نحن والعالم

نحن والعالم عدد 21 يونيو 2026

يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 12 يونيو 2026 –  21 يونيو 2026

تتصدر الولايات المتحدة المشهد بخلافات داخلية وخارجية حادة حول أمور متعددة، من أهمها اتفاق ترامب المرحلي مع إيران، إلى مع تحذيرات من توسع صلاحياته الحكومة ضد المعارضة الالإتفاق، ومنها ما تردد عن قرار وملف  بترحيل أستاذ العلوم السياسية الباحث من أصل إيراني تريتا بارسي.

في ملف إيران، يبدو الاتفاق الأمريكي–الإيراني أقرب إلى هدنة مؤقتة أنقذت أسواق الطاقة من صدمة كبرى، لكنه ما يزال مهددًا بسبب الملف النووي وجبهة لبنان ومضيق هرمز.

داخليًا، تتزايد المخاوف من توظيف الأمن القومي والهجرة ومكافحة الإرهاب لمراقبة المعارضين والمنظمات المدنية، بما يثير نقاشًا واسعًا حول مستقبل الديمقراطية الأمريكية.

تكنولوجيًا، تكشف قضية الجمعية السرية النخبوية  “دايالوغدايالوج” التي أسسها بيتر ثيل، وتعليق نماذج Anthropic عن قلق متصاعد من نفوذ النخب المغلقة ومن تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ملف أمن قومي ورقابة سيادية.

أما إقليميًا، فتبرز تركيا عبر  توسيع نفوذها الدفاعي والاقتصادي من إسبانيا إلى ليبيا، حيث تحاول أنقرة الانتقال من دعم طرابلس وحدها إلى بناء شبكة نفوذ أوسع تشمل بنغازي أيضًا، في ظل إرهاصات لتوافقات داخلية. كما تبرز  دلائل على تعثر في المرحلة الانتقالية في سورية بعد تصاعد الاحتجاجات في معظم أنحاء البلاد على عدم تطبيق العدالة الانتقالية على “شبيحة” النظام السابق.

أمريكا

تركز أخبار أمريكا على اتفاق ترامب المرحلي مع إيران، الذي وصفه بأنه أنقذ العالم من كارثة اقتصادية، مع إبقاء خيار القصف قائمًا إذا خالفت طهران التزاماتها.

يبقى الاتفاق هشًا بسبب ملفات معقدة مثل البرنامج النووي الإيراني، اليورانيوم عالي التخصيب، العقوبات، مضيق هرمز، وجبهة لبنان بين إسرائيل وحزب الله.

داخليًا، تتصاعد التحذيرات من “انقلاب متدرّج” في الولايات المتحدة عبر توسيع صلاحيات الأمن القومي والهجرة ومراقبة المعارضة والمنظمات المدنية.

كما أثارت قضية تريتا بارسي جدلًا واسعًا بعد تقارير عن تحقيق قد يؤدي إلى سحب إقامته بسبب مواقفه المعارضة للحرب على إيران، رغم نفي الخارجية وجود خطة حالية لذلك.

وفي ملف التكنولوجيا، كشفت تسريبات “دايالوغدايالوج” كجمعية سرية نخبوية، ونماذج Anthropic عن تصاعد القلق من نفوذ النخب المغلقة ومن تعامل واشنطن مع الذكاء الاصطناعي كملف أمن قومي.

ترامب يدافع عن اتفاق إيران: تجنبنا كارثة اقتصادية.. لكن الحرب قد تعود إذا خالفت طهران التزاماتها

دافع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق المرحلي الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران، معتبرًا أنه أنقذ العالم من “كارثة اقتصادية” كانت محتملة في حال استمرار الحرب، لكنه في الوقت نفسه لوّح بإمكانية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران إذا لم تلتزم ببنود التفاهم.

وجاءت تصريحات ترامب، الأربعاء 17 يونيو، في ختام قمة مجموعة السبع التي عُقدت في مدينة إيفيان-لي-بان الفرنسية، بالتزامن مع استعداد الولايات المتحدة وإيران لتوقيع مذكرة تفاهم أولية في سويسرا، تمهيدًا لجولة مفاوضات تمتد ستين يومًا بهدف تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق شامل.

وقال ترامب في مؤتمر صحفي إن حركة الملاحة في مضيق هرمز ارتفعت بشكل واضح منذ إعلان الهدنة قبل ثلاثة أيام، مشيرًا إلى أن الاتفاق قد يشكل بداية لمسار أوسع نحو السلام في الشرق الأوسط. لكنه أضاف بلهجة تهديدية: “سنقصفهم بشدة إذا انتهكوا الاتفاق. لا أريد ذلك، أريدهم أن يحترموا الاتفاق”.

وكان ترامب قد قال في تصريح سابق بالمعنى نفسه إن الولايات المتحدة ستعود إلى القصف إذا لم “تتصرف” إيران بالشكل المطلوب، في إشارة إلى أن الاتفاق المرحلي لا يعني إغلاق خيار الحرب بشكل نهائي.

وتكتسب تصريحات ترامب أهمية خاصة لأن الحرب التي بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير، تحولت خلال أشهر قليلة إلى صراع إقليمي واسع، تسببت تداعياته في ارتفاع أسعار الطاقة، وتجدد الضغوط التضخمية، وزيادة المخاوف من أزمة إمدادات غذائية في الدول النامية.

وقال ترامب إن ما كان يريد تجنبه هو الانزلاق إلى “كارثة اقتصادية”، معتبرًا أن استمرار الحرب كان سيقود العالم إلى هذا السيناريو. كما شكر الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على “حيادهما” خلال الصراع، قائلًا إنهما لم يعرقلا جهوده لاحتواء الطموحات النووية الإيرانية.

مضيق هرمز في قلب الاتفاق

أحد أهم عناصر التفاهم الأمريكي–الإيراني يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة. فالمضيق، الذي تمر عبره عادة نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، أصبح خلال الحرب ورقة ضغط إيرانية رئيسية، بعدما أدى تعطله إلى صدمة في أسواق الطاقة.

وعقب الإعلان عن قرب إعادة فتحه، تراجعت أسعار النفط، وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت إلى أقل من 80 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى منذ بداية المواجهة الأمريكية–الإيرانية. إلا أن الأسعار عادت وارتفعت بأكثر من 1% بعد تصريحات ترامب التي هدد فيها باستئناف الحرب إذا لم يكن راضيًا عن سلوك إيران.

وبحسب مسؤول أمريكي كبير، فإن مذكرة التفاهم الموقعة تسمح بمرور مجاني عبر مضيق هرمز لمدة ستين يومًا، على أن تجري لاحقًا مناقشة إدارة المضيق مع سلطنة عُمان ودول خليجية أخرى. إلا أن الخلاف لا يزال قائمًا حول طبيعة الدور الإيراني في المضيق، إذ تؤكد واشنطن أن العبور يجب أن يكون حرًا ومن دون رسوم، بينما تصر طهران على الاحتفاظ بدور إداري وأمني في تنظيم الملاحة.

اتفاق مؤقت لا يزال قابلًا للانهيار

ورغم الزخم السياسي الذي رافق الإعلان عن الاتفاق، أكد مسؤول أمريكي كبير أن الطرفين لا يزالان قادرين على الانسحاب من مذكرة التفاهم قبل التوصل إلى اتفاق ملزم. وأوضح أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، لأنها ستحدد “من يقوم بماذا ومتى”، أي ترتيب الخطوات المتبادلة بين واشنطن وطهران.

وتتكون المذكرة من 14 بندًا، وتشمل تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا قابلة للتمديد، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، واستئناف الملاحة في مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، ومنح إعفاءات من العقوبات المفروضة على إيران، إضافة إلى خطة لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بقيمة 300 مليار دولار.

كما تتعهد إيران، بموجب المذكرة، بعدم تصنيع أسلحة نووية، وهو تعهد تقول طهران إنها تلتزم به منذ عقود. غير أن هذا البند لا يحسم جوهر الخلاف، لأن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بالإعلان السياسي عن عدم امتلاك سلاح نووي، بل بمصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ومستقبل برنامجها النووي، وحدود التفتيش الدولي عليه.

العقدة النووية: هل يمكن تجاوزها؟

يبقى الملف النووي العقبة الأكبر أمام أي اتفاق نهائي. فترامب، الذي استخدم البرنامج النووي الإيراني مبررًا أساسيًا للحرب، يريد إخراج أو تدمير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. أما طهران فترفض ذلك، لكنها أبدت استعدادًا محتملًا لتخفيف مستوى التخصيب عبر ما يُعرف بعملية “الخلط أو التخفيف”، أي تحويل اليورانيوم عالي التخصيب إلى درجة أقل حساسية.

كما تبرز مسألة تخصيب اليورانيوم مستقبلًا كإحدى أكثر القضايا تعقيدًا. فالولايات المتحدة طالبت في مراحل سابقة بوقف التخصيب داخل إيران بالكامل، بينما ترى طهران أن التخصيب حق سيادي لا يمكن التنازل عنه. وقد جرى الحديث سابقًا عن حلول وسط، بينها تعليق التخصيب لفترة تتراوح بين خمس سنوات وعشرين سنة، لكن التوصل إلى صيغة نهائية لا يزال صعبًا.

وتضاف إلى ذلك مسألة التفتيش الدولي، إذ لم يتضح بعد ما إذا كانت إيران ستقبل بمستوى الرقابة الذي كان قائمًا في الاتفاق النووي لعام 2015، والذي انسحب منه ترامب عام 2018 خلال ولايته الأولى.

العقوبات والأموال المجمدة

تطالب إيران برفع سريع للعقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من أموالها المجمدة، بينما تصر واشنطن على أن أي تخفيف للعقوبات يجب أن يكون تدريجيًا ومرتبطًا بمدى التزام طهران.

وبحسب ما تضمنته مذكرة التفاهم، ستحصل إيران فورًا على إعفاءات تسمح لها ببيع النفط مجددًا، وهو ما اعتبره منتقدون داخل الولايات المتحدة تنازلًا كبيرًا من إدارة ترامب. وقد يواجه الرئيس الأمريكي ضغطًا داخليًا إذا بدا أنه يقدم أموالًا أو امتيازات اقتصادية لطهران، خصوصًا أن الاتفاق الحالي يُقارن بالفعل بالاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي كان ترامب قد انتقده بشدة لسنوات.

إسرائيل ولبنان: الجبهة الأخطر على الاتفاق

رغم أن مذكرة التفاهم تنص على وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، فإن إسرائيل لم تكن طرفًا في المفاوضات، وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده غير ملزمة بأي اتفاق أمريكي–إيراني في ما يتعلق بحربها ضد حزب الله.

وقد وجّه ترامب انتقادًا ناعمًا لنتنياهو، قائلًا إن لديه “خلافًا صغيرًا” معه بشأن لبنان، وإن على إسرائيل أن تعتمد “لمسة أخف” في عملياتها العسكرية. وأضاف مخاطبًا نتنياهو بلقبه المعروف: “لا تحتاج يا بيبي إلى هدم مبنى في كل مرة يدخل إليه شخص من حزب الله”.

ورغم تراجع حدة القتال في لبنان بعد الإعلان عن التفاهم، فإن المواجهات لم تتوقف بالكامل. فقد أفادت وسائل إعلام لبنانية رسمية بوقوع غارات إسرائيلية وقصف مدفعي على بلدات جنوبية عدة، بينما قالت مصادر أمنية لبنانية إن حزب الله نفذ هجومين بطائرات مسيرة ضد قوات إسرائيلية في الجنوب. وأعلنت إسرائيل لاحقًا إصابة خمسة من جنودها في هجومين بطائرات مسيرة، ثم تصاعد القصف والاشتباكات المتبادلة حتى بعد توقيع الاإتفاق، إلى وقت كتابة هذا التقرير.

هذا الوضع يجعل الجبهة اللبنانية أحد أخطر العوامل التي قد تعرقل الاتفاق، خصوصًا أن إيران تعتبر وقف الحرب في لبنان جزءًا من شروط التفاهم، بينما تصر إسرائيل على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري ضد التهديدات.

ترامب يلين موقفه من الصواريخ الإيرانية

في تحول لافت، قال ترامب إن من “غير العادل” أن تُمنع إيران من امتلاك صواريخ باليستية إذا كانت دول أخرى في المنطقة تمتلكها. وأضاف أنه إذا كانت السعودية وقطر ودول أخرى تمتلك مثل هذه الصواريخ، فإن امتلاك إيران لها “بنسبة معقولة” قد يكون مقبولًا.

هذا التصريح يمثل تراجعًا واضحًا عن المواقف الأمريكية التقليدية التي طالبت بتقييد صارم لبرنامج الصواريخ الإيراني. كما أنه قد يثير قلق إسرائيل وحلفاء واشنطن في المنطقة، لأنه يمنح طهران هامشًا للاحتفاظ بجزء من قدراتها العسكرية بدلًا من تفكيكها.

وفي الوقت نفسه، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستبقي قواتها العسكرية في الخليج “لفترة من الوقت” بعد الاتفاق، في إشارة إلى أن واشنطن لا تنوي الانسحاب السريع من المشهد الأمني الإقليمي.

مجموعة السبع ترحب بحذر

رحب قادة مجموعة السبع بالاتفاق الأمريكي–الإيراني، مؤكدين ضرورة أن تعالج المفاوضات المقبلة “التهديدات التي تشكلها إيران في المنطقة وخارجها”، وأن تضمن عدم امتلاكها سلاحًا نوويًا.

ورغم أن دول المجموعة تشارك واشنطن القلق من البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، فإنها لم تكن جميعها مؤيدة لقرار ترامب الذهاب إلى الحرب. كما يخشى بعض القادة الغربيين أن تكون إيران قد خرجت من المواجهة بموقع تفاوضي أقوى، بعدما صمدت أمام الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي وفرضت نفسها لاعبًا حاسمًا في مضيق هرمز.

كما دعت مجموعة السبع إلى وقف فوري لإطلاق النار في لبنان، حيث تسبب القتال بين إسرائيل وحزب الله في نزوح أكثر من مليون شخص.

مدرسة مناب: ملف إنساني يلاحق واشنطن

على هامش القمة، عاد ترامب للحديث عن الضربة التي استهدفت مدرسة للبنات في مدينة مناب جنوب إيران في اليوم الأول من الحرب، وأسفرت، وفق مسؤولين إيرانيين، عن مقتل أكثر من 175 طفلًا ومعلمًا.

وقال ترامب إن “لا أحد” استهدف المدرسة عمدًا، مؤكدًا أن التحقيق لا يزال مستمرًا، وأن الأخطاء تحدث في الحروب. وكان الرئيس الأمريكي قد زعم في البداية، من دون دليل، أن إيران مسؤولة عن الضربة، قبل أن يقر لاحقًا بأنه لا يعرف ما يكفي عن الحادثة وأنه سيقبل بنتائج التحقيق.

وتشير تقارير إلى أن تحقيقًا عسكريًا أمريكيًا داخليًا أوليًا رجّح مسؤولية القوات الأمريكية عن الضربة، بينما لم تعترف وزارة الدفاع الأمريكية رسميًا بهذه النتائج بعد. وتقول مصادر مطلعة إن المسؤولين عن إعداد حزم الاستهداف ربما اعتمدوا على معلومات استخباراتية قديمة.

الإيرانيون بين “النصر الدبلوماسي” وواقع البقاء

في الداخل الإيراني، يعلن المسؤولون أن الاتفاق المرحلي يمثل انتصارًا دبلوماسيًا على واشنطن، إلا أن المزاج الشعبي يبدو أكثر قتامة. فالأشهر الطويلة من الحرب عمّقت الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وزادت الضغوط على المواطنين الذين يعانون أصلًا من العقوبات والتضخم.

وقال أحد المواطنين الإيرانيين من مدينة أصفهان إن معظم الناس يعيشون في “وضع النجاة”، يومًا بيوم، من دون أمل واضح أو تصور للمستقبل. وهذا التباين بين خطاب السلطة ومزاج الشارع يعكس حجم الكلفة الاجتماعية التي خلفتها الحرب، حتى لو حاولت طهران تسويق الاتفاق بوصفه انتصارًا سياسيًا.

مفاوضات صعبة خلال ستين يومًا

رغم أن ترامب وصف المرحلة المقبلة من المفاوضات بأنها ستكون “أسهل” من المرحلة الأولى، فإن محللين يشككون في قدرة الطرفين على إنجاز اتفاق شامل خلال ستين يومًا فقط. فالاتفاق النووي لعام 2015 احتاج نحو عامين من المفاوضات، بينما يواجه الاتفاق الحالي ملفات أكثر تعقيدًا بسبب الحرب الأخيرة وانعدام الثقة بين الطرفين.

وتزيد صعوبة المهمة بسبب اختلاف أساليب التفاوض. فترامب يفضل النتائج السريعة والضغط العلني، بينما تميل إيران إلى التفاوض الطويل والمتدرج. كما أن الفريق الأمريكي، الذي يضم نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف وصهر ترامب جاريد كوشنر، قد يواجه مفاوضين إيرانيين مخضرمين اعتادوا إدارة ملفات تفاوضية طويلة ومعقدة.

أما عامل الثقة فيبقى هشًا للغاية. فإيران تشك في نيات ترامب، خصوصًا أنه هاجمها عسكريًا خلال فترات تفاوض سابقة، بينما تخشى واشنطن أن تستخدم طهران المفاوضات لكسب الوقت من دون تقديم تنازلات جوهرية.

خلاصة

يمثل الاتفاق الأمريكي–الإيراني اختراقًا مهمًا لأنه أوقف مؤقتًا مسارًا عسكريًا كان يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، لكنه لا يرقى بعد إلى تسوية نهائية. فقد نجح في فتح نافذة تفاوضية حول مضيق هرمز والعقوبات ووقف النار، لكنه ترك القضايا الأشد حساسية — البرنامج النووي، اليورانيوم عالي التخصيب، الصواريخ الباليستية، دور إسرائيل في لبنان، ونفوذ إيران الإقليمي — إلى مرحلة لاحقة.

لذلك، فإن الاتفاق الحالي أقرب إلى هدنة مشروطة منه إلى سلام مكتمل. وإذا فشلت الأطراف في الاتفاق على ترتيب الخطوات، أو إذا انفجرت جبهة لبنان مجددًا، أو إذا عاد ترامب إلى لغة التهديد بما يدفع طهران إلى الانسحاب، فقد يجد الشرق الأوسط نفسه أمام جولة جديدة من الحرب، لكن هذه المرة بعد أن اختبر الجميع حجم الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصعيد طويل.

راجع أيضا: قراءة أولية في المألات وحسابات المكاسب والخسائر لأطراف الصراع في إيران – تقدير موقف للمعهد المصري للدراسات حول مذكرة التفاهم.

“انقلاب متدرّج” لا دبابات في الشوارع: تحذيرات أمريكية من توسع صلاحيات ترامب ضد المعارضة

أطلق وزير العمل الأمريكي الأسبق روبرت رايش تحذيرًا سياسيًا حادًا من أن الولايات المتحدة قد تكون أمام ما وصفه بـ “انقلاب متدرّج”، لا يحدث في يوم واحد عبر الدبابات أو إعلان عسكري، بل عبر بناء منظومة قانونية وأمنية وإدارية تسمح بتوسيع سلطة الرئيس، واستهداف المعارضة، ومراقبة المنظمات المدنية، والتحكم في ملفات الأمن الداخلي والانتخابات.

وجاء التحذير في رسالة نشرها رايش، نقلًا عن شخصيتين ديمقراطيتين مخضرمتين هما ريتشارد غيبهارت، الزعيم الديمقراطي السابق في مجلس النواب، وتيم ويرث، عضو الكونغرس ومجلس الشيوخ السابق عن ولاية كولورادو.  ويقول فيها الكاتبان إن ما يجري في عهد الرئيس دونالد ترامب لا يشبه الأزمات السياسية السابقة في التاريخ الأمريكي، مثل ووترغيت، أو إيران–كونترا، أو احتجاجات الحقوق المدنية، أو ما بعد 11 سبتمبر، بل يمثل مسارًا مختلفًا لأنه يجمع خطوات متفرقة داخل بنية واحدة.

وتقوم الفكرة الأساسية في الرسالة على أن الخطر لا يكمن في قرار واحد، بل في تراكم قرارات تبدو منفصلة: مذكرة رئاسية عن الإرهاب الداخلي، توسع في صلاحيات إنفاذ القانون، تمويل ضخم لمرافق احتجاز الهجرة، تحقيقات ضد خصوم سياسيين سابقين، طلبات للحصول على بيانات الناخبين، وخطاب رسمي يصوّر المعارضة السياسية بوصفها تهديدًا داخليًا.

مذكرة الأمن القومي: بداية القلق

تركز الرسالة على مذكرة رئاسية وقّعها ترامب في 25 أيلول/سبتمبر 2025، حملت عنوان “مكافحة الإرهاب الداخلي والعنف السياسي المنظم”. وتصف المذكرة، وفق نصها الرسمي، تهديدات مرتبطة بالعنف السياسي المنظم، وتكلف وزارات وهيئات مثل العدل، والخزانة، والأمن الداخلي، والخارجية، بمتابعة التمويل والشبكات الداعمة لهذه الأنشطة.

لكن منتقدي المذكرة، ومن بينهم منظمات حقوقية مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، يرون أنها تستخدم لغة فضفاضة يمكن أن تفتح الباب أمام استهداف منظمات مجتمع مدني ونشطاء سياسيين تحت غطاء “مكافحة الإرهاب الداخلي”. ويؤكد هؤلاء أن القانون الأمريكي لا يجيز معاملة الخطاب السياسي المحمي دستوريًا كإرهاب لمجرد أنه مناهض للرأسمالية أو ينتقد الحكومة أو يتعارض مع رؤى محافظة حول الدين والأسرة والقيم.

وتشير تقارير صحفية إلى أن المذكرة جاءت في سياق حملة أوسع من إدارة ترامب ضد ما تصفه بـ “العنف السياسي المنظم”، مع تركيز واضح على جماعات يسارية أو مناهضة للفاشية، في حين اتهم منتقدون الإدارة بتجاهل مخاطر العنف اليميني المتطرف أو التقليل من شأنها.

من مكافحة العنف إلى مراقبة المعارضة

يرى غيبهارت وويرث أن الخطر يكمن في الانتقال من ملاحقة العنف الفعلي إلى مراقبة وتمويل وملاحقة منظمات أو أفراد بسبب مواقف سياسية. فحين يُستخدم خطاب “الأمن القومي” لتصنيف معارضين أو منظمات مدنية كجزء من شبكة تهديد داخلي، يصبح المجال مفتوحًا أمام تحقيقات ضريبية، وملاحقات مالية، وقوائم مراقبة، واستدعاءات قضائية.

وفي هذا السياق، برزت مخاوف من تكليف أجهزة مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الخزانة، ومصلحة الضرائب، بتتبع مصادر تمويل منظمات يُشتبه في أنها “تسهّل” الاضطرابات السياسية، حتى بشكل غير مباشر. ويرى منتقدون أن هذا النوع من اللغة قد يضع المانحين والجمعيات والجامعات والنشطاء تحت ضغط قانوني، حتى عندما تكون أنشطتهم سلمية ومحمية بالتعديل الأول من الدستور الأمريكي.

وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يجري استهداف العنف، أم يجري توسيع تعريف العنف ليشمل المعارضة السياسية؟

الخطاب السياسي بوصفه تهديدًا داخليًا

تستشهد الرسالة بخطاب مسؤولين في إدارة ترامب لوصف المعارضة بأنها “طابور خامس” أو تهديد داخلي. وترى أن مثل هذه اللغة ليست مجرد مبالغة خطابية، بل قد تصبح تمهيدًا سياسيًا لتبرير استخدام أدوات الدولة ضد الخصوم.

ففي الأنظمة الديمقراطية، تُعد المعارضة جزءًا من النظام السياسي. أما في منطق “الانقلاب المتدرج”، كما يصفه الكاتبان، فيجري تحويل المعارضة إلى خطر أمني، ثم تحويل الخطر الأمني إلى ملف قانوني، ثم تحويل الملف القانوني إلى أداة ردع وترهيب.

وهذا هو جوهر التحذير: ليس أن الدستور أُلغي رسميًا، بل أن أدوات دستورية وإدارية قد تُستخدم بطريقة تغيّر طبيعة النظام من الداخل.

توسيع الاحتجاز والهجرة: من الحدود إلى الداخل

واحدة من أكثر النقاط إثارة في الرسالة تتعلق بتمويل ضخم لمرافق احتجاز الهجرة، وتوسيع قدرات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ICE  وحرس الحدود. ويخشى منتقدو الإدارة أن تتحول هذه البنية، إذا توسعت خارج غايات الهجرة التقليدية، إلى جهاز أمني داخلي واسع يمكن استخدامه في حالات الطوارئ أو ضد فئات سياسية واجتماعية محددة.

وتجادل الرسالة بأن حجم التمويل والقدرات المقترحة يتجاوز ما تحتاجه عمليات معالجة الهجرة العادية، ما يثير مخاوف من إمكانية استخدامها في إطار أوسع إذا أُعلنت أزمة وطنية أو حالة طوارئ. غير أن هذه النقطة تبقى من أكثر أجزاء التحذير التي تحتاج إلى تحقق دقيق، لأن الانتقال من بناء مرافق احتجاز مهاجرين إلى القول إنها “سجون سياسية” يحتاج إلى أدلة قانونية وميدانية مباشرة.

ومع ذلك، فإن القلق الأساسي مشروع سياسيًا: عندما تتوسع أجهزة الاحتجاز والإنفاذ بسرعة، ويواكب ذلك خطاب يربط المعارضة بالخطر الداخلي، يصبح احتمال إساءة الاستخدام موضوعًا يستحق الرقابة البرلمانية والقضائية.

الجيش والقوة داخل الأراضي الأمريكية

تحذر الرسالة أيضًا من تآكل الحدود التقليدية بين الأمن الداخلي والعمل العسكري. وتشير إلى أن استخدام القوة خارج القضاء، أو توسيع تصنيف “الإرهاب” ليشمل فئات جديدة، قد يفتح الباب أمام منطق خطير: إذا صُنّف شخص أو مجموعة كتهديد إرهابي، فهل يمكن استخدام القوة ضدهم داخل الولايات المتحدة؟

هذا السؤال حساس للغاية في النظام الأمريكي، لأن استخدام الجيش داخليًا محكوم بقيود تاريخية وقانونية صارمة. لذلك، فإن أي حديث عن تفويض مسبق لاستخدام القوة، أو عن تهميش مسؤولي الرقابة القانونية داخل وزارة الدفاع، يثير قلقًا كبيرًا لدى المدافعين عن الحريات المدنية.

والخطورة هنا لا تتعلق فقط بما حدث، بل بما يمكن أن يحدث إذا اجتمعت هذه الأدوات مع إعلان حالة طوارئ وطنية.

