fbpx
تقديرات

وزارة الإنتاج الحربي: خصوصية الدور والمستقبل

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 

تمهيد:

بقدر ما كانت أزمة ألبان الأطفال من أهم مداخل تنبيه المؤسسة العسكرية المصرية إلى أن قطاعا منها يدخل بها وبالبلاد إلى حيز يحتاج مراجعة جادة منها، فإن نفس الأزمة كشفت عن دور واسع لوزارة الإنتاج الحربي في هذه الأزمة، بدءً مما نشره موقع “أصوات مصرية” في نهاية شهر نوفمبر 2015، من مطالبة مجلس الوزراء المصري لوزارة الإنتاج الحربي بدراسة دخولها ميدان صناعة السيارات ومستلزماتها، وإنشاء مصنع لمشتقات الدم البلازما وآخر لإنتاج ألبان الأطفال1.

وهو الطلب الذي جاء “خلال زيارته للوزارة” خلال فترة “إعداد برنامج الحكومة. ومن جهة أخرى، فإن موقع وزارة الإنتاج الحربي تضمن، في فبراير من العام الجاري، خبرا عن عقد “السيد الدكتور الوزير” اجتماعا مع السيد الدكتور أحمد عماد الدين راضي وزير الصحة والسكان، لبحث العديد من موضوعات التعاون، وأهمها إنشاء مصنع لتعبئة ألبان الأطفال”2.

العلاقات المدنية العسكرية حديث الساعة في مصر، والشق الاقتصادي من هذه العلاقات في إطارها المصري صار حديث العالم، وتوالت الكتابات تتحدث عن اقتصاد المؤسسة العسكرية في مصر، من دون أن تتجه أقلام للتركيز على أدوار بعينها لقطاعات بعينها. وفي هذا التقرير نقف عند وزارة الدولة للإنتاج الحربي في مصر، لنرصد طبيعة الدور المركب الذي تباشره، وأبعاده بعد الانقلاب، وتضخم الشق الاقتصادي المدني لهذا الدور، وأسباب تنامي هذا الشق المدني ومستقبلياته.

 

أولاً: وزارة الإنتاج الحربي التأسيس والسياق:

كان الإنتاج الحربي حلما راود تنظيم الضباط الأحرار منذ 1952، ليس فقط بمفهوم تحقيق الكفاية العسكرية، بل حتى بمنطق تمويل العملية الإنتاجية نفسها، وكانت أولى تجارب الانخراط في بيزنس الدولة “شركة النصر للتصدير والاستيراد”، والتي كانت منفذا لتصدير البضائع المصرية في توقيت الاضطرابات التي أحاطت بتخلص العالم من حقبة الاستعمار3. وتحتفل القوات المسلحة في 23 أكتوبر من كل عام بذكرى إنتاج أول طلقة ذخيرة مصرية من مصنع 27 الحربي في 1954، ويوافق هذه الذكرى يوم الإنتاج الحربي في مصر4. والذي تحمل اسمه اليوم وزارة تترأس الهيئة القومية للإنتاج الحربي، والتي تأسست قانونيا في 2 فبراير 1984، وإن كان حضورها كفكرة ومناصب وأدوار قد بدأ منذ أواخر خمسينات القرن المنصرم.

ويلفت المحلل البريطاني “هنري هاردينج” إلى أن جذور الإمبراطورية التجارية للجيش المصري تعود لثمانينيات القرن العشرين، حين تقلصت موازنة الدفاع في أعقاب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حيث تقلص الإنفاق الدفاعي المصري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 6.5% في عام 1988 إلى 1.8% في عام 2012، بحسب بيانات البنك الدولي، ما دفع القوات المسلحة للبحث عن مصادر دخل جديدة. ويلفت هاردينج إلى أن القوات المسلحة المصرية اليوم تسيطر على نحو 40% من الاقتصاد المصري وفقًا للملياردير المصري نجيب ساويرس، أو ما بين 45 إلى60% وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، فضلا عن سيطرتها على نحو 94% من مساحة مصر5.

التحليلات التي تناولت أسباب اتجاه إدارة 3 يوليو لزيادة جرعة الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية تشير إلى اتجاهين رئيسيين، بينما يميل الكاتب لتبني نموذج تفسيري آخر، سيلي عرضه تاليا في نهاية عرض اتجاهات التفسير التي تتمثل فيما يلي:

 

الاتجاه الأول: إعادة البناء المؤسسي:

ويشير هذا الاتجاه إلى أن السبب الرئيس في اعتماد إدارة 3 يوليو على الماكينة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية المصرية يتمثل في غياب القطاع العام القوي القادر على تقديم يد العون للنهوض بالدولة، ما دفعها للاعتماد على القطاع العسكري الاقتصادي كنواة لإعادة بناء القطاع العام مجددا6.

وترى شانا مارشال أن القطاع الاقتصادي بالقوات المسلحة المصرية، باعتباره بديلا للقطاع العام، أصبح قاطرة الصناعة، والمزود للخدمات العامة. وتضيف أنه حتى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية اعتبرت القوات المسلحة المصرية الشريك المفضل لإبرام العقود7.

 

الاتجاه الثاني: الاتجاه البراجماتي:

الاتجاه الثاني في تفسير زيادة الاتجاه للاعتماد على الأدوات الاقتصادية العسكرية اتجاه ذو طابع عملاني. حيث ترى شانا مارشال في هذا الصدد أن الواقع المصري المتلاطم الأمواج منح القوات المسلحة المصرية صفة المُشرِف والمُراقِب الأول على الاقتصاد المصري، من خلال حماية الأصول الاستراتيجية لشركائها الاستثماريين الأساسيين، وعزز السيطرة على عملية مناقصات المشتريات الحكومية الأساسية8.

