نحن والعالم عدد 26 فبراير 2026

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
يقوم هذا التقرير، الصادر عن المعهد المصري للدراسات، على رصد عدد من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الإقليمية والدولية، والتي يمكن أن يكون لها تأثيرات مهمة على المشهد المصري والعربي والإقليمي، في الفترة بين 20 فبراير2026 – 26 فبراير 2026.
تشهد الساحة الدولية والإقليمية لحظة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها مؤشرات التصعيد العسكري مع محاولات إعادة التموضع السياسي والدبلوماسي، في مشهد يعكس تحولات عميقة في موازين القوى. فمن توتر واشنطن مع طهران وتعزيز الحشود العسكرية في الشرق الأوسط ما يشي بهجوم وشيك خلال ساعات، إلى الجدل الداخلي الأمريكي حول صلاحيات الحرب، تبدو المنطقة على أعتاب مرحلة اختبار حقيقي لقدرة القوى الكبرى على إحداث التغيير المستهدف في المنطقة.
في الوقت ذاته، تتسارع التحركات الإسرائيلية في الضفة الغربية، مدعومة بخطوات أمريكية تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الطابع الإداري، كما يندلع صراع شرس بين باكستان وأفغانستان في أعقاب اعتداء باكستاني، بينما تتكثف سباقات النفوذ في القرن الإفريقي وشرق المتوسط وآسيا. أما في أوروبا وأمريكا الشمالية، فتنعكس التحولات الأمنية في استراتيجيات دفاعية جديدة وإعادة تعريف لأدوار التحالفات التقليدية.
أمريكا
تشهد الولايات المتحدة لحظة سياسية وأمنية معقدة، يتداخل فيها القرار العسكري بالحسابات الانتخابية، ويتقاطع فيها الجدل الدستوري مع رهانات الردع الخارجي.
فبين تصاعد التوتر مع إيران، وتحركات عسكرية لافتة في الشرق الأوسط ليس لها تفسير إلا أن الحرب وشيكة، ومحاولات داخل الكونغرس لإعادة تفعيل صلاحيات الحرب، تبدو واشنطن أمام اختبار مزدوج: كيف تُظهر الحزم الاستراتيجي دون الانزلاق إلى حرب واسعة، وكيف تحافظ على توازن مؤسساتها في ظل استقطاب داخلي متزايد. في هذا السياق، لا تعكس التطورات مجرد إدارة أزمة خارجية، بل تكشف عن إعادة تعريف لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وحدود القوة، وأولويات السياسة الأمريكية وتطابقها مع السياسة الإسرائيلية في المنطقة، في مرحلة تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين.
واشنطن تأمر بمغادرة موظفيها غير الأساسيين من بيروت بسبب الوضع الأمني
أعلنت السفارة الأميركية في بيروت أن وزارة الخارجية الأميركية أصدرت، في 23 فبراير/شباط، قراراً يقضي بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم من لبنان، على خلفية تدهور الوضع الأمني في العاصمة بيروت.
وجاء في تحديث لتحذير السفر نشرته السفارة عبر حسابها الرسمي، أن القرار يشمل “الموظفين غير الطارئين وأفراد أسرهم”، مشيرة إلى أن موظفي السفارة يخضعون حالياً لقيود صارمة تمنعهم من السفر الشخصي داخل لبنان دون الحصول على إذن مسبق.
وأكدت السفارة أن قيوداً إضافية قد تُفرض على تحركات الموظفين الأميركيين الخاضعين لمسؤولية رئيس البعثة الدبلوماسية، مع احتمال تطبيقها في أي وقت ودون إشعار مسبق، وذلك بسبب “تزايد التهديدات والمخاطر الأمنية”.
ولم توضح السفارة طبيعة التهديدات التي دفعت إلى هذا القرار، إلا أن الإجراء يعكس قلقاً أميركياً متزايداً إزاء التطورات الأمنية في بيروت، ويأتي ضمن سلسلة تحذيرات سفر أصدرتها واشنطن خلال الأشهر الماضية بشأن لبنان.
ويُعد قرار “المغادرة المنظمة” خطوة أعلى من مجرد التحذير، إذ يُلزم فئات محددة من الموظفين بالمغادرة، مع الإبقاء على الطواقم الأساسية لتسيير العمل الدبلوماسي والقنصلي.
تصاعد التوتر مع إيران يضع ترامب أمام معضلة عسكرية معقّدة
كشفت مصادر مطلعة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعرب في اجتماعات مغلقة عن إحباطه من محدودية الخيارات العسكرية المتاحة لبلاده في التعامل مع إيران، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والمخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة.
وبحسب ما نقلته CBS News، تلقى ترامب إحاطات من مستشاريه تفيد بأن أي ضربة عسكرية “محدودة” ضد أهداف إيرانية قد لا تكون حاسمة من الناحية الاستراتيجية، بل قد تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يصعب احتواؤه. وتشير التقديرات إلى أن توجيه ضربات انتقائية قد يؤخر بعض الأنشطة، لكنه لن يضمن تغييراً جذرياً في مسار طهران النووي.
وتفيد تقارير إعلامية متقاطعة بأن الرئيس الأمريكي يدرس سيناريو استهداف منشآت أو مواقع استراتيجية بهدف ممارسة ضغط سياسي يدفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، غير أن قراراً نهائياً لم يُتخذ بعد، في ظل تحذيرات داخلية من تداعيات غير محسوبة.
في موازاة ذلك، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط عبر نشر قطع بحرية إضافية وطائرات مقاتلة متقدمة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها من أوسع عمليات إعادة التموضع العسكري منذ سنوات. ويُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها رسالة ردع، لكنها في الوقت ذاته تعكس استعداداً لسيناريوهات متعددة.
من جهتها، رفضت طهران التهديدات الأمريكية، مؤكدة أن أي هجوم سيُعتبر عملاً عدوانياً وسيقابل برد “حاسم ومباشر”، ما يضاعف احتمالات اتساع رقعة المواجهة، سواء عبر رد مباشر أو من خلال حلفاء إقليميين.
خلفية المشهد
تأتي هذه التطورات في سياق توتر ممتد بين واشنطن وطهران، يتصل بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط. ومنذ عام 2025، أعادت الإدارة الأمريكية تفعيل سياسات الضغط المشدد بهدف كبح النفوذ الإيراني، غير أن الحسابات العسكرية المعقدة وكلفة أي صدام واسع تجعل الخيار العسكري محفوفاً بالمخاطر.
قراءة في المعادلة
- خيارات عسكرية محدودة التأثير: التقديرات تشير إلى أن الضربات الجزئية قد لا تحقق أهدافاً استراتيجية طويلة الأمد.
- مخاطر التصعيد الإقليمي: احتمال انخراط أطراف حليفة لطهران يرفع كلفة أي تحرك عسكري.
- مسار دبلوماسي معقّد لكنه قائم: رغم التصعيد، لا يزال الباب مفتوحاً أمام قنوات تفاوض، في ظل إدراك واشنطن لتداعيات المواجهة الشاملة.
في المحصّلة، يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة دقيقة: إظهار الحزم دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، والحفاظ على أوراق الضغط دون فقدان السيطرة على مسار الأحداث.
قيادات ديمقراطية تسعى لتأجيل تصويت يُلزم الكونغرس بموقف علني من حرب محتملة مع إيران
كشفت مصادر مطلعة في الكونغرس أن قيادات بارزة في الحزب الديمقراطي تعمل خلف الكواليس لتأجيل أو تعطيل تصويت مرتقب على مشروع قرار يتعلق بصلاحيات الحرب تجاه إيران، وهو الإجراء الذي من شأنه إلزام أعضاء الكونغرس بتسجيل موقف علني من أي تحرك عسكري محتمل للرئيس دون تفويض تشريعي صريح.
مشروع القرار، الذي تقدم به النائبان رو خانا وتوماس ماسي، ينص على ضرورة حصول أي عمل عسكري ضد إيران على موافقة مسبقة من الكونغرس، استناداً إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973. وكان من المقرر الدفع نحو التصويت هذا الأسبوع، إلا أن قيادات ديمقراطية أشارت إلى احتمال تأجيله إلى الأسبوع المقبل أو لاحقاً.
وبحسب مصادر تشريعية، جرى تداول تقديرات داخلية تشير إلى احتمال انشقاق ما بين 20 إلى 40 نائباً ديمقراطياً عن دعم القرار، في خطوة اعتبرها داعمو المشروع محاولة لخفض الزخم السياسي حوله. ويأتي ذلك في وقت تُكثّف فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب استعداداتها العسكرية في المنطقة، وسط تقارير عن أكبر حشد عسكري أمريكي هناك منذ سنوات.
ويؤكد مقدمو القرار أن الكونغرس يجب أن يحسم موقفه قبل – لا بعد – الانخراط في صراع جديد بالشرق الأوسط، معتبرين أن منح الرئيس صلاحيات منفردة في هذا الملف قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة ذات تداعيات إقليمية خطيرة.
في المقابل، عبّر عدد محدود من النواب الديمقراطيين عن معارضتهم للقرار، معتبرين أنه قد يقيّد مرونة الولايات المتحدة في التعامل مع تهديدات متغيرة. غير أن مؤشرات أولية لا تظهر وجود تمرد واسع داخل الحزب ضد مشروع القرار، فيما تؤكد منظمات ضغط مؤيدة لحل دبلوماسي أن عدداً متزايداً من الأعضاء يميلون لدعم تفعيل صلاحيات الكونغرس.
وتشير مقارنة حديثة إلى أن تصويتاً مشابهاً حول تحرك عسكري محتمل في فنزويلا فشل بفارق ضئيل في مجلسي الشيوخ والنواب، ما يعكس حساسية هذه الملفات سياسياً، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية.
ويرى مراقبون أن التصويت – إن جرى – قد يتحول إلى اختبار حاسم لموقف الحزب الديمقراطي من نهج الإدارة الأمريكية تجاه إيران، خصوصاً في ظل تباين الخطاب الرسمي بشأن مستوى التهديد الإيراني، وبعد أشهر من إعلان الإدارة أن منشآت طهران النووية “دُمّرت بالكامل”، قبل أن تعود وتؤكد أن إيران باتت “على بعد أسابيع” من تطوير مواد انشطارية.
تحليل المعهد المصري
يمثل الجدل الدائر حول قرار صلاحيات الحرب صراعاً بين اعتبارات دستورية وحسابات سياسية دقيقة؛ فبينما يضع المشروع الكونغرس أمام مسؤوليته القانونية في قرار الحرب والسلم، تخشى قيادات حزبية من أن يُجبر أعضاؤها على اتخاذ موقف قد يعرّضهم لكلفة انتخابية، سواء بدعم تصعيد عسكري غير شعبي أو بالظهور بمظهر المتساهل تجاه إيران. وفي حال استمرت الإدارة في التصعيد دون تفويض واضح، فإن أي مواجهة محتملة لن تكون مجرد اختبار عسكري، بل اختباراً عميقاً لتوازن السلطات داخل النظام السياسي الأمريكي.
إلا أن هناك دلالة واضحة لتأجيل عملية التصويت لمدة أسبوع، وهي أن الهجوم الوشيك على إيران سوف يحدث بالفعل خلال ذلك الأسبوع، ما يجنب الكونجرس الدخول في هذه الحسابات المعقدة، ويجنب الإدارة في نفس الوقت أن تضطر لتأجيل الضربة أكثر من ذلك إذا ما أقر الكونجرس هذا المشروع.
تحرّك عسكري أمريكي لافت: طائرات تزويد بالوقود وشحن تهبط في مطار بن غوريون وسط تصاعد التوتر مع إيران
رُصِد وصول طائرات عسكرية أمريكية إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب، في تطور ميداني يأتي ضمن موجة تعزيزات عسكرية أمريكية متصاعدة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع التوتر المتزايد مع إيران، وفق تقارير صحفية وبيانات تتبع الطيران مفتوحة المصدر.
وأظهرت بيانات الملاحة الجوية هبوط طائرات تزويد بالوقود من طراز بوينغ كي سي-135، إلى جانب طائرات نقل عسكري من طراز سي-17 غلوب ماستر، في المطار المدني الرئيسي في إسرائيل، دون صدور تعليق رسمي من السلطات الإسرائيلية بشأن طبيعة المهمة أو مدتها. وتشير تقديرات إلى أن بعض هذه الطائرات انطلقت من قاعدة العديد الجوية، التي تُعد أكبر منشأة عسكرية أمريكية في المنطقة.
تعزيزات أوسع في المسرح الإقليمي
التحركات الجوية تتزامن مع انتشار بحري أمريكي لافت، من أبرز مظاهره تمركز حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford، التي شوهدت مؤخراً في قاعدة سودا باي قبل توجهها نحو شرق المتوسط، في خطوة تعكس رفع مستوى الجاهزية العملياتية.
ولم تتضح رسمياً أسباب استخدام مطار مدني لاستقبال هذه الطائرات العسكرية، إلا أن محللين يرون أن وجود طائرات التزويد بالوقود والنقل الاستراتيجي يشير إلى استعدادات لسيناريوهات متعددة، تشمل دعم عمليات جوية بعيدة المدى، وتأمين خطوط الإمداد، وتعزيز قدرة المقاتلات على تنفيذ مهام ممتدة في حال تصاعد النزاع.
ترامب ينفي تقارير عن اعتراض رئيس الأركان على حرب محتملة مع إيران ويؤكد ثقته بالقيادة العسكرية
نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صحة تقارير إعلامية تحدثت عن معارضة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين لعمل عسكري محتمل ضد إيران، مؤكداً أن تلك الروايات “غير صحيحة بنسبة 100%.”