الانتخابات وبيانات الناخبين

جزء آخر من التحذير يتعلق بطلبات وزارة العدل للحصول على بيانات سجلات الناخبين من ولايات متعددة، وملاحقة ولايات رفضت التعاون، وفتح تحقيقات مرتبطة بنتائج انتخابات سابقة في ولايات خسرها ترامب بفارق محدود.

ويرى المنتقدون أن السيطرة على بيانات الناخبين أو الضغط على مسؤولي الانتخابات قد تصبح جزءًا من استراتيجية أوسع للتشكيك في النتائج أو التأثير في إدارة الانتخابات المقبلة. فالديمقراطية لا تُضرب فقط بمنع التصويت، بل أيضًا عبر السيطرة على البنية الإدارية التي تحدد من يصوت، وكيف تُراجع القوائم، ومن يملك حق الاعتراض.

وهذه النقطة تذكّر بالمعركة الأكبر التي شهدتها الولايات المتحدة بعد انتخابات 2020، حين حاول ترامب وحلفاؤه التشكيك في النتائج والضغط على مسؤولين محليين في ولايات حاسمة.

لماذا لا يرى الأمريكيون الصورة كاملة؟

يرى غيبهارت وويرث أن معظم الأمريكيين لا يرون الخطر لأنه يأتي على شكل خطوات منفصلة. كل خطوة تُقدَّم بلغة قانونية مألوفة: مكافحة الإرهاب، حماية الأمن القومي، ضبط الهجرة، حماية الانتخابات، منع العنف السياسي. لكن عند جمع هذه الخطوات معًا، تظهر بنية أوسع: دولة أمنية قادرة على مراقبة الخصوم، وملاحقة المنظمات، وتوسيع الاحتجاز، والتأثير في الانتخابات، واستخدام الطوارئ لتجاوز الكونغرس.

والتحذير الأساسي في الرسالة أن أول مهمة لأي انقلاب بطيء هي جعل تسميته “انقلابًا” تبدو مبكرة أو مبالغًا فيها. فإذا انتظر الناس إلى أن يصبح الخطر واضحًا للجميع، قد تكون أدوات المقاومة قد ضعفت بالفعل.

ما المطلوب لوقف المسار؟

تقترح الرسالة عدة مسارات لمواجهة ما تصفه بـ “الانقلاب المتدرج”. أولًا، يجب على الكونغرس استعادة سلطته الدستورية في مراقبة صلاحيات الطوارئ، واستخدام القوة داخل البلاد، ودور مكتب المستشار القانوني في تفسير القوانين بطريقة توسع سلطة الرئيس.

ثانيًا، على حكام الولايات والمدعين العامين فيها اتخاذ إجراءات لحماية المواطنين، والمنظمات غير الربحية، والعاملين في الانتخابات من أي استخدام موسع لمذكرة الأمن القومي ضد النشاط السياسي السلمي.

ثالثًا، على وسائل الإعلام ألا تكتفي بتغطية كل خطوة كخبر منفصل، بل أن تعرض الصورة الكاملة: كيف تتراكم القرارات الأمنية والقانونية والإدارية لتشكيل بنية سلطة جديدة.

رابعًا، يدعو الكاتبان المواطنين إلى تسمية الخطر بوضوح في النقاش العام: في الجامعات، والنقابات، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، والعمل، والمحادثات اليومية.

تحليل المعهد المصري: بين التحذير المشروع والمبالغة السياسية

من المهم قراءة هذا النص بوصفه تحذيرًا سياسيًا من شخصيات معارضة لترامب، لا بوصفه تقريرًا قضائيًا محايدًا يثبت كل الادعاءات الواردة فيه. فبعض النقاط مدعومة بوقائع منشورة، مثل توقيع مذكرة الأمن القومي الخاصة بمكافحة الإرهاب الداخلي، وانتقادات منظمات الحقوق المدنية لها، والتقارير الصحفية التي ربطت المذكرة بحملة ضد جماعات يسارية ومنظمات تمويل.

لكن بعض العبارات الأكثر حدة، مثل الحديث عن “سجون سياسية” أو “جيش خاص” أو خطة وشيكة لاعتقال المعارضين، تحتاج إلى أدلة إضافية قبل عرضها كحقيقة مثبتة. لذلك، تكمن قوة النص في كونه قراءة تحذيرية لمسار محتمل، لا حكمًا نهائيًا بأن الانقلاب اكتمل.

ومع ذلك، فإن جوهر التحذير يستحق النقاش: الديمقراطيات لا تنهار دائمًا بانقلاب عسكري مباشر. أحيانًا تتآكل عبر خطوات قانونية متتابعة، وتوسيع تدريجي للسلطة التنفيذية، وتحويل الخصوم السياسيين إلى أعداء داخليين، وإضعاف استقلال القضاء والإعلام والانتخابات.

خلاصة

يحذر  روبرت رايش، نقلًا عن ريتشارد غيبهارت وتيم ويرث، من أن الولايات المتحدة قد تكون أمام مسار “انقلاب متدرج”، تتراكم فيه أدوات الأمن القومي والهجرة والعدالة والانتخابات داخل يد السلطة التنفيذية. ويستند هذا التحذير إلى مخاوف من أن مذكرة ترامب حول الإرهاب الداخلي قد تُستخدم لتوسيع الرقابة والملاحقة ضد منظمات ونشطاء ومعارضين سياسيين.

قد يكون بعض ما ورد في الرسالة تحذيريًا أكثر من كونه مثبتًا، لكن الخطر الذي تشير إليه حقيقي في مبدأه: عندما يصبح النشاط السياسي السلمي قابلًا للتأطير كتهديد أمني، وعندما تتوسع أدوات الاحتجاز والمراقبة والتحقيق، وعندما تُضعف الرقابة على استخدام القوة، فإن الديمقراطية تدخل منطقة خطرة.

المعركة هنا ليست فقط بين ترامب وخصومه، بل بين تصورين للدولة: دولة ترى المعارضة جزءًا من النظام، ودولة ترى المعارضة خطرًا ينبغي ضبطه. وبين هذين التصورين، يتحدد مستقبل الديمقراطية الأمريكية.

تسريب يكشف نادي شبكة “دايالوغدايالوج” السرية لبيتر ثيل: شبكة نخبوية تجمع السياسة والمال والتكنولوجيا خلف الأبواب المغلقة

كشف تسريب ضخم لبيانات داخلية عن جانب غير معلن من عمل شبكة “دايالوغديالوج –  ”Dialog”، وهي جمعية خاصة ومغلقة تضم شخصيات نافذة من عالم السياسة والتكنولوجيا والمال والأمن، وتُعرف بطابعها السري، وبكون المشاركة فيها تتم عبر الدعوة فقط. ويضع التسريب هذه الشبكة، المرتبطة باسم المستثمر والملياردير الأمريكي بيتر ثيل، في قلب نقاش أوسع حول نفوذ النخب غير المنتخبة، وخصوصية البيانات، وتداخل السلطة السياسية والأجندات الخفية مع رأس المال التكنولوجي.

وبحسب ما كشفته مجلة وايرد، فقد تُركت مجموعة من السجلات الداخلية الخاصة بالشبكة مكشوفة على الإنترنت، بما في ذلك قواعد بيانات تسجيل المشاركين، وأكواد مرتبطة بموقعها الإلكتروني، وبيانات حساسة عن أعضاء ومدعوين لاجتماعاتها. وشملت التسريبات أسماء مشاركين، وسيرًا ذاتية، وبيانات اتصال، وتفضيلات شخصية وسياسية، إضافة إلى تفاصيل عن منصة خاصة للتعارف بين الأعضاء.

تأسست “دايالوغديالوج” عام 2006 بمشاركة بيتر ثيل، أحد أبرز المستثمرين في وادي السيليكون والمؤسس المشارك لشركة بالانتير المثيرة للجدل، إلى جانب رجل الأعمال أورين هوفمان. ومنذ ذلك الوقت، ظلت الشبكة تعمل بعيدًا عن الأضواء، بوصفها مساحة مغلقة للنقاشات غير الرسمية بين شخصيات رفيعة من الولايات المتحدة وخارجها.

قائمة نخبوية تضم سياسيين ورجال أعمال وقادة تكنولوجيا

أظهر التسريب أن اللقاء المقبل للشبكة، المقرر عقده قرب دبلن في أيرلندا  في آب/أغسطس 2026، يضم 222  مسجلًا من الشخصيات السياسية والمالية والتكنولوجية. وتشمل القائمة أسماء بارزة مثل إيلون ماسك، وجاريد كوشنر، والسيناتور تيد كروز، وكايا كالاس مفوضة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي، إلى جانب ششخصيات من الإدارة الأمريكية، وقطاع الدفاع، وشركات التكنولوجيا والبيانات.

وتكمن حساسية هذه القائمة في طبيعة المشاركين؛ فهم ليسوا مجرد رجال أعمال أو مفكرين، بل أشخاص يملكون تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر في السياسات العامة، والتمويل السياسي، وصناعة الذكاء الاصطناعي، والأمن القومي، وشركات البيانات والتحليل. لذلك، فإن كشف أسمائهم لا يطرح مسألة خصوصية فقط، بل يفتح سؤالًا أكبر: إلى أي حد تتشكل النقاشات الكبرى حول الحرب والذكاء الاصطناعي والاقتصاد داخل فضاءات مغلقة بموجب أجندات خفية لا تخضع لأي مساءلة عامة؟

وتشير الوثائق إلى أن المشاركين استخدموا في كثير من الحالات بريدًا شخصيًا أو مؤسسيًا خاصًا، ما يجعل التواصل داخل هذه الشبكة بعيدًا عن قواعد السجلات العامة التي تنطبق عادة على المسؤولين الحكوميين في سياقات رسمية. وهذا الجانب يزيد من الجدل حول العلاقة بين الاجتماعات “غير الرسمية” وصناعة القرار السياسي.

منصة تعارف للنخبة: خصوصية شديدة في مكان شديد الهشاشة

أحد أكثر جوانب التسريب إثارة كان كشف منصة خاصة للتعارف والتشبيك تحمل عنوانًا فرعيًا يوحي بأنها مخصصة لصناعة “روابط ذات معنى بين أشخاص استثنائيين”. وكانت المنصة تطلب من بعض المسجلين الإفصاح عما إذا كانوا يبحثون عن الحب، وتجمع معلومات شخصية حساسة تتعلق بالعلاقات والتفضيلات.

تبدو منصة التعارف للوهلة الأولى تفصيلًا اجتماعيًا طريفًا داخل تجمع للنخبة، لكنها في الواقع تكشف عن مشكلة أعمق. فعندما تُجمع بيانات شخصية شديدة الحساسية عن سياسيين، ومسؤولين، ومليارديرات، وقادة شركات دفاع وذكاء اصطناعي، فإن أي تسريب لا يصبح مجرد فضيحة خصوصية، بل يتحول إلى خطر أمني محتمل.

فهذا النوع من البيانات قد يكون ثمينًا لعمليات الابتزاز، أو التجنيد الاستخباراتي، أو حملات التأثير السياسي. وقد حذر محللون أمنيون من أن التسريب يوفر ما يشبه “قائمة أهداف” جاهزة لجهات تسعى إلى التجسس أو التأثير أو الضغط على شخصيات مؤثرة.

أجندة تجمع الحرب والذكاء الاصطناعي والعلاقات الشخصية

كشفت المواد المسربة أيضًا عن أجندة غير تقليدية للقاء المقبل. فقد شملت عناوين مثل “التعامل مع الحرب العالمية الثالثة”، و **“تقنيات ساحة المعركة”، و“إعادة النووي”، إلى جانب جلسات تحمل طابعًا اجتماعيًا أو ثقافيًا مثل “ابنِ طائفة”، و“ابنِ حزبًا”، و“كيف هي حياتك الجنسية؟”**.

هذا المزج بين ملفات الحرب، والدفاع، والذكاء الاصطناعي، والعلاقات الشخصية يعكس طريقة عمل هذه الشبكات المغلقة: فهي لا تفصل بين السياسي والخاص، ولا بين الاستراتيجي والاجتماعي. بل تُصمم اللقاءات لتخلق مساحة تفاعل بين أصحاب النفوذ، حيث يمكن للنقاشات الشخصية أن تتحول إلى علاقات عمل، وللعلاقات الاجتماعية أن تتحول إلى شراكات سياسية أو استثمارية.

كما تكشف مشاركات الأعضاء عن انشغال واسع بمستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الاجتماعية. فقد توقّع بعض المشاركين تصاعد الإرهاب الداخلي ضد مراكز البيانات، وظهور محاميين دفاع يعملون بالذكاء الاصطناعي، واتساع موجات فقدان الوظائف بسبب الأتمتة. وهذه المخاوف تعكس أن النخب التكنولوجية والسياسية لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كقطاع اقتصادي فقط، بل كعامل زلزالي قد يعيد تشكيل الدولة والمجتمع وسوق العمل والأمن الداخلي.

تصنيف داخلي للنخبة داخل النخبة

لم يتوقف التسريب عند كشف الأسماء والفعاليات، بل أظهر أيضًا أن “دايالوغج” كانت تستخدم أنظمة داخلية لتقييم المشاركين وترتيبهم وفق النفوذ والثروة والشهرة والقيمة التي يضيفونها إلى اللقاءات. ووفق تحقيق آخر لوايرد، تضمنت الوثائق نظام درجات وملاحظات داخلية تُستخدم في ترتيب الجلوس، والتوصيات باللقاءات، وربما حتى في تحديد استمرار بعض الأشخاص في الدعوات المستقبلية.

هذا الجانب مهم لأنه يكشف عقلية “هندسة اجتماعية” داخل بيئة النخبة. فالشبكة لا تكتفي بجمع الأشخاص المؤثرين، بل تحاول تنظيم تفاعلاتهم بطريقة محسوبة، بحيث تزيد احتمالات إنتاج علاقات نافعة أو صفقات أو تحالفات فكرية وسياسية.

وبذلك، تبدو “دايالوغج” أقرب إلى مختبر اجتماعي للنخبة، حيث تُدار العلاقات كما تُدار البيانات: تصنيف، تقييم، مطابقة، وتوجيه.

بيتر ثيل وظل بالانتير

لا يمكن فصل الجدل حول “دايالوغج” عن اسم بيتر ثيل. فثيل ليس مجرد مستثمر ثري، بل شخصية مؤثرة في تقاطع التكنولوجيا والسياسة والأمن. وقد ارتبط اسمه بشركة بالانتير، المعروفة بتقديم حلول تحليل بيانات للحكومات والجهات الأمنية والعسكرية، كما ارتبط بتيارات سياسية محافظة وليبرتارية داخل الولايات المتحدة، وتحدث في مواضيع مثيرة للجدل ، مثل وصف منتقدي سيطرة التكنولوجيا “بالمسيح الدجال”، وسعيه إلى إطالة حياته للأبد، وأشياء أخرى مماثلة.

وهذا يجعل أي شبكة نخبوية مرتبطة باسمه مثار اهتمام خاص، لأن المسألة لا تتعلق بتجمع اجتماعي عادي، بل بمنظومة تضم سياسيين، ومستثمرين، وشخصيات من عالم الدفاع والذكاء الاصطناعي. لذلك، فإن التسريب يسلط الضوء على البنية غير المرئية، بل السفلية، التي تتحرك داخلها بعض قرارات وادي السيليكون والسياسة الأمريكية.

ومع أن بعض المشاركين أو الشخصيات المرتبطة بالشبكة حاولوا التقليل من دلالة الحضور، أو القول إن المشاركة في فعالية لا تعني تبني أجندة ثيل أو “دايالوغج”، فإن التسريب أعاد النقاش حول حدود الشفافية عندما يجتمع أصحاب النفوذ في مساحات مغلقة. فقد دافعت الممثلة والناشطة صوفيا بوش مثلًا عن حضورها إحدى فعاليات الشبكة، موضحة أنها شاركت للحديث عن مخاطر التزييف العميق غير التوافقي، وأن حضورها لا يعني توافقًا سياسيًا مع ثيل أو غيره.

الخطر الأمني: عندما تفشل نخبة التكنولوجيا في حماية بياناتها

المفارقة الكبرى في التسريب أن شبكة تضم شخصيات من عالم التكنولوجيا، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن القومي، وقعت في خطأ أمني بدائي نسبيًا: ترك ملفات وأدلة وصول وقواعد بيانات مكشوفة في كود الموقع. ووفق التقارير، اكتشفت الناشطة السويسرية مايا أرسون كرايمو الدليل المكشوف داخل الشيفرة الخاصة بموقع المنظمة.

هذا الفشل يطرح سؤالًا ساخرًا ومقلقًا في آن واحد: إذا كانت نخبة التكنولوجيا والسياسة غير قادرة على حماية بياناتها الخاصة، فكيف يمكن الثقة بها في إدارة ملفات أكثر حساسية تتعلق بالذكاء الاصطناعي، والدفاع، والبنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني؟

وتزداد حساسية الأمر لأن البيانات لا تشمل فقط معلومات عامة، بل تفضيلات سياسية وشخصية، وربما معلومات اجتماعية أو عاطفية، أي نوع من البيانات التي يُفترض أن يكون محميًا بأعلى درجات الأمان.

تحليل المعهد المصري: لماذا يهم هذا التسريب؟

أهمية تسريب “دايالوغ” لا تكمن فقط في أسماء الحاضرين أو غرابة العناوين المطروحة. الأهم أنه يكشف كيف تعمل النخب في العصر الرقمي: شبكات مغلقة، علاقات مختارة بعناية، بيانات شخصية مُنظمة، خوارزميات مطابقة، ونقاشات غير رسمية داخل منظمات سرية حول قضايا تمس مصير المجتمعات.

في الماضي، كانت مثل هذه التجمعات تُقارن بمنتديات مثل بيلدربيرغ بيلدربيرج أو دافوس أو النوادي السياسية المغلقة المرتبطة بمنظمات سرية كالماسونية. لكن الفارق اليوم أن التكنولوجيا أضافت بعدًا جديدًا: لم يعد الأمر مجرد لقاءات مغلقة، بل صار هناك بنية رقمية تجمع البيانات وتصنف الأشخاص وتقترح العلاقات وتدير التفاعل بين النخب.

وهذا يخلق مشكلة ديمقراطية واضحة. فحين يناقش مسؤولون وسياسيون ورجال أعمال قضايا مثل الحرب العالمية الثالثة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النووية، ومستقبل العمل، في فضاءات خاصة لا تُسجل ولا تُنشر، فإن الجمهور لا يعرف أين تنتهي المحادثة الشخصية وأين يبدأ التأثير السياسي، وكذلك الأجندة السرية والأهداف الحقيقية لمثل هذه التجمعات..

شخصية بيتر ثيل المثيرة للجدل تعطي هذا الموضوع أهمية إضافية، نظرًا لتنامي نفوذه الكبير على مراكز صناعة القرار في أمريكا وحول العالم. وقد استعرضنا في المعهد المصري للدراسات، على سبيل المثال، منذ نحو عامين الدور الذي قام به ثيل في تبني والدفع بجي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، لهذا المنصب، ورعايته منذ كان طالبًا في جامعة ييل.

خلاصة

يكشف تسريب “دايالوغج” عن عالم تعمل فيه النخبة السياسية والمالية والتكنولوجية بمنطق مختلف عن المجال العام. عالم تُبنى فيه العلاقات عبر الدعوات السرية، وتُناقش فيه قضايا الحرب والذكاء الاصطناعي والمجتمع بعيدًا عن الصحافة والرقابة، وتُدار فيه حتى العلاقات الشخصية بمنصات بيانات مخصصة.

لكن التسريب لا يقول بالضرورة إن هناك مؤامرة واحدة أو قرارًا مركزيًا يُصنع في الظل. ما يكشفه هو شيء ربما أكثر واقعية وخطورة: وجود بنية اجتماعية مغلقة تسمح لأصحاب النفوذ بتبادل الأفكار وبناء التحالفات خارج أعين الناس، بينما تؤثر نتائج هذه التفاعلات في السياسة والأسواق والتكنولوجيا.

وفي زمن تتحول فيه البيانات إلى سلطة، والذكاء الاصطناعي إلى أداة حكم وتأثير، يصبح السؤال الأهم: من يراقب المساحات التي يجتمع فيها من يملكون القدرة على إعادة تشكيل العالم؟

واشنطن تجمّد الوصول إلى نموذجي Fable 5 وMythos 5 … – وAnthropic  تتحدث عن “سوء فهم” يهدد نشر نماذج الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة Anthropic  أنها ستعلّق الوصول إلى نموذجيها Fable 5  وMythos 5  لجميع المستخدمين، امتثالًا لتوجيه حكومي أمريكي صدر استنادًا إلى صلاحيات مرتبطة بالأمن القومي وضوابط التصدير. ويشمل القرار حظر وصول أي شخص غير أمريكي إلى النموذجين، سواء كان داخل الولايات المتحدة أو خارجها، بما في ذلك موظفون أجانب يعملون داخل الشركة نفسها.

وقالت الشركة إن الأثر العملي للتوجيه الحكومي يجعلها مضطرة إلى تعطيل النموذجين بشكل كامل لجميع العملاء، لأن استمرار تشغيلهما مع استبعاد فئات محددة من المستخدمين قد لا يكون كافيًا لضمان الامتثال. وأكدت في المقابل أن الوصول إلى بقية نماذج Anthropic لن يتأثر.

وبحسب بيان الشركة، تلقت Anthropic التوجيه الحكومي عند الساعة 5:21 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، من دون أن يتضمن الخطاب تفاصيل محددة حول طبيعة القلق الأمني. غير أن الشركة قالت إن فهمها الأولي هو أن الحكومة تعتقد بوجود طريقة لتجاوز ضوابط الحماية، أو ما يُعرف بـ “كسر الحماية”، في نموذج  Fable 5.. 

ما سبب القرار؟

تقول Anthropic إن الحكومة استندت، على ما يبدو، إلى عرض تقني يوضح طريقة محددة لاستخدام Fable 5 في اكتشاف عدد صغير من الثغرات البرمجية المعروفة سابقًا والمحدودة الأهمية. لكن الشركة تؤكد أن هذه الثغرات بسيطة نسبيًا، وأن نماذج أخرى متاحة علنًا تستطيع اكتشافها أيضًا من دون الحاجة إلى كسر حماية خاص.

وترى الشركة أن ما عُرض عليها لا يرقى إلى مستوى “كسر شامل” للحماية، أي طريقة قادرة على تجاوز ضوابط النموذج على نطاق واسع وفتح قدرات سيبرانية خطرة. ووفق البيان، لم يتمكن أي من المختبرين، حتى الآن، من إيجاد طريقة عامة وشاملة لتعطيل ضوابط Fable 5 بشكل واسع.

وتوضح Anthropic أن جميع أنظمة الحماية في قطاع الذكاء الاصطناعي قابلة نظريًا لأنواع محدودة من التجاوز، وأن المقاومة الكاملة لكل أساليب كسر الحماية ليست ممكنة حاليًا لأي مزود نماذج. لذلك، تقول الشركة إنها اعتمدت استراتيجية “دفاع متعدد الطبقات”، هدفها جعل أي اختراق محدودًا أو مكلفًا، مع مراقبة مستمرة لاكتشاف محاولات إساءة الاستخدام وإيقافها بسرعة.

Anthropic : : ضوابط Fable 5 من الأقوى في السوق

دافعت Anthropic عن مستوى الحماية في Fable 5، مؤكدة أنها أجرت قبل إطلاقه اختبارات مكثفة بالتعاون مع الحكومة الأمريكية، ومعهد سلامة الذكاء الاصطناعي البريطاني، وجهات خاصة مستقلة، وفرق داخلية، بإجمالي آلاف الساعات من الاختبار.

وقالت الشركة إن تلك الاختبارات أظهرت أن ضوابط Fable 5 أكثر فعالية من أي نموذج سبق نشره، وإن بعض المستخدمين اشتكوا أصلًا من أن هذه الضوابط صارمة أكثر من اللازم. كما أوضحت أن سياسة الاحتفاظ ببيانات العملاء لمدة 30 يومًا في Fable 5 كانت جزءًا من هذه الاستراتيجية، لأنها تتيح للشركة دراسة محاولات كسر الحماية ومعالجتها، رغم أن هذه السياسة سببت لها كلفة تجارية مع بعض العملاء.

وتضيف الشركة أن ما قُدم لها حتى الآن لا يتضمن حالة خطرة واضحة، بل أمثلة ضيقة أو استجابات حميدة  benign، أو نتائج محدودة لا توفر قدرات خاصة لا يمكن الوصول إليها عبر نماذج أخرى.

جدل حول معيار الحظر

رغم امتثالها للقرار، تعترض Anthropic على المعيار الذي استخدمته الحكومة. فالشركة ترى أن وجود احتمال ضيق وغير شامل لكسر الحماية لا يجب أن يؤدي إلى سحب نموذج تجاري يستخدمه مئات الملايين من الأشخاص. وتحذر من أنه إذا طُبق هذا المعيار على جميع الشركات، فقد يؤدي عمليًا إلى وقف نشر أي نماذج جديدة من قبل مزودي نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

وتقول Anthropic إنها تؤيد من حيث المبدأ وجود قدرة حكومية على منع نشر النماذج غير الآمنة، لكن ضمن مسار قانوني واضح وشفاف وعادل، يستند إلى وقائع تقنية دقيقة. أما القرار الحالي، بحسب الشركة، فلا يلتزم بهذه المبادئ، لأنه صدر بشكل مفاجئ، ومن دون تقديم تفاصيل كافية حول طبيعة الخطر أو الأساس التقني للحظر.

الأمن القومي وضوابط تصدير الذكاء الاصطناعي

تكشف القضية عن تحوّل مهم في تعامل الحكومات مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. فالنماذج لم تعد تُعامل كمنتجات رقمية عادية، بل كأدوات قد تدخل في نطاق الأمن القومي وضوابط التصدير، خصوصًا إذا كان يُعتقد أنها قادرة على المساعدة في اكتشاف ثغرات سيبرانية أو تطوير قدرات تقنية حساسة.

وفي هذا السياق، يصبح وصول “الأجانب” إلى النماذج المتقدمة قضية سياسية وقانونية معقدة. فالتوجيه الأمريكي لا يستهدف فقط المستخدمين في الخارج، بل يشمل حتى الأجانب الموجودين داخل الولايات المتحدة وموظفي الشركة غير الأمريكيين. وهذا يعني أن الحكومة تنظر إلى بعض قدرات الذكاء الاصطناعي بوصفها شبيهة بالتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، أي التي يمكن استخدامها مدنيًا أو عسكريًا.

لكن المشكلة أن الحدود بين الاستخدام الدفاعي والمسيء في الأمن السيبراني ليست واضحة دائمًا. فالنموذج الذي يستطيع اكتشاف ثغرة قد يستخدمه مهاجم لاستغلالها، وقد يستخدمه مدافع لإصلاحها. وهذا ما تؤكد عليه Anthropic عندما تقول إن القدرات المعروضة في الحالة التي تتحدث عنها الحكومة تُستخدم يوميًا من قبل فرق الدفاع السيبراني لحماية الأنظمة.

تأثير القرار على العملاء والسوق

عمليًا، سيؤدي القرار إلى تعطيل مفاجئ لخدمات كان يعتمد عليها عملاء Anthropic في أعمالهم. وقد اعتذرت الشركة عن هذا الاضطراب، مؤكدة أنها تعمل على استعادة الوصول في أقرب وقت ممكن، وأنها تعتقد أن القرار ناتج عن سوء فهم تقني.

لكن الأثر الأوسع قد يكون أكبر من مجرد تعطيل نموذجين. فإذا أصبحت الحكومات قادرة على تعليق الوصول إلى نماذج متقدمة بناءً على مخاوف غير مفصلة أو عروض تقنية محدودة، فقد تدخل صناعة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من عدم اليقين التنظيمي. وستضطر الشركات إلى التفكير ليس فقط في السلامة التقنية، بل في كيفية إثباتها للحكومات بسرعة وشفافية.

وقد يخلق ذلك فجوة بين الشركات الأمريكية ومنافسيها الدوليين. فمن جهة، قد يعزز الرقابة على النماذج المتقدمة ويحد من إساءة استخدامها. ومن جهة أخرى، قد يبطئ الابتكار ويضع الشركات الأمريكية تحت قيود لا تواجهها نماذج مفتوحة أو شركات خارج الولايات المتحدة.

تحليل المعهد المصري: بداية مرحلة “الرقابة السيادية” على النماذج

يبدو قرار تعليق Fable 5 وMythos 5  مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ “الرقابة السيادية” على نماذج الذكاء الاصطناعي. فالدولة لم تعد تكتفي بوضع إرشادات عامة أو مطالبة الشركات بالتقييم الذاتي، بل بدأت تستخدم أدوات قانونية مباشرة لوقف نموذج أو حظر الوصول إليه عند اعتبار قدراته خطرًا محتملًا.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في المعايير. فإذا كان معيار الحظر هو وجود أي احتمال لكسر حماية محدود، فإن معظم النماذج المتقدمة ستكون عرضة للمنع. أما إذا كان المعيار هو وجود قدرة خطرة وفريدة وغير متاحة في السوق وتؤدي إلى ضرر حقيقي، فسيكون الحظر أكثر قابلية للدفاع عنه.

وهنا يقع جوهر الخلاف بين Anthropic والحكومة الأمريكية. فالحكومة تقول إنها تتحرك لحماية الأمن القومي، بينما تقول الشركة إن الخطر المعروض ضيق وموجود في نماذج أخرى، ولا يبرر تعطيل نموذج تجاري واسع الاستخدام.

خلاصة

يمثل تعليق الوصول إلى Fable 5 وMythos 5  لحظة فارقة في العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي والحكومة الأمريكية. فالقرار يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن حماية الأمن القومي من مخاطر النماذج المتقدمة من دون خنق الابتكار أو خلق معايير غير قابلة للتطبيق على الصناعة كلها؟

Anthropic تمتثلAnthropic تمتثل للتوجيه، لكنها ترفض منطقه التقني، وتؤكد أن ضوابطها قوية وأن ما عُرض عليها لا يثبت وجود خطر استثنائي. أما الحكومة، فتتحرك وفق منطق احترازي يرى أن بعض القدرات قد تكون حساسة بما يكفي لتبرير التجميد الفوري.

وبين هذين الموقفين، تدخل صناعة الذكاء الاصطناعي مرحلة أكثر توترًا، حيث لم تعد المنافسة تدور فقط حول من يملك النموذج الأقوى، بل حول من يستطيع إقناع الدولة بأن قوته لا تتحول إلى خطر.

قضية تريتا بارسي: هل تتحول معارضة حرب إيران إلى ملف ترحيل في من الولايات المتحدة؟

أثارت تقارير أمريكية جدلًا واسعًا ،نشرتها موقع The Free Press ، الذي أسسته الإعلامية الأمريكية ذات التوجهات الصهيونية باري وايس، والتي عينت مؤخرًا رئيسا لتحرير قناة سي بي إس نيوز بعد أن انتقلت ملكيتها لعائلة لاري ودافيد أليسون، وهما أيضا من أهم ذوي التوجهات الصهيونية، بعد الكشف عن تحقيق تجريه وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الباحث السياسي تريتا بارسي، الخبير البارز  بالشئون الإيرانية، وأحد أبرز منتقدي الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وسط حديث عن احتمال سحب بطاقة الإقامة الدائمة منه وترحيله من الولايات المتحدة.

لكن مسؤولًا في وزارة الخارجية الأمريكية نفى، في تصريح لاحق، وجود خطط حالية لإلغاء “الغرين كارد” الخاصة ببارسي، قائلاً إن الوزارة “لا تخطط في الوقت الراهن” لسحب إقامته الدائمة. ومع ذلك، أضاف المسؤول أن أي أجنبي لا يملك حقًا مضمونًا بالبقاء في الولايات المتحدة، وأن الوزارة ستنهي “بلا تردد” الوضع القانوني لأي أجنبي يشارك في أنشطة تقوض الأمن القومي الأمريكي.

وجاء هذا التصريح بعد تقرير نشره موقع The Free Press، قال فيه إن وزارة الخارجية فتحت تحقيقًا بشأن بارسي، وإن بعض المسؤولين داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب يرون أنه ليس مجرد محلل سياسي أو معلق إعلامي، بل شخصية قد يكون لها دور يتجاوز إبداء الرأي في النقاش العام حول إيران.

من هو تريتا بارسي؟

تريتا بارسي، البالغ من العمر 51 عامًا، وُلد في إيران ونشأ في السويد، ويقيم في الولايات المتحدة منذ أكثر من 25 عامًا بصفته حاملًا لبطاقة إقامة دائمة. وهو أحد مؤسسي معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول في واشنطن، وهو مركز بحثي يجمع عدد من ذوي التوجهات اليمينية منها واليسارية، معروف بمواقفه الداعية إلى تقليص التدخلات العسكرية الأمريكية واعتماد الدبلوماسية في السياسة الخارجية، ويصدر نشرة مهمة معروفة ب Responsible Statecraft.. 

وبرز اسم بارسي خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران بوصفه أحد أكثر الأصوات حضورًا في الإعلام الأمريكي والدولي ضد الحرب. فقد ظهر في منصات متعددة، من وسائل إعلام يسارية إلى برامج محافظة قريبة من التيار المؤيد لترامب، مؤكدًا أن الحرب قد تتحول إلى مستنقع طويل، وأن التسوية التفاوضية مع طهران هي الطريق الواقعي الوحيد لإنهاء الصراع.

كما انتقد بارسي الدعم الأمريكي لإسرائيل في حروبها في غزة ولبنان، ما جعله هدفًا لانتقادات حادة من أنصار السياسات المتشددة تجاه إيران ومن المدافعين عن إسرائيل داخل الولايات المتحدة.

وكان بارسي من أهم من شاركوا، من الأبواب الخلفية، للوصول للاتفاق النووي السابق لإيران مع إدارة أوباما. كما أنه له دورًا بارزا في تأسيس اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة.

ما الذي تقوله The Free Press؟

بحسب تقرير The Free Press، فإن التحقيق داخل وزارة الخارجية لا ينظر إلى بارسي بوصفه مجرد ناقد للحرب، بل يدرس ما إذا كانت مواقفه واتصالاته ومصادره المتعلقة بإيران تشكل خطرًا أو إشكالية من منظور السياسة الخارجية الأمريكية.

وأشار التقرير إلى أن بارسي كتب مرارًا عن تقديرات وتحذيرات ينسبها إلى “مصادر في العاصمة الإيرانية”، من بينها تحذيرات من أن طهران قد تستهدف مراكز بيانات أمريكية أو مرتبطة بالحلفاء في الخليج إذا استؤنفت الهجمات ضد إيران. ويرى منتقدوه داخل الإدارة، وفق التقرير، أن هذا النوع من الخطاب قد يتجاوز التحليل السياسي إلى نقل رسائل أو تهديدات إيرانية غير مباشرة.

لكن التقرير نفسه لا يثبت أن بارسي ارتكب مخالفة قانونية، بل يتحدث عن تحقيق جارٍ واحتمال إداري قد يصل إلى سحب الإقامة، وهو ما لم تؤكده وزارة الخارجية كخطة قائمة في الوقت الحالي.

الخارجية الأمريكية: لا خطة الآن.. لكن التحذير قائم

التصريح الرسمي الذي نقلته وكالة الأناضول يخفف من حدة الخبر، لكنه لا ينهي الجدل. فالوزارة قالت صراحة إنه لا توجد خطط حاليًا لسحب إقامة بارسي، لكنها أرفقت النفي بتحذير عام مفاده أن الإقامة في الولايات المتحدة ليست حقًا مطلقًا للأجانب، وأن الحكومة يمكن أن تنهي الوضع القانوني لمن ترى أنه يهدد الأمن القومي.

هذا النوع من التصريحات يترك الباب مفتوحًا أمام أكثر من قراءة. فمن جهة، قد يكون نفيًا عمليًا لفكرة الترحيل الفوري. ومن جهة أخرى، يبقي الضغط السياسي والقانوني قائمًا، خصوصًا في ظل إدارة تستخدم خطاب الأمن القومي لتبرير إجراءات مشددة ضد غير المواطنين.

حرية التعبير أم أمن قومي؟

القضية تتجاوز شخص تريتا بارسي نفسه، لأنها تفتح نقاشًا أوسع حول حدود حرية التعبير لغير المواطنين في الولايات المتحدة. منتقدو إدارة ترامب يرون أن التحقيق مع شخصية بسبب معارضتها للحرب أو انتقادها لإسرائيل قد يمثل تهديدًا خطيرًا لحرية الرأي، خصوصًا إذا كانت الآراء المطروحة غير عنيفة وتندرج ضمن النقاش السياسي المشروع.

ويحذر هؤلاء من أن استخدام قوانين الهجرة ضد مقيمين دائمين بسبب مواقفهم السياسية قد يخلق سابقة خطيرة، تجعل الغرين كارد أداة ضغط على الباحثين والصحفيين والناشطين غير المواطنين.

في المقابل، تقول إدارة ترامب إن القانون يمنح وزير الخارجية صلاحية التحرك ضد أجانب إذا اعتبر أن وجودهم في البلاد قد يسبب عواقب خطيرة على السياسة الخارجية الأمريكية. وتستند الإدارة في هذا الطرح إلى قانون يعود إلى مرحلة الحرب الباردة، استخدم تاريخيًا في سياقات ترتبط بالأمن القومي والسياسة الخارجية.

اللافت في التوقيت

تأتي القضية في توقيت حساس للغاية. فواشنطن وطهران خرجتا للتو من مرحلة حرب مفتوحة، وبدأتا مسارًا تفاوضيًا صعبًا حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز والعقوبات. وفي مثل هذا المناخ، تتحول الأصوات المعارضة للحرب أو الداعية للتفاوض إلى جزء من معركة سياسية داخلية في الولايات المتحدة.

كما أن بارسي ليس صوتًا هامشيًا؛ فهو من أكثر الشخصيات التي يُستشهد بها في النقاش الأمريكي حول إيران، وله حضور في الإعلام ومراكز الأبحاث. لذلك فإن استهدافه، أو حتى تسريب خبر التحقيق معه، قد يرسل رسالة أوسع إلى منتقدي الحرب مفادها أن مواقفهم قد تكون تحت المراقبة إذا تعارضت مع توجهات الإدارة.

بين الروايتين

يمكن تلخيص الصورة الحالية في نقطتين: أولًا، هناك تقرير إعلامي أمريكي يقول إن وزارة الخارجية فتحت تحقيقًا بشأن تريتا بارسي وتدرس احتمال سحب إقامته الدائمة. ثانيًا، هناك تصريح رسمي لاحق يقول إنه لا توجد خطط حالية لإلغاء الغرين كارد الخاصة به، مع التذكير بأن الحكومة تحتفظ بحق إنهاء إقامة أي أجنبي إذا رأت أنه يهدد الأمن القومي.

بذلك، لا يمكن القول إن قرار ترحيل بارسي قد اتُخذ، ولا حتى إن سحب إقامته أصبح وشيكًا. لكن يمكن القول إن القضية أصبحت جزءًا من معركة أوسع داخل الولايات المتحدة حول إيران، وحرب غزة ولبنان، وحدود الانتقاد السياسي المسموح به لغير المواطنين.

خلاصة

تكشف قضية تريتا بارسي عن تداخل خطير بين الأمن القومي وحرية التعبير وسياسة الهجرة في الولايات المتحدة. فالمسألة ليست فقط ما إذا كانت إدارة ترامب ستسحب الغرين كارد من بارسي، بل ما إذا كان انتقاد الحرب أو الدعوة إلى التفاوض مع إيران قد يصبح سببًا كافيًا لفتح تحقيقات ضد مقيمين دائمين.

وحتى الآن، تقول الخارجية الأمريكية إنها لا تخطط لسحب إقامة بارسي، لكن مجرد طرح الفكرة يعكس مناخًا سياسيًا أكثر تشددًا، حيث تتحول مواقف الحرب والسلام إلى اختبار للولاء، وحيث قد يجد غير المواطنين أنفسهم أكثر عرضة للضغط القانوني بسبب آرائهم السياسية.

ترامب: لا حدود لسلطتي بعد حرب إيران.. وواشنطن حققت تفوقًا عسكريًا كاملًا

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن “لا حدود” لقدرته على ممارسة السلطة بعد الحرب الأمريكية–الإيرانية، معتبرًا أن الولايات المتحدة تملك “أقوى جيش في العالم”، وأنها حققت تفوقًا عسكريًا كاملًا على إيران.

وجاءت تصريحات ترامب في مقابلة مع موقع أكسيوس في سياق حديثه عن تجربة الحرب مع إيران وما إذا كانت قد علّمته شيئًا عن حدود السلطة الرئاسية في الولايات المتحدة. ورد ترامب قائلًا: “لا توجد حدود. لم أتعلم هذا الدرس بعد. أعلم أن هناك حدودًا، لكن لا توجد حدود. لقد هزمناهم عسكريًا بالكامل”.

وأضاف الرئيس الأمريكي أن بلاده تمتلك “أقوى جيش في العالم بفارق كبير”، مشيرًا إلى الحصار البحري الذي فرضته واشنطن خلال الحرب. وقال إن الولايات المتحدة نفذت حصارًا بحريًا لم تتمكن خلاله أي سفينة من العبور، مؤكدًا أن بعض السفن حاولت، لكنها لم تنجح، وأن الحصار “لم يستمر طويلًا”.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، أنهت مرحلة من التصعيد العسكري وفتحت الباب أمام مفاوضات جديدة. ورغم أن ترامب كان قد طالب في بداية الحرب بـ “استسلام غير مشروط” من طهران، فإن الاتفاق المرحلي الذي قَبِل به بدا أقل من سقف مطالبه الأولى، إذ ركز على وقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، بدل فرض تسوية كاملة على إيران.

وعندما سُئل ترامب عما إذا كانت مذكرة التفاهم الموقعة هذا الأسبوع ترقى فعلًا إلى مستوى “الاستسلام غير المشروط” الذي كان يريده من إيران، أجاب: “حسنًا، ربما هي في الحقيقة استسلام غير مشروط”.

وتكشف تصريحات ترامب عن محاولة لتقديم الاتفاق مع إيران بوصفه انتصارًا عسكريًا وسياسيًا، رغم أن التفاهم لم يحسم القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل اليورانيوم عالي التخصيب، ودور إيران الإقليمي، وعلاقتها بالجماعات المسلحة المتحالفة معها.

كما تعكس المقابلة رؤية ترامب الواسعة لصلاحياته الرئاسية، خصوصًا في قضايا الحرب والأمن القومي، إذ ربط بين القوة العسكرية الأمريكية وبين قدرة الرئيس على فرض النتائج السياسية. وقد أثارت عبارته عن “عدم وجود حدود” تساؤلات بشأن فهمه لصلاحيات الرئاسة، خاصة أن الدستور الأمريكي يضع قيودًا مؤسسية على السلطة التنفيذية، من خلال الكونغرس والمحاكم وآليات الرقابة والمساءلة.

وبذلك، تأتي تصريحات ترامب في لحظة حساسة من السياسة الأمريكية، حيث يحاول الرئيس الدفاع عن اتفاقه مع إيران أمام منتقدين يرون أنه لم يحقق وعوده القصوى، بينما يسعى في الوقت نفسه إلى تصوير الحرب على أنها انتهت بانتصار أمريكي حاسم، حتى وإن كانت التسوية النهائية لا تزال مؤجلة إلى جولات تفاوض لاحقة.

تركيا

ملخص

توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي استراتيجي بين تركيا وإسبانيا في باريس

شهد معرض يوروساتوري 2026 في باريس توقيع سلسلة من الاتفاقيات بين مؤسسات تركية وإسبانية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالي الصناعات الدفاعية والطيران بين البلدين، ودعم تنظيم فعاليات أيام التعاون الصناعي الدفاعي والجوي – آي دي إيه تركيا خلال المرحلة المقبلة.

وجرت مراسم التوقيع في جناح رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، بحضور وفد واسع من الجانبين، وتحت إشراف نائب رئيس الرئاسة غوكان أوتشار. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى وضع إطار مشترك للفعاليات الصناعية المقبلة التي ستُنظَّم في كل من أنقرة وفالنسيا، بما يعزز التعاون الصناعي طويل الأمد بين تركيا وإسبانيا.

بروتوكول بين منظمي الفعاليات

وُقّع الاتفاق الأول بين المدير العام لشركة إن جي إف للمعارض المساهمة، إردال أوستا، والمدير العام لـ معرض فالنسيا، ماريانو كليمنتي.

ويهدف هذا البروتوكول إلى تنسيق القدرات التنظيمية والمعرضية بين تركيا وإسبانيا، والاستفادة من خبرات الجانبين في تنظيم الفعاليات المتخصصة، بما يدعم تنفيذ فعاليات آي دي إيه المقبلة بصورة أكثر فاعلية وتنظيمًا.

مذكرة تفاهم للتعاون القطاعي

كما جرى توقيع مذكرة تفاهم ثانية بين رئيس تجمع أوستيم للصناعات الدفاعية والطيران، إبراهيم يارسان، ونائب وزير حكومة فالنسيا وأمين الحكومة لشؤون الصناعة فيليبي كاراسكو.

وتركز المذكرة على تطوير التعاون الإقليمي والقطاعي بين الجانبين، ولا سيما في ما يتعلق بتعزيز الروابط بين الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الدفاع، والمقاولين الرئيسيين والشركات الكبرى في تركيا وإسبانيا.

ومن شأن هذا التعاون أن يفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة بشكل أوسع في سلاسل التوريد الدفاعية، والمشروعات الصناعية المشتركة، ونقل الخبرات والتكنولوجيا بين الطرفين.

خارطة طريق لفعاليتين رئيسيتين

وبموجب الاتفاقيات الموقعة، اتفق الطرفان على خارطة طريق تشمل تنظيم فعاليتين رئيسيتين خلال العامين المقبلين.

ومن المقرر أن تُعقد النسخة الأولى من أيام التعاون الصناعي الدفاعي والجوي – آي دي إيه تركيا في العاصمة التركية أنقرة، خلال الفترة من 14 إلى 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

وتليها فعالية أيام التعاون الدفاعي والجوي – آي دي إيه إسبانيا، التي ستُقام في مدينة فالنسيا، خلال الفترة من 22 إلى 24 أيلول/سبتمبر 2027.

وستوفر هاتان الفعاليتان منصة مهمة لتعميق العلاقات الصناعية بين تركيا وإسبانيا، وتوسيع التعاون التكنولوجي، وزيادة فرص الإنتاج المشترك بين منظومتي الصناعات الدفاعية والطيران في البلدين.

تعزيز الشراكة الصناعية بين البلدين

وأكد المسؤولون أن الاتفاقيات الموقعة في باريس تعكس التزامًا مشتركًا بتوسيع الوصول إلى الأسواق، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وبناء تعاون أوثق بين قطاعي الصناعات الدفاعية في تركيا وإسبانيا.

وتأتي هذه الخطوة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الدفاعي الأوروبي، والحاجة المتزايدة إلى شراكات صناعية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحديات الأمنية والتكنولوجية.

ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرة في دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة والمقاولين الرئيسيين ضمن برامج ومشروعات مشتركة، بما يدعم تعاونًا استراتيجيًا طويل الأمد بين تركيا وإسبانيا في مجالي الدفاع والطيران.

وبذلك، لا تقتصر أهمية الاتفاقيات على تنظيم فعاليات ومعارض صناعية فحسب، بل تمتد إلى تأسيس أرضية أوسع للتعاون في التكنولوجيا الدفاعية، وسلاسل الإمداد، والإنتاج المشترك، وتبادل الخبرات بين المؤسسات والشركات المعنية في البلدين.

من طرابلس إلى بنغازي: كيف تعيد تركيا توزيع نفوذها في ليبيا؟

تدخل السياسة التركية في ليبيا مرحلة جديدة أكثر براغماتية وتعقيدًا، بعد سنوات من تموضع أنقرة الواضح إلى جانب حكومة طرابلس في مواجهة معسكر خليفة حفتر. فتركيا التي ساهمت عسكريًا في وقف هجوم قوات الشرق على العاصمة عام 2020، بدأت منذ عامي 2025 و2026 فتح قنوات مباشرة مع بنغازي وطبرق، في تحول لا يعني التخلي عن طرابلس، بل توسيع شبكة النفوذ التركي لتشمل الضفتين المتنافستين في ليبيا.

ويكشف هذا التحول أن أنقرة لم تعد ترى ليبيا من زاوية الاصطفاف العسكري فقط، بل بوصفها ساحة استراتيجية متداخلة تجمع بين الأمن، والطاقة، والبحر، وإعادة الإعمار، والتنافس مع روسيا، وحسابات شرق المتوسط. لذلك تسعى تركيا اليوم إلى تثبيت مكاسبها القديمة في الغرب الليبي، وفي الوقت نفسه منع الشرق من التحول إلى منصة دائمة لتعطيل مصالحها.

من خصومة عسكرية إلى اتصال مباشر

قبل سنوات قليلة، كان معسكر حفتر في شرق ليبيا أحد أبرز خصوم تركيا الإقليميين. فقد دعمت أنقرة حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، ووفرت لها طائرات مسيرة وخبرات عسكرية وأنظمة دفاعية ساعدت في وقف زحف قوات حفتر نحو طرابلس. وبذلك أصبح التدخل التركي نقطة تحول في الحرب الليبية، وأسس لحضور عسكري وسياسي تركي قوي في الغرب.

لكن مشهدًا لافتًا في عام 2025 عكس بداية مرحلة مختلفة: رسو الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، واستقبالها من قبل صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز الوجوه الصاعدة في معسكر الشرق. وبعد ذلك، التقى رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق منذ سنوات.

هذه الخطوات لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية أو زيارات عسكرية عابرة، بل حملت رسالة واضحة: تركيا تريد فتح صفحة جديدة مع شرق ليبيا، من دون أن تخسر موقعها في طرابلس.

لماذا تحتاج تركيا إلى بنغازي؟

تدرك أنقرة أن حكومة طرابلس تمنحها الشرعية القانونية والدولية، لكنها لا تملك وحدها السيطرة على كامل الجغرافيا الليبية. فشرق ليبيا يحتفظ بكتلة عسكرية وسياسية وازنة، ويسيطر على مناطق واسعة تشمل بنغازي وطبرق وأجزاء من الجنوب ومحيط الهلال النفطي، كما يملك قدرة على تعطيل أي اتفاق سياسي أو اقتصادي شامل.

ومن هنا، وصلت تركيا إلى قناعة بأن حماية مصالحها في ليبيا لا يمكن أن تتم عبر طرابلس وحدها. فالاتفاقات الأمنية والبحرية التي وقعتها مع حكومة الوفاق عام 2019 منحتها حضورًا استراتيجيًا، لكنها بقيت عرضة للطعن من مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر. لذلك بات فتح قناة مع الشرق ضرورة لحماية هذه المكاسب، لا مجرد خيار إضافي.

بمعنى آخر، تريد تركيا تحويل حضورها الليبي من تحالف مع طرف واحد إلى شبكة مصالح تتجاوز الانقسام الداخلي، بحيث تستطيع التعامل مع جميع مراكز القوة المؤثرة في مستقبل البلاد.

مذكرة البحر: قلب المعادلة التركية

تقع مذكرة ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق عام 2019 في قلب الاستراتيجية التركية. فقد منحت أنقرة منفذًا قانونيًا وسياسيًا في شرق المتوسط، وساعدتها على كسر محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي.

لكن هذه المذكرة ظلت موضع رفض من مجلس النواب في طبرق، وهو ما استخدمته اليونان ومصر وأطراف أوروبية للتشكيك في شرعيتها. ومع استمرار الانقسام الليبي، أدركت أنقرة أن بقاء الشرق في موقع الرفض الكامل يضعف موقفها في أي تسوية مستقبلية.

لذلك، كان قرار مجلس النواب الليبي في حزيران/يونيو 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي–الليبي تطورًا مهمًا، حتى لو لم يصل إلى حد التصديق. فمجرد انتقال الموقف من الرفض المطلق إلى النقاش الفني يمنح تركيا هامشًا أوسع للمناورة، ويجعل الاتفاق البحري قابلًا للتداول داخل المعادلة الليبية الشاملة، لا محصورًا بطرابلس وحدها.

الطاقة والإعمار: الاقتصاد كمدخل للنفوذ

لا يقتصر الانفتاح التركي على شرق ليبيا على الأمن والسياسة. فالإعمار والطاقة يشكلان مدخلًا اقتصاديًا مهمًا لتعزيز النفوذ. مدن الشرق، مثل بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في البنية التحتية والمستشفيات والطرق والمطارات، والشركات التركية تملك خبرة طويلة في السوق الليبية منذ عهد القذافي.

وقد وقع صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، المرتبط بمعسكر حفتر، عقودًا مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، إضافة إلى عقود لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وهذه المشاريع تمنح أنقرة حضورًا يوميًا داخل مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب معادية لها سياسيًا.

أما في قطاع الطاقة، فتسعى تركيا إلى توسيع دورها في الاستكشاف والتنقيب. فقد وقعت شركة البترول التركية تفاهمات مع المؤسسة الوطنية للنفط لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في مناطق بحرية، كما تحدث مسؤولون أتراك عن حصول بلادهم على حقوق استكشاف في حقول نفط وغاز ليبية بالشراكة مع شركات أوروبية.