وهذه الوجهة من النظر ترى أن تمدد الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية المصرية كان نتاج لتمدد علاقات الشراكة التي جمعت هذه المؤسسة بشركاء إدارة 3 يوليو الاقتصاديين، والذين تمدد دورهم كبديل لنخبة مبارك الاقتصادية. كما يمكن فهم تنامي عسكرة قطاع من الاقتصاد في هذا الصدد باعتباره مكافأة المؤسسة العسكرية لذاتها.

وفي هذا الصدد، يمكننا الإشارة إلى أن الاتجاه المؤسساتي يدعم تمدد دور وزارة الإنتاج الحربي ودور الهيئة الهندسية دون غيرهم. في حين أن التفسير البراجماتي، يدعم نمو الاقتصاد المعسكر بصورة عامة، لكنه لا يولي وزنا خاصا لدور وزارة الإنتاج الحربي. ويؤسس التوجه البراجماتي لمفهوم تفسيري يستوعب تنامي دور وزارة الإنتاج الحربي كما غيرها من الأدوات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، ألا وهو مفهوم “تنافسية النخب العسكرية”، وهو المفهوم الذي تعامل معه يزيد صايغ في أطروحته حول “عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر”9.

 

الاتجاه الثالث: ثقافة المؤسسة العسكرية

من المهم في هذا المقام أن نقدم طرحا ينبع من ثقافة المؤسسة التي تلعب الدور الاقتصادي، خاصة وأن نشأة هذه المؤسسة في العقل والمجتمع المصري الحديث كانت نشأة مرتبطة برؤية اقتصادية على صعيد البنية وتوسعية على صعيد الغاية السياسية. وفي تاريخ مصر المعاصر، قادت المؤسسة العسكرية ظاهرة الحراك الاجتماعي بصورة مستقرة، ثم لم تلبث أن قاد هذا الحراك إلى تغير سياسي قوي في 1952، وضع المؤسسة العسكرية في الدائرة المركزية للقرار المصري بعامة، والقرار الاقتصادي بخاصة. غير أن ما أثر في بنيان ثقافة هذه المؤسسة أنها، خلال فترة ما بعد الاستعمار، بلورت نموذج للزعيم – العسكري – الملهم، الذي يحمل عبء تطوير البلاد وتنميتها، ويرث عبء الرجل الأبيض في قيادة مجتمع – اتفقوا مع النخبة الاستعمارية على اعتباره – غير رشيد وغير كفء، ويحتاج لمؤسسة “وطنية” منضبطة لحمله في اتجاه التقدم.

وقد أدى فساد النخبة العسكرية نفسها، وبخاصة مع انفتاحها على نخب اقتصادية انتهازية قبل 2011، بدأت نظرة المؤسسة العسكرية لنخبة رجال الأعمال تنحو نحو التخوين وعدم الثقة (في مقابل الوطنية العسكرية)، وأدت ثورة يناير إلى اتجاه المؤسسة العسكرية للتخوف على إمبراطورتيها الاقتصادية، والتي قامت ببنائها لتعويض تراجع الإنفاق العسكري بعد 1978، وعززت الاعتبارات المحلية والإقليمية والعالمية ثقافة الوطنية العسكرية في درجاتها الدنيا، وهي الثقافة التي بدت أقرب الأطروحات الممكن قبولها إقليميا ودوليا لإنتاج تماسك مجتمعي بعد الحرب الضروس التي شنتها المؤسسة العسكرية على جماعة الإخوان.

وقد أدى فقدان الثقة في النخب الاقتصادية إلى تهميشها، وإعادة بناء نخب اقتصادية جديدة تمثل قطيعة مع الخبرة المباركية، ومساندتها بدور اقتصادي مساند للمؤسسة العسكرية، حيث توقعت إدارة 3 يوليو ألا تستجيب لها نخبة مبارك الاقتصادية، فضلا عن حربها على اقتصاد النخب والجماعات السياسية التي شاركت في الإطاحة بمبارك. غير أن النخبة العسكرية وإن اتسم مزاجها بالسعي للربحية المشروعة، وإن اتسمت رؤيتها الإدارية بالتركيز على المواصفات والإنجاز، إلى أن الثقافة الاقتصادية غابت عن أدائها، ما جعلها طرفا في قيادة مصر نحو حالة واسعة من الركود.

ويلفت هاردينج إلى أن وزارة الإنتاج الحربي تعد إحدى جهات تمثل أدوات القوات المسلحة المصرية في مباشرة نفوذها الاقتصادي.  وفي عجالة على سبيل المدخل وبلورة النموذج، تتمثل أركان الاقتصاد العسكري المصري فيما يلي:

1. جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة هو جهاز تابع لوزارة الدفاع المصرية، أنشئ في 15 يناير 1979 بموجب القرار الجمهوري رقم 32 لسنة 1979 في عهد الرئيس أنور السادات، ويصف الجهاز هدفه بـ”تحقيق الاكتفاء الذاتي النسبى من الاحتياجات الرئيسية للقوات المسلحة لتخفيف أعباء تدبيرها عن كاهل الدولة مع طرح فائض الطاقات الإنتاجية بالسوق المحلى. ويمتلك الجهاز 12 شركة، بالإضافة لقطاع الأمن الغذائي الذي يتضمن مزارع الإنتاج النباتي، ومزارع الإنتاج الحيواني، والصناعات الغذائية، وعدد من الأنشطة التكميلية10.

2. الهيئة العربية للتصنيع، ونشأت في 10 مايو 1975، بموجب القانون رقم 12 لسنة 1975، في إطار التعاون العربي الدفاعي المشترك، ثم خرجت منها الدول العربية شفهيا في 16 مايو 1979 بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، واستكملت الخروج القانوني في 16 أكتوبر 1994. وتمتلك الهيئة عددا من المصانع، ولا يعد وزير الإنتاج الحربي عضوا بمجلس إدارة الهيئة11.

3. الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهي إحدى هيئات القوات المسلحة، وتتخصص في مجالات البنية التحتية والإنشاءات العسكرية والمدنية، وتحتوي الهيئة على عدة إدارات تابعة لها. ويغلب على دعمها للقطاع المدني في مصر أعمال المقاولات، وإن لم تكن الجهة العسكرية الوحيدة التي تنفذ أعمال مقاولات مدنية12.

4. في 29 نوفمبر 2015، عدل السيسي صلاحيات “جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة”، الذي أُنشئ بموجب مرسوم رئاسي في العام 1981 لإدارة بيع العقارات التي لم تعد تستخدمها القوات المسلحة. ويخول التعديل الأخير الجهاز بالانخراط في النشاط التجاري “لتطوير موارده، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي”13.

5. الهيئة القومية للإنتاج الحربي، والتي نشأت في 2 فبراير من العام 1984، بموجب القانون رقم 6 لسنة 1984، وذلك بغرض الإشراف على المصانع الحربية المصرية. ويشكل مجلس إدارة الهيئة بقرار من رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء (تفويضا) برئاسة وزير الدولة للإنتاج الحربي وعضوية ممثل عن الوزارة. وتدير الهيئة أكثر من خمسة عشر مصنعاً ينتج الأسلحة والذخيرة جنبا إلى جنب مع بعض السلع مثل التلفزيونات والتكييفات والأجهزة الإلكترونية والرياضية14.

ويتضمن نشاط الهيئة عدة مصانع، أبرزها: “مصنع أبو زعبل للصناعات الهندسية”، و”مصنع أبو زعبل للكيماويات المتخصصة”، و”مصنع أبو زعبل للصناعات المتخصصة. و”مصنع إنتاج وإصلاح المدرعات”، و”مصنع المعصرة للصناعات الهندسية”، و”مصنع المعادي للصناعات الهندسية”، و”مصنع حلوان للصناعات الهندسية”، و”مصنع حلوان للأجهزة المعدنية”، و”مصنع حلوان للآلات والمعدات”، و”مصنع حلوان لمحركات الديزل، و”شركة شبرا للصناعات الهندسية”، و”شركة أبو قير للصناعات الهندسية”، و”مصنع قها للصناعات الكيميائية”، و”مصنع هليوبوليس للصناعات الكيميائية”، و”مصنع بنها للصناعات الإلكترونية”، و”مصنع حلوان للمسبوكات”، و”مصنع حلوان للصناعات غير الحديدية”، فضلا عن حصص أسهم في “ثروة للبترول” تبلغ 5%، وفي “العالمية لصناعة المواسير: إيبيك” تبلغ 10%15.

 

ثانيا: بيزنس الإنتاج الحربي ودلالاته

لم يكن نموذج ألبان الأطفال وحده المثار خلال الفترة الماضية، فخلال عام 2016 وحده كان ثمة عدد من النماذج التي شاركت فيها الوزارة مما يثير تساؤلات مهمة حول طبيعة دور الوزارة في رؤية إدارة 3 يوليو. وقبل الخوض في هذا المحور، أشير إلى أن الهدف ليس حصر بيزنس وزارة الإنتاج الحربي، بل التعرف على نوعية هذا البيزنس، والخروج بملامح عامة لعلاقة الوزارة بسائر مكونات الاقتصاد العسكري المصري. وفي هذا السياق، يمكن تجريد تدفقات بيزنس وزارة الإنتاج الحربي في المسارات التالية، خلال الأعوام 2014، 2015، 2016:

1ـ في 20 مايو 2014، أعلنت وزارة الإنتاج الحربي أنها بصدد تدريب 100 ألف شاب وفتاة ضمن برنامج التدريب الصناعي الذي تنفذه تحت إشراف مجلس التدريب الصناعي التابع لوزارة الصناعة والتجارة16. ويأخذ الأمر طابعها نوعيا فيما يتعلق بتدريب الطلاب الأفارقة، حيث احتفلت وزارة الإنتاج الحربي في 5 مايو 2016 بتخريج الدفعة الثانية للطلاب الأفارقة لشعبة الميكاترونكس بـ”قطاع التدريب” التابع للوزارة بمدينة السلام17.

2ـ في 20 مارس 2015، وفيما يتعلق بنشاط المقاولات المدنية، أعلن المهندس محمد فرج عامر رئيس نادي سموحة عن توقيعه لاتفاق نهائي مع وزارة الإنتاج الحربي لإنشاء ملعبي كرة القدم بالنادي بالنجيل الصناعي بالاتفاق مع وزير الشباب”18.

3ـ في 10 يونيو 2015، وفيما يتعلق بتأهيل الموارد البشرية، أعلن وزير الإنتاج الحربي اللواء إبراهيم يونس عن إطلاق الأكاديمية المصرية للهندسة والتكنولوجيا المتقدمة، والتي تتبع وزارة الإنتاج الحربي، وذلك بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، وبمصاريف أولية لعام 2015 تبلغ 25 ألف جنيه. وتهدف الوزارة من وراء الأكاديمية لتخريج كفاءات متميزة من المهندسين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة في تخصصات الهندسة الكهربائية والميكانيكية والكيميائية19.

4ـ في يناير 2016، لفتت صحيفة “وطني” القبطية إلى أن وزير الموارد المائية والري “تفقد الأعمال الجارية لحفر 100 بئر المسندة لوزارة الإنتاج الحربي باستخدام تكنولوجيات لحفر آبار المياه الجوفية” وذلك خلال زيارته لمحافظة المنيا 20.

5ـ في 24 يونيو 2016، وقعت وزارة الإنتاج الحربي المصرية مذكرة تفاهم مع شركة CETC-48 الصينية للبدء في إنشاء “أضخم مصنع على مستوى العالم من حيث الإنتاج السنوي لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية اعتمادا على موارد مصر من الرمال البيضاء، لتلبية احتياجات الطاقة الشمسية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا باستثمارات تتعدى 1.5 مليار دولار ويساهم فيه الشريك الأجنبي بحصة مقبولة”21.

6ـ في مطلع يوليو 2016، وفيما يتعلق بالإنتاج الاقتصادي الصناعي التنافسي، نشرت صحف مصرية عن وزارة الإنتاج الحربي اتجاهها لإنتاج تكييف بتوكيل من شركة “جالانز” الصينية، ولصالحها، عبر تدشين خط إنتاج في مصر. وألمح الخبر أن خط الإنتاج سيبنى داخل مصنع 360 الحربي، كما لفت الخبر إلى أن التكييف المشار إليه سيكون “أرخص جهاز تكييف في مصر”22.

5ـ في 16 أغسطس 2016، أعلنت وزارة التموين نقل مسئولية منظومة بطاقات التموين الذكية وبطاقات الخبز من وزارة التخطيط إلى وزارة الإنتاج الحربي، بما يؤدي لـ”سرعة استخراج البطاقات التموينية الجديدة وبدل الفاقد والتالف وبطاقات الفصل الاجتماعي، وتجويد العمل بالمنظومة ورفع كفاءتها، وتوفير الماكينات الخاصة بالمخابز والبقالين الجدد23.

1ـ في 21 أغسطس 2016، ترافق مع اتجاه وزارة الإنتاج الحربي، بتكليف من رئاسة الوزراء لإنتاج ألبان الأطفال، اتجاه الوزارة، باعتبارها مقاول إنشاءات، للمشاركة في بروتوكول لإنشاء مصنع لإنتاج أدوية السرطان، وتوزيعها داخل وخارج مصر24. ويشارك الوزارة في هذا الخط الإنتاجي الشركة القابضة لمستحضرات التجميل “شريك بالأرض”، وشركة أدوية عالمية بالفن الإنتاجي (المعدات).

4ـ في 24 أغسطس 2016، وفيما يتعلق بالأعمال المدنية للحكومة، أعلن وزير النقل المصري أن الوزارة تعاقدت مع وزارة الإنتاج الحربي لتطوير 295 مزلقانا للسكة الحديد، وتطويل الأرصفة لـ85 محطة، وذلك بقيمة 471 مليون جنيه25.

 

ثالثاً: تفسير تنامي دور الوزارة:

في إطلالة على هذا النطاق المتسع من الأعمال التي تباشرها وزارة الإنتاج الحربي وحدها، يمكننا الخلوص إلى جملة من التوجهات، على النحو التالي:

1ـ التمايز المادي:

يمكن القول إن أحد أهم أسباب تنامي دور وزارة الإنتاج الحربي أنها القطاع الاقتصادي العسكري الوحيد الذي يعطي رواتب لغالبية طاقمه الإنتاجي. هذا الاعتبار هام في سياق يرفض توسع النشاط الاقتصادي العسكري لأنه سيؤدي لتدمير اقتصاد مصر. ولمواجهة الدعاية الضاغطة من باب تواضع تكاليف الإنتاج، ولإشاعة المعلومة الخاصة بمشاركة العاملين في الأرباح بعد رواتبهم، طلبت وزارة الإنتاج الحربي تعديلا على القانون رقم: 6 لسنة 1984، بإنشاء الهيئة القومية للإنتاج الحربي، حيث طلبت استبدال نص المادة رقم: 8 من القانون، والتي تنص على “وضع قواعد توزيع الأرباح وتكوين الاحتياطات ونظمها واستخداماتها للهيئة والشركات التابعة لها، بحيث لا يقل نصيب العاملين من الأرباح الموزعة عليهم عن نسبة 25% من الأرباح الصافية التي يتقرر توزيعها على المساهمين، وذلك بعد تجنيب الاحتياطات، على أن يحدد مجلس إدارة الهيئة الأغراض التي تخصص لها الأرباح المقررة للعاملين للتوزيع النقدي، ولإسكان العاملين، والخدمات الاجتماعية المقررة لهم، وغيرها من أوجه التوزيع التي يقررها مجلس إدارة الهيئة بما يحقق المنفعة الاقتصادية والاجتماعية للعاملين”.

وكانت المادة المستبدل بها رقم 8 من القانون رقم 6 لسنة 1984، تنص على أن مجلس إدارة الهيئة المشار إليها هو السلطة المهيمنة على شؤونها، والمختص برسم سياستها العامة وإداراتها والإشراف عليها، وله أن يتخذ ما يراه من قرارات لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، وذلك على الوجه المبين في القانون، وله على الأخص: “البند13” وضع قواعد توزيع الأرباح وتكوين الاحتياطيات ونظمها واستخداماتها للهيئة والشركات التابعة لها، وذلك دون الإخلال بالقواعد المقررة بالمادتين: 41 و42 من قانون هيئات القطاع العام وشركاته، الصادر بالقانون رقم 97 لسنة 1983.

وتحدد المادة: 42 وفقا للمذكرة الإيضاحية المشار إليها، نصيب العاملين بالهيئة والشركات التابعة لها من الأرباح المقرر توزيعها “بما لا يقل عن نسبة 25% من صافى الأرباح” التي توزع على المساهمين، على أن يُخصص نصيب العاملين من الأرباح المحققة في الأغراض التالية: 10% للتوزيع النقدي على العاملين، و10% لإسكان العاملين و5% لخدماتهم الاجتماعية26.

والمقارنة بين المادتين تفيد بيان عدم وجود فارق يذكر باستثناء أن ثمة نص صريح أمام الإعلاميين والرأي العام يشير إلى أن العاملين بالمصانع الحربية يحصلون على 25% من صافي الأرباح. ولا يخفى في هذا الصدد أن هذا النشاط في مساحة العلاقات العامة يأتي لمواجهة سيل من الدعاية يتهم فيها الاقتصاد العسكري بهدم الاقتصاد الخاص بسبب تمتعه بمزايا نسبية لا يتمتع بها القطاع الخاص، من عدم دفع رواتب للجنود، أو جمارك، أو مقابل خدمات الطاقة، أو مقابل استغلال أراضي الدولة27. ويمنح قرار رئاسي صدر في عام 1997 القوات المسلحة المصرية الحق في إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة، وهي مساحات تشير التقديرات إلى أنها تصل إلى 87% من مساحة مصر.