وفي بيان نشره عبر منصته “تروث سوشيال”، وصف ترامب التقارير التي زعمت أن الجنرال كين حذّر من خسائر بشرية ونفاد محتمل في الذخائر والقدرات الدفاعية في حال اندلاع مواجهة مع طهران بأنها “أخبار مزيفة” و ”سوء تقدير”. وأكد أن كين، شأنه شأن بقية القادة العسكريين، لا يرغب في الحرب، لكنه يرى أن أي مواجهة – إذا فُرضت – ستكون “سهلة الحسم” للولايات المتحدة.
ويأتي هذا النفي في ظل تصاعد التكهنات السياسية والإعلامية حول احتمال إصدار أمر بتنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، على خلفية التوترات المتزايدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، بالتوازي مع مفاوضات جارية في جنيف بين ممثلين أمريكيين وإيرانيين.
وكانت تقارير متعددة قد أشارت إلى أن الجنرال كين أبدى خلال اجتماعات مغلقة داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع تحفظات تتعلق بمخاطر الانخراط في صراع طويل الأمد، واحتمال وقوع خسائر بشرية، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي والذخائر الدقيقة. إلا أن ترامب شدد على أن القرار النهائي بشأن أي تحرك عسكري يعود إليه شخصياً بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وأكد الرئيس الأمريكي أنه يفضل المسار الدبلوماسي والتوصل إلى اتفاق، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن فشل المفاوضات قد يقود إلى “عواقب وخيمة” على إيران.
تعليق المعهد المصري
تعكس هذه التطورات حساسية المرحلة التي تمر بها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني، حيث يتداخل البعد العسكري مع الحسابات السياسية والدبلوماسية بشكل معقّد. فالنفي العلني الصادر عن دونالد ترامب لا يهدف فقط إلى دحض التقارير الإعلامية، بل يسعى أيضاً إلى إظهار تماسك مؤسسة صنع القرار وتأكيد وحدة القيادة المدنية والعسكرية في لحظة توتر مرتفع. وفي الوقت ذاته، تكشف طبيعة الجدل المتداول عن إدراك عميق داخل دوائر الحكم لحجم المخاطر المرتبطة بأي تحرك عسكري، سواء من حيث احتمالات التصعيد الإقليمي أو الكلفة البشرية والاستراتيجية.
وبينما تواصل واشنطن استخدام خطاب الردع ورفع الجاهزية العسكرية كورقة ضغط، فإنها تحاول إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، ما يعكس معادلة دقيقة تقوم على التلويح بالقوة دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد يصعب احتواؤها.
إلا أنه في نهاية المطاف، يبقى الاحتمال الأكثر رجحاناً لدينا هو أن الولايات المتحدة ستقوم بالفعل بتوجيه ضربة قوية لإيران، ما يتأكد من مقدار الحشد الهائل للمقدرات العسكرية في المنطقة، والتي يذكر مراقبون أنه لم يحدث أن راكمت الولايات المتحدة مثل هذه القوة أمام عدو لها، وإلا استخدمتها بالفعل في شأن هجوم على ذلك العدو.
هاكابي وتصريحات “إسرائيل الكبرى” تشعل غضباً عربياً وإسلامياً واسعاً
أثارت تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي موجة إدانات عربية وإسلامية، بعدما قال خلال مقابلة مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون إنه “لا يرى مانعاً” في أن “تأخذ إسرائيل كل شيء”، في سياق حديثه عن المفهوم التوراتي لما يُعرف بـ“أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات”.
ورغم أن هاكابي عاد لاحقاً واعتبر حديثه “مبالغة مجازية”، فإن العبارات التي وردت في المقابلة فجّرت جدلاً دبلوماسياً واسعاً، نظراً لحساسية موضوع الحدود والسيادة في الشرق الأوسط، ولصدورها عن مسؤول أميركي رفيع يشغل منصباً رسمياً.
من النص الديني إلى الجغرافيا السياسية
جاءت تصريحات هاكابي رداً على سؤال حول ما ورد في “سفر التكوين 15” بشأن الوعد الإلهي لإبراهيم، والذي يُفهم منه – وفق قراءة حرفية – امتداد الأرض الموعودة “من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”.
ووفق هذا التفسير الجغرافي، فإن المساحة المشار إليها تشمل فلسطين التاريخية، والأردن، ولبنان، وسوريا، وأجزاء من مصر والعراق والسعودية.
هاكابي أكد في المقابلة أن “الحجارة تصرخ”، في إشارة إلى علم الآثار باعتباره – من وجهة نظره – دليلاً على الارتباط التاريخي، رافضاً الاحتكام إلى المعايير الجينية أو السياسية الحديثة في تحديد أحقية الأرض.
سياق إسرائيلي داخلي
تتزامن تصريحات هاكابي مع صعود تيارات قومية ودينية داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، تتبنى رؤى توسعية مرتبطة بمفهوم “إسرائيل الكبرى”.
ومن بين أبرز الأسماء في هذا التيار وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي تحدث سابقاً عن “توسع مستقبلي” لإسرائيل، واعتبر أن السيادة اليهودية يجب أن تمتد إلى كامل “أرض إسرائيل” التاريخية.
وعلى الأرض، تتسارع خطوات توسيع المستوطنات في الضفة الغربية ونقل صلاحيات إدارية إلى جهات مدنية إسرائيلية، في ما يصفه مراقبون بـ“الضم الفعلي” دون إعلان رسمي.
إدانات رسمية وتحذيرات
ردود الفعل لم تتأخر. فقد أدانت منظمة التعاون الإسلامي التصريحات ووصفتها بأنها “خطيرة وغير مسؤولة”، معتبرة أنها تمثل دعوة مرفوضة لتوسيع الاحتلال وانتهاك سيادة الدول.
كما شددت مصر والسعودية والأردن والعراق والكويت وسلطنة عمان على رفضها القاطع لأي حديث عن ضم أراضٍ عربية أو تغيير في الحدود المعترف بها دولياً، محذرة من أن مثل هذا الخطاب يقوض فرص السلام ويهدد الاستقرار الإقليمي.
وأكدت وزارة الخارجية المصرية أن “لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية أو غيرها من الأراضي العربية”، فيما وصفت الخارجية الأردنية التصريحات بأنها “عبثية واستفزازية”، تمثل خرقاً للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي.
الموقف الفلسطيني
من جهتها، اعتبرت السلطة الفلسطينية أن تصريحات السفير الأميركي تمثل “دعوة صريحة للاعتداء على سيادة الدول”، مؤكدة أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراضٍ فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي.
كما وصفت حركة حماس التصريحات بأنها تجسيد “للعقلية الاستعمارية”، داعية إلى مواقف عربية وإسلامية “تتجاوز الإدانة اللفظية”.
اختبار للدبلوماسية الأميركية
تأتي الأزمة في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية الدفع نحو تهدئة في قطاع غزة وإعادة إطلاق مسار سياسي أوسع. ويرى مراقبون أن الجدل حول تصريحات هاكابي يضع واشنطن أمام اختبار دقيق: هل تمثل هذه التصريحات توجهاً سياسياً رسمياً، أم تعبيراً شخصياً لا يعكس تغييراً في الموقف الأميركي التقليدي الداعم لحل الدولتين وحدود عام 1967؟
حتى الآن، لم يصدر توضيح تفصيلي من وزارة الخارجية الأميركية يحدد ما إذا كانت تصريحات السفير تعبّر عن سياسة رسمية أم لا. غير أن حجم الإدانات الإقليمية يشير إلى أن العبارة – حتى لو وُصفت بالمجازية – حملت تداعيات سياسية أوسع من سياقها الإعلامي.
وفي منطقة تُعد مسألة الحدود فيها شديدة الحساسية، تبدو الكلمات أحياناً كأنها ترسم خرائط بقدر ما تعكس مواقف. (شاهد)
تأثير تاكر كارلسون: انقسام جمهوري حول إسرائيل ومؤشرات مقلقة بين الشباب
أظهر استطلاع حديث للرأي وجود تحوّل لافت داخل القاعدة الجمهورية في الولايات المتحدة، مع تصاعد شعبية الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، رغم الجدل المتزايد حول مواقفه من إسرائيل واليهود. ويفتح الاستطلاع الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن مستقبل العلاقة بين الحزب الجمهوري وإسرائيل، خاصة في أوساط الناخبين الشباب.
الاستطلاع، الذي شمل 561 ناخباً جمهورياً في 21 و22 يناير/كانون الثاني 2026، كشف أن أكثر من 48% من المشاركين سيصوتون لكارلسون إذا قرر الترشح لمنصب وطني، فيما اعتبر 45% أنه مرشح محتمل بالفعل. إلا أن الفجوة العمرية كانت واضحة: بين الجمهوريين دون 44 عاماً، ارتفعت نسبة الاستعداد للتصويت له إلى 58%، مقابل 41% فقط بين من هم فوق 45 عاماً.
ورغم أن النتائج قد توحي بوجود تحول معادٍ لإسرائيل داخل الحزب، فإن البيانات ترسم صورة أكثر تعقيداً. فالدعم لإسرائيل لا يزال قائماً لدى غالبية الجمهوريين، لكن أهميته النسبية تتراجع لدى الجيل الأصغر. فقد اعتبر 55% من الجمهوريين تحت 44 عاماً أن دعم إسرائيل “مهم جداً” أو “مهم للغاية”، مقارنة بـ69% بين الأكبر سناً. ويشير ذلك إلى تراجع أولوية الملف الإسرائيلي ضمن أجندة السياسة الخارجية للشباب، لا إلى رفض صريح له.
غير أن المؤشر الأكثر إثارة للقلق تمثل في سؤال حول “التهديد لنمط الحياة الأمريكي”. إذ أعرب 45% من الجمهوريين الشباب عن قلق مرتفع من اليهود، مقابل 23% فقط بين الفئة الأكبر سناً. ورغم أن اليهود لا يُنظر إليهم كأكثر الفئات تهديداً مقارنة بمجموعات أخرى، فإن اقتراب النسبة من نصف الشباب الجمهوريين يعكس قابلية متزايدة لتبني سرديات سلبية.
ويرى محللون أن هذه المفارقة – دعم إسرائيل من جهة، والاستعداد لتأييد شخصية تُتهم بخطاب معادٍ لها من جهة أخرى – يمكن تفسيرها بعوامل نفسية سياسية. فالناخبون غالباً ما يمنحون الأولوية للرسالة العامة أو للهوية الثقافية للمرشح على حساب مواقفه التفصيلية. ويتيح ما يُعرف بـ ”تأثير الهالة” للناخبين تجاهل الجوانب المثيرة للجدل طالما أن المرشح يعبر عن قضايا يعتبرونها أكثر إلحاحاً، مثل الصراع الثقافي الداخلي أو الاقتصاد.
وتحذّر نتائج الاستطلاع من أن الخطر لا يكمن في انهيار فوري للدعم الجمهوري لإسرائيل، بل في تآكل أهميتها كقضية حاسمة انتخابياً. فإذا لم يعد الموقف من إسرائيل عاملاً فاصلاً في قرار التصويت، فقد يتمكن مرشحون ذوو مواقف متشددة أو عدائية من التقدم سياسياً دون تكلفة انتخابية تُذكر.
وتخلص الدراسة إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كان الجمهوريون “يدعمون إسرائيل” نظرياً، بل ما إذا كان هذا الدعم قوياً بما يكفي ليؤثر فعلياً في سلوكهم الانتخابي عند مواجهة مرشح شعبوي يتمتع بجاذبية جماهيرية.
وبين استمرار الدعم التقليدي من جهة، وتصاعد مؤشرات التحول بين الجيل الصاعد من جهة أخرى، يبقى مستقبل العلاقة بين القاعدة الجمهورية وإسرائيل مرهوناً بمدى بقاء الملف أولوية سياسية، لا مجرد موقف مبدئي في الخطاب العام.
بعد مقابلة هاكابي… تاكر كارلسون يعلن خضوعه لإجراءات أمنية في مطار بن غوريون
أثار الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون جدلاً واسعاً بعد إعلانه أنه خضع هو وفريقه لإجراءات أمنية في مطار بن غوريون، عقب ساعات من مقابلته السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي.
وقال كارلسون، في تصريحات نقلتها صحيفة “ديلي ميل”، إن عناصر أمن في المطار عرّفوا أنفسهم بأنهم تابعون لجهاز أمني، وقاموا بمصادرة جوازات سفره وجوازات فريقه مؤقتاً، واقتادوا المنتج التنفيذي المرافق له إلى غرفة جانبية لاستجوابه. وأوضح أن الأسئلة – بحسب روايته – لم تقتصر على ترتيبات السفر، بل تناولت مضمون المقابلة التي أجراها مع هاكابي، بما في ذلك طبيعة النقاش وما قيل خلالها.
من سجال على “إكس” إلى زيارة ميدانية
تعود خلفية الزيارة إلى سجال علني دار بين كارلسون وهاكابي على منصة “إكس”، بعد أن انتقد الإعلامي المحافظ سياسات إسرائيل وبعض القضايا المرتبطة بالتعامل مع المسيحيين في الأراضي المقدسة. وردّ هاكابي بدعوة مباشرة لكارلسون لزيارة إسرائيل ومناقشته وجهاً لوجه بدل “الحديث من بعيد”.
كارلسون استجاب للدعوة، ونشر صورة له أمام المطار مرفقة بعبارة: “تحياتنا من إسرائيل”، في خطوة بدت كأنها محاولة لإظهار استعداده لخوض نقاش مباشر داخل البلاد.
روايتان متباينتان
في المقابل، نفت سلطة المطارات الإسرائيلية أن يكون كارلسون قد احتُجز أو استُجوب بشكل استثنائي. وأكدت في بيان أن الإعلامي الأمريكي ومرافقيه خضعوا لإجراءات روتينية تُطبّق على عدد كبير من المسافرين، وأن الحديث جرى في غرفة منفصلة ضمن صالة كبار الشخصيات حفاظاً على الخصوصية، وليس كإجراء خاص.