وبذلك يتحول الاقتصاد إلى أداة سياسية. فتركيا تعرض على شرق ليبيا حزمة تشمل الطيران، والقنصلية، والإعمار، والطاقة، والتدريب، والتعاون الدفاعي. وفي المقابل، يحصل معسكر حفتر على استثمارات وعلاقات دولية أوسع وشريك من داخل حلف شمال الأطلسي.

حسابات حفتر وأبنائه

من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا فوائد واضحة. فخليفة حفتر، الذي تقدم في العمر، يدير مرحلة انتقال نفوذ داخل معسكره، مع صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية مؤثرة. ويبدو صدام حفتر تحديدًا أحد أبرز الوجوه التي يجري إعدادها لتمثيل الجيل الجديد داخل بنية الشرق.

الانفتاح على تركيا يمنح معسكر حفتر فرصة لتنويع علاقاته وعدم الارتهان الكامل لروسيا أو مصر أو الإمارات. كما يرسل رسالة إلى الغرب بأن بنغازي قادرة على التعامل مع دولة عضو في الناتو، وأنها ليست حكرًا على موسكو أو القوى المناهضة لأنقرة.

وفي الوقت نفسه، يمنح حفتر  ورقة ضغط داخلية على طرابلس، إذ يظهر أن الحليف التركي التاريخي للغرب الليبي لم يعد مغلقًا أمام الشرق، وأن بنغازي قادرة على جذب استثمارات واتفاقات دفاعية واقتصادية من أطراف كانت خصومًا لها في السابق.

روسيا والفراغ الاستراتيجي

لا يمكن فهم التحرك التركي في شرق ليبيا بعيدًا عن العامل الروسي. فقد دعمت موسكو معسكر حفتر لسنوات عبر مجموعة فاغنر ، ثم “الفيلق الأفريقي”، وجعلت من شرق ليبيا نقطة ارتكاز مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. لكن الحرب في أوكرانيا أعادت ترتيب أولويات روسيا وفتحت مجالًا لقوى أخرى كي تناور داخل مناطق نفوذها.

تركيا لا تدخل الشرق الليبي لإزاحة روسيا بشكل مباشر، بل لمحاصرة قدرتها على احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقات التركية–الروسية: تنافس وتفاهم في الوقت نفسه، كما حدث في سوريا والقوقاز وليبيا نفسها.

ومن وجهة نظر غربية، قد يُنظر إلى الحضور التركي في الشرق الليبي باعتباره وسيلة لتقليص هامش موسكو، خصوصًا إذا استطاعت أنقرة جذب بنغازي إلى شبكة علاقات أوسع مع الناتو والأسواق الغربية. لكن هذا الدور سيبقى حساسًا، لأنه يتطلب موازنة دقيقة بين روسيا ومصر والإمارات والغرب وطرابلس.

مصر واليونان: مراقبة حذرة

يحمل الانفتاح التركي على شرق ليبيا انعكاسات مباشرة على مصر واليونان. فالقاهرة ترى شرق ليبيا امتدادًا لأمنها القومي، وقد دعمت معسكر حفتر خلال سنوات الحرب. لكن تحسن العلاقات التركية–المصرية خفف حدة التوتر، وفتح المجال أمام تفاهمات أقل تصادمًا.

تركيا تدرك أنها لا تستطيع توسيع حضورها في بنغازي بطريقة تستفز القاهرة. لذلك تحاول تقديم نفسها كفاعل يسعى إلى الاستقرار، لا إلى تغيير ميزان القوة على حدود مصر الغربية.

أما اليونان، فهي الأكثر قلقًا من أي تقارب بين أنقرة وطبرق، لأن جزءًا من حجتها ضد مذكرة 2019 كان قائمًا على رفض مجلس النواب الليبي لها. فإذا بدأ الشرق الليبي بمراجعة موقفه أو التعامل مع الاتفاق كأمر قابل للنقاش، فإن ذلك يضعف الموقف اليوناني في شرق المتوسط، حتى لو بقي الخلاف القانوني قائمًا.

الجيش الواحد: شعار صعب التنفيذ

تسعى تركيا إلى تقديم نفسها كطرف يدعم فكرة “ليبيا واحدة وجيش واحد”. وقد ظهر ذلك في مناورات عسكرية تركية شاركت فيها قوات من الشرق والغرب تحت علم واحد. غير أن تحويل هذا الشعار إلى واقع يبقى بالغ الصعوبة، لأن المؤسسة العسكرية الليبية ليست كيانًا موحدًا، بل شبكة من التشكيلات المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية.

التدريب المشترك قد يفتح قنوات اتصال، لكنه لا يكفي لبناء جيش وطني جامع. فذلك يحتاج إلى توافق سياسي داخلي، وترتيبات دولية، وضمانات لتوزيع السلطة والسلاح والموارد. لذلك، فإن الدور التركي يمكن أن يساعد في تقليل القطيعة بين الشرق والغرب، لكنه لا يستطيع وحده حل الأزمة البنيوية للجيش الليبي.

حدود التحول التركي

رغم اتساع الحركة التركية، فإنها لا تخلو من مخاطر. فطرابلس قد تنظر بقلق إلى أي تقارب تركي مع حفتر، خاصة أن الطائرات المسيرة التركية كانت قبل سنوات عاملًا حاسمًا في صد هجوم قواته على العاصمة. وأي تعاون دفاعي مع الشرق قد يُقرأ في الغرب الليبي كتحول على حساب الحليف القديم.

كما أن معسكر حفتر نفسه ليس كتلة مستقرة بالكامل، إذ توجد داخله تنافسات عائلية وعسكرية ومناطقية. وربط المصالح التركية بشخصيات أو شبكات نفوذ محددة قد يتحول لاحقًا إلى عبء إذا تغيرت موازين القوى أو انفجرت الخلافات داخل الشرق.

إضافة إلى ذلك، فإن مشاريع الإعمار في شرق ليبيا تتحرك في بيئة محدودة الشفافية، حيث تتداخل السلطة العسكرية والمال العام والمصالح العائلية. وإذا ارتبطت الشركات التركية بهذه البيئة من دون ضمانات مؤسسية واضحة، فقد تواجه انتقادات سياسية وقانونية مستقبلًا.

خلاصة

يمثل الانفتاح التركي على بنغازي تحولًا محسوبًا في السياسة التركية تجاه ليبيا. فأنقرة لا تغادر طرابلس، لكنها لم تعد تكتفي بها. إنها تحاول الانتقال من موقع الطرف المنحاز في حرب أهلية إلى موقع الفاعل القادر على التحدث مع الجميع، وحماية مصالحه عبر شبكة أوسع من العلاقات.

الدافع الأساسي لهذا التحول هو حماية مذكرة 2019 البحرية، وتوسيع فرص الطاقة والإعمار، وتقليص قدرة الشرق على تعطيل المكاسب التركية، وموازنة الحضور الروسي، والتكيف مع واقع ليبي لا يستطيع أي طرف واحد السيطرة عليه بالكامل.

لكن نجاح هذه السياسة سيتوقف على قدرة أنقرة على إدارة التوازنات الدقيقة: طمأنة طرابلس، وإقناع بنغازي، وعدم استفزاز القاهرة، ومواجهة القلق اليوناني، وتقديم نفسها للغرب كقوة استقرار لا كطرف يزيد الانقسام.

في النهاية، تبدو تركيا اليوم وكأنها تعيد هندسة حضورها في ليبيا من جديد: من تحالف عسكري فرضته معركة طرابلس، إلى نفوذ موزع بين البحر والطاقة والإعمار والجيش والسياسة. أما ليبيا نفسها، فتبقى ساحة مفتوحة، حيث لا تُقاس قوة الفاعلين فقط بمن يقف معهم، بل بقدرتهم على التحدث مع خصوم الأمس وصناعة مصالح مع الجميع.

التقارب العسكري المصري التركي: من التدريبات المشتركة إلى الشراكة الاستراتيجية

تشكل التدريبات الجوية المشتركة بين مصر وتركيا، التي تُجرى حاليًا في الأجواء المصرية، تطورًا مهمًا في مسار العلاقات العسكرية بين البلدين، وتعكس انتقال التعاون من مرحلة التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مرحلة أكثر عمقًا ترتبط ببناء الثقة العسكرية وتوحيد المفاهيم العملياتية بين القوتين العسكريتين الأكبر في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

ولا تقتصر أهمية هذه التدريبات على الجانب التكتيكي المتعلق برفع كفاءة الأطقم الجوية وتبادل الخبرات في مجالات التخطيط والقيادة والسيطرة وإدارة العمليات المشتركة، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد استراتيجية أوسع. فالتدريبات العسكرية المشتركة بين الدول لا تُعد مجرد نشاط روتيني، وإنما تمثل رسالة سياسية وعسكرية تعكس مستوى الثقة المتبادل والرغبة في تطوير العلاقات الدفاعية على المدى الطويل.

ومن وجهة نظر استراتيجية، فإن التقارب العسكري بين مصر وتركيا لا ينبغي أن يقتصر على إجراء المناورات والتدريبات المشتركة فحسب، بل يجب أن يمتد إلى مجالات أكثر أهمية، وعلى رأسها التعاون في الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا العسكرية. فخلال السنوات الماضية نجحت تركيا في تحقيق قفزات كبيرة في قطاع الصناعات العسكرية، خاصة في مجال الطائرات المسيرة بمختلف فئاتها، إضافة إلى برامج الصواريخ الباليستية والتكتيكية، ومشروعات المقاتلات الجوية الحديثة، فضلًا عن التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والأنظمة الذكية.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تستفيد مصر بصورة كبيرة من إقامة شراكات صناعية وعسكرية مع تركيا، سواء عبر المشاركة في بعض مراحل التطوير والتصنيع أو من خلال برامج نقل المعرفة والخبرات الفنية والهندسية. فمثل هذه الشراكات لا توفر فقط فرصة للحصول على منظومات متقدمة، بل تمنح كذلك خبرات تراكمية تساعد في تطوير القدرات الصناعية الوطنية وتعزيز الاكتفاء الذاتي في المجالات الدفاعية الحساسة.

كما أن بناء تعاون دفاعي وصناعي بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يحقق مكاسب متبادلة للطرفين؛ فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا فريدًا، وتضم أحد أكبر الجيوش من حيث الحجم والقدرات البشرية في المنطقة، كما تمتلك شبكة واسعة من المصانع والمنشآت العسكرية التي يمكن تطويرها وتسخيرها لاستيعاب برامج التصنيع العسكري المتقدم. وفي المقابل، تمتلك تركيا خبرات متقدمة في العديد من المجالات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، ما يجعل التعاون بين الطرفين فرصة حقيقية لبناء مشاريع مشتركة تسهم في نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتعزيز القدرات الدفاعية لكلا البلدين.

ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية في ظل البيئة الإقليمية المعقدة التي تشهد تحولات متسارعة وتحديات أمنية متزايدة. فالتصريحات التي تصدر عن عدد من مسؤولي وخبراء العدو الصهيوني خلال المراحل والفترات المختلفة، والتي ازدادت بشكل كبير في الفترة الأخيرة، تُظهر بوضوح أن دوائر صنع القرار في إسرائيل تنظر إلى كل من مصر وتركيا باعتبارهما قوتين إقليميتين رئيسيتين لهما تأثير مباشر على موازين القوى في المنطقة، وتكنّ إسرائيل كل العداء لمصر وتركيا. ومن ثم فإن تعزيز التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن الاستراتيجي والاستقرار الإقليمي، ويدحض مخططات العدو الصهيوني.

إن المرحلة الحالية تفرض على القوى الإقليمية الكبرى البحث عن مساحات للتعاون بدلاً من التنافس والصراع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية طويلة المدى. ومن هذا المنطلق، فإن التدريبات الجوية المشتركة بين مصر وتركيا يمكن النظر إليها باعتبارها خطوة أولى على طريق أوسع نحو بناء شراكة عسكرية واستراتيجية أكثر عمقًا، تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الدفاعي والتكامل الصناعي، بما يخدم أمن واستقرار البلدين ويعزز قدرتهما على مواجهة التحديات المستقبلية. (محمود جمال – المعهد المصري للدراسات)

سوريا

ملخص

ترامب يلوّح بدور سوري في لبنان ضد حزب الله… هل تعود دمشق إلى الساحة اللبنانية بعد نصف قرن؟

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح أحد أكثر الملفات حساسية في المشرق، بعد حديثه عن احتمال اضطلاع سوريا بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان. التصريحات، التي جاءت على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، أثارت تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت واشنطن تفكر فعلًا في استخدام دمشق الجديدة كأداة ضغط على الحزب، أم أن الأمر لا يتعدى رسالة سياسية في لحظة إقليمية شديدة التوتر.

وقال ترامب إنه تحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حزب الله، من دون أن يكشف تفاصيل المحادثة أو موقف دمشق النهائي. وكان قد صرح قبل ذلك بأن سوريا قد تقوم بعمل “أفضل” من إسرائيل في مواجهة الحزب اللبناني، منتقدًا في الوقت نفسه طريقة إسرائيل في التعامل مع حزب الله، خصوصًا عندما تؤدي عملياتها إلى تدمير مبانٍ سكنية ومقتل مدنيين.

وتكمن حساسية هذه التصريحات في أنها تستحضر ذاكرة لبنانية ثقيلة: دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، واستمرار الوجود العسكري والأمني السوري حتى عام 2005. لذلك، فإن أي حديث عن دور سوري جديد داخل لبنان، حتى لو كان موجهًا ضد حزب الله، يثير مخاوف عميقة من تكرار التاريخ بصيغة مختلفة.

ماذا قال ترامب؟

في 16 حزيران/يونيو، قال ترامب خلال لقاء مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على هامش قمة السبع، إنه اقترح على إسرائيل أن “تترك سوريا تتولى أمر حزب الله”، مضيفًا أنه يعتقد أن السوريين “قد يقومون بعمل أفضل”. وفي اليوم التالي، أكد رداً على سؤال صحفي أنه تحدث مع الشرع بالفعل بشأن حزب الله، لكنه لم يوضح ما إذا كانت دمشق مستعدة لأي دور مباشر.

وأشاد ترامب بالشرع، قائلاً إن من “يدير سوريا الآن” قام بعمل “مذهل” في إعادة توحيد البلاد، بمساعدة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وآخرين. لكنه أضاف أن الشرع “ليس ملاكًا”، في إشارة إلى خلفيته السياسية والعسكرية السابقة، قبل أن يؤكد أنه “يتعامل جيدًا مع حزب الله” ولا يحبه.

اللافت في هذه التصريحات أن ترامب لم يذكر أي دور للحكومة اللبنانية، ولم يتحدث عن تنسيق مع بيروت، رغم أن أي دور سوري داخل لبنان يمس سيادة الدولة اللبنانية مباشرة. وقد التزمت الحكومة اللبنانية الصمت، فيما ردت الخارجية اللبنانية على سؤال لبي بي سي عربي بعبارة مقتضبة: “لا تعليق”.

دمشق تنفي التدخل العسكري

في المقابل، كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد نفى قبل أيام من قمة السبع ما وصفها بـ “إشاعات” عن نية سوريا التدخل عسكريًا في لبنان. وقال خلال لقاء مع وجهاء من ريف دمشق إن ما يُشاع عن “دخول سوريا إلى لبنان” غير صحيح، مؤكدًا أن ما تطرحه دمشق هو  وقف الحرب، وتقوية مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعزيز الربط الاقتصادي، وتهدئة الأوضاع قدر الإمكان.

وتحدث الشرع عن وجود “جرح لبناني” بسبب التدخلات السورية السابقة في لبنان، و ”جرح سوري” بسبب تدخل حزب الله في سوريا خلال الحرب إلى جانب نظام بشار الأسد. وهذه اللغة تكشف أن دمشق تدرك حساسية الملف اللبناني، وأن أي اندفاع عسكري نحو لبنان قد يفتح عليها أبوابًا داخلية وإقليمية لا تستطيع تحملها في هذه المرحلة.

كما نقلت تقارير إسرائيلية عن مصدر سوري أن دمشق تستبعد التدخل العسكري المباشر ضد حزب الله، لأن العالم العربي قد ينظر إلى خطوة كهذه باعتبارها خدمة للمصالح الإسرائيلية. وتحدثت تقارير أخرى عن رسائل تركية إلى دمشق تحثها على تجنب مواجهة مباشرة مع حزب الله خشية أن يؤدي ذلك إلى تعزيز موقع إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة.

إسرائيل ترفض الحاجة إلى دمشق

لم يلقَ طرح ترامب ترحيبًا إسرائيليًا واضحًا. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل “ليست بحاجة” إلى الرئيس السوري في لبنان، واصفًا الشرع باسمه السابق “الجولاني” بأنه “إرهابي ببدلة”. وأضاف أن إسرائيل “تقوم بالعمل بنفسها”، في إشارة إلى عملياتها العسكرية ضد حزب الله.

هذا الرد يعكس شكوكًا إسرائيلية عميقة تجاه القيادة السورية الجديدة، حتى لو كانت في خصومة مع حزب الله. فإسرائيل لا تريد أن تمنح دمشق شرعية أمنية في لبنان، ولا أن تستبدل تهديد حزب الله بوجود قوة سورية جديدة على حدودها أو داخل الجغرافيا اللبنانية.

ذاكرة 1976: شبح التدخل السوري القديم

لا يمكن فصل الجدل الحالي عن تاريخ التدخل السوري في لبنان. ففي عام 1976، دخلت القوات السورية إلى لبنان بعد نحو عام على اندلاع الحرب الأهلية، بذريعة وقف القتال ومنع انهيار البلاد. لكن هذا الوجود تحول لاحقًا إلى نفوذ عسكري وأمني وسياسي طويل، استمر حتى عام 2005، حين انسحبت القوات السورية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وتحت ضغط احتجاجات لبنانية واسعة وقرار مجلس الأمن 1559.

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، لا يُستقبل أي حديث عن “دور سوري” في لبنان كاقتراح أمني محايد، بل كاستدعاء لذاكرة السيطرة والوصاية والاعتقالات والتدخل في القرار الداخلي. لذلك، فإن إعادة طرح هذا السيناريو، حتى ضد حزب الله، قد يواجه رفضًا واسعًا من قوى لبنانية مختلفة، لا من بيئة الحزب وحدها.

حزب الله بعد سقوط الأسد

تغير موقع حزب الله جذريًا بعد سقوط حكم الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فقد خسر الحزب حليفه السوري الأساسي وخط إمداد رئيسيًا كان يربط إيران بلبنان عبر الأراضي السورية. كما اضطر عدد كبير من مقاتليه وقادته إلى مغادرة سوريا خلال الحرب مع إسرائيل والتركيز على الجبهة اللبنانية.

لكن رغم هذه الضربة الاستراتيجية، لا يزال حزب الله يمتلك حضورًا عسكريًا وسياسيًا قويًا في لبنان، وقاعدة اجتماعية قادرة على الالتفاف حوله إذا شعر أن بيئته مستهدفة خارجيًا أو طائفيًا. وهذا ما يجعل أي تدخل سوري محتمل شديد الخطورة: فقد يمنح الحزب فرصة لإعادة تقديم نفسه كمدافع عن الطائفة والسيادة اللبنانية ضد “قوات خارجية”، حتى لو كان يعاني من ضغوط سياسية وعسكرية.

لماذا يبدو التدخل السوري صعبًا؟

هناك عدة عوامل تجعل أي تدخل عسكري سوري في لبنان محفوفًا بالمخاطر. أولًا، الدولة السورية الجديدة لا تزال في طور تثبيت سيطرتها الداخلية بعد سنوات من الحرب وسقوط النظام السابق. فتح جبهة خارجية في لبنان قد يستنزفها سياسيًا وعسكريًا ويفتح الباب أمام اضطرابات داخلية.

ثانيًا، قد يؤدي التدخل إلى تصعيد إقليمي أوسع، خاصة إذا دخلت شبكات مدعومة من إيران في العراق أو سوريا أو لبنان على خط المواجهة. وقد حذرت جماعات عراقية مرتبطة بمحور المقاومة الشرع من أي تحرك عسكري باتجاه لبنان، وهددت بتحويل الأراضي السورية إلى “ساحة مفتوحة للنار”.

ثالثًا، قد يؤجج التدخل توترات طائفية خطيرة. فمن المرجح أن يصور حزب الله أي قوة سورية تتحرك ضده على أنها قوة “سنية جهادية” تستهدف البيئة الشيعية، ما قد يعزز الالتفاف حوله ويعيد إنتاج الصراع بصيغة مذهبية.

رابعًا، قد يضعف أي وجود عسكري سوري جديد شرعية الدولة اللبنانية نفسها، لأن كثيرين في لبنان سينظرون إليه كإكراه خارجي لا كدعم للسيادة، خاصة في ضوء تجربة الوجود السوري السابق.

لبنان بين الدولة والحزب والحدود السورية

الوضع اللبناني نفسه يزيد المسألة تعقيدًا. فالدولة اللبنانية تعاني من أزمة اقتصادية عميقة، وانقسام سياسي وطائفي حول سلاح حزب الله، وضعف مؤسساتي يجعل أي صدمة أمنية قابلة للتحول إلى أزمة وطنية. كما أن المناطق الحدودية مع سوريا ليست ذات لون سياسي أو طائفي واحد، بل تضم تركيبات اجتماعية ومذهبية مختلفة، ما يجعل أي عملية عسكرية سورية محتملة أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف خطوط إمداد لحزب الله.

ومنذ سقوط الأسد، شهدت الحدود اللبنانية–السورية توترات متكررة بين قوات سورية ومجموعات مرتبطة بحزب الله. وقد حاولت دمشق، وفق تصريحات الشرع، تعزيز أمن الحدود ومنع انتقال الصراع إلى الداخل السوري، لا التحضير لعمليات خارجية. وهذا يعني أن الأولوية السورية الحالية تبدو دفاعية أكثر منها هجومية.

حسابات واشنطن: تفكيك محور المقاومة بأدوات جديدة

من منظور أمريكي، قد يكون طرح دور سوري في لبنان جزءًا من محاولة أوسع لإعادة هندسة التوازنات بعد الحرب الأمريكية–الإيرانية ومذكرة التفاهم مع طهران. فإذا كان الاتفاق مع إيران يؤجل أو يحد من المواجهة المباشرة، فإن واشنطن قد تبحث عن أدوات إقليمية للضغط على حزب الله من دون الاعتماد الكامل على إسرائيل.

هنا تظهر سوريا الجديدة كخيار محتمل، لأنها خصم لحزب الله بعد تدخله السابق في الحرب السورية إلى جانب نظام الأسد، ولأنها تسيطر على الجغرافيا التي كانت تمثل جزءًا من خط إمداد الحزب. لكن تحويل هذا الدور من ضبط حدود إلى مواجهة داخل لبنان أمر مختلف تمامًا، وقد تكون كلفته أكبر من فائدته.

تحليل المعهد المصري: ضغط سياسي أكثر من خطة عسكرية

حتى الآن، يبدو طرح ترامب أقرب إلى رسالة ضغط سياسية منه إلى خطة عسكرية جاهزة. فهو يوجه رسالة لإسرائيل بأن هناك بدائل عن القصف الواسع، ورسالة لإيران وحزب الله بأن بقاء الحزب ليس خارج الحسابات، ورسالة إلى دمشق بأنها قد تصبح طرفًا مطلوبًا في هندسة أمن لبنان إذا أرادت مزيدًا من الشرعية الدولية.

لكن تنفيذ هذا التصور يصطدم بواقع بالغ الصعوبة: ذاكرة الاحتلال السوري للبنان، هشاشة الدولة السورية الجديدة، رفض إسرائيلي للثقة بالشرع، عدم استعداد سوري للقيام بهذا الدور، مخاطر الطائفية، وتهديدات محور المقاومة، وغياب أي موافقة لبنانية معلنة.

لذلك، قد يكون الدور السوري الواقعي في المرحلة المقبلة محصورًا في ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد، والتعاون الاستخباراتي غير المباشر، بديلا عن أي دخول عسكري إلى الأراضي اللبنانية.

خلاصة

يعيد حديث ترامب عن دور سوري محتمل في لبنان فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ المنطقة. فبعد خمسين عامًا تقريبًا على دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1976، يبدو أن واشنطن تلمح إلى دور جديد لدمشق، لكن هذه المرة ضد حزب الله، لا لحماية معادلة الحرب الأهلية القديمة.

غير أن التاريخ لا يعود بسهولة من دون أثمان. فاللبنانيون لا ينسون الوجود السوري الطويل، وسوريا الجديدة لا تزال منشغلة بترميم دولتها، وحزب الله قد يستفيد من أي تدخل خارجي لإعادة تعبئة بيئته. أما إسرائيل، فلا تبدو مستعدة لمنح دمشق دورًا أمنيًا في لبنان.

لذلك، يبقى السيناريو الأقرب هو استخدام الفكرة كورقة ضغط سياسية لا كخطة تدخل وشيكة. لكن مجرد طرحها يكشف حجم التحول في المنطقة: سوريا التي كانت يومًا ممرًا لحزب الله وحليفة لمحوره، تُطرح اليوم في واشنطن، بنظام سياسي ذو خلفية من جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، كطرف محتمل في تطويقه. وهذا وحده كافٍ لإظهار عمق الانقلاب الاستراتيجي الذي أحدثه سقوط الأسد في معادلات لبنان وسوريا وإيران.

العدالة الانتقالية في سوريا بين ضغط الشارع ومخاوف السلطة من انفلات الثأر

تعيش سوريا خلال الأيام الأخيرة على وقع موجة احتجاجات متصاعدة طالبت بمحاسبة رموز النظام السابق والمتورطين في الانتهاكات، وسط مخاوف من تحوّل الغضب الشعبي إلى “عدالة شارع” تهدد السلم الأهلي وتضع الحكومة السورية أمام اختبار حساس في ملف العدالة الانتقالية.

وشهدت مناطق عدة، بينها دير الزور وإدلب وحلب وحماة وتدمر  ودمشق وريفها وتدمر، مظاهرات رفعت شعارات تطالب بمحاسبة “فلول النظام والشبيحة” ورفض إعادة تعويم شخصيات كانت مرتبطة بأجهزة النظام الأمنية والعسكرية. لكن بعض هذه التحركات خرج عن الإطار السلمي، إذ وقعت هجمات على منازل وممتلكات أشخاص متهمين بالارتباط بالنظام السابق، كما سُجلت أعمال حرق وتكسير، إضافة إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى في صدامات متفرقة. 

وكانت نون بوست قد نشرت تقريرًا موسعًا عن هذه الاحتجاجات ومسارها في 19 حزيران/يونيو 2026.

دير الزور: الشرارة الأولى

بدأت شرارة الاحتجاجات من مدينة دير الزور في 10 حزيران/يونيو، حين نفذ عدد من الثوار اعتصامًا احتجاجًا على ما وصفوه بـ “التساهل مع فلول النظام وإعادة تعويمهم”، قبل أن تُنصب خيمة حملت اسم “اعتصام الكرامة”. وجاء التحرك بعد أنباء عن عودة أفراد من عائلة محلية كانت، بحسب مصادر نقلها التقرير، على صلة بالأفرع الأمنية للنظام السابق والميليشيات الإيرانية التي سيطرت على المحافظة خلال سنوات الحرب.

وتحوّلت هذه الحادثة إلى رمز لغضب أوسع، إذ رأى المحتجون أن عودة شخصيات متهمة بالانتهاكات، أو إعادة إدخالها إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية من دون محاسبة واضحة، تمثل إهانة للضحايا وتفريطًا بمطالب الثورة. وزاد من الاحتقان أن هذه التطورات جاءت بعد عودة شخصيات أخرى مثيرة للجدل، بينها نواف البشير، المعروف بدوره السابق في دعم المشروع الإيراني في دير الزور ، وامتلاكه ميليشيا قاتلت إلى جانب نظام الأسد.

غير أن القضية في دير الزور لا تقف عند حادثة عائلية أو خلاف محلي على ملكية مقهى، بل تعكس شعورًا متناميًا بأن نظام “التسويات” أتاح لبعض وجوه المرحلة السابقة العودة إلى الواجهة من دون مسار قضائي شفاف.

من الاحتجاج إلى العنف

بعد دير الزور، انتقلت المطالب ذاتها إلى محافظات أخرى. ففي إدلب خرجت احتجاجات في سراقب ومعرة مصرين وكفرنبل وجسر الشغور وكفرتخاريم وأورم الجوز ومعرة النعمان وكفرعويد، مطالبة بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات ورفض عودتهم إلى الحياة العامة من دون مساءلة.

وفي حلب، شهدت أحياء شرقية مثل السكري والشعار والشيخ سعيد وصلاح الدين والأنصاري مظاهرات طالبت بطرد من تصفهم بـ “الشبيحة”. أما في ريف دمشق، خصوصًا في قارة والنبك، فقد انتشرت مناشير تحذيرية تطالب المتورطين بالانتهاكات بالمغادرة.

لكن تصاعد الغضب الشعبي سرعان ما أدى إلى انزلاقات خطيرة. ففي بلدة كفرعويد بريف إدلب، هاجمت جموع من المحتجين منازل وممتلكات لأشخاص قيل إنهم مرتبطون بالنظام السابق، وقتل أحدهم وسُحل في الشوارع. وفي تدمر، أصيب عدد من الأشخاص بعد مظاهرة تحولت إلى مواجهات وأعمال حرق طالت منازل وسيارات ومحال تجارية تعود ملكيتها لشخصيات متهمة بالتعاون مع النظام السابق.

أما في دمشق، فكان المشهد الأكثر حساسية في حي المزة 86، حيث حاولت جموع غاضبة اقتحام الحي الذي تقطنه غالبية علوية، قبل أن تتدخل قوى الأمن السورية، بمشاركة مجموعات من أهالي دير الزور، لمنع توسع الصدام. وقد تعرضت بعض المحال والسيارات في الحي للتحطيم، ما أثار مخاوف من انتقال المطالب المحقة بالعدالة إلى توترات ذات طابع اجتماعي أو طائفي.

الحكومة بين التفهم والتحذير

حاولت السلطات السورية احتواء الموقف عبر نشر قوى الأمن في المناطق الساخنة، بالتوازي مع خطاب رسمي يؤكد تفهم مشاعر الغضب، لكنه يرفض في الوقت نفسه أي ممارسة انتقامية خارج القانون. وقالت وزارة الداخلية إن المحاسبة مسؤولية حصرية للدولة ومؤسساتها، ودعت المواطنين إلى عدم الانجرار وراء “عدالة الشارع”.

وكشف المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، أن إدارة مكافحة الإرهاب تحتجز 5,989 موقوفًا من عناصر النظام السابق بمختلف الرتب العسكرية، مؤكدًا أن المحاسبة يجب أن تقوم على المسؤولية الفردية والأدلة القانونية، لا على العقاب الجماعي. وتداولت وسائل إعلام ومنصات محلية تصريحات الوزارة بشأن هذا الرقم في سياق حديثها عن ملاحقة المتورطين بجرائم النظام السابق.

كما وصفت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مطالب الأهالي بأنها مشروعة، لكنها شددت على رفض الثأر والعقاب الجماعي، لأنهما يفتحان الباب أمام مظالم جديدة ويتعارضان مع مبادئ حقوق الإنسان.

وفي دير الزور، أعلن ممثلو المعتصمين تعليق اعتصام “السبع بحرات” بعد تلقي وعود من السلطات بتنفيذ مطالبهم. وبالتزامن مع ذلك، أعلنت وزارة الداخلية القبض على عدد من رموز النظام السابق والمتعاونين معه، في خطوة بدت موجهة أيضًا لامتصاص غضب الشارع وطمأنته بأن الملف لم يُغلق.

أزمة ثقة لا أزمة إجراءات فقط

تكشف الاحتجاجات الأخيرة عن أزمة ثقة عميقة بين الشارع الثوري والحكومة في ملف العدالة الانتقالية. فالمشكلة لا تكمن فقط في بطء المحاكمات أو نقص الإجراءات، بل في غموض السياسة الحكومية تجاه رموز النظام السابق، خصوصًا حين تتعامل السلطات بصرامة مع بعض المتهمين، بينما تجري تسويات مبهمة مع شخصيات أخرى لها نفوذ مالي أو عشائري أو أمني.

ويرى منتقدون أن هذا التباين يمنح انطباعًا بأن المحاسبة لا تطال الجميع بالمعايير نفسها. فهناك شخصيات مرتبطة في ذاكرة السوريين بالقمع والابتزاز ودعم النظام السابق، لكن ظهورها مجددًا في الحياة العامة أو الاقتصادية يثير شعورًا بالاستفزاز لدى الضحايا وذويهم.

ومن هنا، فإن تأخر العدالة لا يُقرأ في الشارع باعتباره ضعفًا إداريًا فقط، بل باعتباره تساهلًا أو إعادة تدوير للوجوه القديمة. وهذا ما قد يدفع بعض الفئات إلى محاولة أخذ العدالة بأيديها، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة خارجة من حرب طويلة ومجتمع مثقل بالجراح.

بين العدالة والثأر

المعضلة الأساسية اليوم أن الشارع يطالب بحق مشروع: محاسبة المتورطين في الانتهاكات. لكن تحويل الشارع إلى محكمة ميدانية يهدد بتقويض فكرة العدالة نفسها. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام الجماعي، ولا استهداف عائلات أو طوائف أو مناطق، بل تعني كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين فرديًا، وجبر ضرر الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.

وإذا لم تتحرك الدولة بسرعة وشفافية، فإن الفراغ القانوني قد يملؤه الغضب الشعبي. أما إذا تعاملت مع المطالب الأمنية بمنطق القمع أو التأجيل، فقد توسع فجوة الثقة أكثر. لذلك تبدو الحكومة مطالبة بمسار مزدوج: منع الانفلات والثأر من جهة، وتسريع المحاسبة وكشف الحقائق من جهة أخرى.

ما المطلوب؟

تحتاج سوريا اليوم إلى رؤية وطنية واضحة ومعلنة للعدالة الانتقالية، لا إلى إجراءات متفرقة تأتي كرد فعل على الاحتجاجات. ويبدأ ذلك بتقديم إحاطات دورية للرأي العام حول أعداد الموقوفين، وطبيعة التهم، ومراحل التحقيق والمحاكمة، مع ضمان عدم تحويل الملف إلى أداة سياسية أو وسيلة انتقام.

كما ينبغي إشراك ذوي الضحايا والمنظمات الحقوقية في المسار، وتعزيز استقلال القضاء، ووضع جدول زمني واضح للمساءلة وكشف الحقيقة. كذلك يبدو تفعيل العزل السياسي ضرورة مؤقتة لمنع الشخصيات المتهمة بالانتهاكات أو دعم القمع من العودة إلى مناصب عامة أو واجهات اقتصادية تستفز المجتمع.

ومن الضروري أيضًا إعادة النظر في نظام التسويات، بحيث لا يتحول إلى ممر آمن لعودة المتورطين إلى الحياة العامة من دون محاسبة. فالبلاد تحتاج إلى مصالحة قائمة على الحقيقة والعدالة، لا إلى طيّ الصفحات بالقوة أو عبر تفاهمات غامضة.

يمكن مراجعة بعض الاإقتراحات عن تطبيق العدالة الاإنتقالية، قمنا بتقديمها في مرحلة مبكرة بعد سقوط نظام الأسد في إطار مقترحات لمواجهة التحديات التي تواجهها سورية الجديدة.

خلاصة

ما شهدته سوريا خلال الأيام الماضية ليس مجرد موجة غضب عابرة، ولا يمكن اختزاله في “مؤامرة” أو “انفلات شارع”. إنه تعبير عن جرح وطني مفتوح، وعن خوف عميق من أن يفلت المتورطون في الانتهاكات من العقاب.

لكن في المقابل، فإن العدالة التي تُمارس خارج القانون قد تتحول سريعًا إلى ثأر، والثأر قد يفتح الباب أمام دوامة عنف تهدد السلم الأهلي في بلد لا يزال هشًا. لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة السورية اليوم هو أن تثبت للناس أن الدولة قادرة على محاسبة الجناة، وحماية الضحايا، ومنع الانتقام الجماعي في الوقت نفسه.

فالعدالة الانتقالية ليست ملفًا قانونيًا فقط، بل هي أساس بناء الثقة بين المجتمع والدولة الجديدة. وكلما تأخر هذا المسار، اتسعت الفجوة بين الشارع والسلطة، وازدادت احتمالات أن ينفجر الغضب في صور أكثر خطورة.

سوريا بين مطلب العدالة وخطر الثأر: احتجاجات “طرد الشبيحة” ورمزية “قشرة الموز” تكشف هشاشة المرحلة الانتقالية

تتصاعد في سوريا خلال الأيام الأخيرة موجة احتجاجات شعبية تطالب بمحاسبة المتورطين في انتهاكات النظام السابق، وسط تحذيرات متزايدة من انزلاق الغضب المشروع إلى ثأر جماعي أو خطاب طائفي يهدد السلم الأهلي في بلد لا يزال يحاول الخروج من آثار الحرب والاستبداد.

وشهدت محافظات عدة، بينها دير الزور وحلب وإدلب وتدمر  ودمشق وريفها وتدمر، مظاهرات متزامنة ضد ما يصفه المحتجون بـ “عودة الشبيحة” أو إعادة تعويم شخصيات كانت مرتبطة بأجهزة النظام السابق الأمنية والعسكرية. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بالمحاسبة وتطبيق العدالة الانتقالية، معتبرين أن عودة بعض المتورطين إلى مدنهم وقراهم من دون مساءلة تمثل استفزازًا لذوي الضحايا وإهانة لذاكرة الثورة.

لكن هذه الاحتجاجات لم تبقَ دائمًا في إطارها السلمي. فقد رافقتها في بعض المناطق تهديدات مباشرة، وأعمال عنف، وهجمات على منازل وممتلكات أشخاص اتُّهموا بالارتباط بالنظام السابق، ما أعاد فتح النقاش حول حدود العدالة الانتقالية، ومن يملك حق المحاسبة: الدولة بمؤسساتها وقضائها، أم الشارع الغاضب الذي يشعر أن العدالة الرسمية بطيئة أو غائبة؟

“قشرة الموز”: من سخرية سوداء إلى رمز للاغتيال

أحد أبرز الرموز التي رافقت هذه الموجة الاحتجاجية كان استخدام صورة قشرة الموز في منشورات وتهديدات وُجهت لمن يوصفون بـ “الشبيحة”. وقد تحولت عبارة “تزحلق بقشرة موز” خلال الأشهر التي تلت سقوط النظام إلى تعبير متداول على وسائل التواصل للإشارة إلى عمليات اغتيال تستهدف أشخاصًا يُتهمون بالانتماء إلى شبكات التشبيح أو التعاون مع النظام السابق.

وفي دير الزور، ظهر مقطع مصور يسمي بعض الشخصيات المتهمة بالتشبيح بشكل واضح، بينما حمل أحد المتظاهرين موزة في إشارة رمزية إلى تلك العبارة. أما في إدلب، فقد وُزعت منشورات تحذيرية تتضمن رسائل مباشرة مثل “هاجروا أو الزموا بيوتكم”، مرفقة بصورة قشرة موز، في ما بدا تهديدًا صريحًا بالاستهداف.

وتكمن خطورة هذا الرمز في أنه لا يبقى في حدود السخرية السياسية أو الغضب الشعبي، بل يرتبط بسلسلة عمليات قتل نفذها مجهولون، خصوصًا في حلب، حيث تتحدث تقارير عن اغتيالات ينفذها ملثمون على دراجات نارية، ثم تتولى صفحات مجهولة نشر الاتهامات بحق الضحايا لتبرير قتلهم. وقد تناولت تقارير محلية هذه الظاهرة بوصفها تهديدًا مباشرًا لمسار العدالة وسيادة الدولة، لأنها تحول الاتهام الشعبي إلى حكم وتنفيذ خارج القانون.

دير الزور وإدلب وحلب: غضب واحد بأشكال مختلفة

تبدو دير الزور إحدى أبرز نقاط انطلاق هذا الغضب. فقد شهدت المدينة اعتصامًا ومظاهرات بعد أنباء عن عودة شخصيات محلية متهمة بصلات سابقة مع أجهزة النظام والميليشيات الإيرانية. واعتبر المحتجون أن عودة هؤلاء تحت حماية أمنية أو عشائرية تعني عمليًا إعادة تدوير رموز القمع بدل محاسبتهم.

وفي إدلب، خرجت احتجاجات في عدة بلدات ومدن، وظهرت خطابات شعبية حادة ترفض وجود “الشبيحة” داخل المجتمع المحلي. وفي بعض المقاطع، طالب محتجون بطردهم من البلدات أو منعهم من العودة إلى الحياة العامة، بينما يرى مؤيدو هذه التحركات أن من تورط في الوشاية أو التعذيب أو القتل لا يمكن أن يعود إلى موقعه السابق وكأن شيئًا لم يحدث.

أما في حلب، فقد أخذت الاحتجاجات طابعًا أكثر توترًا، خاصة في أحياء مثل الشيخ سعيد ومناطق أخرى، حيث رُفعت هتافات قاسية ضد من يوصفون بالشبيحة. كما ارتبط اسم المدينة بسلسلة اغتيالات مجهولة سابقة، ما يجعل أي تصعيد جديد فيها مرشحًا للتحول من احتجاج شعبي إلى موجة عنف يصعب ضبطها.

مشكلة التعريف: من هو “الشبيح”؟

تكمن إحدى أخطر المعضلات في اتساع معنى كلمة “الشبيح” داخل الوعي الشعبي السوري. فالمصطلح لم يعد يشير فقط إلى المسلحين الذين مارسوا القتل أو التعذيب المباشر، بل بات يشمل المخبرين، وكتّاب التقارير الأمنية، والمستفيدين من الفساد، ورجال الأعمال المرتبطين بالنظام، والوجهاء المحليين الذين وفروا غطاء اجتماعيًا أو أمنيًا للسلطة السابقة.

هذا الاتساع يجعل المحاسبة خارج القضاء شديدة الخطورة، لأن الاتهام قد يتحول إلى أداة انتقام شخصي أو تصفية حسابات عائلية أو سياسية أو مناطقية. فحين يصبح الشارع هو من يحدد من هو “الشبيح”، ومن يستحق الطرد أو الضرب أو القتل، تنهار الحدود بين العدالة والثأر، وبين المحاسبة والفوضى.

وهنا تظهر الحاجة إلى مسار قضائي واضح، يفرّق بين المسؤولية الفردية المباشرة، والانتماء الاجتماعي أو الطائفي أو المناطقي، ويمنع تحويل الجرائم التي ارتكبها أفراد أو مؤسسات إلى إدانة جماعية تطال مكونات كاملة من المجتمع.

حملة “لست شجرة”: عندما يتحول الغضب إلى خطاب طائفي

بالتوازي مع احتجاجات “طرد الشبيحة”، أثارت حملة إلكترونية تحمل اسم “لست شجرة” جدلًا واسعًا بعد نشرها دعوات إلى مقاطعة اجتماعية واقتصادية لأبناء الطائفة العلوية، من خلال الامتناع عن التعامل معهم في العمل والسكن والطبابة والخدمات والمشتريات اليومية.

وتقوم الحملة، وفق ما نشر عنها، على تعميم المسؤولية عن جرائم النظام السابق على مكون اجتماعي كامل، وهو ما يمثل انحرافًا خطيرًا عن جوهر العدالة الانتقالية. فالعدالة تقوم على المسؤولية الفردية وملاحقة من أمر ونفذ وشارك وغطى الجرائم، لا على معاقبة الناس بسبب طائفتهم أو اسم عائلتهم أو مكان ولادتهم. وقد حذرت تقارير من أن هذه الحملة تحوّل مطلب المحاسبة إلى دعوة للعزل الجماعي، بما يضرب أسس العدالة الانتقالية ويغذي الانقسام الأهلي.

ولا تقتصر خطورة الحملة على استهداف العلويين جماعيًا، بل تمتد إلى تشويه صورة السنة أيضًا، عبر تصويرهم ككتلة تقف خلف خطاب التحريض. وبهذا المعنى، فإن الحملة تؤذي الطرفين: تضع العلويين في موقع الاتهام الجماعي، وتربط السنة بخطاب طائفي مجهول المصدر، وتحوّل قضية الضحايا من مطلب عادل إلى مادة صراع أهلي.

كما أن ظهور حملات مجهولة المصدر، بهوية بصرية موحدة وخطاب تحريضي متناسق، يطرح أسئلة حول الجهات المستفيدة من دفع السوريين إلى مواجهة داخلية، خصوصًا في بيئة رقمية مشحونة يسهل فيها تضخيم الغضب وتوجيهه نحو سرديات قابلة للانفجار.

عدالة الدولة أم عدالة الشارع؟

أمام هذا المشهد، تبرز الأزمة المركزية: السوريون يريدون العدالة، لكنهم لا يثقون تمامًا بسرعة الدولة وقدرتها على إنجازها. فبطء المحاكمات، وغموض نظام التسويات، وعودة بعض الوجوه المرتبطة بالنظام السابق إلى الواجهة، كلها عوامل تغذي الشعور بأن الجناة قد يفلتون من العقاب.

في المقابل، فإن ترك الشارع يقرر من يُحاسب وكيف يُحاسب يهدد بتحويل الضحايا إلى جلادين، ويعيد إنتاج منطق القوة الذي ثار السوريون عليه أصلًا. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، ولا تعني التسامح المفتوح، بل تعني كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم.

وقد شددت الحكومة السورية، بحسب ما نقلته تقارير عن الاحتجاجات الأخيرة، على أن المحاسبة يجب أن تبقى من اختصاص مؤسسات الدولة، لا عبر الانتقام الفردي أو “عدالة الشارع”. كما تؤكد السلطات أن مسار الملاحقة قائم، بينما يرى المحتجون أن الخطوات لا تزال بطيئة وغير شفافة، وأنها لا تطال جميع المتورطين بالمعايير نفسها.

الخطر الطائفي: دمشق نموذجًا

تظهر خطورة الانزلاق الطائفي بوضوح في دمشق وبعض الأحياء ذات الطابع العلوي، مثل عش الورور والمزة 86، حيث ارتفع منسوب الخوف والتوتر مع انتشار دعوات طرد الشبيحة أو محاسبتهم ميدانيًا. ويصبح الأمر أكثر حساسية حين تنتقل المطالب من محاسبة أفراد متهمين بجرائم محددة إلى تهديد جماعات سكانية كاملة.

إن حماية السوريين من بعضهم البعض في هذه المرحلة ليست تفصيلًا أمنيًا، بل مؤشر على هشاشة السلم الأهلي. فالمجتمع الخارج من عقود الاستبداد والحرب يحمل ذاكرة مثقلة بالقتل والإذلال والوشاية والاعتقال، لكن تحويل هذه الذاكرة إلى عقوبة جماعية قد يفتح الباب أمام حرب أهلية بصيغة جديدة، لا تبدأ بالضرورة بجبهات عسكرية، بل بتحريض اجتماعي، ومقاطعة طائفية، واغتيالات مجهولة، وثأر محلي متنقل.

من يعطل العدالة الانتقالية؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا يغضب الشارع؟ بل أيضًا: من يستفيد من تحويل هذا الغضب إلى فوضى؟ فتعطيل العدالة الانتقالية لا يحدث فقط عبر إبطاء المحاكمات أو التسويات الغامضة، بل يحدث أيضًا عبر دفع الناس إلى اليأس من القانون، ثم استخدام هذا اليأس لتبرير القتل والتهجير والمقاطعة على الهوية.

وهنا تلتقي مصلحتان خطيرتان: مصلحة بعض المتورطين السابقين الذين يريدون تمييع المسؤولية داخل جماعات واسعة، ومصلحة الجهات التي ترغب في إفشال المرحلة الانتقالية عبر إثبات أن ما يجري ليس عدالة، بل انتقام جماعي. وفي الحالتين، يكون الضحايا هم الخاسر الأكبر، لأن قضيتهم تُسحب من مسار القانون إلى ساحة الفوضى.

ما المطلوب الآن؟

تحتاج سوريا إلى خطوات عاجلة وواضحة تمنع انفلات الشارع، من دون قمع الغضب المشروع. وأول هذه الخطوات إعلان خطة وطنية مفصلة للعدالة الانتقالية، تتضمن جدولًا زمنيًا للمحاسبة، وآليات لكشف الحقيقة، وضمانات لمشاركة ذوي الضحايا والمنظمات الحقوقية، وإحاطات دورية للرأي العام حول مسار التحقيقات والمحاكمات.

كما ينبغي تفعيل العزل السياسي والقانوني بحق الشخصيات المتهمة بالانتهاكات أو دعم القمع، بحيث لا تعود إلى مناصب عامة أو واجهات اقتصادية قبل البت في ملفاتها. فظهور رموز النظام السابق في المشهد العام من دون محاسبة لا يهدد فقط ذاكرة الضحايا، بل يضرب ثقة الناس بالدولة الجديدة.

وفي الوقت نفسه، يجب التعامل بحزم قانوني مع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، سواء صدر عن حملات مجهولة أو منابر دينية أو صفحات إلكترونية. فمكافحة الطائفية لا تعني قمع المطالبة بالعدالة، بل تعني حماية العدالة من أن تتحول إلى انتقام جماعي.

خلاصة

تكشف الاحتجاجات السورية الأخيرة عن معادلة شديدة الحساسية: لا يمكن بناء سلام من دون عدالة، ولا يمكن بناء دولة إذا حلّ الثأر مكان القانون. فالغضب من عودة رموز النظام السابق مفهوم ومشروع، خاصة لدى ذوي الضحايا والمعتقلين والمفقودين، لكن تحويل هذا الغضب إلى طرد جماعي أو اغتيالات أو مقاطعة طائفية يهدد بتقويض كل ما يفترض أن تحققه العدالة الانتقالية.

سوريا اليوم ليست فقط أمام ملف قانوني اسمه محاسبة الشبيحة، بل أمام اختبار وطني أعمق: هل تستطيع الدولة الجديدة أن تُقنع الناس بأن العدالة آتية فعلًا، وبأن الجناة لن يفلتوا من العقاب؟ وهل يستطيع الشارع أن يحافظ على عدالة قضيته من دون أن ينزلق إلى منطق الانتقام؟

الجواب عن هذين السؤالين سيحدد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو مصالحة صعبة لكنها ممكنة، أم نحو دائرة جديدة من العنف، عنوانها الظاهر “محاسبة الشبيحة”، وجوهرها الأخطر انهيار الثقة بين السوريين أنفسهم. (انظر) (انظر) (انظر)

متابعات عربية

“إغلاق إسرائيل”: كيف يمكن لحزب الله تحويل البقاء إلى ورقة ضغط استراتيجية في إطار الحروب الحديثة؟

لم يعد السؤال المركزي في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله هو موعد الحرب المقبلة فقط، بل طبيعة الحرب التي يستعد لها الحزب إذا بقيت المعادلة الإقليمية الجديدة تمنحه هامشًا للبقاء والحركة. فوفق قراءة استراتيجية طرحها الباحث أستاذ العلوم السياسية الأمريكي روبرت بايب، فإن بقاء حزب الله بعد مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية لا يمثل مجرد تفصيل لبناني، بل قد يتحول إلى مصدر ضغط طويل الأمد على إسرائيل، من خلال تهديد بنيتها الحيوية واتصالها بالعالم الخارجي.

وتأتي هذه القراءة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فقد أُلغيت أو أُرجئت المحادثات الأمريكية–الإيرانية التي كان من المفترض عقدها في سويسرا عقب التوقيع على مذكرة التفاهم مباشرة، بعد تجدد التوتر على جبهة لبنان وتصاعد الضربات بين إسرائيل وحزب الله. وكانت هذه المحادثات تهدف إلى البناء على مذكرة تفاهم أمريكية–إيرانية أوسع، تتعلق بوقف الحرب، ومضيق هرمز، والملف النووي الإيراني، لكن جبهة لبنان عادت لتظهر بوصفها العقدة الأكثر قابلية لتفجير التفاهمات.

من البقاء إلى النفوذ

الفكرة الأساسية في طرح بايب أن حزب الله لا يحتاج إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي على إسرائيل كي يغيّر ميزان الردع. يكفي أن يبقى، وأن يطوّر أدواته، وأن يحافظ على موقعه داخل ما يسميه محور المقاومة الممتد من لبنان إلى الخليج. فالبقاء هنا ليس مجرد نجاة من الحرب، بل يتحول إلى رصيد استراتيجي يمكن استخدامه لاحقًا ضد إسرائيل.

وتزداد أهمية هذا الطرح إذا كان البند الأول من مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية يساهم عمليًا في الحفاظ على حزب الله وعدم تفكيكه، أو على الأقل يؤجل معالجة دوره العسكري إلى مراحل لاحقة. عندها تكون إسرائيل أمام معضلة: فهي لم تنجح في إنهاء الحزب، وفي الوقت نفسه قد تجد نفسها مضطرة للتعامل مع نسخة أكثر تطورًا من تهديداته.

نقطة الضعف الإسرائيلية: الاتصال بالعالم

تعتمد قوة إسرائيل تاريخيًا على قدرتها على البقاء دولة متصلة بالعالم: مطارات تعمل، موانئ مفتوحة، خطوط شحن مستمرة، اقتصاد تكنولوجي مندمج في الأسواق، واستقرار يسمح للحياة اليومية بالاستمرار رغم التوترات الأمنية. لكن هذا النموذج يصبح هشًا إذا تحولت البنية المدنية واللوجستية إلى هدف دائم ومنخفض الكلفة.

هنا يدخل عامل الطائرات المسيّرة. فبدل محاولة اجتياح بري أو تحقيق نصر تقليدي، يستطيع حزب الله نظريًا استخدام أسراب من المسيّرات والصواريخ الدقيقة لاستهداف المطارات، والموانئ، ومحطات الطاقة، ومراكز البيانات، وخطوط الشحن، ومرافق التأمين واللوجستيات. الهدف ليس تدمير إسرائيل عسكريًا، بل جعل استمرار الحياة الطبيعية فيها مكلفًا وغير مضمون.

بهذا المعنى، فإن الخطر لا يشبه بالضرورة هجومًا كبيرًا على غرار 7 أكتوبر، بل قد يكون أخطر على المدى الطويل: حرب استنزاف ذكية تجعل إسرائيل تبدو كجزيرة محاصرة، لا بسبب حصار بحري تقليدي، بل بسبب اهتزاز ثقة الطيران والشحن والتجارة والاستثمار.

من أوكرانيا إلى البحر الأحمر: نموذج الحرب الجديدة

يرى بايب أن منطق هذه الحرب بات واضحًا في أكثر من ساحة. ففي أوكرانيا، غيرت المسيّرات الرخيصة نسبيًا شكل المعركة، وأثبتت أن التكنولوجيا غير المكلفة يمكن أن تضرب منظومات باهظة وتعطل خطوط الإمداد. وفي البحر الأحمر، أظهرت هجمات الحوثيين أن جماعة غير دولية قادرة على التأثير في حركة التجارة العالمية، ليس لأنها تملك أسطولًا بحريًا، بل لأنها تستطيع تهديد السفن ورفع كلفة التأمين وتحويل مسارات الشحن.

أما في الحرب الأمريكية–الإيرانية، فقد ظهر أن تعطيل الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز  بأليات بسيطة يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي ويجبر القوى الكبرى على البحث عن تسويات. ومن هذه التجارب، قد يستخلص حزب الله درسًا واضحًا: لا حاجة إلى هزيمة إسرائيل في ساحة المعركة؛ يكفي ضرب نقاط اتصالها بالعالم.

لبنان بوصفه عقدة الاتفاق الأمريكي–الإيراني

تكشف أزمة إلغاء محادثات سويسرا أن لبنان ليس ملفًا جانبيًا في التفاهم الأمريكي–الإيراني، بل جزء من جوهره. فإيران ترى أن استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان يضعف أي اتفاق مع واشنطن، بينما تريد الولايات المتحدة من طهران ضبط حزب الله ومنع انهيار التهدئة. وفي المقابل، تصر إسرائيل على أنها ليست ملزمة بالكامل بأي تفاهم لم تكن طرفًا مباشرًا فيه، وتحتفظ بحقها في العمل العسكري ضد الحزب.

هذه المعادلة تجعل حزب الله ورقة تفاوضية بيد إيران، لكنه في الوقت نفسه مصدر خطر على الاتفاق نفسه. فإذا بقيت الجبهة اللبنانية مشتعلة، يمكن أن تتعطل المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. وإذا نجحت طهران في فرض وقف أوسع للهجمات على لبنان، فإن ذلك يعني أن حزب الله خرج من الحرب محتفظًا بقدرته وبموقعه الإقليمي.

حزب الله لا يحتاج إلى النصر الكامل

التحول الأهم في هذه القراءة هو أن حزب الله قد لا يسعى إلى حرب حاسمة. فالحرب الحاسمة مكلفة ومدمرة للبنان وقد تستجلب ردًا إسرائيليًا واسعًا. أما الحرب الأقل من الحسم، القائمة على ضربات متقطعة ومتطورة ضد البنية الحيوية، فقد تمنحه نفوذًا أكبر بكلفة أقل.

في هذه الحالة، يصبح الهدف الاستراتيجي هو ضرب مفهوم “الحياة الطبيعية” في إسرائيل. فإذا أصبحت الرحلات الجوية مهددة، أو ازدادت كلفة التأمين البحري، أو تكررت الهجمات على الموانئ ومراكز البيانات، فإن إسرائيل ستواجه ضغطًا اقتصاديًا ونفسيًا متراكمًا. وهذا النوع من الضغط قد يكون أكثر فاعلية من محاولة تحقيق اختراق عسكري مباشر.

إسرائيل أمام معضلة الرد

تواجه إسرائيل في هذا السيناريو معضلة معقدة. فإذا ردت بقوة على كل هجوم، قد تدفع المنطقة إلى حرب أوسع وتحرج الولايات المتحدة في مفاوضاتها مع إيران. وإذا لم ترد بقوة كافية، فقد تبدو عاجزة عن حماية بنيتها الحيوية. أما إذا حاولت احتلال مناطق أوسع في جنوب لبنان أو فرض “منطقة أمنية”، فقد تجد نفسها في حرب استنزاف طويلة تزيد من عزلة إسرائيل بدل أن تنهي التهديد.

لذلك، فإن بقاء حزب الله لا يعني فقط بقاء قوة عسكرية عند الحدود الشمالية، بل بقاء قدرة مستمرة على تعطيل الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والإقليمية.

تحليل: من الردع الصاروخي إلى الردع اللوجستي

كان الحديث عن حزب الله سابقًا يتركز على ترسانته الصاروخية وقدرته على ضرب المدن الإسرائيلية. أما الآن، فقد ينتقل مركز الثقل إلى ما يمكن تسميته الردع اللوجستي: أي القدرة على تهديد العقد التي تربط إسرائيل بالعالم، مثل المطارات والموانئ والشحن والطاقة والاتصالات ومراكز البيانات.

هذا النوع من الردع يناسب الجماعات المسلحة في عصر المسيّرات، لأنه لا يتطلب تفوقًا جويًا أو بحريًا، بل يحتاج إلى قدرة على الإطلاق والتوجيه والتكرار، مع منظومة إعلامية وسياسية قادرة على تضخيم الأثر. فالهدف ليس فقط الضرر المادي، بل زعزعة الثقة.

خلاصة

تكمن خطورة بقاء حزب الله، وفق هذه القراءة، في أنه لا يحتاج إلى انتصار عسكري تقليدي كي يحقق نفوذًا استراتيجيًا. يكفي أن يبقى قادرًا على تطوير أدواته، وأن يستفيد من تجارب أوكرانيا والبحر الأحمر وإيران، وأن يوجه ضرباته نحو نقاط الاتصال الحيوية التي تجعل إسرائيل جزءًا من الاقتصاد العالمي.

إذا حدث ذلك، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام شكل جديد من الحصار: ليس حصارًا يطوق حدودها بالدبابات، بل حصارًا تدريجيًا يرفع كلفة الطيران والشحن والاستثمار والحياة اليومية. عندها يصبح عنوان المرحلة ليس “متى تقع الحرب المقبلة؟”، بل: هل يستطيع حزب الله تحويل إسرائيل إلى جزيرة مضطربة الاتصال بالعالم؟

وهنا بالضبط يتحول البقاء من نتيجة عسكرية إلى ورقة ضغط استراتيجية.

متابعات إفريقية

إسرائيل وأرض الصومال: إعلان إستراتيجي يفتح جبهة نفوذ جديدة في القرن الأفريقي

وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف أيضًا باسم عبد الرحمن عرو، إعلانًا إستراتيجيًا للتعاون في القدس، في خطوة جديدة تعمّق التقارب بين إسرائيل والإقليم غير المعترف به دوليًا على نطاق واسع، وتفتح بابًا حساسًا في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجاء التوقيع خلال زيارة معلنة لرئيس أرض الصومال إلى إسرائيل، هي الأولى من نوعها بهذا المستوى، وشملت لقاءات مع نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ووزير الخارجية جدعون ساعر. وتزامنت الزيارة مع افتتاح تمثيل دبلوماسي لأرض الصومال في القدس، في خطوة رمزية وسياسية بالغة الحساسية، لأنها تمنح إسرائيل دعمًا إضافيًا لروايتها بشأن القدس، وتمنح أرض الصومال منصة لتعزيز مطلبها القديم بالاعتراف الدولي.

وبحسب تقارير إسرائيلية، يهدف الإعلان إلى إرساء علاقة إستراتيجية وتعزيز التعاون الثنائي، من دون نشر تفاصيل كاملة حول بنوده. لكن تصريحات المسؤولين من الجانبين تشير إلى أن التعاون قد يمتد إلى الأمن، والاستثمار، والتكنولوجيا، والزراعة، والمياه، والطاقة، والصحة، والأمن السيبراني. وقال وزير دفاع أرض الصومال إن إسرائيل تقدم تدريبًا لقوات الشرطة والجيش في الإقليم، لكنه نفى وجود مفاوضات لإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك.

اعتراف إسرائيلي غيّر المعادلة

يمثل هذا التطور امتدادًا لقرار إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2025 الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة تجاه الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991. وقد رفضت الحكومة الفدرالية في مقديشو الاعتراف الإسرائيلي واعتبرته انتهاكًا صارخًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.

ومنذ إعلان انفصاله، ظل إقليم أرض الصومال يدير نفسه ككيان مستقل فعليًا، يمتلك مؤسسات سياسية وأمنية وانتخابات محلية وعاصمة في هرجيسا، لكنه لم يحصل طوال عقود على اعتراف دولي رسمي. لذلك، يُعد الاعتراف الإسرائيلي مكسبًا كبيرًا لقيادته، حتى لو بقي محدودًا دوليًا، لأنه يكسر عزلة دبلوماسية طويلة ويمنحه فرصة لتسويق نفسه كشريك مستقر في منطقة مضطربة.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الاعتراف لا يبدو خطوة رمزية فقط، بل جزءًا من محاولة أوسع لتوسيع حضورها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتهديدات الحوثيين في اليمن، وحاجة تل أبيب إلى نقاط نفوذ جديدة على ممرات بحرية حساسة.

القدس كرسالة مزدوجة

افتتاح تمثيل لأرض الصومال في القدس يحمل دلالتين واضحتين. الأولى موجهة إلى إسرائيل، إذ يقدم الإقليم نفسه كحليف مستعد لاتخاذ خطوة دبلوماسية لا تزال معظم دول العالم تتجنبها بسبب وضع القدس المتنازع عليه. والثانية موجهة إلى المجتمع الدولي، إذ تحاول هرجيسا القول إن لديها سياسة خارجية مستقلة، وإنها قادرة على اتخاذ قرارات سيادية مثل أي دولة معترف بها.

وقد أشار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى أن أرض الصومال أصبحت من بين الجهات التي افتتحت تمثيلًا في القدس، معتبرًا أن دولًا أخرى قد تحذو حذوها. وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان سابق من أرض الصومال بأنها ستفتح سفارة في القدس، في إطار تفاهم متبادل مع إسرائيل لتعزيز العلاقات الدبلوماسية.

غير أن هذه الخطوة تزيد من حساسية العلاقة مع مقديشو والدول العربية والإسلامية، لأنها تربط ملفين متفجرين: وضع القدس من جهة، وسيادة الصومال ووحدة أراضيه من جهة أخرى.

لماذا تهتم إسرائيل بأرض الصومال؟

تكمن أهمية أرض الصومال في موقعها الجغرافي. فالإقليم يقع على ساحل خليج عدن، بالقرب من باب المندب والبحر الأحمر، وهي منطقة حيوية للتجارة العالمية ولأمن إسرائيل البحري، خصوصًا مع تصاعد دور الحوثيين في اليمن وتهديدهم الملاحة في البحر الأحمر.

من هذه الزاوية، قد تنظر إسرائيل إلى أرض الصومال كمنصة تعاون أمني واستخباراتي ولوجستي، حتى إن لم تصل الأمور إلى إقامة قاعدة عسكرية مباشرة. فوجود شريك في القرن الأفريقي يمنح تل أبيب مجالًا أوسع لرصد التحركات في البحر الأحمر، والتواصل مع شبكات إقليمية، وموازنة النفوذ الإيراني أو التركي أو الخليجي في المنطقة.

كما أن أرض الصومال، التي تبحث عن استثمارات واعتراف، تبدو مستعدة لتقديم نفسها كشريك مستقر في منطقة تعاني من الهشاشة السياسية والصراعات. وهذا يمنح إسرائيل فرصة لبناء علاقة مع كيان يحتاج إليها دبلوماسيًا كما تحتاج هي إليه إستراتيجيًا.

مخاوف مقديشو والرفض الإقليمي

في المقابل، ترى الحكومة الصومالية أن الخطوة الإسرائيلية تمثل اعتداءً مباشرًا على سيادة البلاد ووحدة أراضيها. وقد رفضت مقديشو الاعتراف الإسرائيلي واعتبرته خرقًا للقانون الدولي وللمواقف الأفريقية والدولية الداعمة لوحدة الصومال. كما أدانت دول ومنظمات عدة هذه الخطوة، بما في ذلك أطراف عربية وإسلامية وأفريقية، محذرة من آثارها على الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وتخشى مقديشو أن يؤدي الاعتراف الإسرائيلي إلى تشجيع حركات انفصالية أخرى أو خلق سابقة خطيرة داخل أفريقيا، حيث تتحسس الدول بشدة من أي مساس بالحدود الموروثة بعد الاستعمار. كما تخشى أن يتحول الإقليم إلى نقطة تنافس إقليمي ودولي، خاصة إذا ارتبط التعاون مع إسرائيل بملفات أمنية أو عسكرية.

الظل الفلسطيني وغزة

أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف هو ربط بعض التحليلات والانتقادات بين الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ومخاوف من مشاريع تهجير أو إعادة توطين فلسطينيين من غزة. وقد أشارت تقارير إلى أن دولًا ومنظمات عارضت الاعتراف الإسرائيلي بسبب القلق من أي محاولة لاستغلال الإقليم في ترتيبات مرتبطة بالفلسطينيين، رغم أن خططًا من هذا النوع قوبلت برفض واسع واعتُبرت غير قابلة للشرعية أو التنفيذ.

حتى لو لم تكن هناك خطة رسمية معلنة، فإن مجرد تداول هذا الاحتمال يزيد من حساسية العلاقة، لأنه يجعل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يبدو في نظر منتقديه جزءًا من هندسة أوسع للمنطقة بعد حرب غزة، لا مجرد علاقة ثنائية مع كيان يبحث عن الاعتراف.

أرض الصومال تبحث عن الاعتراف بأي ثمن؟

من جهة هرجيسا، يمكن فهم الخطوة ضمن استراتيجية طويلة لكسر العزلة. فالإقليم يرى نفسه أكثر استقرارًا من الصومال الفدرالي، ويقدم تجربته السياسية والأمنية بوصفها نموذجًا مختلفًا في القرن الأفريقي. لكن عدم الاعتراف الدولي حرمه من الوصول الكامل إلى التمويل والمؤسسات الدولية والاتفاقات السيادية.

لذلك، يوفر الاعتراف الإسرائيلي مكسبًا رمزيًا كبيرًا، حتى وإن جاء من دولة مثيرة للجدل في المنطقة. كما أن التعاون مع إسرائيل قد يجلب استثمارات في مجالات تحتاجها أرض الصومال بشدة، مثل الزراعة وتحلية المياه والطاقة والصحة والتكنولوجيا والأمن السيبراني.

لكن هذه المكاسب تحمل كلفة سياسية. فالعلاقة مع إسرائيل قد تعمق عزلة الإقليم عربيًا وإسلاميًا، وتضعه في مواجهة مباشرة مع مقديشو، وربما تجعله جزءًا من صراعات البحر الأحمر والشرق الأوسط بدل أن يبقى ملفًا أفريقيًا محليًا.

تحليل المعهد المصري: اتفاق صغير في شكله كبير في آثاره

رغم أن الإعلان الإستراتيجي بين إسرائيل وأرض الصومال قد يبدو محدودًا من حيث الشكل، إلا أن دلالاته أوسع بكثير. فهو يجمع بين ثلاثة ملفات شديدة الحساسية: الصراع على الاعتراف بأرض الصومال، معركة إسرائيل على القدس، والتنافس الدولي على ممرات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

بالنسبة إلى إسرائيل، يمثل الاتفاق فرصة لاختراق منطقة ذات أهمية بحرية وأمنية، وإظهار أن دائرة علاقاتها تتوسع رغم الحرب والانتقادات الدولية. وبالنسبة إلى أرض الصومال، يمثل الاتفاق محاولة لتحويل الاعتراف الإسرائيلي إلى بداية مسار دبلوماسي أوسع، وربما جذب دول أخرى إلى التعامل معها بصفة شبه رسمية أو رسمية.

أما بالنسبة إلى الصومال، فهو تهديد لوحدة الدولة وسيادتها، وقد يدفع مقديشو إلى تحرك دبلوماسي مضاد في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي. وقد سبق أن دعمت أطراف دولية وأفريقية موقف الصومال الرافض للاعتراف بأرض الصومال بوصفها دولة مستقلة.

خلاصة

يضع توقيع الإعلان الإستراتيجي بين نتنياهو ورئيس أرض الصومال الانفصالي العلاقة بين الجانبين في مرحلة جديدة، تتجاوز الاعتراف الرمزي إلى بناء تعاون سياسي وأمني واقتصادي. لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابًا واسعة للتوتر، سواء مع مقديشو، أو مع الدول الرافضة لتغيير وضع أرض الصومال، أو مع الأطراف التي ترى في الخطوة امتدادًا للسياسات الإسرائيلية المرتبطة بالقدس وغزة والبحر الأحمر.

في جوهره، لا يتعلق الاتفاق بأرض الصومال وحدها، بل بسؤال أكبر: كيف تعيد إسرائيل تموضعها في محيط البحر الأحمر  والقرن الأفريقي، وكيف تستثمر كيانات تبحث عن الاعتراف لتوسيع حضورها الاستراتيجي؟

وبين بحث هرجيسا عن الشرعية، وسعي تل أبيب إلى موطئ قدم جديد، ورفض مقديشو لأي مساس بوحدة الصومال، تتحول أرض الصومال من ملف إفريقي مجمد إلى نقطة اشتباك جديدة في خرائط النفوذ الإقليمي والدولي.

هجوم مطار نيامي يضع النيجر أمام اختبار أمني جديد.. و«القاعدة» تتبنى العملية

شهدت النيجر واحدة من أخطر الهجمات الأمنية خلال العام الجاري، بعدما استهدف مسلحون مطار ديوري هاماني الدولي في العاصمة نيامي والقاعدة العسكرية المجاورة له، في عملية تبنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وأسفرت، وفق الحصيلة الرسمية الأولية، عن مقتل 13 شخصًا من القوات والمدنيين، إضافة إلى تحييد 22 مهاجمًا وتوقيف نحو 20 مشتبهًا به. وتشير بعض العناوين الإخبارية إلى حصيلة إجمالية بلغت 35 قتيلًا عند احتساب المهاجمين الذين قُتلوا خلال التصدي للهجوم.

وقالت وزارة الدفاع النيجرية، في بيان تلي عبر التلفزيون الوطني، إن الهجوم كان “محاولة توغل غادرة” نفذها مسلحون حاولوا الوصول إلى مبنى الركاب في المطار، مؤكدة أن قوات الدفاع والأمن تدخلت بسرعة وتمكنت من منع المهاجمين من بلوغ هدفهم. وأسفر الهجوم، بحسب الرواية الرسمية، عن مقتل 11 عنصرًا من قوات الدفاع والأمن ومدنيين اثنين، وإصابة أربعة أشخاص آخرين بجروح.

وأكدت السلطات أن المهاجمين كانوا يرتدون أحزمة ناسفة وحاولوا التسلل عبر سيارات أجرة مدنية، قبل أن تتم محاصرتهم والتعامل معهم. كما أعلنت أن عملية أمنية واسعة لا تزال جارية في محيط العاصمة، وأن المطار بات مؤمّنًا بالكامل ومفتوحًا أمام الملاحة الجوية.

ورغم تأكيد السلطات استمرار عمل المطار، أظهرت بيانات تتبع الملاحة الجوية أن عددًا من الرحلات المتجهة إلى نيامي جرى تحويل مسارها أو تأجيلها يوم الخميس، قبل أن تعود الحركة تدريجيًا إلى طبيعتها صباح الجمعة. ويعكس ذلك حساسية المطار بوصفه منشأة مدنية وعسكرية في آن واحد، وموقعًا استراتيجيًا داخل العاصمة النيجرية.

تبنٍّ من جماعة مرتبطة بالقاعدة

بعد ساعات من الهجوم، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مسؤوليتها عن العملية، ووصفتها بأنها “هجوم انغماسي”، وهو التعبير الذي تستخدمه التنظيمات الجهادية عادة للإشارة إلى الهجمات الانتحارية أو الهجمات التي يُتوقع ألا يعود منفذوها منها. وتُعد الجماعة الفرع الأبرز لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، وتملك حضورًا واسعًا في مالي وبوركينا فاسو، إلى جانب نشاط متزايد في النيجر.

ويمنح تبني الجماعة للهجوم دلالة أمنية مهمة، إذ يوضح أن التهديد الجهادي في النيجر لم يعد محصورًا بالمناطق الحدودية أو الريفية، بل بات قادرًا على استهداف منشآت حيوية داخل العاصمة. وتقول تحليلات أمنية إن الهجوم يكشف انتقالًا في أساليب الجماعات المسلحة في الساحل نحو ضرب المدن والمرافق الاستراتيجية، وليس فقط استنزاف القوات في الأطراف.

الهجوم الثاني على المطار خلال أشهر

لا يأتي هذا الهجوم بمعزل عن سياق أمني أوسع. فقد تعرض مطار نيامي في كانون الثاني/يناير الماضي لهجوم آخر تبناه تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، واستهدف حينها قدرات عسكرية ومنشآت داخلية في محيط المطار. ويجعل تكرار استهداف المرفق نفسه خلال أشهر قليلة منه رمزًا لهشاشة الوضع الأمني في العاصمة، رغم الإجراءات المشددة والتحالفات الجديدة التي أقامها المجلس العسكري الحاكم.

ويمثل مطار ديوري هاماني الدولي أكثر من مجرد بوابة جوية للبلاد؛ فهو يضم منشآت عسكرية مهمة، ويقع قرب قاعدة جوية، كما يكتسب أهمية خاصة بعد إعادة ترتيب التحالفات الأمنية في منطقة الساحل بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي دول تقودها أنظمة عسكرية ابتعدت عن الشركاء الغربيين ووسعت تعاونها مع روسيا.

اتهامات لفرنسا وسياق سياسي متوتر

كعادته منذ وصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في آب/أغسطس 2023، وجّه المجلس العسكري في النيجر اتهامات سياسية إلى فرنسا، إذ وصفت وزارة الدفاع المهاجمين بأنهم “مرتزقة مسلحون يعملون لصالح فرنسا”. وتأتي هذه الاتهامات ضمن خطاب رسمي متكرر يتهم باريس بمحاولة زعزعة استقرار النيجر  وتمويل الإرهاب، وهي اتهامات تنفيها فرنسا بشكل دائم.

وتحمل هذه الاتهامات بعدًا سياسيًا داخليًا وخارجيًا، إذ يحاول النظام العسكري في نيامي تقديم نفسه بوصفه مدافعًا عن السيادة الوطنية في مواجهة القوة الاستعمارية السابقة. لكن تكرار الهجمات في العاصمة، وخاصة ضد منشآت استراتيجية، يضع السلطات أمام سؤال أكثر إلحاحًا: هل تكفي القطيعة مع الشركاء الغربيين والتحالف مع موسكو لضبط التهديد الجهادي المتصاعد؟

إدانات دولية وتضامن واسع

أثار الهجوم موجة إدانات إقليمية ودولية. فقد أدان الاتحاد الأوروبي العملية، كما أصدرت السفارة الأمريكية في نيامي بيانًا دانت فيه الهجوم الإرهابي وأشادت باستجابة قوات الأمن والدفاع النيجرية. وأكدت واشنطن أنها تعارض الإرهاب والتطرف العنيف بجميع أشكالهما، وأنها تقف إلى جانب شعب النيجر في حماية المواطنين والبنية التحتية ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم.

كما أدانت مفوضية الاتحاد الأفريقي الهجوم، مشيدة بسرعة تدخل القوات النيجرية في صد العملية وتأمين منشآت المطار. ومن جانبها، أعلنت الجزائر تضامنها الكامل مع النيجر، مؤكدة دعمها للتعاون الثنائي والإقليمي في مواجهة الإرهاب.

كما أصدرت بنين، رغم توتر علاقاتها مع النيجر خلال الفترة الأخيرة، بيانًا دانت فيه الهجوم، معتبرة أنه استهدف بنية تحتية مدنية واستراتيجية وعرّض أمن المواطنين للخطر، ومؤكدة تضامنها مع الشعب النيجري وسلطات البلاد.

دلالة الهجوم في مشهد الساحل

يعكس هجوم مطار نيامي تعقيد المشهد الأمني في منطقة الساحل، حيث تتنافس جماعات مرتبطة بالقاعدة وداعش على النفوذ، بينما تواجه الأنظمة العسكرية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو تحديات متزايدة في بسط السيطرة على كامل أراضيها. وعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يؤكد استعادة السيادة وتعزيز القدرات الوطنية، فإن الهجمات المتكررة على منشآت حساسة تظهر أن الجماعات المسلحة ما زالت تملك قدرة على المبادرة والاختراق.

وتزداد خطورة هذا التطور لأن استهداف المطارات والقواعد العسكرية لا يحمل فقط رسالة عسكرية، بل رسالة سياسية واقتصادية أيضًا. فهو يضرب صورة الدولة وقدرتها على حماية عاصمتها، ويؤثر في حركة السفر والاستثمار، ويزيد الضغط على السلطات التي تقدم الأمن بوصفه إحدى ركائز شرعيتها.

خلاصة

يمثل هجوم مطار نيامي تحولًا مقلقًا في مسار العنف الجهادي داخل النيجر، ليس فقط بسبب عدد القتلى أو حساسية الموقع المستهدف، بل لأنه يؤكد قدرة الجماعات المسلحة على نقل المعركة إلى قلب العاصمة واستهداف منشآت حيوية ذات رمزية عالية.

وبين تبني القاعدة للهجوم، وتكرار استهداف المطار خلال أشهر، وعودة الاتهامات السياسية لفرنسا، تبدو النيجر أمام اختبار مزدوج: اختبار أمني في مواجهة جماعات مسلحة تتوسع وتتكيف، واختبار سياسي في قدرة المجلس العسكري على ترجمة شعارات السيادة والاستقلال الأمني إلى حماية فعلية للمواطنين والمؤسسات.

وفي حال لم تتمكن السلطات من احتواء هذا التصعيد، فقد يتحول هجوم نيامي من حادث أمني كبير إلى مؤشر على مرحلة جديدة أكثر خطورة في حرب الساحل، حيث لم تعد العواصم والمنشآت الاستراتيجية بعيدة عن مرمى الجماعات المسلحة.

موسكو توسّع نفوذها في أفريقيا عبر “البيوت الروسية”.. من الدبلوماسية الثقافية إلى تجنيد المقاتلين

تكشف معلومات استخباراتية أوكرانية عن وجه جديد من وجوه التمدد الروسي في أفريقيا، حيث لم تعد موسكو تكتفي بالحضور العسكري المباشر أو تقديم الدعم الأمني للمجالس العسكرية الحاكمة، بل تستخدم شبكة واسعة من المراكز الثقافية المعروفة باسم “البيوت الروسية” لتعزيز نفوذها السياسي والأيديولوجي، واستقطاب الشباب الأفارقة عبر وعود الدراسة والعمل، قبل أن يجد بعضهم نفسه في جبهات الحرب الأوكرانية أو داخل مصانع تدعم آلة الحرب الروسية.

وبحسب المعطيات المتداولة، تعمل هذه المراكز أو يجري افتتاحها في ما لا يقل عن 22 دولة أفريقية، ضمن استراتيجية روسية تهدف إلى ترسيخ النفوذ في القارة، خاصة في الدول التي شهدت انقلابات عسكرية أو تراجعًا في العلاقات مع الغرب. وتخطط موسكو لتوسيع هذه الشبكة عبر مراكز جديدة في دول مثل نيجيريا والسنغال وليبيريا وسيراليون وتوغو ومالي وموزمبيق وساو تومي وبرينسيبي.

وتتولى وكالة روسوترودنيتشيستفو، وهي الوكالة الفيدرالية الروسية للتعاون الخارجي، إدارة هذا النشاط بالتعاون مع مؤسسات جديدة أُنشئت لتوسيع الحضور الروسي في الخارج، تحت شعارات ثقافية وتعليمية ودبلوماسية. لكن الاتهامات الموجهة لهذه الشبكة تشير إلى أنها تتجاوز العمل الثقافي التقليدي، لتتحول إلى أداة نفوذ سياسي وتجنيد غير مباشر.

واجهة ثقافية ورسائل سياسية

تقدّم “البيوت الروسية” نفسها بوصفها مراكز ثقافية تهدف إلى تعليم اللغة الروسية، وتعريف الشباب الأفارقة بالثقافة الروسية، وتوفير فرص للدراسة والعمل في روسيا. وتنظم هذه المراكز عروضًا لأفلام روسية وسوفييتية، وفعاليات ثقافية وتعليمية، ولقاءات تروّج لصورة إيجابية عن روسيا باعتبارها شريكًا مناهضًا للاستعمار الغربي.

لكن خلف هذه الصورة الناعمة، تتحدث تقارير عن دور أعمق لهذه المراكز في بناء قاعدة اجتماعية وسياسية موالية لموسكو داخل أفريقيا. فالشباب الذين يترددون على هذه المراكز يتلقون خطابًا يربط روسيا بفكرة التحرر من الهيمنة الغربية، ويقدّمها كحليف للجنوب العالمي، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تعويض عزلتها الدولية بعد حرب أوكرانيا بتوسيع تحالفاتها في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

وتقول الاستخبارات الأوكرانية إن هذه المراكز تمثل جزءًا من “حرب على العقول”، هدفها إنتاج جيل أفريقي أكثر تقبلًا للرواية الروسية، وأكثر استعدادًا للتعاون مع مؤسساتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

من وعود الدراسة إلى جبهات القتال

الخطر الأكبر، وفق الاتهامات الأوكرانية، يتمثل في استخدام هذه الشبكات لاستقطاب شباب أفارقة بوعود العمل أو الدراسة أو التدريب، قبل أن يُدفع بعضهم إلى توقيع عقود مع الجيش الروسي أو شركات مرتبطة به. وتفيد تقارير بأن بعض هؤلاء الشباب اكتشفوا لاحقًا أنهم أُرسلوا إلى جبهات القتال في أوكرانيا، أو إلى مصانع الطائرات المسيّرة داخل روسيا.

وتشير المعلومات إلى أن روسيا كثفت منذ عام 2024 حملات تجنيد الأجانب، خصوصًا من الدول الأفريقية، عبر منصات إلكترونية وشبكات وسطاء وواجهات تبدو مدنية أو تعليمية. وفي بعض الحالات، كان الشباب يعتقدون أنهم متجهون إلى وظائف أو برامج تدريب، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواقع خطرة بعيدة عن بلدانهم.

وتقول وزارة الخارجية الأوكرانية إن آلاف المواطنين من دول أفريقية شاركوا في القتال إلى جانب روسيا، وإن وتيرة التجنيد تسارعت خلال العامين الأخيرين. كما تشير تقارير إلى أن بعض المجندين الأفارقة يُستخدمون في مهام عالية الخطورة، حيث يُنظر إليهم كقوة بشرية رخيصة وقابلة للاستبدال.

مصانع المسيّرات واستهداف الشابات

لا يقتصر الأمر على جبهات القتال. فبعض الشباب، وخاصة الشابات، يتم استقطابهم للعمل في منشآت صناعية داخل روسيا، بينها مصانع مرتبطة بإنتاج الطائرات المسيّرة. وتبرز في هذا السياق منطقة ألابوغا الاقتصادية الخاصة في تتارستان، وهي من أبرز المواقع الصناعية المعروفة بإنتاج طائرات مسيّرة تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وتكشف تقارير أن حملات التجنيد باتت تستهدف بشكل خاص شابات أفريقيات، خصوصًا من نيجيريا، عبر وعود بفرص عمل مجزية أو تدريب مهني. لكن الواقع، بحسب هذه التقارير، قد يكون مختلفًا تمامًا، إذ يجد بعضهن أنفسهن في بيئة عمل شديدة الانضباط داخل مجمعات صناعية مرتبطة بالمجهود الحربي الروسي.

وهذا يوضح أن استراتيجية موسكو لا تقوم فقط على تجنيد مقاتلين، بل على تأمين سلسلة أوسع من الموارد البشرية التي تحتاجها الحرب، سواء في الجبهات أو في المصانع أو في الدعاية السياسية.

فاغنر و”أفريقيا كوربس”: الذراع العسكرية خلف الواجهة الثقافية

تتداخل “البيوت الروسية” في بعض الدول مع نفوذ مجموعة فاغنر، التي أعيدت هيكلتها لاحقًا تحت اسم أفريقيا كوربس بعد مقتل مؤسسها يفغيني بريغوجين. وقد أقر مسؤولون روس سابقون بأن عناصر مرتبطة بهذه المجموعة شاركوا في تأسيس مراكز روسية في دول مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وفي بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، تشير تقارير إلى أن إدارة “البيت الروسي” ترتبط بشخصيات قريبة من فاغنر، وأن المركز لا يعمل فقط كمؤسسة ثقافية، بل كقاعدة نفوذ ولوجستيات مرتبطة بالمصالح الروسية، بما في ذلك الموارد الطبيعية مثل الذهب والألماس والأخشاب.

ويأتي هذا التوسع في ظل صعود مجالس عسكرية موالية لموسكو في غرب أفريقيا، خصوصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث تراجع النفوذ الفرنسي والغربي، وحلت روسيا محل الشركاء التقليديين بوصفها مزودًا للسلاح والحماية الأمنية والدعم السياسي.

النيجر ومالي وبوركينا فاسو: بيئة مناسبة للنفوذ الروسي

تزامن انتشار “البيوت الروسية” مع تحولات سياسية كبيرة في منطقة الساحل. ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، برزت أنظمة عسكرية تبنت خطابًا مناهضًا لفرنسا والغرب، وفتحت الباب أمام تعاون أوسع مع روسيا. وقد استثمرت موسكو هذا المناخ لتقديم نفسها كحليف يحترم السيادة الوطنية ولا يفرض شروطًا سياسية كما يفعل الغرب.

لكن هذا الحضور الروسي لا يقتصر على الخطاب الدبلوماسي. ففي هذه الدول، أصبحت فاغنر أو “أفريقيا كوربس” جزءًا من المشهد الأمني، وسط اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين. كما أن المراكز الثقافية الروسية تعمل في بيئة مشحونة بالانقلابات، والتنافس الدولي، وصعود الخطاب الشعبوي المناهض للاستعمار.

وبذلك، تتحول “البيوت الروسية” إلى جزء من منظومة نفوذ أوسع تجمع بين السلاح والدعاية والتعليم والاقتصاد والموارد الطبيعية.

روسيا وميزانية الدعاية الخارجية

رغم العقوبات الأوروبية المفروضة على وكالة روسوترودنيتشيستفو بسبب دورها في نشر معلومات مضللة مرتبطة بغزو أوكرانيا، واصلت موسكو توسيع حضورها الخارجي. وتشير المعلومات إلى أن روسيا خصصت في موازنة عام 2026 مبلغًا ضخمًا لعمليات الدعاية في الخارج، بزيادة كبيرة عن العام السابق.

هذا الإنفاق يعكس إدراك الكرملين لأهمية المعركة الإعلامية والأيديولوجية، خصوصًا في دول الجنوب العالمي. فروسيا لا تريد فقط كسب حكومات، بل تسعى إلى بناء رأي عام متعاطف معها، أو على الأقل متشكك في الرواية الغربية بشأن الحرب في أوكرانيا.

وفي أفريقيا تحديدًا، تستثمر موسكو في سردية “مناهضة الاستعمار”، مستفيدة من الذاكرة التاريخية السلبية تجاه فرنسا وبريطانيا ودول غربية أخرى. لكنها في الوقت نفسه، بحسب منتقديها، تمارس شكلًا جديدًا من الاستغلال عبر الموارد الطبيعية، وحملات التجنيد، ودعم أنظمة عسكرية تحتاج إلى الحماية.

تجنيد الأفارقة: أرقام وتحذيرات

تتحدث تقارير أوكرانية وأفريقية عن آلاف الأفارقة الذين جرى استقطابهم للقتال إلى جانب روسيا أو للعمل في منشآت مرتبطة بالحرب. وتقول كييف إن ما لا يقل عن آلاف المواطنين من عشرات الدول الأفريقية شاركوا في القتال إلى جانب الجيش الروسي، بينما تؤكد دول مثل كينيا وغانا ونيجيريا أنها طالبت موسكو بتوضيحات حول تجنيد مواطنيها.

في نيجيريا، تحدثت تحقيقات صحفية عن مئات المواطنين الذين سجلوا أسماءهم عبر قنوات مرتبطة بشبكات تجنيد، مع تقارير عن مقتل عدد منهم. أما موسكو، فتنفي أي تورط رسمي في عمليات تجنيد خادعة، وتقول إنها ليست على علم بحالات من هذا النوع.

لكن تكرار الشكاوى من دول أفريقية مختلفة، وظهور شهادات عن شباب خُدعوا بوعود العمل أو الدراسة، يضعان روسيا أمام اتهام خطير: استخدام الفقر والطموح والهجرة كمدخل لتجنيد قوة بشرية تخدم حربًا لا علاقة لهؤلاء الشباب بها.

سلاح أيديولوجي طويل الأمد

تصف الاستخبارات الأوكرانية “البيوت الروسية” بأنها ليست مجرد مراكز ثقافية، بل “سلاح أيديولوجي طويل الأمد”. فهدفها، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على تجنيد مقاتلين للحرب الحالية، بل يتجاوز ذلك إلى تنشئة جيل أفريقي يرى في روسيا حليفًا طبيعيًا، ويتقبل خطابها السياسي، ويصبح جزءًا من شبكة نفوذها في القارة.

وهذا النوع من النفوذ أخطر من الوجود العسكري المباشر، لأنه يعمل ببطء، عبر التعليم واللغة والمنح والرموز الثقافية. فالشاب الذي يبدأ بتعلم الروسية أو حضور فعالية ثقافية قد يجد نفسه لاحقًا داخل شبكة أوسع من العلاقات والالتزامات، خصوصًا في بيئات فقيرة تبحث عن فرص خارجية.

وفي هذا السياق، يصبح التعليم والمنح الدراسية والعمل أدوات سياسية، لا مجرد خدمات ثقافية. وتتحول القوة الناعمة إلى قناة تجنيد، والدبلوماسية الشعبية إلى غطاء لمشاريع أمنية وعسكرية.

استغلال الموارد والبشر

لا تنفصل هذه السياسة عن المصالح الاقتصادية الروسية في أفريقيا، خصوصًا في قطاعات الذهب والألماس والأخشاب والمعادن. ففي دول تعاني من ضعف مؤسساتي وصراعات داخلية، تستطيع الشركات والكيانات المرتبطة بموسكو الحصول على امتيازات واسعة مقابل تقديم الدعم العسكري أو السياسي للسلطات الحاكمة.

وتتهم كييف موسكو بأنها تنظر إلى السكان المحليين بوصفهم أيدي عاملة رخيصة، سواء داخل الشركات الروسية العاملة في أفريقيا أو داخل المصانع الروسية نفسها. كما تشير إلى حالات تلوث بيئي خطير مرتبطة بأنشطة استخراج الموارد، كما في السودان، حيث تتحدث عن تلوث بالزئبق نتيجة عمليات تنقيب غير مسؤولة عن الذهب.

وبهذا المعنى، فإن الحضور الروسي في أفريقيا لا يبدو، وفق المنتقدين، شراكة متكافئة، بل صيغة جديدة من الاستغلال تجمع بين الموارد الطبيعية والعمالة البشرية والنفوذ السياسي.

خلاصة

تكشف قضية “البيوت الروسية” في أفريقيا عن تحوّل مهم في طريقة إدارة موسكو لنفوذها الخارجي. فروسيا لا تعمل فقط عبر القواعد العسكرية أو الشركات الأمنية، بل عبر مزيج من الثقافة والدعاية والتعليم والتجنيد والاقتصاد. وتقدم نفسها للأفارقة بوصفها قوة مناهضة للاستعمار، بينما تتهمها أوكرانيا وجهات غربية وأفريقية باستغلال الشباب والموارد لخدمة حربها ومصالحها.

والأخطر أن هذه المراكز تعمل في بيئات هشة، حيث الفقر والبطالة والرغبة في الهجرة تجعل الشباب أكثر قابلية للتصديق والتجنيد. لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط عن عدد الأفارقة الذين وصلوا إلى جبهات أوكرانيا، بل عن حجم الشبكة التي يجري بناؤها داخل القارة، وعن الأثر الطويل الأمد لهذا النفوذ على استقلال القرار الأفريقي وأمن المجتمعات المحلية.

في النهاية، تبدو “البيوت الروسية” واجهة ناعمة لمشروع خشن: مشروع يريد كسب العقول، وتجنيد الأجساد، واستثمار الموارد، وتوسيع حضور موسكو في قارة أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.

روسيا والهجرة في الساحل الأفريقي: اتهامات بتوظيف المسارات الصحراوية للضغط على أوروبا

تعود منطقة الساحل الأفريقي إلى واجهة التنافس الدولي، ليس فقط بسبب الأمن والإرهاب والانقلابات العسكرية، بل أيضًا بسبب ملف الهجرة غير النظامية الذي بات يُنظر إليه في أوروبا بوصفه ورقة ضغط محتملة في يد روسيا. فمع تصاعد تدفق المهاجرين نحو الجزائر وتونس وليبيا، تتزايد في الأوساط الغربية اتهامات لموسكو بالسعي إلى إعادة تشكيل مسارات الهجرة عبر تحالفاتها الجديدة في الساحل، خصوصًا في النيجر.

وتتمحور هذه الاتهامات حول إلغاء المجلس العسكري الحاكم في النيجر، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، قانونًا صدر عام 2015 كان يجرّم تهريب المهاجرين عبر الأراضي النيجرية، وخاصة عبر إقليم أغاديز، الذي يُعد من أهم الممرات الصحراوية باتجاه شمال أفريقيا. وكان هذا القانون قد أُقرّ سابقًا تحت ضغط أوروبي للحد من تدفق المهاجرين نحو السواحل المتوسطية.

وبإلغاء القانون، عاد طريق أغاديز إلى النشاط مجددًا، ما أثار مخاوف أوروبية من أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أعداد المهاجرين المتجهين إلى شمال أفريقيا، ومن ثم إلى أوروبا عبر قوارب الهجرة غير النظامية.

الهجرة كسلاح هجين

تذهب تقديرات سياسية وأمنية غربية إلى أن روسيا قد تستخدم ملف الهجرة كجزء من أدوات “الحرب الهجينة” ضد أوروبا، عبر تسهيل حركة المهاجرين أو غضّ الطرف عن شبكات التهريب في مناطق نفوذها الجديدة. ووفق هذا الطرح، فإن موسكو لا تحتاج إلى إدارة الهجرة مباشرة، بل يكفي أن تستفيد من الفوضى وتراجع الضبط الأمني في دول الساحل لتزيد الضغط على العواصم الأوروبية.

ويرى باحثون أن إلغاء قانون 2015 في النيجر لم يكن مجرد قرار داخلي، بل جاء في سياق سياسي أوسع بعد انقلاب 2023، وتراجع النفوذ الفرنسي، وصعود تحالفات جديدة بين نيامي وموسكو. فقد تحولت النيجر، إلى جانب مالي وبوركينا فاسو، إلى إحدى بوابات الحضور الروسي في الساحل الأفريقي، سواء عبر التعاون العسكري أو الاتفاقات الأمنية والاقتصادية.

وبحسب هذا التصور، فإن فتح مسارات الهجرة مجددًا قد يخدم موسكو في أكثر من اتجاه: فهو يربك أوروبا داخليًا، ويزيد الضغط على حكوماتها، ويغذي صعود الأحزاب اليمينية التي تستثمر سياسيًا في ملف الهجرة، كما قد يضعف الإجماع الأوروبي حول دعم أوكرانيا.

أغاديز: عقدة الهجرة الصحراوية

يمثل إقليم أغاديز في شمال النيجر نقطة مركزية في مسارات الهجرة الأفريقية. فمن خلاله تعبر قوافل المهاجرين القادمة من غرب ووسط أفريقيا نحو ليبيا والجزائر، ومنها إلى تونس أو السواحل الليبية، تمهيدًا لمحاولة الوصول إلى أوروبا.

وكان التعاون بين النيجر والاتحاد الأوروبي قد أدى خلال السنوات الماضية إلى الحد من نشاط شبكات التهريب في أغاديز، لكن انهيار هذا التعاون بعد الانقلاب أعاد فتح المجال أمام المهربين. وقد حذر المعهد الدنماركي للدراسات الدولية من أن سقوط التعاون الأوروبي–النيجري في ملف الهجرة جعل المنطقة أكثر قابلية لعودة شبكات التهريب.

كما حذرت وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية فرونتكس من أن التمركز الروسي في ليبيا والساحل قد يمنح موسكو ورقة ضغط مرتبطة بحركة الهجرة، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع تزايد الفوضى الأمنية في دول العبور.

اتهامات بدور لفاغنر

تتحدث بعض التقارير الغربية عن دور محتمل لعناصر مرتبطة بـ فاغنر، أو الهياكل التي خلفتها تحت مسميات جديدة، في تسهيل حركة المهاجرين داخل الساحل وليبيا. وتذهب هذه التقارير إلى أن شاحنات مرتبطة بشبكات روسية أو موالية لروسيا قد تكون شاركت في نقل مهاجرين من نيامي إلى أغاديز، أو في تسهيل وصولهم إلى شبكات التهريب.

وفي ليبيا، تشير تقديرات أمنية إلى أن الوجود الروسي في مناطق استراتيجية قد يسمح بالتأثير في حركة المهاجرين نحو البحر المتوسط، سواء عبر تسهيل بعض التحركات أو استخدام الملف كورقة تفاوضية مع أوروبا.

لكن هذه الاتهامات لا تزال محل جدل، إذ يصعب إثباتها بشكل قاطع. فهي تعتمد غالبًا على تقديرات أمنية وتقارير استخباراتية وتحليلات لمسارات النفوذ، أكثر من اعتمادها على أدلة علنية حاسمة.

الرواية الروسية: شيطنة سياسية

في المقابل، يرفض باحثون ومحللون روس هذه الاتهامات، ويرون أنها جزء من حملة غربية أوسع لـ “شيطنة” روسيا وربطها بكل أزمات القارة الأفريقية. ووفق هذه الرواية، فإن تصاعد الهجرة من دول الساحل لا يحتاج إلى تفسير روسي، بل يرتبط أساسًا بالأزمات الداخلية في هذه الدول: الفقر، وانعدام الأمن، والجفاف، والإرهاب، وضعف الدولة، وتراجع فرص العمل.

ويرى هذا الاتجاه أن موسكو لديها مصالح في أفريقيا، سواء عبر التعاون العسكري أو الاقتصادي، لكنها لا تستخدم ملف الهجرة عمدًا للضغط على أوروبا. كما يعتبر أن تحميل روسيا مسؤولية تصاعد الهجرة يتجاهل جذور الأزمة المرتبطة بعقود من الفشل التنموي والتدخلات الخارجية والصراعات المسلحة.

ومن هذا المنظور، فإن موجة الهجرة الحالية ليست نتيجة قرار روسي، بل نتيجة انهيار منظومات ضبط الحدود بعد الانقلابات، وتراجع التمويل الأوروبي، وتنامي شبكات التهريب التي كانت موجودة أصلًا قبل صعود النفوذ الروسي.

النيجر بين الهجرة واليورانيوم

لا تنفصل الاتهامات المتعلقة بالهجرة عن المصالح الاقتصادية في النيجر. فالبلاد تعد من أبرز منتجي اليورانيوم في العالم، وهو مورد بالغ الأهمية للطاقة النووية، وخاصة بالنسبة إلى أوروبا. ويرى بعض المحللين أن موسكو قد تسعى إلى تعزيز نفوذها في النيجر ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضًا للاستفادة من ثرواتها الطبيعية.

وفي هذا السياق، قد يشكل ملف الهجرة ورقة ضغط إضافية تساعد روسيا على تحسين موقعها التفاوضي في الساحل. فكلما ازداد اعتماد الأنظمة العسكرية على الدعم الروسي، زادت قدرة موسكو على الوصول إلى الموارد الطبيعية، وعلى التأثير في الملفات التي تهم أوروبا، وفي مقدمتها الهجرة والطاقة والأمن.

سياق أوسع من التنافس الدولي

تأتي هذه التطورات ضمن مشهد أوسع في أفريقيا، حيث نجحت روسيا خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ نفوذها في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو ومدغشقر، مستفيدة من موجة الانقلابات العسكرية، وتراجع الثقة بالغرب، وتصاعد الخطاب المناهض لفرنسا.

وتقدم موسكو نفسها في هذه الدول كبديل عن الشراكة الغربية، عبر خطاب يركز على السيادة وعدم التدخل ومناهضة الاستعمار. لكن منتقديها يرون أن هذا الخطاب يخفي مصالح أمنية واقتصادية عميقة، تشمل السلاح، والمعادن، والطاقة، والتمدد السياسي.

وبذلك، لم تعد منطقة الساحل مجرد فضاء أمني لمكافحة الإرهاب، بل أصبحت ساحة صراع بين أوروبا وروسيا على النفوذ والموارد ومسارات الهجرة.

هل تعيد روسيا فعلاً تشكيل مسارات الهجرة؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية تثبت بشكل قاطع أن روسيا تدير عمليات الهجرة من الساحل نحو أوروبا بصورة مباشرة. لكن ما يبدو أكثر وضوحًا هو أن صعود النفوذ الروسي تزامن مع انهيار ترتيبات أوروبية سابقة لضبط الهجرة، ومع عودة طرق تهريب قديمة إلى النشاط.

لذلك، قد لا تكون موسكو هي من صنعت الأزمة، لكنها قد تكون مستفيدة منها، وربما قادرة على توظيفها سياسيًا. فالضغط الناتج عن الهجرة داخل أوروبا يمثل نقطة ضعف معروفة، ويؤثر في الانتخابات، ويغذي الانقسامات الداخلية، ويضع الحكومات الأوروبية أمام خيارات صعبة بين الأمن والحقوق والالتزامات الإنسانية.

خلاصة

تكشف الاتهامات الموجهة إلى روسيا بشأن الهجرة في الساحل الأفريقي عن طبيعة التنافس الجديد بين موسكو والغرب. فالهجرة لم تعد ملفًا إنسانيًا أو أمنيًا فقط، بل أصبحت جزءًا من أدوات الضغط الجيوسياسي، تمامًا كما هي الطاقة والغذاء والمعادن والحروب الإعلامية.

ومع أن الرواية التي تتهم روسيا بإدارة هذا الملف لا تزال بحاجة إلى أدلة أقوى، فإن التحولات على الأرض واضحة: قانون تهريب المهاجرين في النيجر أُلغي، طريق أغاديز عاد إلى النشاط، التعاون الأوروبي–النيجري تراجع، والنفوذ الروسي يتوسع في قلب الساحل.

وبين من يرى في ذلك سلاحًا هجينًا ضد أوروبا، ومن يعتبره مجرد محاولة غربية لاتهام موسكو، تبقى الحقيقة الأهم أن دول الساحل نفسها تدفع الثمن الأكبر. فالهجرة تتصاعد، وشبكات التهريب تستعيد قوتها، والصراع الدولي على النفوذ يجعل أمن المنطقة واستقرارها أكثر هشاشة.

متابعات دولية

مجلس الأمن يمدد مهمة الأمم المتحدة في أفغانستان عامًا ويدعو إلى مراجعة استراتيجية لعملها

صوّت مجلس الأمن الدولي، بالإجماع على تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان “يوناما” لمدة عام إضافي، في ظل دعوات دولية لإعادة تقييم عمل البعثة وتبسيط مهامها، وتزامنًا مع انتقادات واسعة لسلطات طالبان بسبب القيود المفروضة على النساء والفتيات.

وجاء القرار في وقت تواجه فيه أفغانستان واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية إلحاحًا في العالم، بعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية. ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021، فرضت الحركة قيودًا واسعة على النساء والفتيات، شملت التعليم والعمل والرياضة والحضور العام، ما أثار انتقادات دولية متكررة.

وصوّت أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر بالإجماع لصالح تمديد مهمة البعثة، استنادًا إلى نص أعدّته الصين. ويدعو القرار الأمين العام للأمم المتحدة إلى إجراء مراجعة استراتيجية شاملة لعمل بعثة “يوناما”، وتقديم تقرير بشأنها بحلول نهاية آذار/مارس من العام المقبل.

وقال السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، إن بلاده تأمل أن تتخذ السلطات الأفغانية إجراءات أكثر فاعلية لحماية حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء، وأن تقدم صورة أكثر انفتاحًا وشمولًا ومسؤولية أمام المجتمع الدولي.

كما دعت الصين ودول أخرى إلى ضمان وصول كامل للموظفات الأفغانيات إلى أماكن عمل الأمم المتحدة، بعد أن منعت طالبان عددًا من النساء الأفغانيات العاملات مع المنظمة الدولية من دخول مقار العمل التابعة لها.

من جانبها، رحبت ممثلة الولايات المتحدة في الجلسة، جينيفر لوكيتا، بخطة المراجعة الاستراتيجية، مؤكدة ضرورة أن تكون ولاية بعثة “يوناما” أكثر تركيزًا وملاءمة للواقع الحالي في أفغانستان. وشددت على أن طالبان مطالبة بالوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب، واحترام حقوق الإنسان، وإنهاء ما وصفته بـ “دبلوماسية الرهائن”، في إشارة إلى احتجاز مواطنين أمريكيين في البلاد.

أما ممثلة روسيا، آنا يفستيغنييفا، فقالت إن موسكو قبلت فكرة المراجعة الاستراتيجية، لكنها أكدت ضرورة أن تتم بالتنسيق مع السلطات الأفغانية، وأن تركز على الاحتياجات الإنسانية والتنموية، لا أن تتحول إلى أداة رقابة تخدم مصالح الدول الغربية.

وكان مجلس الأمن قد مدد في آذار/مارس الماضي ولاية بعثة “يوناما” لفترة أقصر من المعتاد بلغت ثلاثة أشهر فقط، بعد أن طالبت واشنطن بمراجعة المساعدات، بسبب ما وصفته بعرقلة طالبان لعمل البعثة، واحتجازها مواطنين أمريكيين أبرياء، وفرضها قيودًا مشددة على حقوق النساء.

ويعكس القرار الجديد محاولة دولية للإبقاء على قناة أممية فاعلة داخل أفغانستان، مع الضغط في الوقت ذاته من أجل إعادة ضبط دور البعثة، بحيث تجمع بين الاستجابة الإنسانية، ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان، والتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية التي ما زالت تحيط بالبلاد.

مجموعة السبع تطلق تحالفًا للمعادن الحرجة لتقليل الاعتماد على الصين

اتفق قادة مجموعة السبع، على تعزيز التنسيق بين دولهم لتقليل الاعتماد على الصين في مجال المعادن الحرجة، عبر إطلاق تحالف ومنصة جديدة لتنسيق السياسات وتبادل البيانات والاستجابة للأزمات، مع توسيع دور وكالة الطاقة الدولية في مراقبة الأسواق وإصدار إنذارات مبكرة بشأن أي اضطرابات محتملة.

ويأتي هذا التحرك في ظل سباق غربي متسارع لتنويع مصادر المعادن الضرورية لقطاعات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وفي مقدمتها العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة والليثيوم والنيكل. وكانت القيود التي فرضتها بكين العام الماضي على صادرات المغناطيسات الدائمة قد أربكت أسواقًا وصناعات عالمية، وكشفت حجم الاعتماد الغربي على مورد واحد في سلاسل الإمداد الحساسة.

ورغم أن بيان قادة مجموعة السبع لم يذكر الصين بالاسم، فإنه وضع هدفًا واضحًا يتمثل في خفض الاعتماد على أي مورد واحد من خارج دول المجموعة وشركائها إلى أقل من 60% في مجال العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة بحلول عام 2030، مع السعي إلى الوصول إلى مستوى 50% في أقرب وقت ممكن.

وقال القادة في بيان مشترك إنهم ملتزمون بالعمل على إنشاء آليات منسقة وقابلة للتشغيل المشترك، على أن تبدأ هذه الآليات بمرحلة تجريبية تشمل معدنين مهمين هما الليثيوم والنيكل، مع الحرص على عدم الإضرار بالتنافسية أو فرض أعباء مالية مفرطة على الصناعات.

ومن المقرر أن تتوسع الآليات لاحقًا لتشمل خمسة معادن جديدة كل عام، مع تركيز خاص على العناصر الأرضية النادرة، التي تُعد أساسية في صناعات الدفاع، والرقائق، والبطاريات، والمركبات الكهربائية، وتوربينات الرياح.

هدف صعب في مواجهة هيمنة الصين

يرى محللون أن هدف خفض الاعتماد إلى أقل من 60% بحلول 2030 سيكون صعب التحقيق، خصوصًا في مجال معالجة العناصر الأرضية النادرة وإنتاج المغناطيسات، حيث تسيطر الصين على نحو 90% من الإنتاج العالمي.

وقالت نيها موخيرجي، مديرة الأبحاث في شركة بنشمارك مينرال إنتليجنس، إن بيان مجموعة السبع يمثل إشارة مهمة على مستوى النوايا السياسية، لكن سرعة تنويع سلاسل الإمداد ستعتمد في النهاية على قدرة الحكومات على تحويل الدعم السياسي إلى استثمارات فعلية في مراحل المعالجة والتصنيع وما بعد الاستخراج.

وتواجه دول مجموعة السبع وحلفاؤها تحديًا كبيرًا في بناء سلاسل توريد كاملة، تبدأ من التعدين وتنتهي بالمنتج النهائي، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات، إضافة إلى بنية تحتية صناعية وتقنية متقدمة.

منصة جديدة لمراقبة الأسواق والاستجابة للأزمات

ضمن الخطوات الجديدة، ستنشئ مجموعة السبع منصة لتنسيق السياسات، وتبادل البيانات، والاستجابة للأزمات المتعلقة بالمعادن الحرجة. وستعمل هذه المنصة بالتعاون مع وكالة الطاقة الدولية، التي ستتولى مراقبة الأسواق وتحليل المخاطر وإصدار تحذيرات مبكرة من أي تشوهات أو اضطرابات في السوق.

ويهدف هذا الدور الموسع لوكالة الطاقة الدولية إلى منح الدول الأعضاء قدرة أسرع على رصد الاختناقات المحتملة في سلاسل الإمداد، سواء بسبب قيود تصدير، أو اضطرابات جيوسياسية، أو ارتفاعات مفاجئة في الأسعار، أو تركّز الإنتاج لدى عدد محدود من الموردين.

كما دعا قادة مجموعة السبع مؤسسات تمويل التنمية ووكالات ائتمان الصادرات في دولهم إلى العمل معًا، وبالتعاون مع القطاع الخاص، لدعم مشاريع التعدين والمعالجة والبنية التحتية المرتبطة بالمعادن الحرجة.

وبحسب البيان، تم الإعلان منذ بداية عام 2026 عن 195 مشروعًا في هذا القطاع، باستثمارات تبلغ نحو 64 مليار يورو، أي ما يعادل حوالي 74 مليار دولار.

أدوات مالية وتجارية لدعم الإنتاج

أشار بيان مجموعة السبع إلى أن الدول ستدرس مجموعة من الأدوات لدعم إنتاج المعادن الحرجة، من بينها دعم الفجوة السعرية، وآليات الشراء المشترك، وأدوات تجارية مثل الحصص والأسعار الدنيا، بما في ذلك من خلال اتفاقيات تجارية متعددة الأطراف.

ومن المتوقع أن تقترح الولايات المتحدة اتفاقيات ملزمة قانونيًا مع اليابان والاتحاد الأوروبي خلال الشهر الجاري، في إطار الدفع نحو بناء منظومة بديلة تقلل هشاشة الاعتماد على الصين.

لكن البيان لم يتضمن التزامات حاسمة بشأن بعض الأدوات، مثل فرض أسعار دنيا، وهو ما يعكس تحفظ بعض حلفاء مجموعة السبع تجاه توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دعم إنتاج المعادن الحرجة عبر تنظيم الأسعار.

التخزين الاستراتيجي وإعادة التدوير

تعهدت مجموعة السبع أيضًا بتعزيز التخزين المحلي للمعادن الحرجة في القطاعين الصناعي والعام. وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت في وقت سابق من هذا العام احتياطيًا للمعادن الحرجة بقيمة 12 مليار دولار تحت اسم مشروع فولت، بينما يعمل الاتحاد الأوروبي على إعداد أول مخزون مشترك له من المعادن الحرجة، مع إدراج معادن مثل التنغستن والعناصر الأرضية النادرة والغاليوم ضمن القائمة الأولية.

كما شدد البيان على ضرورة توسيع قدرات إعادة تدوير المعادن الحرجة، بهدف رفع الطاقة المشتركة لإعادة التدوير في دول مجموعة السبع لتغطي حصة مهمة من الاستهلاك السنوي بحلول عام 2030.

وتُعد إعادة التدوير عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الجديدة، لأنها تساعد على تخفيف الضغط على عمليات التعدين، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز الأمن الصناعي في القطاعات الحساسة.

خلاصة

يمثل إعلان مجموعة السبع عن تحالف ومنصة للمعادن الحرجة خطوة استراتيجية في إطار إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الصين. فالمعادن الحرجة لم تعد مجرد مواد صناعية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي، والتحول الطاقي، والتنافس التكنولوجي بين القوى الكبرى.

لكن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على قدرة دول المجموعة على تحويل التعهدات السياسية إلى استثمارات حقيقية، وبناء قدرات معالجة وتصنيع محلية، وتنسيق سياساتها المالية والتجارية. فالهيمنة الصينية على أجزاء حساسة من سلاسل الإمداد، خصوصًا في العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة، تجعل هدف تقليل الاعتماد بحلول 2030 طموحًا، لكنه صعب التنفيذ من دون تمويل واسع وتعاون صناعي طويل الأمد.

آندي بورنهام يفوز بانتخابات ميكرفيلد الفرعية في اختبار مهم لحكومة العمال البريطانية

حقق عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، فوزًا واضحًا في الانتخابات الفرعية التي أُجريت في دائرة ميكرفيلد شمال غربي إنجلترا قرب مدينة ويغان، ليعود بذلك إلى مجلس العموم البريطاني نائبًا عن حزب العمال.

وحصل بورنهام على 24,927 صوتًا، متقدمًا على مرشح حزب الإصلاح البريطاني، روبرت كينيون، المحسوب على زعيم الحزب نايجل فاراج، والذي حل في المركز الثاني بنحو 16 ألف صوت. ووفق أرقام نشرتها صحف بريطانية، حقق بورنهام أغلبية بلغت أكثر من تسعة آلاف صوت، في نتيجة عُدت انتصارًا مهمًا لحزب العمال في دائرة كانت تُراقب على نطاق واسع باعتبارها اختبارًا سياسيًا حساسًا للحكومة.

وجاءت الانتخابات الفرعية في ميكرفيلد بعد استقالة النائب العمالي جوش سيمونز، ما فتح الطريق أمام بورنهام لخوض السباق والعودة إلى البرلمان. وتحولت المعركة الانتخابية إلى حدث سياسي بارز، ليس فقط بسبب أهميتها المحلية، بل لأنها ارتبطت بمستقبل قيادة حزب العمال ورئيس الوزراء كير ستارمر.

وكانت الانتخابات تُعد اختبارًا كبيرًا لحكومة ستارمر، في ظل تراجع شعبية حزب العمال وصعود حزب الإصلاح البريطاني في بعض المناطق. لكن فوز بورنهام منح الحزب دفعة معنوية، وأظهر قدرة شخصية عمالية بارزة على مواجهة اليمين الشعبوي في دائرة حساسة انتخابيًا.

وفي خطاب عقب إعلان النتائج، قال بورنهام إن “الجميع يشعر بأن البلاد ليست في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه”، معتبرًا أن هذه الليلة “قد تكون نقطة تحول”. وأضاف أن عودته إلى وستمنستر ليست مجرد فوز انتخابي محلي، بل جزء من مسعى أوسع لتغيير طريقة إدارة السياسة في بريطانيا.

ووجّه بورنهام رسالة واضحة إلى حزبه، محذرًا من أن هذه قد تكون “الفرصة الأخيرة للتغيير”، في إشارة إلى الحاجة لإعادة صياغة توجهات حزب العمال وسياساته. ووفق تقارير بريطانية، فإن فوزه الكبير عزز التكهنات بشأن احتمال تحوله إلى منافس جدي لقيادة الحزب مستقبلًا، خاصة مع تصاعد الضغوط الداخلية على ستارمر.

ويرى مراقبون أن أهمية النتيجة لا تقتصر على إعادة بورنهام إلى البرلمان، بل تمتد إلى كونها مؤشرًا على اتجاهات أوسع داخل السياسة البريطانية. فقد تمكن حزب العمال من الاحتفاظ بالمقعد، بينما فشل حزب الإصلاح البريطاني في تحقيق اختراق كان يأمل أن يرسخ حضوره بوصفه القوة الصاعدة في مواجهة الحزبين الكبيرين.

ومع ذلك، فإن حصول مرشح الإصلاح البريطاني على المركز الثاني بعدد كبير من الأصوات يظهر أن الحزب لا يزال يشكل تحديًا انتخابيًا حقيقيًا، خصوصًا في مناطق شمال إنجلترا التي تشهد تذمرًا من الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة والهجرة.

وتأتي عودة بورنهام إلى مجلس العموم في لحظة سياسية دقيقة، إذ يُنظر إليه منذ سنوات بوصفه أحد أبرز وجوه حزب العمال خارج وستمنستر، وواحدًا من السياسيين القادرين على مخاطبة ناخبي الشمال والطبقة العاملة. وقد دعا بعد فوزه إلى تغييرات واسعة في الاقتصاد والتعليم والصناعة والهجرة، مع التركيز على إعادة التصنيع في شمال إنجلترا وبناء اقتصاد أكثر إنصافًا.

وبذلك، قد يشكل فوز بورنهام في ميكرفيلد بداية مرحلة جديدة داخل حزب العمال، لا سيما إذا تحولت النتيجة إلى نقطة انطلاق لنقاش أوسع حول قيادة الحزب واتجاه الحكومة. فالانتخابات الفرعية، التي بدت في ظاهرها معركة على مقعد واحد، تحولت عمليًا إلى اختبار لمستقبل ستارمر، ولمدى قدرة حزب العمال على تجديد خطابه ومواجهة صعود اليمين الشعبوي في بريطانيا

رئيس الوزراء الباكستاني يوقّع مذكرة إسلام آباد بصفته وسيطًا بين الولايات المتحدة وإيران

وقّع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مذكرة تفاهم إسلام آباد التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الجانبين، وذلك بصفته وسيطًا في الاتفاق.

وجاء توقيع شريف بعد التوقيع الإلكتروني على المذكرة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال الليلة الفاصلة بين الأربعاء والخميس، ما مهّد لدخول الاتفاق حيّز التنفيذ بشكل فوري.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني أن شهباز شريف وقّع مذكرة التفاهم بصفة “وسيط”، في تأكيد للدور المركزي الذي لعبته باكستان في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران خلال الأشهر الماضية.

وكان شريف قد أعلن، في وقت سابق من يوم الخميس، أن مذكرة تفاهم إسلام آباد التاريخية دخلت حيّز التنفيذ فورًا، بعد توقيعها إلكترونيًا من قبل رئيسي الولايات المتحدة وإيران، واعتمادها من جانب باكستان بصفتها الدولة الوسيطة.

وقال رئيس الوزراء الباكستاني في بيان نشره عبر منصة إكس إن المذكرة تشكل خطوة مهمة نحو إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، خصوصًا في ما يتعلق بالملاحة في مضيق هرمز.

وبموجب شروط المذكرة، تلتزم إيران بإعادة فتح مضيق هرمز فورًا، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل الطاقة، بينما تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.

وكانت إيران قد أغلقت مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/فبراير، قبل أن تفرض القوات الأمريكية لاحقًا، في 13 نيسان/أبريل، حصارًا على الموانئ الإيرانية، ما جعل عبور السفن التجارية عبر هذا الممر الحيوي شبه مستحيل.

وتُعد باكستان الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما نجحت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 8 نيسان/أبريل، ثم استضافت في 12 و13 نيسان/أبريل أعلى مستوى من المحادثات بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979.

وتمنح مذكرة إسلام آباد باكستان حضورًا دبلوماسيًا بارزًا في واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط والخليج، إذ لم تقتصر وساطتها على وقف إطلاق النار، بل امتدت إلى رعاية التفاهم الذي يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف التصعيد البحري بين واشنطن وطهران.

وتأتي أهمية الاتفاق من كونه يعالج واحدة من أخطر نتائج الحرب، وهي شلل الملاحة التجارية في مضيق هرمز، الذي يمثل ممرًا استراتيجيًا للطاقة والتجارة العالمية. فإعادة فتح المضيق قد تسهم في تخفيف الضغوط على أسواق النفط، وتقليل مخاطر التصعيد العسكري في الخليج.

ومع ذلك، فإن مذكرة التفاهم تمثل مرحلة أولية أكثر من كونها تسوية نهائية. إذ لا تزال ملفات معقدة، مثل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والترتيبات الأمنية الإقليمية، والعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، بحاجة إلى مفاوضات لاحقة لضمان تثبيت الاتفاق وتحويله إلى مسار سلام أوسع.

وبذلك، يظهر توقيع شهباز شريف على مذكرة إسلام آباد كخطوة رمزية وسياسية في آن واحد، تؤكد الدور الباكستاني في الوساطة، وتمنح الاتفاق طابعًا إقليميًا أوسع، في لحظة تسعى فيها الأطراف إلى احتواء آثار الحرب وفتح باب التهدئة..

كوبا بلا ديزل ولا زيت وقود: أزمة طاقة خانقة تشعل احتجاجات هافانا وسط الحصار الأمريكي

دخلت كوبا واحدة من أخطر مراحل أزمتها الاقتصادية والطاقة منذ عقود، بعدما أعلن وزير الطاقة والمناجم فيسنتي دي لا أو ليفي أن البلاد استنفدت تمامًا مخزوناتها من الديزل وزيت الوقود، وهما من العناصر الأساسية لتشغيل شبكة الكهرباء. وجاء الإعلان في وقت تشهد فيه العاصمة هافانا أسوأ موجة انقطاعات كهربائية منذ سنوات طويلة، مع بقاء أحياء كاملة من دون كهرباء لساعات قد تصل إلى 20 و22 ساعة يوميًا.

وقال الوزير عبر وسائل الإعلام الرسمية إن كوبا لا تملك “أي وقود” ولا “أي ديزل”، مضيفًا أن الشبكة الوطنية دخلت مرحلة حرجة، وأن البلاد لا تمتلك أي احتياطيات يمكن الاعتماد عليها. هذه التصريحات عكست حجم الانهيار في قطاع الطاقة، حيث لم تعد الأزمة مجرد انقطاع مؤقت أو نقص في الإمدادات، بل وصلت إلى مرحلة نفاد شبه كامل للوقود الضروري لتشغيل المحطات الكهربائية.

احتجاجات بالقدور في شوارع هافانا

مع تصاعد الانقطاعات، خرجت احتجاجات متفرقة في عدد من أحياء هافانا، حيث قرع السكان أواني الطهي في الشوارع تعبيرًا عن الغضب من استمرار الظلام ونقص الخدمات الأساسية. ووفق شهادات نقلتها رويترز، باتت الأزمة تمس الحياة اليومية بشكل مباشر: الطعام يفسد في الثلاجات، النوم يصبح شبه مستحيل في الحر، والعمل والدراسة والخدمات الصحية تتعطل بصورة متكررة.

وتأتي هذه الاحتجاجات في بلد لا تتسامح سلطاته عادة مع التحركات الشعبية الواسعة، ما يكشف درجة الضغط الاجتماعي المتراكم. فالكهرباء ليست المشكلة الوحيدة؛ إذ يعيش الكوبيون منذ سنوات تحت وطأة نقص الغذاء والوقود والأدوية وتراجع القدرة الشرائية، قبل أن تضيف أزمة الطاقة الحالية طبقة جديدة من الإنهاك اليومي.

الحصار الأمريكي يخنق واردات الوقود

تربط الحكومة الكوبية الأزمة الحالية بالحصار الأمريكي المشدد على واردات الوقود. فمنذ كانون الثاني/يناير 2026، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب إجراءات تهدد بفرض رسوم أو عقوبات على الدول التي تزود كوبا بالوقود، ما أدى إلى تراجع حاد في الشحنات القادمة من حلفاء تقليديين مثل فنزويلا والمكسيك. وتقول تقارير إن المكسيك وفنزويلا لم ترسلا شحنات وقود إلى الجزيرة منذ بدء هذه الإجراءات، بينما لم تصل سوى شحنة روسية كبيرة واحدة من النفط الخام منذ أواخر العام الماضي، وقدمت دعمًا محدودًا ومؤقتًا.

وفي حزيران/يونيو، زادت واشنطن الضغط بفرض عقوبات على شركة النفط الحكومية الكوبية كوبِت، ما أضاف عقبة جديدة أمام قدرة الجزيرة على استيراد الوقود أو إجراء تعاملات مالية وتجارية مرتبطة بالطاقة. وتقول الولايات المتحدة إن هذه الإجراءات تستهدف الحكومة الكوبية، بينما تؤكد هافانا أن أثرها الفعلي يقع على المواطنين والخدمات العامة.

الشبكة تعمل بما تبقى من الخام المحلي والغاز والطاقة الشمسية

بعد نفاد الديزل وزيت الوقود، باتت الشبكة الكهربائية الكوبية تعتمد على النفط الخام المحلي، والغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية. لكن هذا الاعتماد لا يكفي لسد الفجوة. فالنفط المحلي محدود الجودة والإنتاج، ومحطات الكهرباء القديمة تعاني أعطالًا متكررة، أما الطاقة الشمسية، رغم توسعها، فلا تستطيع العمل بكفاءة كاملة في ظل شبكة غير مستقرة.

وقال وزير الطاقة إن كوبا ركبت ألواحًا شمسية بقدرة تقارب 1300 ميغاواط خلال العامين الأخيرين، لكن جزءًا كبيرًا من هذه الطاقة يضيع بسبب ضعف الشبكة وانعدام الاستقرار الناتج عن نقص الوقود. وهذا يعكس معضلة بنيوية: حتى عندما تضيف الدولة قدرات متجددة، فإن الشبكة المتداعية لا تسمح بالاستفادة الكاملة منها.

أزمة محلية تتأثر بالحرب الإقليمية

لا تتحرك الأزمة الكوبية في فراغ. فارتفاع أسعار النفط والنقل عالميًا، في ظل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران وتوترات ممرات الطاقة، جعل استيراد الوقود أكثر كلفة وتعقيدًا. وبالنسبة إلى بلد يعاني أصلًا من العقوبات ونقص العملة الصعبة وضعف الإنتاج المحلي، فإن أي زيادة في أسعار الشحن أو التأمين أو النفط تتحول إلى ضغط مضاعف.

ولهذا قال وزير الطاقة إن كوبا “منفتحة على أي شخص يرغب في بيع الوقود لها”، في إشارة إلى أن المشكلة لا تكمن في الرغبة في الشراء فقط، بل في القدرة على إيجاد مورّدين مستعدين لتحمل مخاطر التعامل مع الجزيرة تحت الضغط الأمريكي.

انهيار الطاقة يضغط على كل شيء

الديزل وزيت الوقود لا يرتبطان بالكهرباء وحدها. فهما يدخلان في تشغيل النقل، والمولدات، والمستشفيات، والمخابز، ومضخات المياه، وسلاسل التبريد، والأنشطة الزراعية والصناعية. لذلك، فإن نفادهما يهدد بتحويل أزمة الكهرباء إلى أزمة معيشية أشمل.

وعندما تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، تتعطل الثلاجات، تفسد الأغذية، تتراجع قدرة المستشفيات على العمل، تتوقف بعض الخدمات، ويزداد الاعتماد على السوق السوداء. وقد تحدثت تقارير عن ارتفاع أسعار الوقود في السوق الموازية إلى مستويات لا يستطيع معظم السكان تحملها، في وقت رفعت فيه الحكومة أسعار البنزين والديزل رسميًا رغم استمرار إغلاق معظم المحطات العامة بسبب نقص الإمدادات.

الأمم المتحدة تنتقد القيود الأمريكية

زاد البعد الدولي للأزمة بعدما وصفت الأمم المتحدة القيود الأمريكية على واردات الوقود إلى كوبا بأنها غير قانونية، محذرة من أنها تعرقل حق الشعب الكوبي في التنمية وتؤثر في حقوقه الأساسية، بما في ذلك الغذاء والصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي. ويمنح هذا الموقف هافانا سندًا سياسيًا في خطابها ضد واشنطن، لكنه لا يغير سريعًا واقع النقص داخل الجزيرة.

وترى كوبا أن ما يجري ليس مجرد عقوبات سياسية، بل حصار يستهدف قدرة الدولة على إدارة الخدمات الأساسية. أما واشنطن، فتصر على أن الضغط يهدف إلى دفع الحكومة الكوبية نحو تغييرات سياسية واقتصادية، متهمة القيادة الكوبية بسوء الإدارة واستغلال الموارد لمصلحة النظام لا المواطنين.

تحليل: أزمة تكشف هشاشة الدولة الكوبية

تكشف أزمة الوقود الحالية عن اجتماع ثلاثة عوامل قاتلة: حصار خارجي مشدد، بنية طاقة قديمة ومتداعية، ونظام اقتصادي محدود القدرة على امتصاص الصدمات. فحتى لو كان الحصار الأمريكي العامل الأكثر مباشرة في خنق الإمدادات، فإن ضعف شبكة الكهرباء الكوبية واعتمادها الكبير على الوقود المستورد جعلا البلاد شديدة الهشاشة أمام أي صدمة خارجية.

كما تكشف الأزمة حدود الرهان على الحلفاء التقليديين. ففنزويلا والمكسيك وروسيا، التي كانت سابقًا مصادر مهمة للدعم النفطي، لم تعد قادرة أو راغبة في كسر القيود الأمريكية بسهولة. وهذا يضع كوبا أمام عزلة طاقية خطيرة، حيث لا يكفي الدعم السياسي من الحلفاء إذا لم يتحول إلى ناقلات وقود تصل فعليًا إلى الموانئ.

وفي المقابل، فإن الاحتجاجات المتفرقة في هافانا تظهر أن الأزمة لم تعد تقنية أو اقتصادية فحسب، بل أصبحت اجتماعية وسياسية. فحين يعيش الناس في الظلام معظم اليوم، وتتعطل الخدمات الأساسية، يصبح الغضب الشعبي أكثر قابلية للانفجار، حتى في بيئة أمنية مشددة.

خلاصة

نفاد الديزل وزيت الوقود في كوبا يمثل نقطة تحول خطيرة في أزمة الطاقة داخل الجزيرة. فالأمر لم يعد انقطاعًا عابرًا للكهرباء، بل شللًا واسعًا في القدرة على تشغيل الدولة والخدمات الأساسية. وبين الحصار الأمريكي، وغياب الشحنات من الحلفاء، وارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، تجد هافانا نفسها أمام أزمة قد تمتد من قطاع الكهرباء إلى الغذاء والصحة والنقل والاستقرار الاجتماعي.

وإذا لم تنجح كوبا في الحصول سريعًا على إمدادات وقود جديدة، فقد تتحول موجة الانقطاعات الحالية إلى أزمة إنسانية أوسع، خاصة في العاصمة والمناطق الأكثر اكتظاظًا. أما سياسيًا، فإن الأزمة تمنح هافانا حجة جديدة ضد واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تضع الحكومة الكوبية أمام اختبار داخلي صعب: كيف تدير غضب السكان عندما يصبح الظلام جزءًا من الحياة اليومية؟

صوفيا خوجاباشي

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى