ترجمات

ترامب وماكين: تراجع الليبرالية الأميركية

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

ترامب وماكين: تراجع الليبرالية الأميركية

شـكل شـعار “أمريـكا أولاً” جوهـر الرؤيـة التـي طرحهـا ترامـب فـي خطـاب تنصيبـه والتـي اسـتندت، وفقـا لمـا يـراه الكثيـرون، إلـى تعريـف “ضيـق” لفكـرة الانتمـاء القومـي تتعـارض مـع القيـم السياسـية الأمريكيـة والدوليـة الراسـخة. فقـد قـال ترامب في هذا الخطاب: “سـوف نسـعى للصداقـة والعلاقات الجيـدة مـع كل أمـم العالـم، مـع الأخـذ فــي الاعتبــار أنــه مــن حــق كل الأمــم أن تضــع مصالحهــا هــي أولاً.
لكــن المصالــح الأمريكيــة التــي يتحــدث عنهــا ترامــب هــي فــي الأســاس مصالــح ماديــة واقتصاديــة، غيــر معنيــة بحمايـة أو نشـر القيـم الليبراليـة، التـي يذهـب الكثيـرون إلـى أنهـا أصبحـت قيمـا كونيـة أو عالميـة. وتتمثــل المصلحــة الأمريكيــة، وفقــا لترامــب، فــي حمايــة الوظائـف والصناعـة والحـدود الأمريكيـة، مـن آخريـن يسـعون لنهــب وإهــدار هــذه الحقــوق. وكان مــن أول القــرارات التــي عكســت هــذه الرؤيــة، قــراره التنفيــذي بمنــع دخــول مواطنيــن مـن سـبع دول ذات أغلبيـة مسـلمة إلـى الولايـات المتحـدة علـى الرغـم مـن حصولهـم علـى تأشـيرات أو تصاريـح إقامـة سـارية المفعـول، وهـو مـا أثـار احتجاجـات فـي مختلـف أنحـاء البـلاد، وقوبـل أيضـا برفـض مـن القضـاء الأمريكـي الـذي رأى أن ذلـك غيـر مقبـول ضـد فئـة معينـة مـن النـاس، وهـو مـا يعـد تمييـزاً يتعــارض مــع الدســتور الأمريكــي.
وتعـد هـذه الرؤيـة عدوانا علـى الهويـة الأمريكيـة ذاتهـا، وعلـى المثـل العليـا التـي تربـط الأمريكييـن بعضهـم ببعـض كأمـة نظـرا إلـى سـعي ترامـب لاســتبدال “الــروح الحقيقيــة للوطنيــة الأمريكيــة” بــ “القوميــة الفجة”، بينمـا الولايـات المتحـدة كأمـة تأسسـت علـى مبـادئ كونيـة أو عالميـة. وقد لاقت رؤية ترامب منذ أيامه الأولى معارضة واسعة، وهو ما يرجع إلى تناقضها مع ما يعده الكثيرون أسساً ثابتة في الثقافة السياسية الأمريكية، وكذلك لمعارضتها التقاليد والمؤسسات، التي خلقتها عقود من العولمة.

جون ماكين وترامب والقيم الليبرالية

وفي المقابل، يعتبر المرشح الرئاسي الأمريكي السابق وعضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية أريزونا، السيناتور جون ماكين، من أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية التي عارضت توجهات الرئيس دونالد ترامب ودافعت عن القيم الأمريكية ومبادئ الليبرالية العالمية. وبالإضافة إلى مواقفه المضادة لترامب، إذ كان ينتقده بشكل مستمر وعلني، واصفا إياه بـ”الرجل المندفع”، عُرف ماكين باعتداله السياسي. وفي صيف 2017، صوت ماكين ضد مشروع إصلاح قانون الصحة الذي اقترحه ترامب. كما عُرف ماكين أيضاً بنزاهته وبتقاسمه بعض الأفكار مع الحزب الديمقراطي، ما جعله يواجه انتقادات من قبل مسؤولين في الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه. فقد ساند جون ماكين فكرة تسوية الأوضاع الإدارية للمهاجرين غير الشرعيين وتشديد المراقبة على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة. كما كان يتابع كل المشاكل المتعلقة بالمناخ والاحتباس الحراري. وفي كتابه السابع “الموجة المضطربة” الذي صدر في 2018، اتهم ماكين ترامب بالخيانة وعدم احترام قيم الولايات المتحدة وبمهاجمة الإعلام وعدم احترام حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين.
وبعد وفاة جون ماكين في الخامس والعشرين من أغسطس 2018 نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية (27/8) تقريراً بعنوان: “ترامب وماكين وتراجع النظام الليبرالي” لإيشان ثارور، وهو الكاتب المتخصص في الشؤون الخارجية بالصحيفة، ناقش فيه أوجه التناقض بين نهج ترامب وماكين رغم أنهما ينتميان إلى نفس الحزب؛ كما ناقش كذلك بشيئ من التفصيل الآراء المختلفة حول مزايا وعيوب النظام الليبرالي كما كان يرتئيه جون ماكين.
وقد قام المعهد المصري بترجمة التقرير كاملاً على النحو التالي:

ترامب وماكين وتراجع النظام الليبرالي

كتب السناتور جون ماكين ، الذي توفي في مزرعته في أريزونا خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقالة رأي في مجلة “إيكونوميست” الأمريكية في نهاية العام الماضي دافع فيها عن “النظام العالمي الليبرالي”. وقد كان السياسي الجمهوري واحداً من أعرق الأمميين، وكان مؤيدا قوياً لمبادئ ومؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي كان يؤمن أنها ضرورية للقيادة الأمريكية والازدهار العالمي. ولكن مع ظهور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتصاعد قوة الشعوبية اليمينية في أوروبا وتنامي قدرة القوى غير الليبرالية في أماكن أخرى من العالم، كان ماكين يحذر من أن يؤدي ذلك في النهاية إلى حدوث انهيار كبير للنظام الليبرالي العالمي.
وكتب ماكين يقول – في اشارة الى من هم على شاكلة ترامب من الشعوبيين على جانبي المحيط الاطلسي: “لقد تحولوا إلى الانكفاء داخلياً في مجال الاقتصاد واعتبروا سياسة الحمائية الاقتصادية أولوية بدلا من مبدأ التكامل مع الآخرين”. لقد مالوا إلى الاستبداد وتبنوا توجهات “الرجل القوي” في السياسة. ومن أكثر ما يثير القلق أنه يبدو أنهم قد تخلوا عن فكرة الليبرالية نفسها، في خيانة جلية للإرادة الأساسية الضرورية للحفاظ على أي نظام عالمي.

العالم يشيد بجون ماكين

وقد انهمر فيض كبير من الكتابات والتعليقات من واشنطن والعالم أجمع نهاية هذا الاسبوع تشيد بإرادة ماكين القوية والمثالية التي كان يتحلى بها. فقال البعض إن قناعات السناتور الأخلاقية، ووطنيته المتجردة، وإيمانه القوي بالفضيلة، تتناقض بشكل صارخ مع عادات وغرائز من يشغل البيت الأبيض حالياً:
– يقول ماكس بوت، وهو كاتب مقال في صحيفة بوست، “لازلنا في حاجة ماسة إلى الروح التي كان يتحلى بها ماكين في الوقت الذي كان ولا يزال حزبه (الحزب الجمهوري) يحتضن فيه ديماجوجياً نرجسياً عديم الأخلاق، يفوق في طغيانه جميع الطغاة، ويتباهى بالتقوقع والحمائية والقومية البيضاء” (في إشارة إلى دونالد ترامب).
– وتعليقاً على وفاة ماكين، غرد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً: “كان جون ماكين بطلاً أميركياً حقيقياً، كرس حياته كلها لبلاده. سنفتقد صوته كثيراً. كل تقديرنا واحترامنا لمحبيه.”
– وقال الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في تصريح نشره على تويتر: ” على الرغم من أنني والسيناتور الراحل جون ماكين كنا ننتمي إلى جيلين مختلفين، وكانت لنا خلفيات مختلفة تماماً، وتنافسنا في أعلى مستويات السياسة، فقد تشاركنا، على الرغم من كل اختلافاتنا، في الإخلاص لشيء أسمى من ذلك بكثير – وهي المثل العليا التي كافحت من أجلها أجيال من الأمريكيين والمهاجرين على حد سواء، وضحوا كثيراً في سبيلها.”
وبينما عبرت المؤسسة الأمريكية عن الحزن لرحيل ماكين، أصبح من الواضح أنها لم تكن تنعي فقط موت الرجل، بل كانت تنعي أيضاً تراجع العالم الذي كان يمثله ماكين. حيث يبدو أن الرؤية العالمية التي كان يدعمها جون ماكين تشهد تراجعاً كبيراً. لقد دأب ترامب منذ وصوله إلى السلطة على انتقاد التحالف عبر الأطلسي بشكل ممنهج؛ مما حدا بالمسؤولين في أوروبا إلى االدعوة إلى صياغة مستقبل للقارة لا يكون مرتبطاً بواشنطن التي أصبحت غير جديرة بالثقة بالنسبة لهم.
ومع تزايد التفاوت الاجتماعي، يتزايد تشكك السكان على جانبي الأطلسي في مزايا التجارة الحرة غير المقيدة والأسواق المفتوحة – اللتان تشكلان العقيدة المركزية لنظرة ماكين للنظام العالمي. وهناك أيضاً حالة متزايدة من عدم الاكتراث تجاه القيم العالمية التي كان يدعو إليها سناتور أريزونا، الذي لم تلق نداءاته المتكررة إلى ترسيخ قيم الديمقراطية وسيادة القانون إلا التجاهل التام من قبل دونالد ترامب.
لقد لاحظ قراء قسم “رأي العالم اليوم” في الواشنطون بوست بالتأكيد الدعوات المتكررة إلى “النظام الليبرالي” أو “النظام الدولي” خلال العامين الماضيين. إنها بمثابة تلخيص لما قد يشعرترامب بالاستياء منه – وهو مفهوم يرتبط بالعديد من المؤسسات متعددة الأطراف بدءاً من الاتحاد الأوروبي، مروراً بمبادئ التجارة الحرة، ووصولاً إلى الدعم السياسي للمهاجرين واللاجئين.
لكن محللين من اليمين واليسار على حد سواء يجادلون بأن عدم تحري الدقة في مثل هذه الطروحات قد يؤدي بشكل او بآخر إلى التعتيم على النقد الصحيح للوضع السياسي الحالي في الغرب. وذلك من شأنه أن يؤدي إلى التغاضي عن المنطق الذي كان سائداً خلال عصر الحرب الباردة حيث كانت الدعوة إلى تثبيت أقدام الجيش الأمريكي على مستوى الكوكب وبسط هيمنة الولايات المتحدة على النظام الاقتصادي العالمي. ومن أجل الدعاية لنظام كوني زائف، يتم التقليل كثيراً من شأن الأزمات المالية التي تسببت فيها العولمة وكيف جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للفقراء والعمال في العديد من المجتمعات.
وقد أشار ستيفن فيرتهايم، الأكاديمي في الشؤون الدولية، إلى ذلك التناقض في مقال أخير له. حيث يتشبث المدافعون عن “النظام الليبرالي” من الأمريكيين – بما في ذلك العشرات من العلماء البارزين الذين نشروا رسالة مفتوحة على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز في شهر يوليو لدعم النظام العالمي ومؤسساته – يتشبثون بمشروع “مجهول الهوية” يتطلب إيماناً مبطناً بالتفوق الأمريكي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تحشيدهم للرأي العام حول “النظام الدولي” التكنوقراطي لا يقدم الكثير لمعالجة فوبيا كراهية الأجانب لدى الشعبويين الغربيين.
وقد كتب فيرتهايم يقول: “على الرغم من ادعائهم أن لهذا النظام تاريخ عريق يعود إلى سبعة عقود، فإن الدفاع عن النظام الليبرالي عرضة للهجوم من جميع الأطراف، لأنه يقدم ’نزعة قومية‘ لا تجرؤ على نطق اسمها، و’نزعة أممية‘ تخشى أن تفعل ما تقول”.

