، في مؤشر على التحول الكبير داخل قطاع الشحن البري.
كما أكدت مصادر خليجية أن مشروع الربط الحديدي الخليجي، الممتد لمسافة تقارب 1700 كيلومتر، بات يحظى بأولوية متزايدة، مع إنجاز نحو نصف المشروع حتى الآن.
“صمام أمان اقتصادي”
وتشير صحيفة The Wall Street Journal إلى أن مسارات النقل البري تحولت فعليًا إلى “صمام امتصاص صدمات” يخفف من آثار شلل الملاحة البحرية، ويساعد على استمرار تدفق البضائع والحد من موجات التضخم العالمية الناتجة عن الحرب.
وبحسب التقرير، فإن كل شحنة تنجح في عبور الصحراء العربية تمنح دول الخليج مساحة إضافية لإدارة الأزمة الاقتصادية، وتقلل جزئيًا من الضغوط التي أحدثها إغلاق المضيق.
كما بدأت شركات شحن عالمية كبرى مثل “ميرسك” و”MSC” بإعادة توجيه جزء من عملياتها عبر شبه الجزيرة العربية باستخدام الشاحنات، في خطوة تعكس تحولًا جذريًا في بنية الخدمات اللوجستية الإقليمية.
ورغم أن النقل البري لا يستطيع تعويض الطاقة الاستيعابية الهائلة للشحن البحري، كما أنه أعلى كلفة في كثير من الحالات، إلا أنه يوفر حلًا سريعًا ومرنًا للحفاظ على تدفق السلع الأساسية.
موانئ جديدة تدخل قلب المعادلة
وأدت الأزمة إلى إعادة توزيع حركة التجارة والطاقة داخل الخليج.
ففي السعودية، تحولت كميات أكبر من الشحن والحاويات نحو موانئ البحر الأحمر، خصوصًا ميناء ينبع، الذي بات يشكل نقطة ارتكاز رئيسية لصادرات النفط القادمة عبر خط الأنابيب “شرق–غرب” التابع لشركة أرامكو.
أما الإمارات، فدفعت مزيدًا من صادراتها النفطية نحو ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، خارج نطاق مضيق هرمز، بالتوازي مع دراسة توسيع قدرة خطوط الأنابيب والربط الطاقوي البديل.
وتكشف البيانات حجم التحول الهائل في حركة النقل؛ ففي ميناء خورفكان الإماراتي، قفز عدد الشاحنات اليومية من نحو 100 فقط قبل الحرب إلى أكثر من 7000 شاحنة يوميًا، بينما ارتفعت حركة الحاويات الأسبوعية من ألفي حاوية إلى نحو 50 ألفًا منذ بداية النزاع.
من أزمة مؤقتة إلى إعادة تشكيل جيوسياسية
ويرى مراقبون أن ما يحدث لا يتعلق فقط بإدارة أزمة طارئة، بل بإعادة تشكيل طويلة الأمد للجغرافيا الاقتصادية في الخليج.
فالحرب كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على مضيق هرمز باعتباره “عنق الزجاجة” الرئيسي لتجارة الطاقة العالمية، ما يدفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل تقلل من قدرت إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط إستراتيجية.
كما أن توسع البنية البرية والسككية وخطوط الأنابيب قد يعيد تدريجيًا توزيع الثقل التجاري داخل المنطقة، مع صعود البحر الأحمر وبحر العرب كممرات بديلة عن الخليج العربي.
وفي الوقت نفسه، تحاول الحكومات الخليجية تحويل الأزمة إلى فرصة لتسريع مشاريع التكامل الاقتصادي واللوجستي، وربط الموانئ والمناطق الصناعية بشبكات نقل برية عابرة للحدود.
حرب استنزاف اقتصادية مفتوحة
لكن رغم هذه البدائل، لا تزال المنطقة تواجه تحديات ضخمة.
فالنقل البري لا يستطيع تعويض صادرات النفط والغاز بالكامل، كما أن استمرار الحرب يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويهدد بإبطاء الاقتصاد العالمي وزيادة معدلات التضخم.
وفي ظل تعثر المحادثات الأميركية–الإيرانية وتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، تبدو دول الخليج أمام مرحلة جديدة عنوانها: تقليل الاعتماد على هرمز، وبناء اقتصاد قادر على الصمود حتى في ظل أسوأ السيناريوهات الجيوسياسية.
ليبيا بين “السلام الوهمي” وصراع النفوذ.. هدنة هشة بانتظار انفجار جديد
طبقًا لدراسة هامة نشرها مؤخرًا مركز رؤيا للبحوث والدراسات، فإن ليبيا تعيش منذ وقف إطلاق النار عام 2020 حالة من “الهدوء القلق” التي تبدو أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام حقيقي، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وتحوّل البلاد إلى ساحة توازنات إقليمية ودولية تُدار عبر صفقات النفوذ وتقاسم الثروة النفطية، لا عبر مشروع وطني جامع.
ورغم توقف المعارك الكبرى بين الشرق والغرب، فإن البنية العميقة للأزمة بقيت على حالها؛ إذ استغلت القوى المسيطرة فترة الهدوء لتعزيز نفوذها المالي والعسكري، بينما جرى تكريس نموذج سياسي قائم على تقاسم الريع النفطي بين شبكات مرتبطة بمعسكري عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر، وسط تراجع الخدمات وارتفاع معدلات الفقر وتآكل مؤسسات الدولة.
صفقات النفط بدل الحل السياسي
بحسب تقديرات وتحليلات متداولة، فإن اتفاقات السنوات الأخيرة، وخصوصاً التفاهمات المتعلقة بالمؤسسة الوطنية للنفط والميزانية الموحدة، لم تُنتج توحيداً حقيقياً للمؤسسات، بل ساهمت في تثبيت “اقتصاد محاصصة” تديره النخب المسلحة برعاية إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، برز الدور الأمريكي بشكل أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة، بعدما كثفت واشنطن تحركاتها السياسية بين طرابلس وبنغازي، في مسعى يراه مراقبون مرتبطاً بحماية مصالح شركات الطاقة الأمريكية الكبرى وضمان استمرار تدفق النفط الليبي ضمن ترتيبات مستقرة نسبياً، حتى لو بقيت الأزمة السياسية دون حل جذري.
تنافس إقليمي فوق الأرض الليبية
وتواصل القوى الإقليمية الرئيسية تثبيت نفوذها داخل المشهد الليبي، لكن بأدوات مختلفة. فالإمارات تحولت تدريجياً من داعم عسكري مباشر لمعسكر الشرق إلى “مهندس تفاهمات” بين الأطراف المتصارعة، مع تركيز واضح على ملفات النفط والاستثمارات والموانئ.
أما تركيا، فتمضي في ترسيخ حضورها العسكري والسياسي في غرب ليبيا، انطلاقاً من حماية الاتفاق البحري الموقع مع طرابلس عام 2019، والذي يمنح أنقرة نفوذاً استراتيجياً في شرق المتوسط. وفي الوقت ذاته، بدأت أنقرة منذ عام 2025 فتح قنوات تواصل مع شخصيات محسوبة على الشرق الليبي، بهدف ضمان عدم خسارة مكتسباتها في أي تسوية مستقبلية.
في المقابل، تنظر مصر إلى ليبيا باعتبارها ملف أمن قومي بالدرجة الأولى، مع تركيزها على منع انتقال الفوضى والسلاح إلى حدودها الغربية، والحفاظ على توازن يمنع صعود قوى معادية لمصالحها. لذلك حافظت القاهرة على موقع أقرب إلى معسكر الشرق، مع استمرارها في دعم مسار سياسي يمنع الانهيار الشامل للدولة الليبية.
أزمة اقتصادية وانهيار معيشي
بالتوازي مع الانقسام السياسي، تواجه ليبيا أزمة اقتصادية متفاقمة، إذ تشير تقديرات إلى وجود عجز كبير في العملة الصعبة، إلى جانب تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. كما أدت الخلافات على إدارة المصرف المركزي وعائدات النفط إلى أزمات متكررة، كان أبرزها الحصار النفطي الذي تسبب بخسائر قُدّرت بمليارات الدولارات.
وتثير الفجوة الكبيرة بين الإيرادات النفطية المعلنة والأموال المودعة فعلياً في المصرف المركزي تساؤلات واسعة حول شبكات الفساد وعمليات تحويل الأموال خارج الأطر الرسمية، في ظل غياب الرقابة والشفافية واستمرار سيطرة النخب المسلحة على مفاصل الاقتصاد.
هل يظهر بديل وطني؟
ويرى مراقبون أن استمرار “السلام الهش” في ليبيا مرتبط إلى حد كبير بتوازنات الخارج، وليس بتفاهم داخلي حقيقي، ما يجعل أي صدمة اقتصادية أو صراع على عائدات النفط مرشحاً لإعادة المواجهات المسلحة إلى الواجهة.
وفي المقابل، بدأت تتشكل تدريجياً ملامح غضب شعبي واسع، خصوصاً بعد احتجاجات شهدتها طرابلس ومدن أخرى ضد الفساد وتردي الخدمات وهيمنة المليشيات. ويعتقد محللون أن هذه التحركات قد تشكل نواة لتيار وطني جديد، سواء عبر تحالف إصلاحي تدريجي أو من خلال حراك شعبي أوسع يفرض تغييرات سياسية عميقة مستقبلاً.
لكن نجاح أي مشروع وطني بديل يبقى مرهوناً بقدرته على تجاوز الانقسامات الجهوية، وبناء قاعدة شعبية عابرة للشرق والغرب والجنوب، إلى جانب تقديم رؤية واضحة لإدارة الثروة النفطية والمؤسسات السيادية، والتعامل بحذر مع النفوذ الإقليمي والدولي المتشابك داخل البلاد.
إسرائيل تدير قاعدة سرية داخل العراق خلال حرب إيران.. وتقارير تتحدث عن اشتباك مباشر مع قوات عراقية
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إسرائيل أنشأت قاعدة عسكرية سرية داخل الصحراء العراقية دعماً لعملياتها الجوية ضد إيران، في خطوة وُصفت بأنها واحدة من أكثر العمليات الإسرائيلية جرأة وتعقيداً خلال الحرب الأخيرة مع طهران.
وبحسب التقرير، فإن القاعدة أُقيمت قبيل اندلاع الحرب بعلم الولايات المتحدة، واستخدمت كمركز لوجستي للقوات الجوية الإسرائيلية، إضافة إلى تمركز قوات خاصة ووحدات إنقاذ كانت مخصصة للتدخل في حال إسقاط طائرات إسرائيلية داخل الأراضي الإيرانية.
وأفادت الصحيفة أن القاعدة كادت تُكشف في آذار/مارس الماضي، بعدما أبلغ راعٍ عراقي عن نشاط عسكري وتحركات مروحيات في المنطقة، ما دفع القوات العراقية إلى إرسال وحدات للتحقق من الموقع. غير أن القوات الإسرائيلية، وفق الرواية ذاتها، نفذت غارات جوية لمنع اقتراب القوات العراقية، ما أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
وكانت الحكومة العراقية قد أدانت حينها الهجوم، وقدمت شكوى إلى الأمم المتحدة تحدثت فيها عن “قوات أجنبية” نفذت الضربة الجوية، فيما نفت واشنطن أي مشاركة مباشرة في العملية.
وتشير المعلومات إلى أن الموقع السري منح إسرائيل نقطة ارتكاز متقدمة قرب إيران، وساعدها في تنفيذ آلاف الغارات الجوية خلال الحملة العسكرية التي استمرت خمسة أسابيع، عبر تقليص المسافة الزمنية والعملياتية بين القواعد الإسرائيلية وساحة القتال.
ونقلت تقارير لاحقة عن مسؤولين أمنيين تأكيدهم أن القاعدة أُنشئت في منطقة صحراوية قرب النجف غرب العراق، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وقلة الكثافة السكانية في المنطقة، وهي مناطق استخدمتها سابقاً القوات الأميركية في عمليات عسكرية منذ حرب الخليج وحتى غزو العراق عام 2003.
ويفتح الكشف عن هذه القاعدة الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حجم التنسيق الأميركي الإسرائيلي في الحرب ضد إيران، ومستوى الاختراق الأمني داخل العراق، إضافة إلى احتمالات تحول الأراضي العراقية مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح بين القوى الكبرى في المنطقة.
استدعاء وزيرين عراقيين بعد تسريبات “القاعدة الإسرائيلية السرية”.. بغداد أمام أخطر اختراق أمني منذ 2003
تتفاعل في العراق تداعيات التقارير التي تحدثت عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية داخل صحراء النجف، بعدما كشف مسؤولون عراقيون أن البرلمان يستعد لاستدعاء وزيري الدفاع والداخلية إلى جانب قيادات أمنية، للتحقيق في ملابسات ما وصفه مراقبون بـ ”أخطر اختراق أمني وسيادي” تشهده البلاد منذ الغزو الأمريكي عام 2003.
وبحسب معلومات أوردتها صحيفة The Wall Street Journal ونقلتها وسائل إعلام عربية وعراقية، فإن إسرائيل أنشأت قاعدة عسكرية سرية داخل الصحراء العراقية قرب النخيب والنجف، استخدمت خلال الحرب الأخيرة على إيران كمركز دعم لوجستي وعملياتي للقوات الجوية الإسرائيلية، وذلك بعلم الولايات المتحدة.
البرلمان يتحرك.. والحكومة تلتزم الصمت
ورغم خطورة المعلومات، لم تصدر الحكومة العراقية حتى الآن وقت كتابة التقرير تعليقًا رسميًا واضحًا بشأن القضية، في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي والسياسي، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة الجهات المسؤولة عن هذا الاختراق الأمني.
وأكد مسؤول في رئاسة البرلمان العراقي أن مجلس النواب سيستدعي وزيري الدفاع والداخلية وقيادات أمنية معنية بالوضع الميداني، للوقوف على حقيقة المعلومات المتعلقة بالقاعدة السرية والهجوم الذي تعرضت له قوة عراقية في مارس الماضي أثناء اقترابها من الموقع المشبوه.
“كنا نعتقد أنها قوة أمريكية”
وتكشف المعلومات المتداولة عن واحدة من أكثر النقاط حساسية في القضية، إذ نقلت مصادر برلمانية وأمنية أن الأجهزة العراقية كانت تعتقد في البداية أن القوة الموجودة في المنطقة تتبع للقوات الأمريكية أو للتحالف الدولي، خصوصًا أن المنطقة شهدت سابقًا تحركات عسكرية أمريكية وعمليات استهداف مرتبطة بالحشد الشعبي والحدود الغربية للعراق.
وبحسب الرواية المتداولة، فإن راعي أغنام أبلغ السلطات العراقية بوجود نشاط عسكري غير اعتيادي وهبوط مروحيات في الصحراء الممتدة بين الأنبار والنجف، ما دفع الجيش العراقي إلى إرسال قوة استطلاع للتحقق من الموقع. لكن القوة تعرضت لاحقًا لقصف جوي وإطلاق نار أدى إلى مقتل جندي وإصابة اثنين آخرين، قبل انسحابها من المنطقة.
وفي حين اعتقدت بغداد حينها أن الهجوم مرتبط بالقوات الأمريكية، تشير التسريبات الحالية إلى أن الموقع ربما كان قاعدة إسرائيلية سرية جرى تأمينها عبر ضربات جوية لمنع اكتشافها.
قاعدة متقدمة للحرب على إيران
وتفيد المعطيات بأن القاعدة لم تكن مجرد نقطة مراقبة مؤقتة، بل منشأة عملياتية متكاملة ضمت قوات خاصة إسرائيلية ووحدات بحث وإنقاذ للطيارين، إضافة إلى مراكز دعم لوجستي للعمليات الجوية ضد إيران.
وترى تحليلات أمنية أن وجود مثل هذه القاعدة داخل العراق يعني انتقال البلاد من مجرد “ساحة نفوذ” بين واشنطن وطهران إلى جزء فعلي من البنية العسكرية للحرب الإقليمية، خصوصًا مع الموقع الجغرافي الاستراتيجي للصحراء العراقية القريبة من الحدود السعودية والإيرانية في آن واحد.
كما أن اختيار منطقة النخيب والنجف يحمل أبعادًا أمنية خاصة، بسبب طبيعتها الصحراوية قليلة السكان وصعوبة مراقبتها بشكل كامل، ما يجعلها بيئة مناسبة للتحركات الجوية والعسكرية السرية.
اتهامات لواشنطن وتساؤلات حول السيادة
وفي خضم الجدل المتصاعد، وجّه نواب عراقيون اتهامات مباشرة للولايات المتحدة بالتواطؤ أو التغطية على النشاط الإسرائيلي داخل العراق، معتبرين أن واشنطن سلّمت الأجواء العراقية لإسرائيل خلال الحرب مع إيران، بل وأوقفت بعض أنظمة الرادار خلال العمليات العسكرية.
ويرى مراقبون أن أخطر ما تكشفه هذه القضية ليس فقط احتمال وجود قاعدة إسرائيلية، بل حقيقة أن مؤسسات الدولة العراقية ربما لم تكن تملك السيطرة الكاملة على جزء من أراضيها، أو أنها أخطأت في تقدير هوية القوات التي كانت تتحرك داخل العمق الصحراوي العراقي.
هل يتحول العراق إلى ساحة حرب مفتوحة؟
ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة من احتمال دخول العراق ضمن دائرة الرد الإيراني مستقبلاً، إذا اقتنعت طهران بأن الأراضي العراقية تُستخدم كمنصة عمليات عسكرية ضدها.
وفي ظل الانقسام السياسي الحاد وتعدد مراكز القرار الأمني داخل العراق، تبدو قدرة بغداد على منع تحول أراضيها إلى مسرح صراع إقليمي مفتوح موضع شك متزايد، خصوصًا مع استمرار التنافس الأمريكي–الإيراني وتصاعد الحضور الإسرائيلي غير المعلن في المنطقة.
ويرى محللون أن العراق يقف اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية، قد تعيد طرح السؤال الأهم منذ سنوات: هل ما تزال الدولة العراقية تملك سيادتها الأمنية الكاملة، أم أن البلاد أصبحت بالفعل جزءًا من خرائط الحرب الإقليمية الكبرى؟
“هاغمار”… كيف حوّلت إسرائيل المستوطنين إلى جيش ظل يفرض السيطرة على الفلسطينيين؟
في الضفة الغربية، لم يعد الفلسطيني يواجه فقط جنود الجيش الإسرائيلي النظاميين، بل بات يواجه أيضًا مستوطنين مسلحين يتحركون بصفة عسكرية رسمية ضمن وحدات تعرف باسم “هاغمار”، وهي منظومة تقول تقارير حقوقية إنها تحوّلت تدريجيًا إلى “جيش ظل” يدمج المشروع الاستيطاني بالبنية الأمنية والعسكرية للاحتلال.
وبحسب تقرير نشرته منصة نون إنسايت، فإن “هاغمار” هي اختصار لعبارة “הגנה מרחבית” أو “الدفاع الإقليمي”، وهو اسم يطلقه جيش الاحتلال الإسرائيلي على كتائب احتياط محلية تتكون بمعظمها من مستوطنين في الضفة الغربية، وتعمل تحت إشراف القيادة المركزية للجيش.
ورغم تقديم هذه الوحدات رسميًا باعتبارها قوات لحماية المستوطنات في حالات الطوارئ، تشير المعطيات إلى أنها أصبحت جزءًا من منظومة السيطرة اليومية على الفلسطينيين، عبر الحواجز والدوريات ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي، إضافة إلى المشاركة في الاقتحامات وإطلاق النار قرب الطرق والمستوطنات.
من “حراسة المستوطنات” إلى إدارة الميدان
ويصف جيش الاحتلال عناصر “هاغمار” بأنهم “مقاتلون في المكان الذي يعيشون فيه”، في إشارة إلى دمج المستوطنين أنفسهم داخل المنظومة الأمنية والعسكرية.
لكن منظمات حقوقية إسرائيلية، بينها “ييش دين” و ”بتسيلم”، ترى أن الأمر يتجاوز فكرة “الحراسة المدنية”، إذ يجري تجنيد مستوطنين وتسليحهم ومنحهم زيًا عسكريًا وصلاحيات ميدانية تجعلهم جزءًا فعليًا من البنية القمعية للاحتلال.
وتعود جذور هذه العقيدة إلى بدايات المشروع الصهيوني، حين اعتمدت إسرائيل على مفهوم “الدفاع الإقليمي” لتعويض ضعف العمق الجغرافي، قبل أن تتوسع المنظومة داخل مستوطنات الضفة الغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، عبر تعيين “منسقي أمن مدنيين” وتشكيل فرق حراسة مرتبطة بالجيش ووزارة الدفاع.
لكن التحول الأكبر جاء بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، حين استدعى الجيش الإسرائيلي آلاف المستوطنين إلى هذه الوحدات، ووزع كميات كبيرة من الأسلحة على ما يعرف بـ ”فرق الأمن المدنية”، في خطوة وسعت البنية الاستيطانية المسلحة بشكل غير مسبوق.
كيف تعمل هذه الوحدات ضد الفلسطينيين؟
ويرصد التقرير سلسلة من الحوادث التي شاركت فيها وحدات “هاغمار” أو مستوطنون مجندون ضمنها في عمليات ضد الفلسطينيين.
ففي ديسمبر 2023، وثقت تقارير حقوقية اقتحام مستوطنين مسلحين وجنود من “الدفاع الإقليمي” لخربة خلة الضبع جنوب الخليل، حيث حطموا ألواحًا شمسية وخزانات مياه واعتدوا على السكان وسرقوا ممتلكاتهم.
وفي أغسطس 2024، أطلقت وحدة من “الدفاع الإقليمي” النار قرب مستوطنة “إفرات” جنوب بيت لحم، ما أدى إلى استشهاد الفلسطيني خليل سالم خليل وإصابة آخرين، في حادثة قالت منظمات حقوقية إنها تعكس تحول الطرق الفلسطينية إلى فضاء أمني تديره وحدات استيطانية مسلحة بغطاء عسكري.
كما استخدمت هذه الوحدات لإغلاق مناطق رعي فلسطينية وإعلانها “مناطق عسكرية مغلقة”، خصوصًا في جنوب الخليل والأغوار، ما أدى إلى منع الرعاة من الوصول إلى أراضيهم ودفع بعض التجمعات البدوية نحو النزوح التدريجي.
“المستوطن–الجندي”… أخطر أشكال التداخل
ويرى التقرير أن أخطر ما في “هاغمار” لا يتمثل فقط في تسليح المستوطنين، بل في منحهم صفة عسكرية رسمية.
فالمستوطن الذي كان يُنظر إليه كمدني متطرف، بات يتحرك أحيانًا بزي الجيش أو بصفة أمنية تمنحه سلطة الجندي، ما يخلق حالة تداخل تجعل الفلسطيني عاجزًا عن التمييز بين الجندي النظامي والمستوطن المسلح.
وتقول منظمات حقوقية إن هذا التداخل يمنح المستوطنين غطاءً رسميًا للانتهاكات، خاصة أن بعض عناصر “هاغمار” لديهم سوابق في جرائم ذات خلفية قومية، ورغم ذلك حصلوا على أسلحة وصلاحيات أمنية.
كما تشير شهادات جنود إسرائيليين نشرتها منظمة “كسر الصمت” إلى أن “منسقي الأمن المدنيين” المرتبطين بالمستوطنات يمتلكون نفوذًا واسعًا حتى على الجنود أنفسهم، ويحددون أحيانًا خطوط التحرك والاحتكاك مع الفلسطينيين.
“خصخصة الاحتلال”
ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل تنقل تدريجيًا جزءًا من إدارة السيطرة اليومية على الفلسطينيين إلى المجتمع الاستيطاني المسلح، فيما تصفه منظمات حقوقية بـ ”خصخصة الاحتلال”.
فبدل أن يكون القمع حكرًا على الجيش والشرطة، بات المستوطنون أنفسهم يمتلكون أدوات الدولة الأمنية والعسكرية، ويتحركون بصلاحيات رسمية داخل القرى والطرق والمراعي الفلسطينية.
وترى تقارير حقوقية وأممية أن هذا النموذج لا يهدف فقط إلى “حماية المستوطنات”، بل إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وخلق بيئة ضاغطة تدفع الفلسطينيين تدريجيًا إلى مغادرة مناطقهم، خصوصًا في الأغوار وجنوب الخليل ومحيط البؤر الاستيطانية.
متابعات إفريقية
مالي على حافة الانهيار.. تصاعد نفوذ القاعدة والطوارق يثير مخاوف من قيام حكم ديني شمال البلاد
تتجه مالي نحو واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات، مع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة وتراجع سيطرة الحكومة المركزية على مساحات واسعة من البلاد، وسط مخاوف متزايدة من تحول الأزمة إلى مشروع تقسيم عرقي–ديني قد يعيد رسم خريطة منطقة الساحل الأفريقي بأكملها.
وبحسب تطورات الميدان، تمكن تحالف يضم تنظيم القاعدة في مالي و ”جبهة تحرير أزواد” التابعة للطوارق من السيطرة على عدة مدن في شمال البلاد، مع توسيع نطاق عملياته نحو الوسط ومحيط العاصمة باماكو، في وقت تواجه فيه حكومة الرئيس العسكري أوسيمي غويتا ضغوطًا غير مسبوقة بعد مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا خلال مواجهات قرب العاصمة.
حكومة ترفض الحوار رغم التدهور الميداني
ورغم اتساع رقعة القتال، تواصل الحكومة المالية رفضها إجراء أي حوار مع الجماعات المسلحة، وتصر على توصيفها كـ ”تنظيمات إرهابية” تسعى إلى تقويض الدولة وعرقلة “المصلحة الوطنية”.
لكن مراقبين يرون أن المقاربة العسكرية التي يتبناها غويتا لم تعد قادرة على احتواء الأزمة، خصوصًا مع فقدان الحكومة السيطرة على أجزاء واسعة من الشمال والوسط، وتحول النزاع إلى صراع متعدد الأبعاد يتداخل فيه العامل العرقي والديني والإقليمي.
ويقول مسؤولون وخبراء في شؤون الساحل إن مالي لم تعد تواجه مجرد تمرد مسلح، بل أزمة بنيوية تهدد بتفكك الدولة نفسها، خاصة بعد قطع السلطة العسكرية علاقاتها مع قوى المعارضة، وتدهور علاقاتها مع دول الجوار، وانسحابها من منظمة “إيكواس”.
تحالف الطوارق والقاعدة.. ولادة كيان جديد؟
ويثير التحالف المتنامي بين تنظيم القاعدة وجبهة تحرير أزواد مخاوف من ظهور كيان سياسي–عسكري جديد في شمال مالي، قد يحمل طابعًا دينيًا وقوميًا في آن واحد.
ويشير محللون إلى أن زعيم القاعدة في مالي إياد آغ غالي، المنحدر من الطوارق، يمثل حلقة وصل بين المشروع الجهادي والمطالب الانفصالية للأزواد، وهو ما قد يؤدي إلى صياغة نموذج جديد يجمع بين النفوذ القبلي والخطاب الإسلامي المسلح.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان إعلان “الجمهورية الإسلامية في أزواد” قبل سنوات، لكن الفارق اليوم يتمثل في حجم التمدد العسكري، والانهيار التدريجي لسلطة الدولة المركزية، إضافة إلى تعقّد البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة.
صراع نفوذ دولي فوق الأرض المالية
وتتجاوز الأزمة المالية حدود الداخل، إذ تحولت البلاد إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي متشابك.
فبعد طرد القوات الفرنسية عام 2022، اتجه غويتا نحو روسيا لتعويض الفراغ الأمني، لكن موسكو بدأت تقليص وجودها تدريجيًا مع تصاعد المخاطر وتدهور الوضع الميداني. وفي المقابل، تتهم أطراف داخل مالي باريس بمحاولة استخدام بعض الجماعات المسلحة للضغط على السلطة العسكرية، رغم غياب أدلة علنية حاسمة على ذلك.
كما تتحدث تقارير وتحليلات عن أدوار غير مباشرة لقوى إقليمية ودولية أخرى، بينها تركيا، في مشهد بات أكثر تعقيدًا مع تداخل المصالح الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية في منطقة الساحل.
خطر يمتد إلى الساحل بأكمله
ويرى خبراء أن أخطر ما في الأزمة الحالية هو احتمال انتقال الفوضى إلى دول الجوار، خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو، حيث تنشط الجماعات المسلحة نفسها وتمتلك امتدادات قبلية وعرقية عابرة للحدود.
ومع اتساع رقعة النزاع، تبدو دول الساحل أمام تهديد غير مسبوق قد يعيد إنتاج نموذج “الدولة المنهارة” في قلب غرب أفريقيا، خاصة مع تراجع فعالية الجيوش المحلية وفشل التدخلات الدولية السابقة في القضاء على التمرد المسلح.
هل تتجه مالي نحو الحكم الديني؟
ويحذر مراقبون من أن استمرار الانهيار الأمني والسياسي قد يفتح الباب تدريجيًا أمام تشكل سلطة أمر واقع ذات طابع ديني–عسكري في شمال مالي، خصوصًا إذا نجحت الجماعات المسلحة في تثبيت تحالفاتها المحلية وتعزيز حضورها داخل المجتمعات القبلية.
وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، وتراجع قدرة السلطة المركزية على فرض نفوذها، تبدو مالي اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى سيناريو التفكك التدريجي، حيث تتآكل الدولة لصالح كيانات مسلحة تتقاسم النفوذ على أسس عرقية ودينية وجغرافية.
جنوب السودان يغلق قاعدة عسكرية مصرية قرب إثيوبيا.. هل تتغير معادلات القرن الأفريقي؟
أثار قرار جنوب السودان إغلاق قاعدة عسكرية مصرية في منطقة جوت بولاية أعالي النيل، قرب الحدود الإثيوبية، تساؤلات واسعة بشأن مستقبل التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي، في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بسد النهضة والحرب السودانية والتنافس العسكري المتزايد على الحدود الشرقية لأفريقيا.
وبحسب تقارير إعلامية سودانية وإقليمية، فإن سلطات جنوب السودان أصدرت أوامر بإنهاء جميع الأنشطة العسكرية المصرية في المنطقة، التي اكتسبت خلال السنوات الأخيرة أهمية استراتيجية بسبب قربها من الحدود الإثيوبية وموقعها المرتبط بملف سد النهضة الإثيوبي الكبير.
ولم تصدر القاهرة أو جوبا حتى الآن توضيحات رسمية مفصلة بشأن أسباب الإغلاق أو طبيعة التفاهمات التي كانت تحكم الوجود العسكري المصري هناك، ما فتح الباب أمام قراءات متعددة حول خلفيات القرار وتوقيته.
قاعدة مرتبطة بتوازنات سد النهضة
وتنظر مصر منذ سنوات إلى مناطق جنوب السودان الحدودية مع إثيوبيا باعتبارها ذات أهمية استراتيجية في سياق الصراع غير المعلن حول سد النهضة، خصوصًا مع تصاعد المخاوف المصرية من تأثير السد على حصتها التاريخية من مياه النيل.
ويرى مراقبون أن الوجود العسكري المصري في جوت لم يكن مجرد تعاون أمني تقليدي، بل جزءًا من شبكة مراقبة ونفوذ مرتبطة بالتحركات الإثيوبية في إقليم بني شنقول–قمز، حيث يقع السد، إضافة إلى التطورات العسكرية المتشابكة في السودان والقرن الأفريقي عمومًا.
كما يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه المنطقة حالة إعادة تموضع عسكري معقدة، تتداخل فيها الحرب السودانية مع التوترات الإثيوبية–المصرية والصراع على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية.
لماذا الآن؟
ويطرح توقيت القرار تساؤلات إضافية، خاصة مع تصاعد المؤشرات على توسع التنافس العسكري في الإقليم خلال الأشهر الماضية.
ففي فبراير الماضي، كشفت تقارير لوكالة Reuters عن وجود معسكرات تدريب سرية داخل إثيوبيا لعناصر مرتبطة بقوات الدعم السريع السودانية، بدعم وتمويل خارجي، ما عكس اتساع دائرة التداخل الإقليمي في الحرب السودانية.
وفي المقابل، تحدثت تقارير أخرى عن تعزيز مصر وجودها العسكري قرب الحدود السودانية، عبر نشر طائرات مسيرة ومنظومات مراقبة متقدمة، ضمن سياسة أكثر انخراطًا في الصراع الدائر بالسودان ومحيطه.
ويرى محللون أن جوبا قد تكون تحاول إعادة التموضع بين القاهرة وأديس أبابا، خصوصًا أنها تعتمد اقتصاديًا وسياسيًا على علاقات متوازنة مع الطرفين، ولا ترغب في التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة ضمن صراع النفوذ الإقليمي.
القرن الأفريقي يدخل مرحلة أكثر هشاشة
ويأتي هذا التطور بينما يشهد القرن الأفريقي والحدود السودانية–الإثيوبية حالة تصعيد متزايدة، مع استمرار الحرب في السودان، وتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن دعم جماعات مسلحة والتحركات عبر الحدود.
كما تخشى أطراف إقليمية من أن يتحول جنوب السودان نفسه إلى ساحة تنافس عسكري واستخباراتي، في ظل هشاشة أوضاعه الداخلية وعودة التوترات المسلحة قرب الحدود الإثيوبية خلال الأشهر الأخيرة.
ويرى مراقبون أن إغلاق القاعدة المصرية، إذا تأكد رسميًا، قد يعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة رسم التحالفات في شرق أفريقيا، حيث لم تعد الملفات الأمنية منفصلة عن أزمات المياه والطاقة والحروب الأهلية والنفوذ الدولي المتشابك في المنطقة.
وفي ظل غياب توضيحات رسمية من القاهرة وجوبا، يبقى السؤال الأهم: هل يمثل القرار مجرد إعادة تنظيم عسكري مؤقت، أم أنه مؤشر على تحول أعمق في ميزان القوى داخل القرن الأفريقي؟
متابعات دولية
بوتين يكشف عن “أقوى صاروخ نووي في العالم”.. موسكو تعيد رسم معادلات الردع مع الغرب
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستُدخل صاروخ “سارمات” النووي الإستراتيجي إلى الخدمة نهاية العام الجاري، بعد تجربة إطلاق وصفتها موسكو بالناجحة، في خطوة تعكس تسارع سباق التسلح النووي بين روسيا والغرب وسط تصاعد التوترات الدولية المرتبطة بحرب أوكرانيا والمواجهة المفتوحة مع حلف الناتو.
ووصف بوتين الصاروخ الجديد بأنه “أقوى نظام صاروخي في العالم”، مؤكدًا أن مداه يتجاوز 35 ألف كيلومتر، وأن قوته التدميرية تفوق بأكثر من أربعة أضعاف الرؤوس الحربية الغربية المكافئة. كما أشار إلى أن “سارمات” يمتلك قدرة على التحرك عبر مسارات باليستية وشبه مدارية، ما يمنحه قدرة أعلى على المناورة واختراق أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية والمستقبلية.
وجاءت تصريحات بوتين عقب إعلان “قيادة قوات الصواريخ الإستراتيجية الروسية” نجاح اختبار إطلاق الصاروخ، حيث عرض التلفزيون الروسي مشاهد لقائد القوات الصاروخية سيرغي كاراكاييف وهو يرفع تقريرًا إلى الرئيس الروسي حول نتائج التجربة.
“سارمات”.. سلاح ردع عابر للقارات
ويُعد صاروخ “سارمات” الجيل الأحدث من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في الترسانة الروسية، وقد صُمم ليحل محل منظومة “فويفودا” السوفيتية المعروفة في الغرب باسم “الشيطان”.
وبحسب المعطيات الروسية، يستطيع الصاروخ حمل رؤوس نووية متعددة شديدة التدمير، مع قدرة على ضرب أهداف في الولايات المتحدة أو أوروبا عبر مسارات معقدة يصعب اعتراضها.
كما تؤكد موسكو أن الصاروخ صُمم خصيصًا لتجاوز أنظمة الدفاع الأمريكية، خصوصًا بعد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية عام 2002، وهو القرار الذي اعتبره بوتين نقطة تحول دفعت روسيا إلى تطوير جيل جديد من الأسلحة الإستراتيجية.
وقال الرئيس الروسي إن بلاده اضطرت إلى “ضمان أمنها الإستراتيجي في الواقع الجديد”، عبر تطوير منظومات “لا مثيل لها عالميًا”، قادرة على الحفاظ على “توازن القوى والتكافؤ النووي”.
رسالة ردع في ذروة التوتر
ويرى محللون أن توقيت الإعلان الروسي يحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد تجربة تقنية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المواجهة غير المباشرة بين موسكو والغرب.
فمنذ اندلاع الحرب عام 2022، استخدم بوتين الخطاب النووي مرارًا كأداة ردع إستراتيجي، عبر التذكير بحجم الترسانة الروسية وقدرتها على الرد في حال تعرضت موسكو لما تعتبره “تهديدًا وجوديًا”.
كما يأتي الإعلان في وقت تشهد فيه أوروبا تعزيزات عسكرية متزايدة، مع توسع برامج الدفاع الصاروخي الأمريكية داخل القارة، وهو ما تعتبره روسيا تهديدًا مباشرًا لتوازن الردع النووي القائم منذ الحرب الباردة.
شكوك غربية حول القدرات الحقيقية
ورغم التصريحات الروسية، يشكك خبراء أمنيون غربيون في بعض الادعاءات المتعلقة بقدرات “سارمات”، معتبرين أن موسكو تبالغ أحيانًا في توصيف الجيل الجديد من أسلحتها الإستراتيجية لأغراض سياسية وردعية.
وتشير تقارير غربية إلى أن البرنامج واجه خلال السنوات الماضية تأخيرات ومشكلات تقنية، بينها اختبار فاشل في سبتمبر 2024 أدى إلى انفجار ضخم قرب منصة الإطلاق وترك حفرة كبيرة في موقع التجربة.
لكن حتى مع هذه الشكوك، يرى محللون أن إدخال “سارمات” إلى الخدمة يمثل تطورًا مهمًا في مسار تحديث القوات النووية الروسية، ويعكس استمرار اعتماد موسكو على الردع النووي كركيزة أساسية في استراتيجيتها العالمية.
سباق تسلح جديد؟
ويعيد الإعلان الروسي النقاش مجددًا حول احتمال دخول العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي، خصوصًا مع انهيار عدد من اتفاقيات الحد من الأسلحة خلال العقدين الأخيرين، وتراجع قنوات التفاهم الإستراتيجي بين موسكو وواشنطن.
وفي ظل التوترات المتصاعدة في أوكرانيا وآسيا والشرق الأوسط، يبدو أن القوى الكبرى تعود تدريجيًا إلى منطق “الردع الشامل” الذي طبع الحرب الباردة، لكن بأدوات أكثر تطورًا وتعقيدًا، تشمل الصواريخ فرط الصوتية، والأسلحة النووية التكتيكية، ومنظومات الاختراق المتقدمة.
وبينما تصف موسكو “سارمات” بأنه ضمانة لحماية أمنها القومي، يرى الغرب أن مثل هذه الخطوات تزيد من هشاشة الاستقرار الإستراتيجي العالمي، وترفع مخاطر الانزلاق نحو مواجهات يصعب التحكم بمساراتها.
انتخابات محلية تهز المشهد البريطاني.. صعود اليمين يربك حزب العمال ويفتح الباب لتحولات أوسع
كشفت نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا عن تحولات سياسية لافتة تجاوزت حدود التنافس البلدي التقليدي، بعدما تحولت إلى اختبار حقيقي لشعبية حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، وسط صعود قوي لحزب “ريفورم يو كاي” اليميني بقيادة نايجل فاراج، وتراجع ملحوظ لحزب العمال الحاكم.
وأظهرت المؤشرات الأولية تكبد حزب العمال خسائر قاسية في عدد من المجالس المحلية، في حين حقق حزب “ريفورم” مكاسب غير مسبوقة، ما دفع مراقبين إلى وصف الانتخابات بأنها بداية إعادة تشكيل للخريطة السياسية البريطانية، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي من الأداء الحكومي وتفاقم أزمات المعيشة والهجرة والخدمات العامة.
وبحسب تقارير إعلامية بريطانية، فإن الانتخابات مثلت أكبر اختبار سياسي لحكومة ستارمر منذ وصولها إلى السلطة عام 2024، مع توقعات بخسارة حزب العمال مئات المقاعد المحلية، في وقت يواصل فيه اليمين الشعبوي توسيع حضوره داخل المدن والمناطق التي كانت تاريخياً محسوبة على العمال والمحافظين معاً.
ويبدو أن التأثير لم يعد محصوراً بالقضايا المحلية فقط، إذ حضرت ملفات السياسة الخارجية والهجرة والحرب في غزة بقوة داخل الحملات الانتخابية، خاصة في المدن ذات الكثافة العربية والإسلامية مثل لندن وبرمنغهام ومانشستر. كما برزت القضية الفلسطينية كعامل مؤثر في توجهات جزء من الناخبين العرب والمسلمين، وهو ما انعكس على تنامي دعم بعض الأقليات لأحزاب مثل الخضر أو المرشحين المستقلين.
وفي السياق ذاته، أشار مراقبون إلى أن المشاركة السياسية للعرب والمسلمين في بريطانيا تشهد توسعاً تدريجياً، ليس فقط عبر التصويت، بل أيضاً عبر الترشح والانخراط في العمل البلدي والتنظيمي، ما يعكس تحوّلاً متزايداً نحو بناء حضور سياسي أكثر تأثيراً داخل المجتمع البريطاني.
ويرى محللون أن النتائج تحمل أبعاداً تتجاوز الداخل البريطاني، إذ تعكس اتجاهاً أوروبياً أوسع يتمثل في صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية على حساب القوى التقليدية، في ظل الأزمات الاقتصادية والاستقطاب السياسي والتوترات المرتبطة بالهجرة والسياسات الخارجية.
ومع استمرار فرز بعض النتائج، تتجه الأنظار إلى التداعيات المحتملة داخل حزب العمال نفسه، خاصة مع تصاعد الانتقادات لقيادة ستارمر، وظهور دعوات داخلية لإعادة تقييم استراتيجية الحزب قبل الانتخابات العامة المقبلة.