كما قالت السفارة الأمريكية في إسرائيل إن كارلسون مرّ بإجراءات جوازات اعتيادية مثل “عدد لا يُحصى من الزوار”.
هذا التباين بين الروايتين – رواية كارلسون التي تصف ما جرى بأنه “غريب” ويتجاوز التفتيش المعتاد، والرواية الإسرائيلية التي تصفه بالإجراء الطبيعي – وضع الحادثة في دائرة جدل سياسي وإعلامي واسع.
انقسام سياسي أمريكي
الواقعة سرعان ما تحولت إلى مادة سجال داخل الولايات المتحدة. فقد اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت كارلسون باختلاق القصة، مشككاً في تفاصيلها. في المقابل، دافعت النائبة الأمريكية اليمينية السابقة مارجوري تايلور غرين عنه، معتبرة أن ما حدث يمثل توقيفاً غير مبرر لصحفي أمريكي بعد مقابلة مع سفير بلاده.
ويعكس هذا الانقسام حجم الاستقطاب داخل التيار المحافظ الأمريكي نفسه حيال إسرائيل، خاصة أن كارلسون يُعد من أبرز الأصوات اليمينية التي وجّهت انتقادات علنية للسياسات الإسرائيلية خلال الحرب في غزة.
أبعاد أبعد من التفتيش
بعيداً عن التفاصيل الإجرائية، يرى مراقبون أن حساسية الحادثة لا ترتبط فقط بطبيعة التفتيش، بل بمكانة كارلسون وتأثيره داخل القاعدة الجمهورية. فهو ليس صحفياً تقليدياً، بل شخصية إعلامية ذات جمهور واسع عبر البودكاست ومنصات التواصل، كما أنه من القلائل في اليمين الأمريكي الذين ينتقدون إسرائيل بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، فإن مجرد توجيه أسئلة تتعلق بمحتوى مقابلة صحفية – حتى إن كانت ضمن إطار أمني – قد يُفسَّر سياسياً، ويُعاد توظيفه في النقاش الدائر حول حدود النقد المسموح به لإسرائيل داخل الأوساط المحافظة الأمريكية.
وبين نفي رسمي ورواية شخصية، تبقى الواقعة مرآة لحالة التوتر المتصاعدة بين الإعلام والسياسة والأمن، في لحظة تشهد فيها العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية نقاشاً داخلياً غير مسبوق داخل الحزب الجمهوري نفسه.
ويتني ويب: “إبستين واجهة لشبكة عابرة للحدود”… رواية تتجاوز الفضيحة إلى المال والاستخبارات والتقنية
في قراءتها المطوّلة لملف جيفري إبستين، تقول الصحفية الاستقصائية ويتني ويب، وهي من أوائل من تطرق منذ سنوات لموضوع إبستين، ونشرت كتاباً مهماً منذ نحو ثمان سنوات حوا تفاصيل علاقات إبستين وشبكاته المتعددة، إن الخطأ الأساسي في تناول القضية يكمن في التعامل مع إبستين بوصفه “الرأس المدبر” أو “الشرير الوحيد”، بينما ترى أنه كان – وفق توصيفها – مجرد واجهة (front) أو وسيط (middleman) يخدم شبكة أكبر عابرة للحدود، تستخدم – بحسب تعبيراتها – أدوات المال والنفوذ والابتزاز والخدمات السرية، وتتقاطع مع دوائر استخباراتية ومالية لا تقتصر على دولة واحدة. وتؤكد ويب أن التركيز على إبستين وحده، أو الاكتفاء باعتقالات شكلية، يؤدي – في رأيها – إلى تحقيقات سطحية لا تمس “من يقفون خلفه”، لأن القضية عندها ليست “مجرماً منفرداً” بل نظام عمل يجمع بين المال القذر، النفوذ السياسي، التسجيلات الحساسة، وإدارة المصالح غير المعلنة.
استجواب ويكسنر… “مؤشر احتواء” لا مساءلة؟
في هذا السياق، تنتقد ويب طريقة استجواب الملياردير ليزلي ويكسنر، المعروف بدعمه الكبير لإبستين في بداياته، وتقول إن ذهاب أعضاء من الكونغرس إلى منزله بدل استدعائه إلى جلسة علنية في واشنطن يعكس – في نظرها – مستوى نفوذ استثنائي لا يُمنح لآخرين. وتتوقع، إذا نُشرت المقاطع كاملة، أن تكون النتيجة “أسئلة رخوة، إنكاراً، ثم إنهاء سريع”. وتصرّح بأنها لا تتوقع اعتقال ويكسنر لأنه – بحسب تقديرها – “أقوى من أن يُمس”، بسبب أمواله وعلاقاته الممتدة سياسياً واقتصادياً. وتقرأ ويب شكل الإجراء (المكان، الإغلاق، غياب العلنية) بوصفه مؤشراً على أن المؤسسة لا تريد فتح الملف بالكامل.
“سذاجة” أم “وظيفة” ؟
وتهاجم ويب رواية “الملياردير الطيب الذي خُدع”، وتقول إن منح إبستين توكيلاً عاماً وسلطات مالية واسعة (Power of Attorney) على إمبراطورية ويكسنر لا يمكن تفسيره – في رأيها – كسلوك ساذج تجاه “محتال عابر”. كما تشير إلى نمط تكرار فضائح داخل دوائر شركات مرتبطة بويكسنر، وتستشهد بحالات داخل محيط شركات أزياء كبرى، معتبرة أن ما يبدو غير معقول كسلوك فردي قد يكون معقولاً كـ “ترتيب وظيفي” يخدم شبكة مصالح أوسع.
إسرائيل وأمن شقة مانهاتن
ومن أخطر ما تطرحه ويب تعليقها على تقارير إعلامية تفيد بأن جهات إسرائيلية – من بعثة أو قنصلية أو بعثة الأمم المتحدة – شاركت في تركيب أو إدارة تجهيزات أمنية والتحكم بالوصول إلى شقة في مانهاتن كان يقيم فيها إيهود باراك لفترات. وتقول ويب إن هذا – إن صح – يعني أن حكومات أجنبية قد تمتلك سجلات أو مواد لا تمتلكها الحكومة الأميركية، خاصة إذا كانت المداهمات والتحقيقات الأميركية غير مكتملة.
وتؤكد أن هذا استنتاج تحليلي من جانبها: فإذا كانت جهة خارجية تتحكم بالأمن والدخول، فقد تكون لديها نسخ أو سجلات أو قدرة على الوصول إلى مواد حساسة.
من الابتزاز “الكلاسيكي” إلى “الابتزاز الرقمي”
وتطرح ويب فكرة تعتبرها مفصلية: أن الابتزاز الجنسي بالطريقة التقليدية (مصائد، أشرطة، تسجيلات) لم يعد ضرورة كما في الماضي، لأن الابتزاز يمكن أن يُصنع رقمياً عبر تجميع بيانات شاملة عن الأفراد: هواتفهم، مواقعهم، علاقاتهم، نشاطهم المالي. وتذكر شركة Palantir، المعروفة بعلاقاتها المتشعبة بأجهزة المخابرات والدولة في أمريكا، كنموذج لنظام قادر على بناء ملفات وتحليلات “ما قبل الجريمة ” (pre-crime)، وترى أن البنية التحتية للبيانات الضخمة أصبحت أداة ضغط أكثر فاعلية من المصائد القديمة. وبذلك، تربط ملف إبستين بسؤال أوسع: من يملك البنية التحتية للمعلومات؟
المال القذر: China-gate وSouthern Air وBCCI
وتوسّع ويب روايتها لتشمل مسارات مالية في التسعينيات، مشيرة إلى ما يُعرف بـ “China-gate”، لكنها تقول إن القضية لم تكن “الصين” فقط بل شبكة تهريب وشحن أوسع، وتذكر شركة Southern Air Transport بوصفها – حسب سرديتها – واجهة ذات تاريخ مرتبط بعمليات استخباراتية. كما تشير إلى مسار شحن من أوهايو إلى هونغ كونغ، وتقول إن بعض المسؤولين في أوهايو وصفوه مجازاً بـ“طريق ماير لانسكي”، في إشارة إلى ارتباطات محتملة بالجريمة المنظمة.
وتستحضر كذلك بنك BCCI، وتقول إنه كان “بنك ظل”، وتلمّح إلى تقارير تحدثت عن شبكات استغلال جنسي مرتبطة بنخب خليجية. وتقرّ بأن هذه أخطر الادعاءات، وتعرضها بصيغة “تقول/تزعم/ترى”، معتبرة أن فضيحة الجنس كانت – في نظرها – بوابة إلى اقتصاد سري أوسع يشمل المال والأسلحة وحركة الأشخاص.
الخليج والامتداد الدولي
وتربط ويب الملف بعلاقات في الإمارات، وتقول إن إبستين كان على صلة بمستشارين وشخصيات خليجية، وتشير إلى ترتيبات تتعلق بموانئ واستثمارات وجزر في Virgin Islands، وتذكر اسم Andrew Farkas وعلاقاته المحتملة بكوشنر وترامب – وفق زعمها – لتأكيد أن الشبكة “تعمل دولياً” عبر موانئ وشركات عقارية وهياكل ملكية معقدة وجنسيات متعددة للضحايا.
من الفضيحة إلى السياسة… وإيران
وتحذر ويب من أن الانشغال الإعلامي بـ“فضائح إبستين” قد يلهي عن تحولات أكبر في السياسة الخارجية الأميركية، وتلمّح إلى أن أطرافاً سعت منذ سنوات لدفع واشنطن نحو مواجهة مع إيران، معتبرة أن الشبكات التي استفادت من إبستين قد تستثمر الانشغال الشعبي لتوجيه الأجندة الجيوسياسية.
“كبش الفداء” وتكرار رواية “الشرير الوحيد”
وتقول ويب إن المؤسسة ستواصل تكرار رواية “إبستين الشرير الوحيد”، لأن إسقاط شخصية أخرى بمستواه قد يفتح طبقات أعمق ويهدد بنية كاملة. وترجّح أن أقصى ما قد يحدث هو ملاحقة أطراف ثانوية لا تملك القدرة على تفجير الشبكة. وتفسّر ذلك بأنه توازن بين تهدئة الرأي العام وعدم كشف البنية الحقيقية، ما ينتج – في رأيها – “محاسبة شكلية دون قلب الطاولة”.
روتشيلد وماكسويل… “سلسلة شبكات”
وتتوقف ويب عند ذكر ويكسنر أن إبستين قدّم نفسه كممثل لعائلة روتشيلد (مع ما لها من نفوذ معروف وأجندة تثير الكثير من علامات الاستفهام)، وتقول إن هذا ليس جديداً في سياق تاريخي يمتد من روبرت ماكسويل إلى غيلين ماكسويل ثم إبستين، معتبرة أن الأمر ليس “وراثة عائلية” بل “سلسلة شبكات” تنتقل فيها محفظة علاقات ونفوذ عبر شخصيات مختلفة، ما يفسر – بحسب طرحها – تكرار ظهور الأسماء ذاتها في قضايا متباعدة بين المال والسياسة والتكنولوجيا.
روبرت كادليك… الرجل الذي يقف خلف سياسات الردع البيولوجي في إدارة ترامب
في مطلع فبراير من العام الماضي، رشّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهدوء اسماً مخضرماً في دوائر الأمن القومي ليشغل منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الردع النووي والدفاع الكيميائي والبيولوجي وسياسات مكافحة أسلحة الدمار الشامل: روبرت كادليك. ورغم أن مظهره الهادئ وأسلوبه غير اللافت لا يوحيان بنفوذ واسع، فإن مسيرته المهنية تكشف عن حضور عميق داخل منظومة “الأمن الحيوي” الأميركية، الممتدة بين البنتاغون ووزارة الصحة وشبكات المقاولين الدفاعيين.
من الطب العسكري إلى عالم الحرب البيولوجية
تخرج كادليك في أكاديمية سلاح الجو الأميركي عام 1979، ثم حصل على شهادة الطب من جامعة الخدمات الصحية للقوات المسلحة، ليقضي 26 عاماً طبيباً عسكرياً في سلاح الجو. في عام 1991، التحق بقيادة العمليات الخاصة المشتركة (JSOC) في قاعدة فورت براغ، خلال مرحلة إعادة هيكلة عميقة للأجهزة الاستخباراتية والعسكرية في عهد جورج بوش الأب، حيث توسّعت صلاحيات الوحدات السرية خارج نطاق الرقابة التقليدية للكونغرس.
في تلك البيئة، بدأ اهتمامه بمجال الحرب البيولوجية، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية. وخلال التسعينيات، انخرط كادليك في عمل لجنة الأمم المتحدة الخاصة (UNSCOM) المكلفة بتفتيش برامج العراق الكيميائية والبيولوجية، حيث أجرى ثلاث زيارات للعراق بين عامي 1994 و1998.
العراق، التفتيش، وصناعة السردية
يربط منتقدو كادليك بين عمله في UNSCOM وصياغة سردية التهديد البيولوجي العراقي التي مهّدت لغزو 2003. فخلال التسعينيات، ساهمت الولايات المتحدة – عبر شركات ومؤسسات بحثية – في تزويد العراق بمواد ذات استخدام مزدوج، من بينها عينات أنثراكس. ومع ذلك، تحوّل الخطاب الأميركي لاحقاً إلى تصوير بغداد كمصدر تهديد عالمي.
خلال تلك الفترة، كان كادليك يكتب سيناريوهات افتراضية عن هجمات بيولوجية محتملة ضد الولايات المتحدة، داعياً إلى إنشاء مخزون وطني من اللقاحات والمضادات الحيوية تحسباً لأي طارئ. وقد تحققت هذه الرؤية لاحقاً في شكل “المخزون الوطني الاستراتيجي”.
هجمات الأنثراكس وتمرين “الشتاء المظلم”
قبل أشهر من هجمات الأنثراكس عام 2001، شارك كادليك في تمرين محاكاة بعنوان “الشتاء المظلم” (Dark Winter)، الذي تخيّل هجوماً بيولوجياً واسع النطاق على الولايات المتحدة. اللافت أن التمرين تضمّن سيناريوهات قريبة مما حدث فعلياً، بما في ذلك إرسال رسائل ملوثة إلى وسائل الإعلام.
بعد الهجمات، عُيّن كادليك مستشاراً لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، في وقت ربطت فيه تقارير إعلامية – استناداً إلى مصادر حكومية مجهولة – بين الأنثراكس والعراق، وهو ما تبيّن لاحقاً أنه غير دقيق. ورغم نفي وجود مادة “البنتونايت” التي قيل إنها دليل على تورط عراقي، فإن الربط الإعلامي أسهم في تعزيز التأييد الشعبي لغزو العراق.
المخزون الوطني وصناعة الطوارئ
مع تصاعد المخاوف من الإرهاب البيولوجي، أقرّ الكونغرس “قانون مشروع الدرع البيولوجي” عام 2004، الذي خصص مليارات الدولارات لشراء لقاحات وأدوية للمخزون الوطني الاستراتيجي. لاحقاً، ساهم كادليك في صياغة “قانون الاستعداد للجوائح وجميع المخاطر” عام 2006، الذي أنشأ منصب مساعد وزير الصحة لشؤون الاستعداد والاستجابة(ASPR) –، المنصب الذي تولاه في إدارة ترامب الأولى.
خلال رئاسته لـ ASPR، أشرف كادليك على إعادة هيكلة إدارة المخزون الوطني، مركزاً صلاحياته داخل مكتبه، ما سهّل التعاقد المباشر مع شركات أدوية كبرى. وأصبحت شركة “إيميرجنت بايو سوليوشنز” أحد أبرز المستفيدين من هذه السياسة، حيث حصلت على عقود بمئات الملايين من الدولارات لتوريد لقاحات الأنثراكس والجدري.
الباب الدوّار والجدل الأخلاقي
كُشف لاحقاً أن كادليك كان مستشاراً لشركة “إيميرجنت” قبل توليه منصبه الحكومي، كما شارك في تأسيس شركة خاصة مع رئيسها التنفيذي فؤاد الحِبري. ورغم عدم إفصاحه الكامل عن هذه الروابط خلال جلسات تثبيته في مجلس الشيوخ، فقد واصل منح الشركة عقوداً ضخمة خلال فترة عمله.
بلغت هذه العلاقة ذروتها خلال جائحة كوفيد-19، حين لعب كادليك دوراً محورياً في إطلاق “عملية السرعة الفائقة ”(Operation Warp Speed)، التي عُدّت مشروعاً ذا طابع عسكري لتسريع تطوير اللقاحات. وحصلت “إيميرجنت” على تمويل يفوق نصف مليار دولار لإنتاج لقاحات جونسون آند جونسون وأسترازينيكا، رغم سجل سابق من مشكلات الجودة، انتهى بإتلاف مئات الملايين من الجرعات.
تقرير كوفيد والصين
في يوليو/تموز 2025، نشر كادليك تقريراً عبر معهد سكوكروفت رجّح فيه فرضية تسرب فيروس كورونا من مختبر في ووهان، مشيراً إلى أبحاث عسكرية صينية محتملة في مجال العلوم العصبية. لكن التقرير لم يتطرق بتفصيل إلى التعاون الأميركي السابق مع معهد ووهان عبر تمويل “إيكوهيلث أليانس”، ما أثار انتقادات بشأن انتقائية الطرح.
عودة إلى البنتاغون
اليوم، يشغل كادليك منصباً رفيعاً في وزارة الدفاع، مسؤولاً عن سياسات الردع النووي والكيميائي والبيولوجي، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويرى مؤيدوه أنه خبير مخضرم في إدارة الطوارئ والتهديدات غير التقليدية، بينما يعتبره منتقدوه رمزاً لتزاوج الأمن القومي مع مصالح الصناعات الدوائية، ولنهج “الطوارئ الدائمة” الذي توسّع بعد 11 سبتمبر.
سواء عُدّ مهندساً للاستعداد البيولوجي أو ممثلاً لشبكة مصالح معقدة بين الدولة والشركات، فإن مسيرة روبرت كادليك تعكس مسار السياسة الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة: تداخل الأمن بالصحة العامة، وامتزاج الردع العسكري بالاستجابة الوبائية، وتحوّل الأزمات إلى ساحات نفوذ وصناعة قرارات استراتيجية بعيدة المدى، وخدمة أجندات غامضة من غير المعروف أفاقها وتوجهاتها.
الحرب الروسية–الأوكرانية تدخل عامها الرابع… وواشنطن تعيد صياغة دورها وسط ارتباك أطلسي
مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا عامها الرابع، تبدو آفاق التسوية أبعد من أي وقت مضى، في ظل تحولات استراتيجية داخل واشنطن أعادت رسم معادلة الدعم الغربي لكييف وأثارت تساؤلات عميقة داخل حلف شمال الأطلسي بشأن مستقبل التزامات الدفاع الجماعي.
تحول في الاستراتيجية الأمريكية
منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تبنّت الإدارة نهجاً مختلفاً في التعامل مع النزاع، واضعة التفاوض في صدارة الأولويات بدلاً من الاستمرار في سياسة الدعم العسكري المفتوح التي ميّزت المرحلة السابقة. ويقول مسؤولون إن التركيز بات منصباً على دفع موسكو وكييف نحو تسوية سياسية، حتى لو تطلّب ذلك تقليص حجم الانخراط العسكري الأمريكي المباشر.
هذا التحول أثار تباينات واضحة مع عدد من العواصم الأوروبية التي اعتمدت لسنوات على الولايات المتحدة بوصفها الركيزة الأساسية في منظومة الردع داخل الناتو. ويرى مراقبون أن إعادة تعريف الدور الأمريكي أحدثت حالة من عدم اليقين بشأن مدى استدامة الدعم الغربي طويل الأمد لأوكرانيا.
ارتباك داخل الناتو
انعكست المقاربة الأمريكية الجديدة على ديناميات الحلف الأطلسي، حيث تتزايد الدعوات الأوروبية لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على واشنطن. ويشير محللون إلى أن التغير في الخطاب الأمريكي ألقى بظلاله على مفهوم “الأمن الجماعي”، خصوصاً في دول الجناح الشرقي التي ترى في استمرار الالتزام الأمريكي عنصراً حاسماً في مواجهة موسكو.
حرب طويلة بلا حسم
ميدانياً، يستمر القتال دون اختراق استراتيجي حاسم لأي من الطرفين، ما يعكس تعقيد الصراع وتشابك أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية. ويرى خبراء أن الرهان على التفاوض قد يخفف من كلفة المواجهة، لكنه لا يضمن نهاية قريبة للحرب ما لم تُقدَّم تنازلات متبادلة تمسّ القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية والمناطق المتنازع عليها.
في المقابل، يعتبر آخرون أن استمرار النزاع لأربع سنوات يؤكد أن أي تسوية مستدامة تتطلب إعادة صياغة أوسع للهندسة الأمنية في أوروبا الشرقية، وهو مسار لن يكون سهلاً أو سريعاً.
وبين مسار تفاوضي غير مضمون وواقع عسكري مستنزِف، تدخل الحرب عامها الرابع في لحظة مفصلية قد تعيد تعريف موازين القوى الأوروبية ودور الولايات المتحدة في القارة لعقود مقبلة.
قاضية فدرالية تمنع نشر تقرير حول تعامل ترامب مع الوثائق السرية
أصدرت القاضية الفدرالية في فلوريدا إيلين كانون حكماً يمنع وزارة العدل الأميركية منعاً دائماً من نشر المجلد الثاني من تقرير المستشار الخاص جاك سميث المتعلق بسوء تعامل الرئيس دونالد ترامب مع وثائق سرية بعد مغادرته البيت الأبيض عام 2021.
وبحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، فإن القرار الصادر عن محكمة المقاطعة الفدرالية في فورت بيرس بولاية فلوريدا يمثل أحدث حلقة في معركة قانونية طويلة بشأن التقرير، الذي لم يُنشر حتى الآن رغم اكتماله منذ أشهر.
انتقاد حاد للمستشار الخاص
في حيثيات الحكم، اعتبرت القاضية كانون أن تصرف جاك سميث في إعداد التقرير بعد صدور أمر سابق بإيقاف الإجراءات في يوليو/تموز 2024 يشكل “خرقاً مقلقاً لروح أمر الإيقاف”، وقد يصل إلى حد “الانتهاك الصريح للأمر القضائي”. كما كررت موقفها السابق بأن تعيين سميث مستشاراً خاصاً كان غير قانوني من الأساس.
ورأت المحكمة أن نشر التقرير، الذي يتضمن مواد تحقيق غير معلنة سابقاً، قد يُسبب “ضرراً لا يمكن إصلاحه” لترامب واثنين من مساعديه: والتين نوتا وكارلوس دي أوليفيرا، المرتبطين بقضية الوثائق المحفوظة في منتجع مارالاغو.
مجلد أول نُشر… والثاني مُنع
وكان سميث قد أسقط القضية الأخرى التي رفعها ضد ترامب والمتعلقة بمحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، ونُشر تقرير تلك القضية (المجلد الأول) في يناير/كانون الثاني 2025.
أما المجلد الثاني، المتعلق باحتجاز وثائق سرية وعرقلة جهود استعادتها، فقد ظل قيد السرية، ليصبح قرار منعه الآن دائماً بموجب حكم القاضية.
اعتراضات منظمات رقابية
سعت مجموعتان رقابيتان — “الرقابة الأمريكية” و ”معهد نايت لتعديل الحقوق الأولى” — إلى إجبار وزارة العدل على نشر التقرير، معتبرتين أن للجمهور حقاً في الاطلاع على معلومات “ذات أهمية وطنية استثنائية”.
غير أن المحكمة رفضت طلب تأجيل تنفيذ القرار لحين البت في الاستئناف، ما يعزز استمرار حجب التقرير في الوقت الراهن.
موقف وزارة العدل ودفاع ترامب
من جهتها، أكدت وزارة العدل ضرورة إبقاء التقرير مختوماً، معتبرة أنه نتاج تحقيق “غير مشروع”.
أما محامو ترامب، فجادلوا بأن التقرير لا ينبغي أن يُنشر خارج إطار الوزارة لأنه يستند إلى تعيين مستشار خاص يرونه غير قانوني. وفي المقابل، طلب محامو نوتا ودي أوليفيرا إتلاف نسخ التقرير بالكامل، وهو طلب رفضته المحكمة.
فصل جديد في نزاع طويل
يمثل الحكم تطوراً بارزاً في واحدة من أكثر القضايا القانونية إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، إذ يوازن بين اعتبارات الشفافية وحق الجمهور في المعرفة من جهة، ومخاوف الضرر القانوني والسياسي من جهة أخرى.
ومع توقع استمرار الطعون القضائية، يبقى مصير التقرير معلقاً، في وقت يواصل فيه الجدل حول حدود صلاحيات المستشارين الخاصين ودور القضاء في ضبط مسار القضايا ذات الطابع السياسي الحساس.
مجلس السلام الأمريكي يبحث إطلاق “عملـة رقمية مستقرة” لدعم اقتصاد غزة بعد الحرب
كشفت مصادر مطلعة أن مجلس السلام الذي أُطلق بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة جهود إعادة إعمار قطاع غزة، يدرس مقترحاً لإطلاق عملة رقمية مستقرة (Stablecoin) تكون مدعومة بالدولار الأمريكي، في إطار مساعٍ لدعم التعافي الاقتصادي في القطاع بعد الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
وبحسب ما أوردته صحيفتا فايننشال تايمز وتايمز أوف إسرائيل، فإن العملة المقترحة لن تمثل إصداراً نقدياً فلسطينياً جديداً، بل أداة دفع رقمية مرتبطة بالدولار تهدف إلى توفير قدر أكبر من الاستقرار السعري، وتسهيل المعاملات الإلكترونية في ظل أزمة سيولة حادة ونقص في النقد التقليدي داخل غزة.
ويقف وراء المبادرة رجل الأعمال الإسرائيلي ليران تانكمان، الذي يعمل مستشاراً غير متفرغ ضمن هيكل المجلس، إلى جانب أعضاء من اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراطية تعمل تحت إشراف المجلس، فضلاً عن مكتب الممثل السامي له في القطاع. وتشير المعلومات إلى أن المشاورات لا تزال في مراحلها التمهيدية، مع استمرار البحث في الجوانب القانونية والتنظيمية وآليات التنفيذ المحتملة.
وأكدت مصادر مطلعة أن الهدف المعلن للمشروع لا يتمثل في فصل غزة اقتصادياً عن الضفة الغربية، وإنما في إيجاد وسيلة بديلة لتسهيل المدفوعات الرقمية في بيئة تعاني من قيود مصرفية واسعة وتضرر في البنية التحتية المالية.
وتأتي هذه الطروحات في وقت يشهد فيه القطاع شحاً حاداً في السيولة النقدية، نتيجة القيود المفروضة على إدخال الأموال، وارتفاع رسوم التحويلات، وتراجع كفاءة شبكات الدفع التقليدية. ويرى مؤيدو الفكرة أن العملة الرقمية قد تسهم في تخفيف أزمة النقد وتعزيز النشاط التجاري اليومي، بينما يحذر منتقدون من تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية، وإمكانية الوصول إلى الإنترنت، ومستويات الشمول المالي.
ويُذكر أن مجلس السلام، الذي يضم عدة دول ويقوده الجانب الأمريكي، أُنشئ لدفع مسارات غير تقليدية لإعادة إعمار غزة، وسط انتقادات دولية تتعلق بآليات عمله وطبيعة التمثيل الفلسطيني ضمن هياكله.
إيران
تقف إيران عند تقاطع حساس بين ضغوط خارجية متصاعدة وتحولات داخلية متجددة، في لحظة تختبر فيها قدرتها على إدارة التوازن بين الردع والتفاوض، وبين احتواء الاحتجاجات والحفاظ على الاستقرار الداخلي. فالمفاوضات النووية تتقدم ببطء تحت سقف خلافات جوهرية، بينما تتعزز الحشود العسكرية الأمريكية في محيطها، وتتسارع التقارير عن صفقات تسليح وتطوير لقدرات استراتيجية.
في الداخل، تعود الجامعات إلى واجهة الحراك، بما يعكس استمرار التوتر الاجتماعي والسياسي. هذه التطورات مجتمعة تضع طهران أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على أوراق القوة دون دفع المنطقة نحو مواجهة شاملة، وإدارة الداخل في ظل بيئة إقليمية تزداد هشاشة وتعقيداً.
انتهاء الجولة الثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية بتحقيق “تقدم مهم” مزعوم
زعم وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي أن الجولة الثالثة من المباحثات بين إيران والولايات المتحدة والتي عقدت في جنيف الخميس 26 فبراير 2026، انتهت بتحقيق “تقدم مهم”، وستليها مباحثات تقنية في فيينا الأسبوع المقبل.
وكتب وزير الخارجية العماني، الذي يتولى الوساطة في المباحثات غير المباشرة ، في منشور على منصة إكس “أنهينا اليوم بعد تحقيق تقدم مهم في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. سنستأنف قريبا بعد تشاور في العواصم المعنية”. وأضاف “نقاشات على المستوى التقني ستجرى الأسبوع المقبل في فيينا” حيث مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية .
من جانبه قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتلفزيون الرسمي “حققنا تقدما جيدا وتطرقنا بجدية بالغة إلى عناصر الاتفاق، وذلك في المجال النووي وفي مجال العقوبات” المفروضة على إيران. وأكد أن المباحثات التقنية مع واشنطن ستبدأ الاثنين في فيينا.
وبث التليفزيون الرسمي في إيران صورا تظهر مغادرة الموكب الأمريكي مقر المباحثات النووية في جنيف.
وذكر موقع أكسيوس أن مبعوثي البيت الأبيض جاريد كوشنر و ستيف ويتكوف عبرا في وقت سابق عن خيبة أملهما مما سمعاه من الإيرانيين خلال المفاوضات.
وبحسب مصادر مطلعة، طالب الوفد الأمريكي طهران بتفكيك منشآتها النووية الرئيسية في فوردو وأصفهان و نطنز، وتسليم مخزونها المتبقي من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى اشتراط أن يكون أي اتفاق جديد بلا تاريخ انتهاء. كما شدد المفاوضون الأمريكيون على ضرورة إدراج قيود دائمة على البرنامج النووي الإيراني.
في المقابل، رفضت إيران نقل مخزونها من اليورانيوم إلى الخارج، واعترضت على إنهاء التخصيب أو تدمير المواقع النووية أو فرض قيود دائمة. واقترحت طهران خفض مستوى التخصيب إلى 1.5%، أو تعليق التخصيب لعدة سنوات، أو إنشاء كونسورتيوم عربي-إيراني داخل إيران لإدارة عمليات التخصيب بشكل مشترك.
وأفاد مسؤولون أمريكيون بأن واشنطن قد تنظر في السماح لإيران بتخصيب كمية محدودة من اليورانيوم لأغراض مفاعل الأبحاث في طهران، إلا أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصاً بشأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي اعتبره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو “مشكلة رئيسية” في المحادثات.
في موازاة المسار الدبلوماسي، انضمت مدمرة أمريكية إضافية إلى الأسطول البحري المنتشر في المياه القريبة من إيران، فيما اقتربت حاملة طائرات أمريكية من شرق البحر المتوسط، في خطوة تُقرأ على أنها رسالة ضغط عسكرية مرافقة للمفاوضات.
ويرى مراقبون أن الجمع بين المطالب الصارمة والتعزيزات العسكرية يعكس استراتيجية “الضغط المزدوج” التي تعتمدها واشنطن، غير أن الهوة بين مطلب التفكيك الكامل ورفض إيران للمساس بجوهر برنامجها النووي تجعل فرص التوصل إلى اتفاق شامل في المدى القريب محدودة، ما يضع المنطقة أمام مرحلة حساسة تتداخل فيها الدبلوماسية مع حسابات الردع العسكري.
إيران تقترب من إتمام صفقة صواريخ بحرية فرط صوتية مع الصين وسط تصاعد التوتر الإقليمي
كشفت مصادر مطلعة أن إيران تجري مفاوضات متقدمة مع الصين لشراء صواريخ كروز مضادّة للسفن من طراز سي إم-302 (CM-302) الفرط صوتية، في صفقة وُصفت بأنها قد تمثل تحولاً نوعياً في القدرات البحرية الإيرانية، وتثير مخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
وبحسب ستة مصادر مطلعة على مجريات التفاوض، فإن المحادثات بلغت مراحل متقدمة، غير أن تفاصيل جوهرية — من بينها عدد الصواريخ المزمع توريدها والجدول الزمني للتسليم — لم تُحسم بعد. وتشير المعطيات إلى أن الاتصالات بين الجانبين بدأت قبل نحو عامين، لكنها تسارعت في الأشهر الأخيرة على وقع التطورات العسكرية الإقليمية.
قدرات تقنية قد تغيّر موازين البحر
يُصنّف صاروخ سي إم-302 ضمن فئة الصواريخ الأسرع من الصوت، ويُقدّر مداه بنحو 290 كيلومتراً، مع قدرة على التحليق على ارتفاعات منخفضة وبسرعات عالية، ما يعقّد عملية رصده واعتراضه من قبل أنظمة الدفاع البحري. ويرى خبراء عسكريون أن إدخال هذا النوع من الصواريخ إلى الترسانة الإيرانية قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في الخليج العربي وخليج عُمان، ويزيد من المخاطر التي تواجهها السفن الحربية الغربية العاملة في تلك المياه.
توقيت حساس
تأتي هذه التطورات في وقت تعزز فيه الولايات المتحدة الأمريكية وجودها البحري والجوي في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد التوتر مع طهران بشأن برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. وتشير المصادر إلى أن وتيرة المفاوضات تسارعت بعد المواجهة العسكرية التي اندلعت بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي، ما أضفى بعداً استراتيجياً أكثر إلحاحاً على الصفقة المحتملة.
صمت رسمي وتحذيرات غير معلنة
حتى الآن، لم تصدر بكين إعلاناً رسمياً يؤكد إتمام الصفقة، فيما أفادت وزارة الخارجية الصينية بأنها لا تملك معلومات حول تفاصيل المفاوضات. من جهتها، امتنعت طهران عن التعليق المباشر. غير أن مراقبين يعتبرون أن المضي قدماً في مثل هذه الصفقة سيعكس تعميقاً في التعاون العسكري بين إيران والصين، وهو ما قد يضيف عنصراً جديداً إلى حسابات الردع والتوازن في المنطقة.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات سباق تسلح بحرياً متصاعداً في الخليج، حيث تتقاطع التحركات العسكرية مع حسابات سياسية دقيقة، في مشهد إقليمي يزداد هشاشة وتعقيداً.
طلاب جامعات إيرانية يطلقون أول احتجاجات واسعة منذ حملة القمع الدامية في يناير
شهدت عدة جامعات إيرانية احتجاجات مناهضة للحكومة، في أول تحرك طلابي واسع النطاق منذ حملة القمع الدامية التي أعقبت موجة التظاهرات في يناير/كانون الثاني الماضي.
وأكدت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أنها تحققت من مقاطع مصوّرة تُظهر مئات الطلاب وهم يسيرون داخل حرم جامعة شريف للتكنولوجيا في العاصمة طهران، مرددين شعارات مناهضة للسلطات، بينها “الموت للديكتاتور”، في إشارة إلى المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. وأظهرت اللقطات لاحقاً وقوع احتكاكات بين المحتجين ومشاركين في تجمع مؤيد للحكومة، كان بعضهم يرفع الأعلام الإيرانية.
كما تم توثيق احتجاجات واعتصامات سلمية في جامعة شهيد بهشتي وجامعة أمير كبير للتكنولوجيا في طهران، إضافة إلى تحركات طلابية في مدينة مشهد شمال شرقي البلاد، حيث ردد متظاهرون شعارات تطالب بالحرية وحقوق الطلاب.
إحياء ذكرى ضحايا يناير
وذكرت تقارير أن الطلاب تجمعوا لإحياء ذكرى آلاف القتلى الذين سقطوا خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت بمطالب اقتصادية قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر موجات التظاهر منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وبحسب وكالة “هرانا” الحقوقية ومقرها الولايات المتحدة، فقد قُتل ما لا يقل عن 7,015 شخصاً خلال احتجاجات يناير، بينهم 6,508 متظاهرين و226 طفلاً، إضافة إلى 214 شخصاً مرتبطين بالحكومة، فيما قالت السلطات الإيرانية إن عدد القتلى تجاوز 3,100، معتبرة أن معظمهم من عناصر الأمن أو مدنيين تعرضوا لهجمات من “مثيري الشغب”.
ولم تتضح على الفور حصيلة الاعتقالات خلال الاحتجاجات الأخيرة، وسط تقارير عن استمرار التحركات يوم الأحد.
توتر خارجي يفاقم المشهد
تأتي الاحتجاجات في وقت يتصاعد فيه التوتر بين طهران وواشنطن، مع تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري قرب إيران. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح بأنه يدرس إمكانية توجيه ضربة عسكرية محدودة، في حال فشل المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
من جهته، قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إن الرئيس يتساءل عن سبب عدم “استسلام” إيران في ظل الحشد العسكري الأميركي، مؤكداً أن واشنطن تملك “خيارات عديدة” في حال تعثر المسار الدبلوماسي.
انقسام داخل المعارضة
في الداخل والخارج، انقسمت أطياف المعارضة الإيرانية حول الموقف من أي تدخل عسكري خارجي. فبينما دعت بعض الأطراف المنفية إلى استغلال الضغوط الأميركية لإسقاط الحكومة، عارضت مجموعات أخرى أي تدخل أجنبي، محذرة من تداعياته على البلاد.
وتشير المعطيات إلى أن الساحة الإيرانية تقف عند تقاطع حساس بين ضغط خارجي متزايد وحراك داخلي متجدد، ما يضع السلطات أمام اختبار مزدوج: احتواء الاحتجاجات من جهة، وتفادي تصعيد إقليمي من جهة أخرى.
متابعات عربية
واشنطن تضغط على دمشق للتخلي عن التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات
كشفت مصادر مطلعة لرويترز أن الولايات المتحدة حذّرت الحكومة السورية من المضي قدماً في الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات، معتبرة أن ذلك يتعارض مع المصالح الأمريكية ويشكل خطراً على الأمن القومي. وجاءت الرسالة خلال اجتماع غير معلن عُقد الثلاثاء في سان فرانسيسكو بين فريق من وزارة الخارجية الأمريكية ووزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة، فإن واشنطن طلبت توضيحات بشأن خطط دمشق لشراء معدات صينية لتحديث أبراج الاتصالات والبنية التحتية لمزودي خدمات الإنترنت، في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة تأهيل قطاع دمرته سنوات الحرب والعقوبات. وأكد دبلوماسي أمريكي أن بلاده “حضّت بوضوح” سوريا على اعتماد التكنولوجيا الأمريكية أو تكنولوجيا دول حليفة بدلاً من المعدات الصينية.
الإدارة الأمريكية شددت على أن القوانين الصينية تتيح للسلطات إلزام الشركات بمشاركة البيانات الحساسة، معتبرة أن ذلك يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن. في المقابل، رفضت بكين مراراً اتهامات التجسس عبر شركاتها التكنولوجية.
من جانبها، أوضحت وزارة الاتصالات السورية أن أي قرارات تتعلق بالمعدات والبنية التحتية تُتخذ وفق معايير فنية وأمنية وطنية تضمن حماية البيانات واستمرارية الخدمة، مشيرة إلى أنها تسعى لتنويع الشراكات بما يخدم المصلحة الوطنية. إلا أن مسؤولين سوريين أشاروا إلى أن قيود التصدير الأمريكية وما وصفوه بـ “الإفراط في الامتثال” من قبل الشركات الغربية تمثل عائقاً أمام التعاون مع الشركات الأمريكية.
ويعتمد قطاع الاتصالات السوري بشكل كبير على التكنولوجيا الصينية منذ سنوات، إذ تشكل معدات شركة هواوي أكثر من نصف البنية التحتية لمشغلي الاتصالات الرئيسيين في البلاد. كما أعلنت شركة الاتصالات السعودية “إس تي سي” في وقت سابق من الشهر الجاري عن استثمار بقيمة 800 مليون دولار لتعزيز البنية التحتية عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4,500 كيلومتر.
وتأتي هذه التطورات في سياق تنسيق متزايد بين واشنطن ودمشق منذ عام 2024، عقب تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة بعد إطاحة بشار الأسد، في تحول سياسي أعاد رسم علاقات سوريا الإقليمية والدولية.
تعليق المعهد المصري
يعكس الضغط الأمريكي على دمشق جزءاً من التنافس الجيوسياسي الأوسع بين واشنطن وبكين في قطاعات البنية التحتية الحساسة، حيث أصبحت شبكات الاتصالات ساحة مركزية للصراع على النفوذ الرقمي.
بالنسبة لسوريا، فإن المسألة تتجاوز الاصطفاف السياسي إلى معادلة عملية بين السرعة والتكلفة من جهة، والقيود والعقوبات من جهة أخرى؛ فبينما توفر التكنولوجيا الصينية حلولاً سريعة وأقل كلفة نسبياً، تسعى الولايات المتحدة إلى منع ترسيخ نفوذ تقني صيني في دولة تستعيد موقعها الإقليمي. مستقبل القرار السوري سيعتمد على ما إذا كانت واشنطن ستقرن بضغوطها حوافز مالية وتقنية ملموسة، أم أن بكين ستظل الخيار الأكثر جاهزية في سباق إعادة إعمار البنية الرقمية السورية.
من أين يأتي الغاز الذي يصل إلى سوريا؟
مع بدء ضخّ الغاز من الأردن إلى سوريا مطلع عام 2026، برز جدل واسع حول المصدر الفعلي للإمدادات: هل هو غاز أردني أو مصري، أم أنه في النهاية غاز إسرائيلي يدخل ضمن شبكة إقليمية معقدة؟
الاتفاق الموقع بين الشركة السورية للبترول وشركة الكهرباء الوطنية الأردنية يقضي بتوريد نحو 4 ملايين متر مكعب يومياً عبر خط الغاز العربي، دون إعلان رسمي يحدد منشأ الغاز.
الأردن: بنية نقل جاهزة واعتماد كبير على إسرائيل
الأردن يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته الغازية من إسرائيل بموجب اتفاقية طويلة الأمد دخلت حيّز التنفيذ عام 2020. ورغم امتلاكه محطة للغاز المسال في العقبة، فإن الشحنات الأخيرة لا تكفي لتغطية صادرات مستقرة إلى سوريا. أما حقل الريشة المحلي، فرغم ضخامة احتياطياته التقديرية، فإن إنتاجه الحالي مخصص أساساً للاستهلاك الداخلي.
مصر: مركز إعادة توجيه وتسييل
تستقبل مصر نحو مليار قدم مكعب يومياً من الغاز الإسرائيلي، تعيد ضخ جزء منه في شبكتها المحلية وتُسيّل جزءاً آخر لإعادة تصديره. وبعد صفقة موسعة أقرّها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2025، عززت إسرائيل موقعها كمصدر رئيسي للغاز إلى مصر حتى 2040.
وفي إطار اتفاق العبور مع دمشق، تحصل سوريا على كميات من الغاز مقابل السماح بمروره إلى لبنان، لكن مصادر مصرية تشير إلى أن هذه الكميات تدخل ضمن الغاز الذي تستورده القاهرة من إسرائيل.
شبكة متداخلة ومصدر غير مُعلن
المعطيات الفنية تشير إلى أن الغاز المتجه إلى سوريا يمر عبر منظومة مختلطة المصادر، يشكّل الغاز الإسرائيلي فيها المكوّن الأبرز، سواء عبر الأردن مباشرة أو عبر مصر كمركز إعادة توجيه.
غياب إعلان رسمي صريح يترك المسألة في إطار “ترتيبات تعاقدية” أكثر منها تقنية، وسط حاجة سورية ملحّة لتعويض التراجع الكبير في إنتاجها المحلي من الغاز وتحسين التغذية الكهربائية.
وبين الضرورة الاقتصادية والحسابات السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تحصل دمشق على غاز عربي خالص، أم على طاقة أُعيد تدويرها داخل شبكة شرق متوسطية تتصدرها إسرائيل؟
عبر سوريا بدلاً من إسرائيل… السعودية تعيد رسم مسار كابل الألياف الضوئية نحو أوروبا
كشفت تقارير إعلامية أن السعودية تسعى لاعتماد سوريا كدولة عبور لكابل ألياف ضوئية يربط المملكة باليونان وأوروبا، بدلاً من المسار الذي كان مخططاً له سابقاً عبر إسرائيل، في خطوة تعكس تحولات لافتة في الاصطفافات الإقليمية ومشاريع الربط الاستراتيجي في شرق المتوسط.
وبحسب موقع “ميدل إيست آي”، فإن إصرار الرياض على تمرير المشروع عبر الأراضي السورية يشير إلى توجه سياسي يهدف إلى تعزيز موقع دمشق إقليمياً، وتقليل أي ارتباط مباشر مع إسرائيل في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
مشروع “ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط”
المشروع المعني يُعرف باسم “إي إم سي” (EMC)، وهو ممر بيانات أُعلن عنه عام 2022 كشراكة بين شركة الاتصالات السعودية “إس تي سي”، ومزود الكهرباء اليوناني، وشركات اتصالات يونانية، إضافة إلى شركة تطبيقات أقمار صناعية. ويهدف إلى إنشاء شبكة كابلات ألياف ضوئية تربط الخليج بأوروبا عبر اليونان، في إطار سعي دول الخليج إلى تصدير خدمات الذكاء الاصطناعي ونقل البيانات عالية السرعة إلى الأسواق الأوروبية.
وكانت وثيقة عرض صادرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تشير إلى أن المسار المخطط يمر عبر إسرائيل ومياهها الإقليمية، غير أن مصادر نقل عنها الموقع أكدت أن السعودية طرحت مؤخراً خيار المرور عبر سوريا بدلاً من ذلك.
إعادة تموضع إقليمي
يرى خبراء أن هذا التعديل المحتمل يعكس تحولاً في الحسابات السعودية. وقال كريستيان كوتس أولريخسن، الخبير في شؤون الخليج، إن إدراج سوريا بدلاً من إسرائيل ينسجم مع مساعي الرياض لإعادة دمج دمشق في محيطها العربي، وتقليل الروابط العلنية مع إسرائيل، خصوصاً بعد تعثر مسار التطبيع إثر الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بدوره، أشار جوليان رول، مستشار كابلات الألياف الضوئية البحرية في الولايات المتحدة، إلى أن عدداً من المشاريع السابقة كان مخططاً له المرور عبر السعودية والأردن وإسرائيل، لكن طلب العبور عبر سوريا يُعد تطوراً جديداً، موضحاً أن شركات القطاع تبحث عن مسارات برية إضافية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وأن سوريا قد تمثل خياراً بديلاً في حال استقر الوضع السياسي فيها.
أبعاد استراتيجية أوسع
لا يقتصر الطرح السعودي على كابل البيانات، إذ تحدثت مصادر عن مشروع موازٍ لمد كابل كهربائي عالي الجهد يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا واليونان، متجاوزاً إسرائيل، في إطار رؤية أوسع للربط الطاقي واللوجستي.
ويقول مسؤول غربي مطلع على تحركات الاستثمار السعودي إن دمشق تحتل موقعاً محورياً في رؤية الرياض للربط الإقليمي، مضيفاً أن المملكة تسعى لأن تمر الطرق والكابلات وخطوط السكك الحديدية عبر سوريا، بما يعزز موقعها كممر إقليمي.
استثمارات سعودية في سوريا
وفي هذا السياق، أعلنت شركة الاتصالات السعودية هذا الشهر عزمها استثمار نحو 800 مليون دولار في تطوير البنية التحتية للاتصالات في سوريا، بما يشمل شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر، وإنشاء مراكز بيانات، بهدف رفع كفاءة الربط الدولي وتأهيل سوريا لتكون نقطة عبور إقليمية لنقل البيانات.
كما أعلن وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح إطلاق مسار تعاون استثماري جديد مع دمشق يشمل قطاعات الطيران والمياه والاتصالات والبنية التحتية، مع التحضير لتوقيع اتفاقيات استراتيجية واسعة النطاق.
اليونان كمحور جديد للبيانات
تسعى اليونان إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لمسارات الكابلات، في ظل تنويع نقاط دخول الألياف الضوئية إلى أوروبا، بعد أن كانت مدن مثل مرسيليا و جنوا تمثلان البوابة الرئيسية. ويضع هذا التحول أثينا في موقع متقدم، إلى جانب تركيا، في خريطة الربط الرقمي الجديدة.
ويُعد مشروع “إي إم سي” من بين أكثر مشاريع الربط قابلية للتنفيذ حالياً، بعد توقيع اتفاق تمويلي بين بنوك سعودية ويونانية لتغطية 60% من تكلفته، إضافة إلى توقيع عقد توريد مع شركة “ألكاتيل” لبناء كابلين بحريين وبريين لنقل البيانات.
سياق إقليمي معقد
شهد شرق المتوسط خلال السنوات الماضية تعثر عدد من المشاريع الكبرى، من بينها خط أنابيب غاز كان مخططاً لربط اليونان وقبرص وإسرائيل، ومشروع كابل بحري ثلاثي بين الدول الثلاث، وسط اعتراضات تركية على بعض هذه المخططات.
ويأتي التحرك السعودي الجديد في هذا السياق المتشابك، حيث تتقاطع مشاريع الطاقة والبيانات والممرات التجارية مع الحسابات السياسية والتحالفات الإقليمية، ما يجعل مسار كابل الألياف الضوئية أكثر من مجرد خيار تقني، بل خطوة تحمل دلالات جيوسياسية واضحة في إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
ما علاقة ضم الضفة الغربية بخديعة “القِدر والضفدع”؟
بينما تتسارع الإجراءات الإسرائيلية على الأرض في الضفة الغربية، يتجنب صانع القرار في تل أبيب استخدام كلمة “الضم” رسمياً، مفضّلاً – وفق خبراء – استراتيجية تدريجية توصف مجازياً بخديعة “القِدر والضفدع”: تسخين بطيء للوقائع حتى تصبح أمراً واقعاً يصعب مقاومته.
ضم بلا إعلان
تواصل الحكومة الإسرائيلية توسيع نفوذها في مناطق الضفة، ليس فقط في المناطق المصنفة “ج” الخاضعة لسيطرتها وفق اتفاق أوسلو، بل أيضاً في مناطق “ب” و ”أ” التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات جزئية أو كاملة.
ومن بين القرارات الأخيرة لـ “الكابينت” الإسرائيلي: إنفاذ القانون في أراضي السلطة، وبدء إجراءات “تسوية الأراضي”، وهي خطوات يرى قانونيون أنها تمهّد لتحويل مساحات واسعة إلى “أراضي دولة” تُخصص لاحقاً للمستوطنين.
لكن السؤال المحوري: لماذا لا تُعلن إسرائيل الضم رسمياً؟
تجربة القدس نموذجاً
يستعيد خبراء تجربة القدس الشرقية بعد عام 1967، حين فُرض القانون الإسرائيلي عليها دون استخدام مصطلح “الضم” صراحة في النصوص الرسمية، رغم تحقق مضمونه عملياً.
السبب – وفق مختصين – يعود إلى أن القانون الدولي يُجرّم ضم الأراضي المحتلة، ما يدفع إسرائيل إلى تجنّب الإعلان الرسمي لتفادي تبعات قانونية ودبلوماسية، مع الاستمرار في فرض وقائع ميدانية لا تقل أثراً عن الضم الصريح.
“القِدر والضفدع” كاستراتيجية سياسية
تشير الاستعارة الغربية إلى أن الضفدع إذا وُضع في ماء يُسخّن تدريجياً لا يشعر بالخطر حتى يفقد قدرته على القفز.
بهذا المعنى، يرى محللون أن إسرائيل تنتهج سياسة “القضم البطيء”:
- توسع استيطاني متدرّج.
- تطبيق انتقائي للقوانين الإسرائيلية عبر أوامر عسكرية.
- تسجيل وتسوية أراضٍ يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
كل خطوة تبدو منفصلة وصغيرة، لكنها في مجموعها تُحدث تحولاً بنيوياً في الوضع القانوني والجغرافي للضفة الغربية.
ما وراء “التسوية”
يذهب بعض المحللين إلى أن خطوة “تسوية الأراضي” أخطر من إعلان الضم ذاته، لأنها تمنح صبغة قانونية داخلية دائمة لملكية الدولة الإسرائيلية للأراضي، ما قد يُغلق الباب أمام أي تسوية سياسية مستقبلية تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام.
كما أن نقل صلاحيات واسعة إلى القائد العسكري في المنطقة الوسطى، بما يشمل قرارات طوارئ ومصادرة ومنع البناء، يعمّق السيطرة الإدارية ويُحوّلها إلى سيادة فعلية غير مُعلنة.
البُعد الدولي
في يوليو/تموز 2024، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة تحمل سمات الضم الفعلي، حتى في غياب إعلان رسمي.
ومع ذلك، تواصل الحكومة الإسرائيلية السير في مسار تدريجي يقلل من احتمالات صدمة دبلوماسية فورية، مقارنة بما قد يسببه إعلان ضم شامل وصريح.
نظام جديد على الأرض؟
يحذّر محللون من أن ما يجري لا يقتصر على إعادة رسم خرائط، بل يتعداه إلى إعادة تعريف الواقع السياسي برمّته، عبر تكريس نموذج كيان فلسطيني محدود الصلاحيات، مقابل سيطرة إسرائيلية شاملة على الأرض والموارد.
الفرق بين “الضم الرسمي” و ”الضم الزاحف” قد يكون لغوياً أكثر منه واقعياً.
فالوقائع الميدانية – من توسع المستوطنات إلى تسجيل الأراضي وتقييد الحركة – ترسم مشهداً تدريجياً يغيّر طبيعة الضفة الغربية دون إعلان صريح.
وبينما ينتظر العالم خطوة قانونية واضحة، تتشكل على الأرض حقائق قد تجعل الإعلان – إن جاء – تحصيل حاصل.
للمرة الأولى.. واشنطن تقدم خدمات قنصلية داخل مستوطنة في الضفة الغربية
أعلن مسؤولون أمريكيون أن الولايات المتحدة ستباشر هذا الأسبوع تقديم خدمات إصدار جوازات السفر داخل مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة تُعد الأولى من نوعها التي ينفذ فيها موظفون قنصليون أمريكيون خدمات رسمية داخل إحدى المستوطنات.
وذكرت السفارة الأمريكية في القدس، عبر منشور على منصة “إكس”، أن فريقاً قنصلياً سيقدم خدمات جوازات السفر يوم الجمعة 27 فبراير/شباط في مستوطنة “إفرات” جنوب بيت لحم، والتي تضم عدداً كبيراً من المستوطنين الحاملين للجنسية الأمريكية. كما أشارت إلى خطط لتقديم خدمات مماثلة في مدينة رام الله، إضافة إلى مستوطنة “بيتار عيليت” القريبة من بيت لحم.
وتقدم الولايات المتحدة عادة خدماتها القنصلية من مقر سفارتها في القدس ومكتبها الفرعي في تل أبيب. ويُقدّر عدد المواطنين الأمريكيين – الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية بعشرات الآلاف.
سياق سياسي حساس
تأتي هذه الخطوة في ظل توجهات حكومية إسرائيلية لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. وكان مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو قد صادق هذا الشهر على إجراءات تُشدد السيطرة الإسرائيلية على مناطق في الضفة، بما يسهل توسيع المستوطنات على أراضٍ فلسطينية.
ويعيش أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، التي يقطنها نحو 3 ملايين فلسطيني. وتخضع أجزاء واسعة من الضفة لسيطرة إسرائيلية مباشرة، مع وجود حكم ذاتي فلسطيني محدود في مناطق تديرها السلطة الفلسطينية. وتعتبر غالبية دول العالم المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ولم تعلن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أي خطوات لوقف النشاط الاستيطاني، في وقت تشير فيه منظمات حقوقية إلى تصاعد وتيرة التوسع الاستيطاني خلال الفترة الماضية.
ويرى مراقبون أن تقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة إسرائيلية يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإداري، إذ قد يُفهم على أنه تكريس لواقع المستوطنات وتعزيز لارتباطها المؤسسي بالولايات المتحدة، في خطوة من شأنها إثارة ردود فعل فلسطينية ودولية بشأن الوضع القانوني للأراضي المحتلة.
متابعات إفريقية
هرتسوغ في أديس أبابا بعد أردوغان… سباق نفوذ في القرن الإفريقي
وصل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في زيارة رسمية تستمر يومين، بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المدينة ذاتها، في تزامن يعكس احتدام التنافس الدبلوماسي على النفوذ في القرن الإفريقي.
توقيت يحمل رسائل سياسية
تأتي الزيارة الإسرائيلية في لحظة إقليمية حساسة، حيث يشهد القرن الإفريقي اهتماماً متزايداً من قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تثبيت حضورها قرب واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، الممتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن. وقد شدد أردوغان خلال زيارته الأخيرة على ضرورة احترام سيادة دول المنطقة وعدم تحويلها إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية، في إشارة فُهمت على نطاق واسع بأنها تعكس تنافساً متصاعداً.
أجندة متعددة الأبعاد
مصادر دبلوماسية تشير إلى أن لقاءات هرتسوغ مع القيادة الإثيوبية تركز على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي، إلى جانب ملفات الأمن والتكنولوجيا والزراعة. وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة تنشيط علاقاتها الإفريقية، وتعزيز حضورها في الاتحاد الإفريقي الذي يتخذ من أديس أبابا مقراً له.
ملف “أرض الصومال” في الخلفية
من بين القضايا الحساسة التي تحيط بالزيارة، الجدل المتعلق بإقليم أرض الصومال وإمكانية الاعتراف به ككيان مستقل، وهو طرح أثار تحفظات إفريقية وعربية، نظراً لتداعياته المحتملة على استقرار منطقة القرن الإفريقي. ورغم عدم صدور إعلان رسمي، فإن إثارة هذا الملف تعكس تعقيدات الحسابات الإقليمية التي ترافق التحرك الإسرائيلي.
أهداف استراتيجية متشابكة
يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق عدة أهداف متوازية:
- تعزيز موطئ قدم قريب من الممرات البحرية الحيوية.
- موازنة النفوذ التركي والصيني المتنامي في شرق إفريقيا.
- توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي في منطقة تشهد اضطرابات ممتدة.
تحديات أمام الاستراتيجية الإسرائيلية
في المقابل، تواجه تل أبيب بيئة تنافسية قوية، حيث بنت أنقرة على مدى سنوات شبكة علاقات اقتصادية وعسكرية عميقة في الصومال وإثيوبيا ودول أخرى. كما أن أي تحرك يتعلق بملف “أرض الصومال” قد يثير حساسيات دبلوماسية داخل القارة، ويضع العلاقات الإسرائيلية مع بعض الدول الإفريقية أمام اختبار جديد.
في المحصلة، تعكس زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا بعد أردوغان سباقاً جيوسياسياً متصاعداً على القرن الإفريقي، حيث تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية مع رهانات النفوذ الإقليمي، في منطقة باتت أحد مفاتيح التوازنات في البحر الأحمر والشرق الأوسط معاً.
متابعات دولية
تصعيد غير مسبوق بين باكستان وطالبان: من حليف إستراتيجي إلى مواجهة مفتوحة
دخلت العلاقات بين باكستان وحركة طالبان الأفغانية مرحلة هي الأخطر منذ عودة الحركة إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، بعدما أعلنت الحكومتان تنفيذ ضربات جوية وبرية متبادلة على طول الحدود، في تصعيد وصفه وزير الدفاع الباكستاني بأنه يرقى إلى مستوى “حرب مفتوحة”.
وأفاد مسؤولون في إسلام آباد وكابول أن القوات الباكستانية شنت غارات ليلية استهدفت مواقع عسكرية ومستودعات ذخيرة تابعة لطالبان في عدة قطاعات حدودية، وذلك رداً على هجوم سابق نفذته قوات أفغانية ضد مواقع حدودية باكستانية. وأكد الجانبان سقوط قتلى وجرحى في الاشتباكات التي تركزت قرب معبر طورخم الحدودي.
من دعم تاريخي إلى صدام مباشر
طوال عقود، اعتُبرت باكستان الداعم الإقليمي الأبرز لطالبان منذ نشأتها في تسعينيات القرن الماضي، ضمن رؤية إسلام آباد لتحقيق ما يُعرف بـ”العمق الإستراتيجي” في مواجهة الهند. لكن هذا التحالف التقليدي بدأ يتصدع بعد 2021، مع تصاعد اتهامات باكستان لكابول بإيواء قيادات وعناصر من حركة تحريك طالبان باكستان.
وتقول السلطات الباكستانية إن هجمات مسلحة وعمليات انتحارية استهدفت الجيش والشرطة في مناطق شمال غربي البلاد، خصوصاً في إقليم خيبر بختونخوا ومناطق قريبة من بلوشستان، انطلقت من الأراضي الأفغانية. كما أشارت إلى تورط مسلحين في هجوم دموي بمنطقة باجور الأسبوع الماضي أوقع 13 قتيلاً، بينهم عناصر أمن ومدنيون.
في المقابل، تنفي طالبان الأفغانية السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد باكستان، وتتهم إسلام آباد بإيواء عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما تنفيه الحكومة الباكستانية.
وقف هش وتوتر متصاعد
وكانت مواجهات حدودية سابقة في أكتوبر/تشرين الأول قد أوقعت عشرات القتلى قبل أن تتدخل وساطات من تركيا وقطر والسعودية لفرض وقف إطلاق نار هش، سرعان ما انهار مع تجدد الهجمات.
ومنذ مطلع 2026، ارتفع منسوب التوتر مع تكرار إغلاق المعابر الحدودية وتعطّل حركة التجارة، في وقت تؤكد مصادر أمنية باكستانية امتلاكها “أدلة دامغة” على تخطيط هجمات انطلاقاً من الداخل الأفغاني.
اختلال عسكري واضح
على مستوى القدرات، تشير تقديرات إلى أن عدد مقاتلي طالبان يقارب 172 ألف عنصر، مقابل أكثر من 600 ألف عسكري في الجيش الباكستاني، إضافة إلى تفوق جوي واضح لصالح إسلام آباد التي تمتلك مئات الطائرات المقاتلة وآلاف المدرعات، بينما تفتقر طالبان إلى سلاح جو فعال.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً عسكرياً أكبر، سواء عبر توسيع باكستان ضرباتها الجوية، أو لجوء طالبان إلى هجمات حدودية وحرب استنزاف عبر عمليات غير نظامية.
وبينما يتبادل الطرفان الاتهامات، يبدو أن العلاقة التي بدأت بتحالف إستراتيجي طويل الأمد دخلت منعطفاً حاداً قد يعيد رسم ملامح الأمن في المنطقة الحدودية بين البلدين.
تحليل المعهد المصري:
يعكس التصعيد بين باكستان وطالبان حالة من “حرب السرديات” الموازية للمواجهة الميدانية، إذ تروّج إسلام آباد لرواية مفادها أن الهند تنسق أمنياً مع أفغانستان في إطار اصطفاف إقليمي أوسع، في ظل تنامي الشراكة بين نيودلهي وتل أبيب، ما يجعل الصراع – من وجهة النظر الباكستانية – جزءاً من طوق ضغط إستراتيجي يستهدفها من الجبهة الغربية بعد سنوات من التوتر مع الهند شرقاً.
في المقابل، تطرح طالبان رواية معاكسة تعتبر أن واشنطن تدفع باكستان إلى التصعيد بهدف إعادة موطئ قدم عسكري في قاعدة باغرام وإضعاف حكومة الحركة تمهيداً لإسقاطها، مستندة إلى تصريحات أمريكية سابقة للرئيس ترامب نفسه حول أهمية الموقع الإستراتيجي للقاعدة.
وبين هاتين الروايتين، قد يكون تحالف قوى دولية (أمريكا، إسرائيل، الهند) يسعى إلى استثمار التناقضات العميقة بين الطرفين وتغذية الشكوك المتبادلة لإشعال صراع عسكري بينهما، بما يؤدي إلى إنهاكهما أو إضعافهما، خاصة في ظل ضربة أمريكية إسرائيلية كبرى وشيكة على إيران.
زيارة مودي إلى إسرائيل: تحالف يتجاوز البروتوكول نحو هندسة إقليمية جديدة
لم تُقرأ زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في الإعلام الإسرائيلي كحدث بروتوكولي عابر، بل كرسالة سياسية متعددة الطبقات تتصل بإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. فالتغطية ركزت على دلالات التوقيت، والرمزية في اختيار الخطاب أمام الكنيست، والإشارات الموجهة إلى الداخل الإسرائيلي وإلى المجتمع الدولي، معتبرة أن الزيارة تمثل انتقال العلاقة من إطار التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية العلنية.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في التسعينيات، اتسمت الروابط بالحذر، في ظل إرث السياسة الخارجية الهندية المرتبطة بدعم القضية الفلسطينية ونهج عدم الانحياز. غير أن وصول مودي إلى السلطة عام 2014 شكّل نقطة تحول؛ إذ انتقلت العلاقة من “الظل الدبلوماسي” إلى العلن السياسي. وإذا كانت زيارة 2017 قد دشّنت هذا التحول، فإن زيارة 2026 – وفق القراءة الإسرائيلية – تثبّت العلاقة كمحور استراتيجي طويل الأمد.
الإعلام الإسرائيلي ربط الزيارة بالسياق الدولي الضاغط الذي تواجهه تل أبيب بعد الحرب الأخيرة، حيث برزت الهند كشريك ديمقراطي كبير يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً ورسالة مفادها أنها ليست في عزلة. وفي هذا الإطار، لم يُنظر إلى الخطاب الرمزي أمام الكنيست كمجرد لفتة بروتوكولية، بل كتأكيد على عمق الشراكة السياسية.
عملياً، تركزت التغطية على معادلة المصالح: التكنولوجيا والأمن من الجانب الإسرائيلي، والسوق والوزن الجيوسياسي من الجانب الهندي. التعاون يشمل مسارات التجارة الحرة، تبادل الخبرات، وصفقات أمنية، ما يجعل العلاقة – وفق توصيف إعلامي إسرائيلي – “تحالف مصالح لا تحالف شعارات”. حتى خلال الحرب الأخيرة، اعتُبر الموقف الهندي اختباراً ناجحاً للشراكة، عزز صورة نيودلهي كشريك يمكن الاعتماد عليه في الأزمات.
الزيارة أُدرجت أيضاً ضمن رؤية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لبناء شبكة تحالفات متعددة الأطراف، أو ما وصفه بـ“التحالف السداسي”، الذي يهدف إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الفضاء الغربي التقليدي. في هذا التصور، تمثل الهند ركيزة آسيوية في منظومة إقليمية أوسع تعيد توزيع مراكز الثقل في الشرق الأوسط.
البعد الاقتصادي حمل دلالات إضافية، أبرزها استحواذ شركة هندية بقيادة “أداني بورتس” على ميناء حيفا بعد خصخصته. الصفقة وُصفت في الإعلام الإسرائيلي بأنها خطوة استراتيجية تربط شرق المتوسط بشبكات الموانئ الهندية، وتضع الميناء ضمن مشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي، ما يعكس تحول العلاقة إلى شراكة بنيوية في سلاسل التجارة العالمية.
غير أن التغطية لم تغفل تأثير الانقسام الداخلي الإسرائيلي. فقد أثيرت تساؤلات في الأوساط الهندية حول استقرار العلاقة في ظل الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل، خاصة خلال مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة. هذه الإشارات تعكس قلقاً من أن الخلافات الحزبية قد تؤثر في استمرارية المكاسب الدبلوماسية.
في المحصلة، تُظهر القراءة الإسرائيلية أن العلاقة مع الهند لم تعد تفصيلاً ثنائياً، بل جزءاً من إعادة تموضع استراتيجي أوسع. فتل أبيب تسعى إلى تنويع حلفائها خارج الإطار الأوروبي التقليدي، بينما تُنظر إلى نيودلهي كقوة صاعدة قادرة على تعويض فجوات الدعم الغربي وتوفير عمق اقتصادي وسياسي في شرق المتوسط. وبين الطموح الإقليمي والقلق الداخلي، تتشكل شراكة تتحرك بهدوء، لكنها تحمل آثاراً بعيدة المدى على توازنات القوة في المنطقة.
مقتل “إل منتشو” يهز المكسيك… تداعيات أمنية مفتوحة على احتمالات التصعيد
أثار الإعلان عن مقتل زعيم المخدرات المعروف بلقب “إل منتشو” موجة واسعة من الترقب داخل المكسيك وخارجها، في حدث وصفه مراقبون بأنه تحول مفصلي في مسار المواجهة الطويلة بين الدولة وشبكات الجريمة المنظمة.
ويُعد “إل منتشو” الاسم الحركي لـ نيميسيو أوسيغويرا سيرفانتيس، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد، أحد أخطر التنظيمات الإجرامية في البلاد وأكثرها تسليحاً وتنظيماً. وقد ارتبط اسمه لسنوات بعمليات تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا، وبموجات عنف دامية داخل الأراضي المكسيكية.
فراغ قد يُشعل صراعات جديدة
رغم أن تصفية شخصية بهذا الحجم تمثل ضربة قوية للتنظيم، إلا أن خبراء أمنيين يحذرون من أن غياب القيادة المركزية قد يفتح الباب أمام صراع داخلي على النفوذ بين قادة الصف الثاني. وتشير تجارب سابقة في المكسيك إلى أن مقتل زعيم كارتل لا يعني بالضرورة تفكك الشبكة، بل قد يؤدي إلى انقسامها إلى فصائل متنافسة، ما يفاقم العنف على المدى القصير.
اختبار لاستراتيجية الدولة
تُعد العملية إنجازاً أمنياً بارزاً للحكومة المكسيكية، لكنها تضعها في مواجهة تحدٍ أكبر يتمثل في منع الفراغ الأمني من التحول إلى موجة فوضى. فنجاح الدولة لا يُقاس فقط بإسقاط القيادات، بل بقدرتها على تثبيت الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الكارتل، ومنع إعادة تشكّل الشبكات الإجرامية بأسماء جديدة.
أبعاد دولية متشابكة
دولياً، لقيت العملية ترحيباً من شركاء المكسيك في مكافحة تهريب المخدرات، لا سيما الولايات المتحدة، غير أن بعض الأوساط حذرت من أن أي انفلات أمني قد ينعكس عبر الحدود، سواء من خلال تصاعد تهريب المخدرات أو الهجرة المرتبطة بالعنف.
تداعيات اجتماعية واقتصادية
يتجاوز تأثير الحدث البعد الأمني، إذ يرتبط استقرار المناطق المتضررة بالاستثمار والسياحة وفرص العمل. وأي تصعيد في المواجهات بين العصابات قد ينعكس سلباً على الاقتصاد المحلي، ويعمّق التحديات الاجتماعية في ولايات غرب ووسط المكسيك.
في المحصلة، يشكل مقتل “إل منتشو” نقطة تحول محتملة في حرب المكسيك ضد الكارتلات، لكن المسار المقبل سيعتمد على قدرة الدولة على احتواء تداعيات الحدث ومنع تحوله إلى شرارة جولة جديدة من العنف المنظم.
رئيس الوزراء الكندي يطلق أول استراتيجية صناعية دفاعية في تاريخ البلاد باستثمارات تتجاوز 500 مليار دولار خلال عقد
أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، إطلاق أول استراتيجية صناعية دفاعية في تاريخ كندا، تتضمن استثمارات دفاعية تتجاوز 500 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، بهدف تعزيز الأمن القومي، وتوسيع القاعدة الصناعية المحلية، وخلق وظائف عالية الأجر في مختلف أنحاء البلاد.
وقال كارني خلال مؤتمر صحفي في مونتريال إن الخطة تنص على أنه خلال العقد المقبل سيتم استثمار 180 مليار دولار مباشرة في مشتريات الدفاع، و290 مليار دولار في البنية التحتية المرتبطة بالأمن والدفاع، إلى جانب تحقيق أكثر من 125 مليار دولار من الفوائد الاقتصادية غير المباشرة.
وأشار إلى أن قطاع الصناعات الدفاعية الكندي يوظف حالياً أكثر من 80 ألف شخص بشكل مباشر، إضافة إلى عشرات الآلاف بشكل غير مباشر، مؤكداً ضرورة “تعظيم العائد من استثمارات تتجاوز 500 مليار دولار لتعزيز أمننا، وتحسين وظائفنا، ومضاعفة فرص العمل، وحماية سيادتنا”.
وأكد كارني أن الاستراتيجية لا تقتصر على توسيع حجم القوات المسلحة فحسب، بل تشمل أيضاً تقوية الصناعات الوطنية، وتعزيز صمود الاقتصاد، وزيادة قدرة البلاد على التحرك بشكل مستقل عند الحاجة.
وأوضح أن الاستراتيجية تمثل “خطة جريئة لتزويد قواتنا المسلحة بما تحتاجه في الوقت المناسب، وتوسيع نطاق الشركات الدفاعية الكندية، وضخ مئات المليارات من الدولارات في قطاعات استراتيجية من اقتصادنا، مع خلق أكثر من 125 ألف وظيفة عالية الأجر عبر كندا”.
وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، تهدف كندا إلى زيادة صادراتها الدفاعية بنسبة 50%، ورفع نسبة عقود المشتريات الدفاعية الممنوحة للشركات الكندية إلى 70%، إضافة إلى زيادة إيرادات قطاع الصناعات الدفاعية المحلي بنسبة 240%.
كما تستهدف الخطة رفع جاهزية الأسطول البحري إلى 75%، والأساطيل البرية إلى 80%، والجوية إلى 85% خلال عقد، لتعزيز قدرات الدفاع الوطني.
وأوضح كارني أن الإطار العام للاستراتيجية يقوم على ثلاث ركائز: “التصنيع، الشراكة، الشراء”، مع إعطاء الأولوية للشركات الكندية والتعاون مع الحلفاء. وأعلن أن “وكالة الاستثمار الدفاعي” الجديدة ستكون حجر الزاوية في النهج المعتمد.
وأشار إلى أن الافتراضات السابقة حول سياسات كندا الدفاعية والخارجية “تغيرت بالكامل”، قائلاً: “الخطر أصبح أقرب إلى حدودنا، والعالم أكثر انقساماً، والقيادة الكندية ستُعرّف نفسها ليس فقط بقوة قيمنا، بل أيضاً بقيمة قوتنا”.
وأكد أن كندا في طريقها لتحقيق هدف إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع وفق معايير حلف شمال الأطلسي بحلول هذا الربيع، أي قبل عقد كامل من الجدول الزمني السابق، مشيراً إلى أن معدلات التجنيد في القوات المسلحة ارتفعت بنسبة 13% منذ يونيو الماضي.
وأضاف: “ستكون قواتنا المسلحة مدعومة بقاعدة صناعية دفاعية كندية مرنة. كل دولار سيتم إنفاقه لتعظيم الوظائف والمهن والصناعات هنا داخل كندا”.
وفي ما يتعلق بإمكانية انضمام كندا إلى نظام الدفاع الصاروخي الأميركي المقترح “القبة الذهبية”، قال كارني إن بلاده تستكشف المرحلة التالية من التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، وقد يشمل ذلك المشاركة في هذا المشروع.
وأوضح أن المحادثات مع المسؤولين الأميركيين “تسير بشكل جيد”، وأن النظام لا يزال قيد التطوير، مضيفاً: “إذا كان ذلك في مصلحة كندا – وهناك العديد من السيناريوهات التي قد تجعله كذلك – فسنكون مشاركاً راغباً”.
وعند سؤاله عما إذا كانت الاستراتيجية ستقلل من اعتماد كندا على الولايات المتحدة في الإنفاق الرأسمالي الدفاعي – والذي كان قد وصفه سابقاً بأنه يشكل ثلاثة أرباع الإنفاق – قال كارني إن الشراكة مع واشنطن تتمتع “بالعديد من نقاط القوة”، لكنه أقر بأنها تمثل “نوعاً من الاعتماد” ترغب أوتاوا في تعديله بشكل إيجابي عبر بناء قدراتها الدفاعية محلياً وتعزيز شراكاتها الخارجية.
وتأتي هذه الاستراتيجية في وقت تشهد فيه العلاقات بين كندا والولايات المتحدة توتراً منذ فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعريفات جمركية على السلع الكندية، ثم تعليق محادثات تجارية عقب بث إعلان كندي مناهض للتعريفات داخل الولايات المتحدة.
بريطانيا ترفض طلب ترامب استخدام قواعدها الجوية في أي ضربة محتملة ضد إيران
كشفت تقارير إعلامية بريطانية أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رفض طلباً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسمح للقوات الأميركية باستخدام قواعد جوية في المملكة المتحدة وأراضٍ بريطانية ما وراء البحار في حال تنفيذ ضربة استباقية ضد إيران، وسط مخاوف قانونية من أن يشكل ذلك خرقاً للقانون الدولي.
وبحسب صحيفة التايمز، التي كانت أول من نشر الخبر، فإن لندن منعت استخدام قاعدتين رئيسيتين: قاعدة سلاح الجو الملكي فيرفورد (RAF Fairford) في إنجلترا، ومنشأة دييغو غارسيا البحرية في المحيط الهندي، وهي إقليم بريطاني تُستخدم منذ عقود كنقطة ارتكاز استراتيجية للعمليات العسكرية الأميركية بعيدة المدى.
وتُعد دييغو غارسيا على وجه الخصوص قاعدة محورية لانتشار القاذفات الاستراتيجية الأميركية الثقيلة، بما في ذلك طائرات بي-52، بينما تمثل فيرفورد قاعدة أمامية مهمة للقاذفات الأميركية في أوروبا.
مخاوف قانونية
ونقلت التايمز عن مصادر حكومية بريطانية أن السماح باستخدام القواعد في أي هجوم محتمل على إيران قد يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، إذ لا يفرّق القانون – وفق المصادر – بين الدولة المنفذة للهجوم وتلك التي تقدم دعماً لوجستياً أو عملياتياً مع علمها بطبيعة الفعل غير المشروع.
كما نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وصحيفتا الغارديان والتلغراف تقارير مماثلة أكدت وجود خلاف بين لندن وواشنطن بشأن هذه المسألة.
ورفضت وزارة الدفاع البريطانية التعليق على ما وصفته بـ“المسائل العملياتية”، مؤكدة في بيان مقتضب أن المملكة المتحدة تدعم المسار السياسي بين الولايات المتحدة وإيران، وأن أولويتها هي “أمن المنطقة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي”.
خلفية سياسية متوترة
تاريخياً، كانت الطلبات الأميركية لاستخدام القواعد البريطانية تُدرس كل حالة على حدة، وفق معايير قانونية وسياسية لا تُعلن لأسباب أمنية. وكان وزير شؤون المحاربين القدامى البريطاني آل كارنز قد أكد في يناير/كانون الثاني أن أي قرار في هذا السياق يأخذ في الاعتبار “الأساس القانوني والمبررات السياسية”.
يأتي الخلاف في وقت تتصاعد فيه التوترات بين واشنطن وطهران، مع تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة تحسباً لاحتمال تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية.
وخلال اتصال هاتفي بين ستارمر وترامب هذا الأسبوع، ناقش الجانبان ملفات الشرق الأوسط وأوروبا، وفق بيانات رسمية، دون الإشارة علناً إلى مسألة القواعد العسكرية.
دييغو غارسيا في قلب الجدل
في تطور موازٍ، تراجع ترامب عن دعمه لاتفاق كانت لندن تسعى بموجبه إلى نقل السيادة على جزر تشاغوس – التي تضم قاعدة دييغو غارسيا – إلى موريشيوس مقابل عقد إيجار عسكري لمدة 99 عاماً.
وكتب ترامب على منصته “تروث سوشيال” أن ستارمر “يرتكب خطأً كبيراً” بالموافقة على الاتفاق، مشيراً إلى أن دييغو غارسيا وقاعدة فيرفورد قد تكونان ضروريتين “للقضاء على تهديد محتمل من نظام غير مستقر وخطير”، في إشارة إلى إيران.
غير أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد أصدرت قبل ذلك بيوم بياناً أعربت فيه عن دعمها لقرار المملكة المتحدة بالمضي قدماً في الاتفاق مع موريشيوس، ما أثار تساؤلات حول وجود تباين في المواقف داخل الإدارة الأميركية.
وعند سؤالها عن هذا التباين، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن ما ينشره الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل “سياسة الإدارة”.
حسابات عسكرية معقدة
لم تُستخدم قاعدتا دييغو غارسيا أو فيرفورد في الضربة المحدودة التي نفذتها الولايات المتحدة بطائرات بي-2 ضد مواقع نووية إيرانية في يونيو/حزيران الماضي، إذ انطلقت القاذفات حينها من قاعدتها في ولاية ميزوري الأميركية في رحلة استغرقت نحو 37 ساعة ذهاباً وإياباً.
غير أن محللين عسكريين يرجحون أن أي حملة جديدة ضد إيران قد تكون أوسع وأطول زمناً، ما يجعل استخدام قواعد أقرب إلى مسرح العمليات عاملاً حاسماً في تسريع عمليات التزود بالوقود وإعادة التسليح.
وفي المقابل، قد يعرّض استخدام قواعد أقرب إلى إيران القاذفات الأميركية لخطر ضربات انتقامية بصواريخ إيرانية، وهو ما يزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن ولندن في ظل التوتر المتصاعد.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.