وفي نفس الصدد، من المفيد أن نلفت إلى أن محكمة النقض المصرية قد أصدرت حكما يفيد بخضوع علاقة العاملين بالهيئة القومية للإنتاج الحربي والشركات والوحدات التابعة لها لأحكام لوائح نظم العاملين التي تصدر إعمالاً لحكم المادة التاسعة من قانون إنشاء تلك الهيئة رقم 6 لسنة 1984، كما تخضع لأحكام قانون نظام العاملين بالقطاع العام رقم 48 لسنة 1978 فيما لم يرد به نص في تلك اللوائح، وتخضع فيما لم يرد به نص في ذلك القانون لأحكام قانون العمل28.

 

2ـ التمايز الوظيفي:

لا يمكن القول بوجود تمايز وظيفي بين الهيئات الاقتصادية المنتمية لجسد المؤسسة العسكرية. فبمراجعة نشاط وزارة الإنتاج الحربي نجد أنها قامت بتغطية قطاع واسع من الأنشطة الاقتصادية، منها قطاع إنتاج المعدات الإلكترونية كعدادات المياه وكاميرات المراقبة، ومنها ما تعلق بإنتاج أدوات كهربائية مثل تكييف جالانز، ومعدات الطاقة الشمسية، ومنها ما تعلق بأعمال المقاولات كحفر الآبار وإنشاء مصنع أدوية السرطان. هناك بالطبع مساحة كتلك المتعلقة بنشاط جهاز الخدمة المدنية، حيث يمكن القول بأن الوزارة حتى هذه اللحظة لم تتطرق للصناعات الغذائية، لكن هذا لا يلغي وجود تقاطعات، أبرزها التقاطع في أدائها مع الهيئة العربية للتصنيع، ومع الهيئة الهندسية.

 

3ـ تنافسية النخب العسكرية:

إن تقاطع دوائر النشاط الاقتصادي بين وزارة الإنتاج الحربي من جهة وبين كافة مكونات الجسد الاقتصادي العسكري في مصر لا يعني لدى الخبير “يزيد صايغ” سوى عدم وجود نهج شامل للاقتصاد العسكري الرسمي. حيث يرى أن تفويض جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة المصرية – كمثال -بالانخراط في النشاط التجاري والعقاري، والدخول في مشاريع مشتركة مع الشركات المصرية (قطاع أعمال عام أم قطاع خاص) والشركات الأجنبية، سيضع هذا الجهاز في منافسة مباشرة مع مجموعة كبيرة من الشركات والهيئات التابعة للقوات المسلحة التي كثيرا ما تشارك في أنشطة من هذا القبيل. كما ستشمل المنافسة عشرات المصانع والشركات المملوكة لوزارة الإنتاج الحربي نفسها29.

والمصطلح الأكثر إثارة ضمن ترسانة مصطلحات صايغ يتمثل في “المنافسة البينية” داخل النخبة العسكرية، حيث يرى أنه سيؤدي لمزيد من تعقيد البيئة الاقتصادية قانونياً وإداريًا وسياسيًا بسبب تكاثر الشبكات غير الرسمية من ضباط الجيش والأمن والمتقاعدين الذين يشكلون جزء لا يتجزأ من جهاز الدولة وأجزاء من القطاع الخاص، يليهم رجال الأعمال ذوو الحظوة.

 

4ـ الربحية:

لا يقتصر دعم وزارة الإنتاج الحربي للحكومة المصرية، فبعض أنشطتها توجهت لمعاونة قطاع خاص ومشاركته مثل الشراكة مع فاكسيرا وفاركو، ثم المقاولات التي أنجزتها لبعض الهيئات غير الخاصة مثل نشاط المقاولات الخاص بنادي سموحة، فضلا عن إنتاج التكييف الصيني “جالانز”، وإنتاج وتوزيع تكنولوجيا الطاقة الشمسية. وهو ما يعني أن أنشطة الوزارة هادفة للربح. ويفيد تصريح وزير النقل فيما يتعلق بتطوير مزلقانات السكك الحديدية وزيادة أطوال المحطات، أن الاتفاق مع وزارة الإنتاج الحربي اتفاق مدفوع وليس دعما من القوات المسلحة لقطاع النقل في مصر، وهو أمر متوقع في إطار اتجاه الدولة قاطبة نحو التربح من الخدمات التي كانت تؤديها من قبل للمواطنين محتسبة من ضرائبهم.

ومن هنا، لم يعد مبرر اعتمد الأجهزة الحكومية في إنفاقها العام على وزارة الإنتاج الحربي كونها رخيصة، بل كون” هذا البروتوكول يأتي في إطار استراتيجية الدولة نحو التطوير ومواكبة الأنظمة العالمية”30، أو بسبب “تقاعس الشركة عن التنفيذ في الوقت المحدد”31. هذه الروح الربحية باتت قاعدة في الشق الاقتصادي للعلاقات المدنية – العسكرية في مصر، وباتت تحمل مسمى “عَرَقْ وزارة الدفاع والمشاريع الخاصة بها” بحسب تصريح اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية32. وفي هذا الإطار تحركت صحف مقربة من أجهزة سيادية للتطبيع مع مفهوم بيزنس المؤسسة العسكرية33.

 

5ـ التنافسية غير العادلة مع القطاع الخاص:

إن الروح الربحية التي تتحرك بها الوزارة تثير تساؤلات عدة حول سبب اقتحام الوزارة أغلب قطاعات الإنتاج على حساب مشاركة القطاع الخاص، وذلك بالنظر إلى أن المواجهة غير كفء، وذلك بسبب تراجع الأعباء التي تتحملها الوزارة من بنود الجمارك، والضرائب، ومقابل ريع الأصول العقارية التي استحوذت عليها من الدولة بدون مقابل، وهي كلها اعتبارات تقتل المنافسة. ويميل الخبراء لتشبيه مصر في هذا الإطار بنموذج الجيش الباكستاني الذي أدى نشاطه الاقتصادي إلى جر الاقتصاد العام لمربع ركود قاس34. وبشكل عام يمكن استثناء وزارة الإنتاج الحربي من تدني التكاليف بالاستناد إلى بند الرواتب، وكان العمل على تعميم هذا الإدراك أحد أبرز جهود وزارة الإنتاج الحربي خلال الفترة الماضية.

 

6ـ حماية الاستثمارات الضرورية:

مع اضطراب مناخ الاستثمار في مصر، يبدو أن وزارة الإنتاج الحربي تمثل المدخل الآمن لاستقدام الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها مصر بشدة، وتفيد شانا مارشال أن الكنف الآمن للمؤسسة العسكرية هو المحفز الأساسي لدورها الاقتصادي35. وحتى نوفمبر 2015، كان التفاعل مع الاستثمار الأجنبي دور وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع وحدهما، غير أن نوفمبر 2015، شهد دخول جهة ثالثة هي جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، والذي منحه القرار الرئاسي رقم 446 لعام 2015 حق تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي36.

 

7ـ رأس المال الرمزي:

إن اهتمام وزارة الإنتاج الحربي بالتدريب والتعليم كأحد الأنشطة الاستثمارية، وتوظيفه لجذب طلاب أفارقة هذا المحور يكشف عن رؤية لتحويل أحد أوجه استثمار الوزارة إلى مصدر لرأس المال الرمزي الثقافي، أسوة بدور “الأزهر”، وبخاصة مع وجود توجه تنموي واعد في أفريقيا. وحديثنا عن رأس المال الرمزي يجرنا هنا إلى توسيع نطاق المصطلح للحديث عن قاعدة اجتماعية حقيقية مرتبطة اقتصاديا، وبصورة دائمة، بالمؤسسة العسكرية، سواء أكانت هذه القاعدة الاجتماعية أفراد عاملون بشركات مرتبطة بهذه الوزارة، أو رأسماليون مشاركون للوزارة في مشروعات مستقبلية.

 

رابعاً: وزارة الإنتاج الحربي ـ التحديات والمستقبل

يمكن القول، بدرجة عالية من الاطمئنان المنهجي، أن وزارة الإنتاج الحربي تُعتبر من بين الأدوات الاقتصادية العسكرية التي لا يُتوقع تغييب وظيفتها مهما كان سقف التحدي السياسي والاقتصادي المفروضان في مواجهة الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية المصرية. وتوقع هذه الاستمرارية “الوظيفية” مرده إلى طبيعة الدور الأساسي الذي تأسست لأجله، والمتمثل في إدارة جملة المصانع ذات طبيعة الإنتاج المتسمة بالعسكرية. ومن هنا، فإن تصاعد سقف التحدي الموجه للدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وبلوغ هذا التحدي مستوى راديكاليا، من المرجح أن ينصرف أثره حصريا إلى المساحة المدنية من إنتاج الكيانات الاقتصادية التابعة لوزارة الدولة للإنتاج الحربي، أيا كان شكل تبعية هذه الكيانات للوزارة.

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى أن سيناريوهات مستقبل مساحة دور/ وظيفة الوزارة لا ترتبط بوجود أو غياب إدارة 3 يوليو/ إدارة عبد الفتاح السيسي، حيث إن الوظيفة الأساسية للوزارة وظيفة “روتينية” بالمفهوم العلمي لكلمة الروتين، والتي تعني أنها كانت مفهوما تحول بمرور الوقت إلى وظيفة من وظائف الدولة، ارتبطت بوجود كيان اجتماعي/ سياسي يؤدي هذه الوظيفة، مثلها في ذلك تماما كمثل وظيفة الدفاع ووظيفة الأمن.

 

1ـ السيناريوهات:

وبما أننا انتهينا من اعتبار احتمال انتهاء “وظيفة” وزارة الدولة للإنتاج الحربي فرضاً عدميًا لا محل له من إمكانات التحقق، فإن ثمة عدة سيناريوهات يرتقبها مستقبل وزارة الدولة للإنتاج الحربي. هذه السيناريوهات تتمثل فيما يلي:

السيناريو الأول: بقاء الوضع الحالي:

أي يبقى وضع وزارة الدولة للإنتاج الحربي على حاله الراهن، فيتوسع بصورة وئيدة نسبيا، سواء فيما يتعلق بإنتاجه العسكري مع حصوله على تكنولوجيا أعلى عبر الدول التي تنتج السلاح الذي تحتاجه القوات المسلحة المصرية، فضلا عن استمرار توسعه الوئيد فيما يتعلق بالإنتاج المدني.

 

السيناريو الثاني: التوسع:

ويقوم على ضم الهيئة العربية للتصنيع لتصبح جنبا إلى جنب مع الهيئة القومية للإنتاج الحربي خاضعتين إداريا لوزارة الدولة للإنتاج الحربي، حيث يتعذر تفهم ابتعادهما عن بعضهما من دون وجود مبرر موضوعي باستثناء تاريخ النشأة. وفي هذا السياق، من المتوقع أن يعمل الجانبان معا كحاضنة تضم إليهما الدولة أي من شركات قطاع الأعمال العام التي قد تكون مفيدة لحزمة مستقبلية من المشروعات.

 

السيناريو الثالث: التراجع:

أن تتراجع وزارة الدولة للإنتاج الحربي لمربع الاكتفاء بإنتاج ما تحمل تكنولوجيته من احتياجات القوات المسلحة المصرية، وتتوسع في طلب تكنولوجيا إنتاج السلاح من الدول التي تصدر السلاح لمصر، تاركة خطوط الإنتاج المدنية للقطاع الخاص.

 

السيناريو الرابع: الدمج والاختفاء

ويقوم هذا السيناريو على عودة وزارة الإنتاج الحربي لرحاب وزارة الدفاع مجددا، ليتغير المسمى الوظيفي لوزير الدفاع إلى “وزير الدفاع والإنتاج الحربي”. ويعني هذا السيناريو أن مصر قد واجهت تحدياً سياسيًا مدنيًا راديكاليًا يترتب عليه هذا التحول في المسمى والدور.

 

2ـ تحليل الفرص والتهديدات

بشكل عام، يمكن القول بوجود 4 عوامل، تساهم بشكل أو بآخر في ترجيح مسار مصر المستقبلي حيال أي من سيناريوهات مستقبل وزارة الدولة للإنتاج الحربي. هذه المرجحات هي:

(أ) السياق السياسي المؤيد/ المعارض لاستمرار الدور المدني للإنتاج الحربي:

إذا كنا قد تحدثنا من قبل عن انتفاء علاقة وزارة الدولة للإنتاج الحربي بإدارة الفريق عبد الفتاح السيسي أو برؤية 3 يوليو بشكل عام، فإن المقصود بهذا المحدد (السياق السياسي المؤيد) أن يظل ثمة إيمان مجتمعي بأهمية الدور المدني لوزارة الدولة للإنتاج الحربي. ويعني هذا فيما يعني أمران أساسيان:

أولهما: أن يكون ثمة رضاء جماهيري عن الدور المدني للوزارة، وهو ما يتحقق برخص الأسعار، وتدخل الوزارة بقوة للقيام بدور اجتماعي في إطار التغيرات الاقتصادية – الاجتماعية التي تهاجم الطبقتين الوسطى وما تليها.

ثانيهما: أن يكون ثمة رضاء من رأس المال الوطني عن الدور الإنتاجي المدني للوزارة، وهو شرط مهم لاستمرار الإنتاج المدني. واحتمال حدوث ميل مجتمعي للتغيير سيرتبط بتحرك رأس المال الوطني للدفاع عن رؤيته لمستقبل اقتصاد البلاد، وهو ما من شأنه أن يصوغ خطاب الحركة السياسية التي تقود التغيير حيال الدور الإنتاجي المدني للوزارة.

وهكذا، فإن توفر الرضا المجتمعي عن الدور الإنتاجي المدني للوزارة يضمن ترجيح أي من السيناريوهين الأولين، في حين أن شدة السخط المجتمعي على هذا الدور هي ما يحدد علاقة الوزارة بأي من السيناريوهين الثالث أو الرابع، إذا ما حدث تغيير سياسي فعال أو حركة اجتماعية مؤثرة.

 

(ب) السياق القانوني المؤيد لاستمرار الدور المدني للإنتاج الحربي:

المقصود بهذا المحدد هو استمرار إدارة الرئيس الحالي، حيث إن ذلك يضمن عدم تغيير الإطار القانوني لعمل الوزارة. واستمرار السياق القانوني يعني احتمال تكريس أي من السيناريوهين الأولين، أما غيابه فينقلنا لمناقشة عامل الترجيح السابق.

 

(ج) تزايد تعقيد شبكة المصالح المرتبطة بالاقتصاد المعسكر:

لفت يزيد صايغ إلى أن التنافس الحادث بين الأجهزة الاقتصادية المختلفة التابعة للمؤسسة العسكرية حيال الدور الاقتصادي وتعظيم العائد الاقتصادي لهذه الأجهزة، هذا التنافس من شأنه أن يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عبر ما يخلقه من شبكات علاقات داخلية وخارجية، وتزداد الشبكات تعقيدا إذا دخل فيها متغيرات دولية، وبخاصة لو كانت علاقات استراتيجية ذات مجال مدني. والراجح أن تعقد شبكات علاقات الوزارة بغيرها من أجهزة وهيئات القوات المسلحة، والقطاع الخاص، والشركات الأجنبية، كلما أدى ذلك لتقليل احتمال تأثير أي تغيير سياسي، ولو راديكالي، في وظيفة وزارة الإنتاج الحربي من حيث علاقتها بنطاق الإنتاج المدني.

 

(د) السياق الدولي المؤيد لاستمرار الدور المدني للإنتاج الحربي:

فيما سبق، أوردنا رؤية شانا مارشال حيال تصاعد القدرات الاقتصادية لأجهزة وهيئات القوات المسلحة بين التصنيع والمقاولات، حيث لفتت إلى أن هذه الأجهزة أصبحت إحدى القاطرات الاقتصادية في مصر، ومشيرة إلى أنه حتى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية اعتبرت القوات المسلحة المصرية الشريك المفضل لإبرام العقود. ومن شأن استمرار العوامل التي تعزز هذه الصورة النمطية عن شركات ومصانع الإنتاج الحربي، فإن الشق المدني من إنتاجها مرشح للاستمرار، حتى لو حدث تغيير سياسي، طالما أن استمرار الدور لن ينتج حساسية سياسية. وهو ما يعيدنا لاعتبار منظومة عوامل ترجيح مصفوفة عوامل مؤثرة معا، أكثر منها عوامل منفردة التراكم والتأثير (37).

—————————–

الهامش

(1) رئيس الوزراء يطالب وزارة الإنتاج الحربي بالدخول في صناعة السيارات، أصوات مصرية، 30 نوفمبر 2015. الرابط

(2) عقد السيد الدكتور الوزير اجتماع مع السيد الدكتور أحمد عماد الدين راضى وزير الصحة والسكان، موقع وزارة الإنتاج الحربي، 7 فبراير 2016. الرابط

(3) أمين الغفاري، شركة النصر للتصدير والاستيراد المصرية تجربة جديرة بالاحترام، مركز يافا للدراسات، 18 مارس 2015.الرابط

(4) منال العيسوي، زيادة رواتب عمال الإنتاج الحربى بمناسبة عيدهم، صحيفة اليوم السابع، 22 أكتوبر 2010.الرابط

(5)  Henry Harding, ANALYSIS: Egypt’s military-economic empire, Middle East Eye, 26 March 2016.link

(6) ليس الجيش المصري وحده: جيوش العالم كلها «بيزنس»، موقع الموجز عن صحيفة اليوم الجديد، 3 سبتمبر 2016. الرابط

(7) شانا مارشال، القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 15 أبريل 2015. الرابط

(8) المرجع السابق.

(9) يزيد صايغ، عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 21 ديسمبر 2015. الرابط

(10) انظر موقع الجهاز: http://www.nspo.com.eg

(11) انظر موقع الهيئة: http://www.aoi.org.eg

(12) ما هي الشركات التي يمتلكها الجيش في مصر؟، موقع ساسة بوست، 4 نوفمبر 2014.

(13) يزيد صايغ، عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 21 ديسمبر 2015.

(14) أحمد مرسي، الجيش يزاحم المؤسّسات الاقتصادية المدنية في مصر، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 24 يونيو 2014. https://goo.gl/jnWrQh

(15) مادة: الهيئة القومية للإنتاج الحربي، موسوعة ويكيبيديا. https://goo.gl/mMEr8F

(16) وكالات، وزارة الإنتاج الحربي تبدأ تنفيذ برنامج التدريب الصناعي للشباب، بوابة القاهرة، 20 مايو 2014. https://goo.gl/1LmsaA

(17) مصطفى المنشاوي، ”الإنتاج الحربي” تحتفل بتخريج الدفعة الثانية للطلاب الأفارقة شعبة الميكاترونكس، موقع مصراوي، 5 مايو 2016. الرابط

(18) سامح سعيد، سموحة يوقع اتفاقا مع وزارة الإنتاج الحربي لإنشاء ملعبي كرة القدم، موقع نادي سموحة، 20 مارس 2015. http://goo.gl/7ayFEq

(19) وكالات، «الإنتاج الحربي» تعلن إطلاق أكاديمية الهندسة والتكنولوجيا: المصروفات 25 ألف جنيه، صحيفة المصري اليوم، 10 يونيو 2015.الرابط

(20) حنان عاطف، مغازي: وزارة الإنتاج الحربي مستمرة في حفر 100 بئرا جوفيا بالمنيا، صحيفة وطني، ١٨ يناير ٢٠١٦. http://goo.gl/YWGE5u

(21) علاء شديد، وزارة الإنتاج الحربي المصرية توقع مذكرة تفاهم مع الصين لإنشاء أكبر مصنع لألواح الطاقة الشمسية، موقع مصر اليوم، 24 أغسطس 2016.الرابط

(22) إسلام سعيد، وزارة الإنتاج الحربى تحارب غلاء التكييفات، صحيفة اليوم السابع، 1 يوليو 2016.

(23) ناصر يوسف، نقل منظومة بطاقات التموين الذكية والخبز للإنتاج الحربي، موقع دوت مصر، 16 أغسطس 2016.

(24) خالد عبد الحميد، ” الإنتاج الحربي ” تشارك في بناء أول مصنع مصري لتوفير أدوية مرضي السرطان، أخبار اليوم، 22 أغسطس 2016. الرابط

(25) وكالات، “النقل” تتعاقد مع “الإنتاج الحربي” لتطوير المزلقانات، صحيفة النبأ، 24 أغسطس 2016.

(26) نورا فخري، ننفرد بنشر تعديلات قانون إنشاء الهيئة القومية للإنتاج الحربي بعد قرار رئيس الوزراء، موقع “برلماني”، 17 يوليو 2016. الرابط

(27) أحمد مرسي، الجيش يزاحم المؤسّسات الاقتصادية المدنية في مصر، مركز كارنيجي الشرق الأوسط، 24 يونيو 2014. https://goo.gl/HmGLfC

(28) حكم محكمة النقض بخصوص علاقة الهيئة القومية للإنتاج الحربي وشركاتها والعاملين بها بقوانين العمل، موسوعة الأحكام القضائية العربية. الرابط

(29) يزيد صايغ، عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر، مركز كارنيجي الشرق الأوسط، 21 ديسمبر 2015.

(30) مصطفى المنشاوي، الإنتاج الحربي والصحة يوقعان بروتوكول تعاون لإنتاج أدوية علاج السرطان، موقع مصراوي، 21 أغسطس 2016. الرابط

(31) إبراهيم حسان، النقل: “الإنتاج الحربي” تتولى تطوير المزلقانات بعد تقاعس الشركة الأجنبية، صحيفة اليوم السابع، 31 يناير 2016. الرابط

(32) محمد توفيق، الجيش المصري يحكم سيطرته على الاقتصاد، صحيفة العربي الجديد، 25 يناير 2015. https://goo.gl/eCQme1

(33) المحرر، ليس الجيش المصري وحده.. جيوش العالم كلها «بيزنس»، موقع الموجز عن صحيفة اليوم الجديد، 3 سبتمبر 2016. https://goo.gl/mt8ooN

(34) محمد رمضان، هوامش غير قومية حول اقتصاديات المؤسسة العسكرية، موقع إضاءات، 3 سبتمبر 2016. https://goo.gl/ONqGDx

(35) شانا مارشال، القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، 15 أبريل 2015. https://goo.gl/0IIJwo

(36) يزيد صايغ، عودة جماعات المصالح العسكرية في مصر، مركز كارنيجي الشرق الأوسط، 21 ديسمبر 2015.

(37) الآراء الواردة تعبر عن آراء كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن “المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية”.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close