الجانب الآخر لماكين

أما في حالة ماكين، فإن احتضانه لفكرة “النظام الليبرالي” يتوقف في نهاية المطاف على الاعتقاد في التفوق الأمريكي، وبالتالي الهيمنة الأمريكية. إن دعمه (ماكين) للحروب الدامية والمسيئة – وأبرزها غزو العراق عام 2003 – وتشجيعه لمزيد من التدخلات في الشرق الأوسط قد نتذكره أكثر مما نتذكر دعوته لاحترام حقوق الإنسان. كما أن اختيار ماكين لسارة بالين كنائب له في انتخابات الرئاسة عام 2008 كان بمثابة اختبار لسياسات غير متسامحة ومتطرفة عززت صعود ترامب والاعتداء على المعايير “الليبرالية” التي ادعى ماكين أنه يدعمها.
وفي هذا السياق، غرد مهدي حسن، وهو كاتب عمود بصحيفة الإنترسبت الأمريكية وأستاذ مساعد بجامعة جورجتاون، على تويتر قائلاً: ” التعازي لأسرة جون ماكين .. والتعازي أيضا لأسر الآلاف من الجنود الأمريكيين، وعشرات الآلاف من الأبرياء من العراقيين، والأفغان، واليمنيين، والسوريين، والفلسطينيين، وغيرهم، ممن كان يمكن أن يكونوا على قيد الحياة اليوم، إذا لم يقم جون ماكين بالتصويت لصالح تلك الحروب وتأييده لها قولاً وعملاً”.
لم يكن ماكين غير مدرك للحاجة إلى الإصلاح والتطور. فقد كتب ماكين في مجلة “إيكونومست” يقول: “حاولنا في بعض الأحيان أن نفعل أكثر مما يجب، وفي حالات أخرى فشلنا في مجرد القيام بما يكفي”. وقال ماكين أيضاً: “لقد فقدنا التواصل مع العديد من أفراد شعبنا وكنا في غاية البطء في التعرف على مصاعبهم والاستجابة لها”. وفي مقاله، أشار ماكين إلى قوة خطة مارشال، أملاً في استحضار روح انتصار أمريكي دام لعقود.
لكن الولايات المتحدة تمثل حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي في ذلك الوقت؛ والآن، يمثل هذا الرقم حوالي السُبع فقط. إن نمو اقتصادات الدول الأخرى لا يعني أن الولايات المتحدة تخسر – كما يجادل ترامب – لكنه يضع مشاعر الانتصار التي يتوخاها ماكين في سياقها الصحيح. إن قادة العالم الذين دافعوا بصوت عال عن “النظام الليبرالي” في مواجهة هجمات ترامب لم يفعلوا ذلك من أجل الاحتفاء بـ “باكس أمريكانا” (أو السلام العالمي الذي تضمنه الولايات المتحدة) فقط ولكن لأنهم يدركون أيضاً كيف استفادت دولهم من هذا النظام الذي ضمنته واشنطن.
وكتبت الباحثتان ميرا راب-هووبر وريبيكا ليسنر في مجلة “فورين أفيرز” (شؤون خارجية) الأمريكية تقولان: “وبدلاً من رفض هذا الأمر (النظام العالمي) حيث أنه مجرد تعبير لطيف عن ’الهيمنة الأمريكية‘، فإنهم في الحقيقة يرون مصالحهم الوطنية في ذلك على المحك”. كما أنهم يدركون أن تلك المصالح لا يمكن حمايتها دون وجود الولايات المتحدة كدولة قوية وملتزمة في نفس الوقت. وحتى الصين، المنافس الأبرز المتوقع للولايات المتحدة في هذا النظام، تسعى إلى تبنى بعض تلك المبادئ بشكل انتقائي“.
ولكن أي “نهج جديد”، كما يقول الأكاديميون، يجب أن يضم عالماً متغيراً بحيث يعيد الأميركيون النظر في غطرسة الاستراتيجية الأمريكية الكبرى التي تبنتها في فترة ما بعد الحرب الباردة.
ويشير فيرتهايم بشكل منفصل إلى الدراسات الاستقصائية التي تقول إن فئة الشباب من الأميركيين أقل التزاماً بمبادئ التفوق الأمريكي أو اهتماماً بالهيمنة العسكرية العالمية للولايات المتحدة، وهما عنصران أساسيان في النظام الدولي الذي كان يدعمه ماكين. وإذا أصبحت هذه المواقف أكثر انتشاراً في السنوات المقبلة، فإن رحيل ماكين قد يمثل النهاية لحقبة تاريخية – ولكن أصدقاءه وحلفاءه لم يعترفوا بذلك حتى الآن ( *).


(* ) الآراء الواردة تعبر عن كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المعهد المصري للدراسات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *