fbpx
دراساتالشرق الأوسطعسكري

التحرك المصري تجاه ليبيا: بين تأزم سياسي وحشد عسكري

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

في دراسة شاملة سابقة نشرها المعهد المصري للدراسات بعنوان “الدور المصري في ليبيا: المحددات والمسارات” تحدثنا عن أن احتمالية تدخل الجيش المصري بشكل مباشر ومعلن  في الساحة الليبية بدأت تزداد عن ذي قبل؛ وتم ربط هذا التدخل المصري المحتمل بفشل إيجاد مسار سياسي لحل الأزمة، واندلاع معارك تخوضها حكومة الوفاق ضد مليشيات خليفة حفتر للسيطرة على سرت والجفرة، ذلك الخط التي توقفت عنده قوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، بعد تحريرها لعدة مناطق في غرب ليبيا كانت تسيطر عليها مليشيات خليفة حفتر خلال الأشهر الماضية.

وبمتابعة المستجدات المستمرة في الملف الليبي، لم تظهر نتائج لأي تحرك سياسي جاد، سواء كان دوليا أو إقليميا لمحاولة تجنب حالة الصراع في الداخل الليبي، ولم تخرج إلى العلن أية مبادرة سياسية، دولية كانت أو إقليمية، لجمع طرفي الصراع الليبي على طاولة المفاوضات، بخلاف المبادرة المصرية التي طرحها عبد الفتاح السيسي خلال شهر مايو 2020م، ولم تحظَ بالقبول من قبل حكومة الوفاق.

وبمتابعة الأوضاع في الداخل الليبي، يظهر أن حكومة الوفاق ما زالت متمركزة عند خط سرت – الجفرة والذي كانت توقفت عنده بعد تحرير عدة مناطق في الغرب الليبي خلال الشهور الماضية، ولكن بالرغم من هذا فقد قُصفت قاعدة الوطية التي تقع الان تحت سيطرة حكومة الوفاق الشرعية خلال الأيام الماضية عدة مرات من قبل طيران حربي لم يعلن تبعيته لأي جهة، ولكن كشفت تقارير إعلامية مؤخرا،  وفقا لمصدر خاص في رئاسة الجمهورية التركية، بأن من قام بقصف قاعدة الوطية هي روسيا وليست مصر او الإمارات أو فرنسا[1]، وأفاد المصدر أن القصف يبدو أنه تجنب التجهيزات التركية، إلا أن أنباء أخرى أفادت أن القصف نتج عنه خسائر لبعض منظومات الدفاع الجوي التركية.[2] وقوبل قصف قاعدة الوطية التي تسيطر عليها قوات حكومة الوفاق، بقصف على قاعدة الجفرة والتي تتركز فيها قوات “فاغنر” الروسية ومليشيات خليفة حفتر، و قد نفت قوات حكومة الوفاق مسئوليتها عن ذلك القصف. وبخلاف هذا، فقد شهد الملف الليبي عدة تطورات جديدة منذ نشر المعهد المصري للدراسة السابق الإشارة إليها، نرصدها ونحللها في هذه الدراسة، على النحو التالي، وذلك بهدف تقييم إمكانية التدخل المصري عسكرياً بشكل واسع النطاق في المرحلة المقبلة.

أولاً: تطورات مواقف نظام السيسي والقوى الداعمة لحفتر:

كما تحدثت دراسة المعهد المصري المذكورة سابقاً، فإن هناك عددا من المحددات التي تحكم السياسة المصرية تجاه ليبيا، منها محددات كانت سائدة منذ بداية دعم السيسي لخليفة حفتر في 2014م، ومنها محددات طرأت بناء على تطورات الأحداث في الداخل الليبي، على سبيل المثال التدخل التركي في الساحة الليبية دعماً لحكومة الوفاق، ومنها أيضاً محددات تتعلق بالبلدين بصرف النظر عمن يكون في سدة الحكم من الطرفين.

من أهم تلك المحددات التي تحكم سياسة مصر في التعامل مع الملف الليبي التي ذكرناها، هو محدد “الأمن القومي المصري” أو “أمن النظام”؛ فليبيا تمثل عمقاً استراتيجياً لمصر نظراً لموقعها الجغرافي المجاور من الحد الغربي الاستراتيجي، ولذلك فإن عدم استقرار الأوضاع داخل الأراضي الليبية يعتبر تهديداً مباشر اً للأمن القومي المصري.

وبشكل عام، فإن الأوضاع في ليبيا ستكون محل اهتمام أي نظام يحكم مصر، بغض النظر عن خلفياته وتوجهاته، وسيعمل هذا النظام من باب مصلحة الأمن القومي المصري على دعم وحفظ الاستقرار داخل الأراضي الليبية بشكل كامل، وهو ما أفادت بعض التصريحات الرسمية التركية مؤخراً بتفهم مقتضياته.[3]

لكن على الجانب الأخر، فإنه في الدول غير الديمقراطية، يجري الخلط بين الأمن القومي للبلاد وأمن النظام إلى حد المساواة بين الأمن القومي للدولة (كيان، مؤسسات) وشخص الحاكم. لذا، فإن الإكثار من استخدام هذا المصطلح في مثل هذه الدول إنما يشير إلى الإجراءات التي من شأنها إبقاء الحاكم في السلطة، وحماية سلطته في حكم البلاد حتى لو تعارض ذلك مع المصلحة الوطنية أو أدى ذلك إلى انهيار الدولة أو تهديد عوامل بقائها، كما حصل في الكثير من البلدان العربية حتى الآن. 

ومن هذا المنطلق، فإن السيسي ينظر إلى ليبيا من خلال الخلط المتعمد بين الأمن القومي المصري وأمن نظامه الشخصي، وهذا من أهم محددات التعامل المصري الحالي مع الأوضاع في ليبيا. فنظام السيسي ينظر إلى الأراضي الليبية على أنها بيئة حاضنة للتيارات المسلحة التي تهدد أمن نظامه في حال سيطرة مشروع آخر غير مشروع حفتر على كامل الأراضي الليبية، أو حتى على الأقل على المنطقة الشرقية، تخوفاً من التهديدات المحتملة التي قد ترشح عن مثل هذا الوضع، وخاصة أن تواجد هشام عشماوي وعماد عبد الحميد (الضابطين السابقين في الجيش المصري الذين قادا تمردا مسلحا ضد النظام) فى مدينه درنه لسنوات زاد من تلك التخوفات.

ولذلك، فالسيسي لا يبدو أنه ينوى التنازل عن مشروع حفتر بالسيطرة على كامل الأراضي الليبية، وحتى إن لم يستطع الأخير السيطرة على الأراضي الليبية بالكامل، فلن يكون هناك مانع لدى السيسي أن يتم تقسيم ليبيا شرقاً وغرباً، لكي يحافظ على أمن نظامه. أما مقتضيات الأمن القومي المصري الحقيقية فتحتم أن تكون الأراضي الليبية موحدة تحت قيادة مركزية وطنية مسيطرة؛ ولكن عندما يفشل حفتر في تنفيذ مشروعه، فسيجعل السيسي أمن نظامه مقدماً على مصلحة الأمن القومي المصري.

في الوقت الراهن، لا توجد أية بادرة لحل سياسي للملف الليبي، وبناء على التطورات العسكرية داخل ليبيا خلال الأيام الماضية، يبدو أن احتمالية نشوب عمليات عسكرية بين أطراف الصراع متزايدة خلال الفترة المقبلة؛ ومما أعطى الجيش المصري خلال الأيام الماضية مبرراً للقيام بعدة تدريبات عسكرية على الجانبين الغربي والشمالي القريب من الحدود المصرية الليبية خلال شهر يوليو 2020م، وعلى رأس تلك التدريبات جاءت تدريبات حسم 2020 والتي شاركت فيها كافة أفرع الجيش المصري “برية- جوية- بحرية”.[4]

 بالإضافة الى ذلك، كما نقلت مصادر عسكرية خاصة، فهناك حشد عسكري بري وجوي وبحري مصري ناحية الاتجاهين الاستراتيجيين الغربي والشمالي بالقرب من الحدود الليبية بشكل مكثف في الوقت الراهن، سواءً في قاعدة محمد نجيب العسكرية بمدينة الحمام، أو قاعدة سيدي براني قرب الحدود، وذلك تحسباً لأي طارئ قد يدفع الجيش المصري للتدخل المعلن في ليبيا. وكما نقلت مصادر خاصة، فخلال الأيام الماضية تم نقل كميات كبيرة من دفاعات ومنظومات الدفاع الجوي للجيش المصري تجاه الحدود المصرية -الليبية، فضلا عن معلومات بتواجد وحدات غير مصرية في تلك المواقع.

وكما كشف الناشط والمراسل الحربي إبراهيم قصودة، خلال شهر يوليو 2020، فإن قوات عسكرية مصرية وصلت صباح يوم الاثنين الموافق 12 يوليو 2020، لمعسكر القاطع الحدودي سابقاً ومنطقة الخليج العسكرية بمنطقة إجدابيا؛ وحسب المراسل، فإن هناك دفعة قوات مصرية أخرى أُرسلت إلى سرت. وكما نقلت لنا مصادر خاصة، فإن هناك مجموعة من الضباط والجنود المصريين من المجموعة 129 صاعقة “ك 13” المتواجدة في محافظة الإسكندرية بالنطاق الاستراتيجي الشمالي المصري، عبرت إلى الأراضي الليبية خلال الفترة الماضية لتقديم شكل من أشكال الدعم العسكري لمليشيات خليفة حفتر.

وخلال شهر يوليو 2020م، رصدت قوات حكومة الوفاق الليبية، وصول إمدادات عسكرية قادمة من مصر إلى مدينة طبرق شمال شرقي ليبيا. ونشر المركز الإعلامي للجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق، صور لسيارات نقل مخصصة لحمل الأسلحة والعتاد الحربي.[5]

لم يكثف الجيش المصري فقط من تواجده قرب الحدود المصرية الليبية، بل عملت الدول الأخرى الداعمة لحفتر أيضا على حشد قواتها في سرت والجفرة تحسباً للمعارك القادمة فى حالة فشل حدوث عمليه سياسية بين أطراف الصراع. وكما صرح الناطق باسم قوات حكومة الوفاق العقيد طيار محمد قنونو يوم الجمعة الموافق 26 يونيو 2020م، فقد وصلت أنظمة روسية جديدة مضادة للطائرات إلى ميليشيات خليفة حفتر في مدينة سرت، وأكد أن “6 عربات (بانتسير) مضادة للطائرات وصلت إلى سرت، قادمة من روسيا”، وأشار قنونو إلى أن “أكثر من 11 رحلة لطائرات شحن روسية هبطت بمطار القرضابية جنوب مدينة سرت”، وأشار قنونو أيضاً إلى أن الطائرات الروسية كان على متنها مرتزقة سوريون وأسلحة وذخائر. كما أفادت بعض المصادر أن قوات حفتر تحشد مرتزقة من السودان وتشاد في جنوب إجدابيا وأرسلتهم إلى مدينة سرت، فضلا عن تواجد مجموعات من المرتزقة داخل الموانئ النفطية. وأشارت مصادر أخرى يوم 28 يونيو 2020م، أن قوات مرتزقة فاغنر ومرتزقة سوريين تنصب منصات صواريخ سكود في منطقة جارف في سرت، وتوقعت تلك المصادر أن تستهدف هذه الصواريخ مدينة مصراته إلى الغرب.

كما أكدت تقارير إعلامية صدرت مؤخرا وتم تأكيدها عن طريق صور أقمار صناعية واضحة بأن شهر يونيو شهد إرسال طائرات روسية من طراز سوخوي 24 وميج 29 وطائرات شحن عسكرية من طراز إليوشن 76 وطائرات استطلاع، فضلا عن تحديث وحدات الدفاع الجوي في قاعدة الجفرة الجوية.[6]

وفي سياق أخر لما قد يشير أن الأيام المقبلة ستشهد تطورات عسكرية على الأرض، أكد العميد إبراهيم بيت المال قائد غرفة عمليات تحرير “سرت- الجفرة” بأن قوات حكومة الوفاق استكملت كل التجهيزات لبدء عملية تحرير مدينة سرت، وتنتظر فقط قرار إشارة البدء من قبل حكومة الوفاق.[7]

وفي وقت سابق، نشرت غرفة عملية “بركان الغضب” التابعة لحكومة الوفاق الوطني صورا قالت إنها لحشود لقوات حفتر بعربات مسلحة ومنظومتي دفاع جوي من نوع “بانتسير” روسية الصنع، وأضافت عملية “بركان الغضب” أن هذه التعزيزات العسكرية لقوات حفتر متجهة إلى مدينة سرت، التي تسيطر عليها قوات حفتر المدعومة بمرتزقة شركة “فاغنر” الروسية، والجنجويد وسوريين.[8]

ثانياً: تطورات مواقف حكومة الوفاق وتركيا

فى 11 يوليو 2020م، أعلن الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني أنه سيعزز منظومته الدفاعية استعدادا لمعركة محتملة في مدينة سرت، وأضاف أنه سيشكل قوة مشتركة لتأمين المنطقة الغربية عقب طرد مليشيات خليفة حفتر منها؛ وقال آمر غرفة عمليات سرت والجفرة، التابعة لحكومة الوفاق، العميد إبراهيم بيت المال أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج وقادة عسكريين اتفقوا خلال اجتماع عُقد يوم السبت الموافق 11 يوليو 2020م، في طرابلس على زيادة الدعم الفني لمحاور القتال غرب سرت، وتحسين المنظومة الدفاعية بشكل أكبر وأوسع، وأضاف بيت المال أن ذلك جاء بعد رصد تعزيزات لقوات حفتر في المنطقة الواقعة بين سرت (450 كيلومترا شرق طرابلس) والجفرة.

وأعلن الجيش الليبي أن السراج بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي ناقش مع آمري المناطق العسكرية الغربية وطرابلس والوسطى، وآمر غرفة عمليات سرت – الجفرة؛ يوم السبت الموافق 11 يوليو 2020م، الوضع العسكري في البلاد بشكل عام، وجاهزية القوات في مختلف المناطق، وسير العمليات في منطقة سرت–الجفرة، إضافة إلى مراجعة إجراءات تأمين المناطق المحررة. وبحث الاجتماع تنظيم المؤسسة العسكرية، وآليات تنفيذ برنامج دمج واستيعاب التشكيلات العسكرية المساندة، وبرامج تطوير القدرات العسكرية الدفاعية لقوات الوفاق، في إطار برامج الشراكة مع عدد من الدول. وعُقد اجتماع السراج والقادة العسكريين في وقت تواصِل فيه قوات حكومة الوفاق تعزيز قواتها غرب مدينة سرت تحسبا لمعركة يقول ناشطون ليبيون إنها على الأبواب. كما يأتي ذلك في مقابل استمرار قوات حفتر في تعزيز مواقعها بالمدينة، مدعومة بمجموعات مسلحة سودانية وتشادية، بالإضافة إلى المرتزقة الروس من شركة “فاغنر”.[9]

الجانب التركي، وهو الداعم الأهم لحكومة الوفاق الشرعية، ما زال حاضراً في المشهد الليبي وبقوة، فخلال شهر يوليو 2020م، قام وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بزيارة إلى العاصمة طرابلس وكان برفقته رئيس الأركان يشار غولر، وقائد القوات البحرية الأدميرال عدنان أوزبال؛ وأكد وزير الدفاع التركي أثناء الزيارة مضي بلاده في الوقوف إلى جانب حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًّا.[10] من جهته، جدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو موقف بلاده الداعم لحكومة الوفاق، وقال إن الحكومة الليبية لا تقبل وقف إطلاق النار في ليبيا إلا في حال انسحاب مليشيا حفتر من سرت والجفرة، والعودة إلى خط اتفاق الصخيرات، وحذر أوغلو في مقابلة مع صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية من أن تصعيد التوتر قد يؤدي إلى نشوب صراع مباشر بين القوات الأجنبية الداعمة لمختلف الأطراف في لبيبا.

كما صرح الرئيس رجب طيب أردوغان بعد تصريحات السيسي أثناء اجتماعه بشيوخ قبائل ليبيا، وقال إن خطوات النظام المصري في ليبيا ووقوفها إلى جانب حفتر الانقلابي تدل على أنها تسلك نهجا غير مشروع، وأضاف الرئيس أردوغان “مسؤولياتنا في ليبيا ستستمر كما كانت ولن نترك الليبيين وحدهم”.[11]

في حين قالت وسائل إعلام تركية منذ أيام أن القوات البحرية التركية أعلنت اعتزامها إجراء مناورات بحرية قبالة سواحل ليبية عدة، أطلق عليها “نافتيكس”. وتتضمن المناورات، التي سُتجرى في غضون الأيام المقبلة، تدريبات ضخمة للقوات الجوية والبحرية.[12]

إلا أنه في المقابل كشفت تقارير صحفية عن مصادر مصرية مطلعة عن سعي الحكومة التركية لتجنب وصول الخلافات مع مصر إلى مرحلة الصدام، و كشفت هذه المصادر عن استضافة الخارجية المصرية لوفد تركي في 27 يونيو الماضي، وسط تكتم إعلامي، حيث ضم الوفد دبلوماسيين و مسئولين أمنيين رفيعي المستوى، و بحث الوفد مع مسئولين مصريين عددا من قضايا الخلاف بين الجانبين، و على رأسها الأزمة الليبية، و اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة و طرابلس، و وفق المصادر، فإن أنقرة سعت من وراء اللقاء إلى تبديد مخاوف القاهرة بشأن الاتفاق، و أن تدخلها عسكريا لدعم حكومة طرابلس لن يمس أمنها القومي[13]. إلا أن المتابع للتصريحات الرسمية المصرية والتغطية الإعلامية في وسائل الإعلام المعبرة عن النظام، لا تعكس أي استعداد لتقبل مثل تلك المحاولات التركية، على الرغم من أن بعض الأجهزة الرسمية البيروقراطية والسيادية في مصر قد تكون مرحبة بالتوجه التركي، لكن السيسي ونظامه المسيطر على منظومة الحكم لا يبدو مستعدا لأي تفاهم مع تركيا.

ثالثاً: التطورات المحتملة في المرحلة المقبلة

خلال الشهور الماضية طبقت قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، عسكرياً بامتياز في المناطق الغربية تكتيكات مراحل الحرب الثلاث خلال فترة قصيرة، فانتقلت تدريجياً من مرحلة الاستنزاف (الدفاع الاستراتيجي) إلى مرحلة التوازن (التوازن الاستراتيجي) ثم مرحلة الحسم (الهجوم الاستراتيجي)، وخلال الشهور الماضية سيطرت قوات الوفاق على مساحات كبيرة كانت تسيطر عليها ميليشيات خليفة حفتر.

 ويرى خبراء عسكريون أن توقف قوات حكومة الوفاق عند خط سرت–الجفرة لبعض الوقت متفهَّم عسكرياً، لأن قوات حكومة الوفاق كلما سيطرت على أراضي جديدة، تحتاج إلى تجهيزات إضافية من مضادات طائرات ومنظومات دفاع جوي وتسليح بري لإحكام السيطرة على الأراضي المحررة والدفاع عنها من أي هجوم مضاد جوي أو بحري، وسيحتاج هذا من حكومة الوفاق لبعض الوقت، و يدعم هذا الرأي أن القوات الحكومية كانت قد سيطرت على قاعدة الوطية ونشرت بمحيطها منظومات دفاع جوي بشكل مكثف لتأمينها، لكى تتجنب أي أعمال عدائية ضدها وتحافظ على ذلك المكتسب الهام، إلا أن القاعدة وهذه المنظومات تعرضت لقصف جوي من عناصر “مجهولة”، مما يشير إلي صعوبة توفير الحماية الكاملة للقاعدة في الوقت الراهن.

إن عنصر المباغتة في العمل العسكري عنصر هام، وتكتيك الهجوم الاستراتيجي في المعارك يحتم استغلال التفوق الميداني لاكتساب أراضي جديدة في حالة القدرة والاستطاعة، ولذلك فإن توقف قوات حكومة الوفاق وعدم تقدمها لخوض معارك للسيطرة على سرت قد يشير بالفعل إلى أنها حاولت استغلال مكاسبها العسكرية في فرض عملية تفاوض سياسي لصالحها، على الأقل في الوقت الراهن.

 لذلك من الوارد أن يكون توقف حكومة الوفاق المدعومة تركياً عند ذلك الحد، كان بغرض السيطرة على سرت والجفرة ودخولها عن طريق التفاوض السياسي لتجنب  الدخول فى معارك عسكرية أخرى  قد لا تكون نتيجتها محسومة بشكل كامل، ويمكن أن يكون انسحاب مسلحي شركة فاغنر الروسية من سرت (450 كيلومترا شرق طرابلس) في اتجاه موانئ الهلال النفطي التي تقع شرقا وتخضع لسيطرة قوات حفتر خلال الأيام الماضية قد يشير الى تلك التفاهمات[14] ، ولكن من وجهة نظرنا، وكما نقل بعض العسكريين، فإنه لا توجد أية بوادر  عسكرية فعلية على الأرض تشير الي أن هناك تفاهمات جادة نتج عنها اتفاق بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي، وأن سحب قوات فاغنر ما هو إلا إعادة تموضع وانتشار وتوزيع أدوار بين القوات والمليشيات الداعمة لخليفة حفتر في مناطق الاشتباك المحتملة، وقد يكون إغراء حكومة الوفاق والجانب التركي الداعم لها بإمكانية الحل السياسي من قبيل الخداع لكسب الوقت لاستكمال تجهيزات تزيد من صعوبة السيطرة على سرت والجفرة، كما أفادت المعلومات عن بعض تلك التجهيزات و التي تم استعراضها سابقا في هذه الورقة، أو حتى الاستفادة بالوقت للتجهيز لهجوم مضاد على المناطق المحررة في الغرب (يرجع إلى الدراسة الشاملة للمعهد و التي تم الإشارة إليها سابقا، و التي أفادت باحتمال أن تكون السيطرة على المنطقة الواقع فيها حقل الشرارة النفطي جنوبا، جزء من عملية تطويق واسع للأراضي المحررة في الغرب بتشكيل قوس يمر بسرت–الجفرة–أوباري).

وتشير القراءة الأولية للأوضاع الراهنة في الداخل الليبي إلى أن هناك تأزم في إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية خلال تلك المرحلة، ولذلك فإن احتمالية اندلاع معارك قادمة بين حكومة الوفاق ومليشيات خليفة حفتر للسيطرة على سرت والجفرة، والتي يراها النظام المصري خطا أحمر، تزداد بشكل كبير خلال الفترات المقبلة، وهو ما يفسر الحشد العسكري المكثف في الوقت الراهن لكافة الأطراف الدولية والإقليمية المتواجدة في الداخل الليبي.

وربما ما صرح به أنور قرقاش وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتية منذ أيام يشير الى ذلك، فقد كتب “قرقاش” على حسابه على موقع تويتر “طبول الحرب التي تقرع حول سرت في ليبيا تهدد بتطور جسيم وتبعات إنسانية وسياسية خطيرة”.

ومن ناحية أخرى، يعمل نظام السيسي من الآن على إيجاد المبرر الذي يشرعن دخوله في المعترك الليبي خلال المرحلة القادمة في حالة تدهور الأوضاع ونشوب معارك قادمة بين حكومة الوفاق ومليشيات خليفة حفتر المدعومة مصرياً للسيطرة على سرت والجفرة؛ و في هذا السياق خرج عدد من البيانات المتكررة التي يصدرها رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، والتي كان آخرها منذ أيام وجاء فيها “للقوات المسلّحة المصرية التدخّل لحماية الأمن القومي الليبي والمصري إذا رأت أنّ هناك خطراً داهماً وشيكاً يطال أمن بلدينا”، ووصف البيان مصر بأنها “عمق استراتيجي لليبيا على كافة الأصعدة، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية على مرّ التاريخ”.[15]

لم يقف الأمر على ذلك فقط بل يعمل النظام المصري على استغلال كل أوراقه في الداخل الليبي ليشرعن ما هو محتمل مستقبلاً من التدخل العسكري المصري، فقام نظام السيسي يوم الأربعاء الموافق 15 يوليو 2020م، باستقبال وفد من المجلس الأعلى لشيوخ وأعيان القبائل الليبية على متن طائرة خاصة قادمة من بنغازي. وكما تناولت الصحف المصرية المؤيدة لنظام السيسي، فإن هذه الزيارة تزامنت مع دعوة مجلس برلمان طبرق الجيش المصري للتدخل العسكري في ليبيا لحماية الأمن القومي المصري والليبي، لتأييد ذلك الأمر في حال حدوثه.[16] استقبل السيسي وفد القبائل يوم الخميس الموافق 16 يوليو 2020م، والكلمات التي تحدث بها السيسي أثناء اللقاء تشير أيضاً الى استنفار النظام المصري وتأكيده على التدخل المصري المعلن في حال فشل الحل السياسي بين أطراف الصراع، وفي حالة تجاوز خط سرت– لجفرة من قبل قوات حكومة الوفاق كونه سيسبب تهديدا للأمن القومي المصري كما صرح السيسي أثناء اللقاء.[17]

حرص السيسي في حديثه لشيوخ قبائل ليبيا على إظهار قوة الجيش المصري وجهوزيته للتدخل العسكري في ليبيا حيث قال “إنه بالرغم من قدرة مصر على تغيير المشهد العسكري، بشكل سريع وحاسم حال رغبتها في ذلك، وأن لديها أقوى جيش في المنطقة وفي أفريقيا، لكن هذا الجيش رشيد جدًا ولا يعتدي ولا يغزو خارج أراضيه”، وظل السيسي يؤكد طوال حديثه مع شيوخ قبائل ليبيا على أن النظام المصري لن يسمح بانتقال المعارك أو “الفوضى” الى مناطق الشرق الليبي، وأكد السيسي أثناء حديثه على أن الجيش المصري سيلبي نداء برلمان طبرق في حال تدهور الأوضاع، أو كما قال السيسي “إن تستنصروا بنا فسننصركم”، وكل هذا يشير إلى جدية التدخل العسكري المصري في حالة تجاوز سرت والجفرة ونقل المعارك الى مدن الشرق الليبي، لأن هذا يعتبره السيسي تهديداً لأمنه الشخصي وأمن نظامه[18]، والمتابع للإعلام المصري يلحظ تحشيداً واضحاً لمعركة قادمة تتزايد احتمالاتها لمواجهة ما يطلق عليه في الإعلام المصري “الاحتلال التركي العثماني” لليبيا.

التوافق السياسي في الوقت الحالي في حالة تأزم؛ ومع احتمال فشل الوصول إلى حل سياسي، فقد ينفجر الموقف في أي لحظة، مما سيترتب عليه جر الجيش المصري إلى مستنقع صراع لا يمكن على الإطلاق التنبؤ بعواقبه، ليس فقط على مستوى ليبيا، ولكن على الداخل المصري أيضا بشكل كبير.

رابعاً: دوافع وكوابح التدخل العسكري المصري:

من واقع تحليلاتنا السابقة، فهناك عدة دوافع تدفع السيسي للتدخل العسكري المعلن والواسع في ليبيا في الوقت الراهن، وفى المقابل أيضاً هناك عدة كوابح قد تجعله لا يخطو خطوة كتلك حتى لا يكون هناك مردود سلبي على نظامه بسبب هذا التدخل، وسنستعرض في السطور القادمة كلا الأمرين:

1-الدوافع:

أ- أمن النظام: فالسيسي كما ذكرنا سابقاً يتعامل مع الملف الليبي كونه يمثل بعداً لأمنه الشخصي وأمن نظامه، ونقل المعارك إلى أراضي الشرق من الغرب يعتبره السيسي تهديدا مباشراً كما صرح مراراً، مما يمكن أن يدفعه إذا قدر أن الموقف العسكري سيترتب عليه تهديد لأمن نظامه حال انهيار منظومة حفتر أمام قوات الوفاق.

ب-لُحمة الصف الداخلي: يعاني السيسي من عدة مشاكل وأزمات داخلية بسبب سوء إدارته لبعض الملفات السياسية والاقتصادية، وتتواجد داخل المؤسسات السيادية أطراف معارضة له ولنظامه، وتحاول تلك الأطراف الضغط على النظام طوال الفترة الماضية لتحقيق عدة مكاسب، وفي أوقات الحروب تحدث حالة وطنية وتجنب للصراعات البينية، وقد يكون فتح الجبهة الليبية دافع هام للسيسي في الوقت الحالي لتحشيد المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية الأخرى وإسكات الأصوات المعارضة.

ج-خطة للهروب إلى الأمام: الوضع المحلي المصري يشهد حالياً العديد من الصعوبات الاقتصادية والأمنية، ومن المرجح أنها ستزداد سوءًا نتيجة الأثار الصحية والاقتصادية المترتبة على سوء التعامل مع أزمة جائحة “كورونا”، فضلاً عن ملف سد النهضة، مما قد يترتب عليه اشتعال احتجاجات واسعة النطاق. وفي ضوء ذلك، ومع تدهور الأوضاع في ليبيا وتأزم مشروع حفتر بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، والذي سيعتبره النظام تهديدا مباشرا على أمنه واستقراره، فقد يعمل نظام السيسي على التدخل العسكري بشكل أكبر في الملف الليبي كخطة للهروب من الوضع الداخلي المتأزم، وإشغال الرأي العام المصري بقضية أخري، وهي الدفاع عن الأمن القومي المصري الذي يتعرض للخطر بناء على سيطرة “المسلحين المتطرفين” على الشرق الليبي كما يردد السيسي، وهذه هي استراتيجية نظام السيسي، “الأمن أولاً”، ويستغل الأحداث الجارية كفزاعة لتخويف وإشغال الراي العام المصري بقضايا أخرى، تماماً كما يتعامل النظام مع الأحداث الجارية في سيناء لإثبات أن الدولة تحارب “إرهاب عنيف” مدعوم إقليمياً ودولياً، وأن الدولة تعمل ليلاً ونهاراً لمكافحة هذا “الإرهاب”، وبالتالي فأي حالة إخفاق في الملفات الأخرى (الاقتصادية على سبيل المثال) فإنها تهون، ويجب على الشعب تحملها وفقا لاستراتيجية “الأمن أولاً”، خاصة و أن النظام فقد القدرة الحقيقية على التعامل المؤثر في ملف آخر يهدد الأمن القومي المصري، وهو ملف سد النهضة.

د-الجغرافيا العسكرية: ليبيا دولة جوار لمصر، والجيش المصري من المنطقي أنه على علم بالجغرافيا العسكرية لليبيا ومنطقة الشرق الليبي تحديداً كونها قريبة من جغرافية المنطقة الغربية المصرية، لذلك يرى السيسي أن معرفة قواته بالأرض ومسرح العمليات ربما سيعطي له الأفضلية في إدارة المعارك عن قوات حكومة الوفاق وداعميها خلال نشوب معارك إذا تم تجاوز سرت والجفرة، وقرب  الجيش المصري من مسرح العمليات أيضاً سيسهل عليه استمرار الإمدادات وتحرك قواته أثناء المعارك بحرية بشكل أسهل من القوات التركية الداعمة لحكومة الوفاق.

ه-مبرر الشرعية: الجيش المصري هو الجيش الوحيد من الدول الداعمة لحفتر، الذي يمكن أن يدعي أن تدخله العسكري في ليبيا هو تدخل شرعي، كونه يأتي حفاظاً على الأمن القومي المصري من جانب، وذلك ما يكرره السيسي في خطاباته، ومن جانب أخر سيدعي النظام المصري شرعنة تدخل الجيش المصري كونه جاء من قبل دعوة مجلس ليبي منتخب “مجلس نواب طبرق”، وربما هذا أيضاً سيكون أحد العوامل التي ستستغلها القوي الأخرى المتحالفة مع السيسي للدفع به في المعارك بينما جيوش الدول الأخرى الداعمة لحفتر تفتقر لمثل هذه “المشروعية” و لا تستطيع دعم حفتر إلا بمجموعات مختلفة من المرتزقة.

و- ضغوط خارجية: ضغوط من داعمي حفتر، خاصة دولة الإمارات للدفع بالجيش المصري للتدخل العسكري في ليبيا، وربط هذا التدخل بالدعم الاقتصادي التي تقدمه دولة الإمارات إلى نظام السيسي، في ذلك التوقيت التي تعاني فيه مصر من مشاكل اقتصادية كبيرة، ربما ستسوء خلال الفترة المقبلة نتيجة تداعيات أزمنة جائحة كورونا، ونتيجة الوضع الاقتصادي المتأزم لنظام السيسي، و بالتالي سيكون لديه حرص على ألا يخسر حليفاً مثل الحليف الإماراتي الداعم الرئيس لنظامه، ولذلك فقد يضطر النظام المصري بأن يشارك ويتدخل عسكرياً في الداخل الليبي نتيجة الضغط الإماراتي، وقد لا يستطيع السيسي أن يناور ويمتنع كما ناور سابقاً في التدخل العسكري في اليمن، والتف على الاتفاق المصري السعودي لأن الظرف الآن مختلف وجغرافية ليبيا لمصر ليست كجغرافية اليمن لمصر، والعلاقات الإماراتية بالنسبة لنظام السيسي أعمق بكثير من العلاقات السعودية المصرية.

2-الكوابح:

أ-الخوف من التبعات:  دخول السيسي المعلن في المعارك داخل ليبيا أمر سيكون له تبعات، فربما يتعرض الجيش المصري لبعض الهزائم والخسائر، فالجيش المصري يعاني بشكل كبير في مواجهة التمرد المسلح في سيناء أمام مجموعة من المسلحين غير النظاميين، وربما عند مواجهة الجيش المصري لقوات نظامية عسكرية محترفة قد تكون خسائره أكبر، وهذا سيكون له تبعات سلبية داخل المؤسسة العسكرية ويُحدث حالة من السخط على السيسي داخل الجيش، كونه أدخل الجيش في معركة غير مدروسة، وربما سيعرض هذا الأمر السيسي لانتقادات قد تؤثر على سمعته العسكرية داخل الجيش، وفي نهاية المطاف من الممكن أن يتعرض السيسي لخطر حقيقي من داخل الجيش ربما تصل الى الإطاحة به إذا ازداد حجم الخسائر و اتضح فشل المغامرة العسكرية. وقد دلت بعض الخبرات المماثلة على مثل ذلك الأمر، فالجيش الأرجنتيني في الثمانيات أطاح بالرئيس فيديلا الذي وصل الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري عام 1976، بعد خسارته المهينة في حرب الفوكلاند أمام الجيش البريطاني.

ب-ملف سد النهضة: دخول السيسي في حرب داخل ليبيا في نفس التوقيت التي تعاني منه مصر في إدارة ملف سد النهضة، والذي يشكل تهديدا استراتيجيا مباشرا للأمن القومي المصري، قد يعرض السيسي لانتقادات داخلية كبيرة سواء داخل المؤسسة العسكرية أو بين الشعب، التي قد ترى أن التهديد المتعلق بسد النهضة يفوق كثيرا أي تهديد قد يأتي من جهة ليبيا، مما قد يفتح أبوابا للقلاقل التي لا يرغب فيها السيسي.

ج-فرصة للأطراف المناوئة: هناك أطراف تعارض السيسي من داخل المؤسسات السيادية، واشتبكت تلك الأطراف مع السيسي في أكثر من موضع حتى تحقق بعض أهدافها، وكانت أخطر محاولة استغلتها تلك الأطراف في الضغط على السيسي في 20 سبتمبر، ولكن السيسي استشعر ذلك الخطر واحتوي تلك الأطراف بعد حراك 20 سبتمبر 2019م، ولكن سرعان ما عاد السيسي لإستراتيجيته في التنكيل بتلك المجموعات؛ ودخول السيسي في الداخل الليبي وتعرضه لهزائم، سيعطي فرصة لتلك المجموعات لكي تضغط على السيسي مرة أخرى بهدف التخلص منه، بعد أن أصبحت المعركة صفرية بين الطرفين.[19] و يمكن أن تشيع هذه الأطراف أن زج السيسي بالجيش المصري في معارك غير ضرورية سيترتب عليه خسائر كبيرة و سيكون له عواقب وخيمة على تماسك الجيش و قدرته على القيام بمهامه. ومن هذا المنطلق قد يفكر السيسي كثيرا قبل دخول مثل هذه المغامرة العسكرية لتجنب مثل هذا السيناريو.

د-اعتراض أمريكي: من الكوابح التي قد تمنع السيسي من التدخل العسكري في ليبيا، وجود اعتراض أمريكي على ذلك التدخل المصري الواسع النطاق، باستخدام أسلحة أمريكية ليواجه جيش دولة عضو في حلف الناتو (تركيا). الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي تعمل على كبح جماح الروس في ليبيا، ولا تسمح بان يكون للروس مشروع ومستقبل في ليبيا، ومن خلال هذا تفهّمت وقبلت الولايات المتحدة التواجد التركي في ليبيا، فلذلك قد يكون للولايات المتحدة الأمريكية اعتراض على التدخل المصري  في الوقت الحالي لأن مصر وروسيا الإتحادية تعملان جنباً الى جنب في الداخل الليبي، وتحقيق نجاح من قبل التدخل العسكري المصري، واستعادة السيطرة لمليشيات حفتر مرة أخري يصب في مصلحة روسيا، وهذا يبقي أو قد يزيد من النفوذ الروسي في ليبيا، وهذا ما قد يواجَه باعتراض أمريكي. جدير بالذكر أن محمد بويصير المستشار السياسي السابق لخليفة حفتر وهو أمريكي- ليبي يقيم في تكساس، الآن هو من أكبر داعمي حكومة الوفاق الوطني، وكتب على صفحته بعد لقاء السيسي بشيوخ القبائل الليبية، بأن مدير المخابرات المصرية اللواء عباس كامل أبلغ الوفد الذى ظهر مع السيسي أن الوضع الدولي لا يسمح بتدخل عسكري مصري، كما أن مصر تخشى التورط لسنوات في النزاع الليبي ولكن ذلك لا يعنى أن مصر لن تدعمهم   سياسيا ولوجستيًا، وربما هذا يشير إلى الاعتراض الأمريكي بالتحديد على التدخل المصري.

خامساً: الخلاصة

في الوقت الراهن، من وجهة نظرنا، تزداد قوة عوامل تدخل السيسي المعلن في الداخل الليبي، وموافقة البرلمان المصري على قرار يجيز قيام الجيش بـ “مهام قتالية” في الخارج، و تحديدا في الاتجاه الاستراتيجي الغربي،قد يشير الى هذا[20] (على الرغم من إمكانية أن تكون هذه الموافقة، مع الشحن الإعلامي المصاحب لها هي من سبيل الضغط لإجبار قوات الوفاق لعدم التحرك شرقا) ،وإذا فشلت مساعي إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، وعملت حكومة الوفاق على استئناف العمليات العسكرية للسيطرة على كافة الأراضي الليبية كما تعلن باستمرار، ستزداد قوة الدوافع التي ستدفع السيسي للتدخل المعلن في ليبيا حفاظاً على أمن نظامه.

السيسي ليس لديه بديل حاليا غير الاستمرار في دعم مشروع حفتر داخل ليبيا، ولن يتخلى عنه مهما كانت الأسباب، حتى لو تخلت عنه الدول الداعمة الأخرى الإقليمية والدولية، مثل روسيا والإمارات والسعودية، فمعركة تمكين حفتر يعتبرها السيسي في الوقت الراهن “معركة صفرية” بالنسبة له لأنه يمثل الأمن لنظام السيسي نفسه. ومصر لا تضمن كفاءة أي شخصية عسكرية ليبية للقيام بالدور الذي يقوم به حفتر (على عكس الموقف الروسي مثلاً الذي قد يفضل الاعتماد على بعض من رموز نظام القذافي السابق)، وترى مصر أن اختفاء حفتر عن المشهد سيترتب عليه حدوث نزاعات وانشقاقات في معسكره لا يترتب عليها وجود “قائد قوي” واحد؛ لذلك ستعمل على دعم حفتر خلال الفترة المقبلة بكافة أشكال الدعم، وقد ظهر هذا بالفعل خلال الأشهر الماضية، ومن المنتظر أن يستمر في المستقبل المنظور بشكل أكبر.

وإذا تراجع حفتر وأصبح في موقف عسكري وسياسي أسوأ مما هو عليه الآن، وانحصرت سيطرته فقط على النطاق الشرقي في ليبيا، وتأزمت كل الطرق للحل السياسي بين الأطراف الليبية، فإن السيسي يمكن أن يصل إلى دعم مشروع تقسيم ليبيا إذا فقد الأمل في بقاء ليبيا موحدة تحت قيادة حفتر، حتى يظل مشروع حفتر هو الذي يسيطر على الجزء الشرقي الليبي المتاخم للحدود المصرية، حفاظاً على أمن نظام السيسي ومصالحه.

وإذا نجحت حكومة الوفاق في نقل المعارك إلى المنطقة الشرقية لفرض سيطرتها على كافة الأراضي الليبية، وتجاوزت خط سرت-الجفرة الذي يراه النظام المصري “خطا أحمر”، حيث تشير تصريحات وبيانات حكومة الوفاق إلى ذلك، بهدف بسط نفوذ الحكومة على كافة التراب الليبي، فسيتدخل نظام السيسي بشكل مباشر ومُعلن بقوات كبيرة في تلك المعارك، حيث لم يكفِ الدعم المقدم إلى قوات حفتر بالتسليح المتطور أو الدعم باستخدام المرتزقة لحسم الأمر. وسُيبرر السيسي ذلك التدخل بأنه يأتي حفاظاً على الأمن القومي المصري ومواجهة التيارات المتشددة التي تحاول السيطرة على الأراضي الليبية الحدودية مع الأراضي المصرية، وكذلك مواجهة الدور التركي الذي يدّعي نظام السيسي أنه يعمل على زعزعة استقرار الدولة المصرية، خصوصا في ظل التصريحات المتكررة التي يطلقها عقيلة صالح بأن ليبيا في حاجة إلى دعم الجيش المصري في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة حفاظاً على الأمن القومي المصري والليبي، وهو ما قد يؤشر إلى إمكانية حدوث مثل هذا التدخل.[21]

و يُظهر التحليل الذي تقدمه هذه الدراسة أن دوافع واحتمالات الصراع العسكري في ليبيا  تزداد مع مرور الوقت، و هذا بالضرورة سيرفع من احتمالات التدخل العسكري المباشر للجيش المصري، و يجعل دوافع تدخله تغلب على كوابحه، على الرغم من استمرار وجود كوابح قوية لهكذا تدخل. و مثل هذا التدخل من وجهة نظرنا سيترتب عليه مخاطر جمة يتعرض لها الجيش المصري و الأمن القومي المصري بشكل عام بالدخول في مغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب، تضيف إلى التحديات الجمة التي تواجهها مصر في الوقت الراهن تحدياً قد يدفع بها حثيثاً نحو فشل الدولة و عدم قدرتها على الوفاء بالاستحقاقات الضرورية لمواطنيها.


الهامش

[1] من الذي قصف قاعدة الوطية بليبيا؟ مصادر خاصة تتحدث للجزيرة نت، الجزيرة نت، تاريخ النشر 16 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[2] قاعدة الوطية: هل أعطى حلفاء حفتر “درسا” لتركيا أم أن قصف القاعدة سيعجل بزحف حكومة الوفاق إلى سرت، بي بي سي، تاريخ النشر 08 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[3] الرئاسة التركية: – نتفهم المخاوف الأمنية “المشروعة” للقاهرة حيال حدودها مع ليبيا؛ غير أنها تتبع “سياسة خاطئة” بدعم حفتر، الأناضول، تاريخ النشر 21 يونيو 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[4] الجيش المصري يعلن عن مناورات على حدود ليبيا مرتبطة بـ”متغيرات حادة وسريعة”، روسيا اليوم، تاريخ النشر 11 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[5] قوات الوفاق ترصد وصول إمدادات عسكرية من مصر دعما لحفتر، الجزيرة مباشر، تاريخ النشر 15 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[6] “الجزيرة مباشر” ترصد مقاتلات روسية ووحدات دفاع جوي جديدة في الجفرة (صور)، الجزيرة مباشر، تاريخ النشر 18 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 18 يوليو 2020م، الرابط

[7] الوفاق: أنظمة روسية بسرت.. ومرتزقة روس يدخلون حقل الشرارة، عربي21، تاريخ النشر 26 يونيو 2020م، تاريخ الدخول 2 يونيو 2020م، الرابط

[8] ليبيا.. جيش الوفاق يعزز دفاعاته استعدادا لمعركة سرت ويشكل قوة لتأمين المنطقة الغربية، الجزيرة، تاريخ النشر 13 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[9] ليبيا.. جيش الوفاق يعزز دفاعاته استعدادا لمعركة سرت ويشكل قوة لتأمين المنطقة الغربية، رابط سابق

[10] بالصور.. وزير الدفاع التركي يتفقد جنود بلاده في ليبيا، الجزيرة، تاريخ النشر 04 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[11] أردوغان: خطوات مصر في ليبيا غير مشروعة، تركيا الآن، تاريخ النشر 17 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[12] مناورات عسكرية مصرية غرب البلاد.. وتركيا تستعد لأخرى بحرية قبالة سواحل ليبيا، سي ان أن، تاريخ النشر 10 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[13] حصري.. الخليج الجديد يكشف تفاصيل مباحثات مصرية تركية حول ليبيا، الخليج الجديد، تاريخ النشر 18 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 18 يوليو 2020م، الرابط

[14] هل اقتربت معركة سرت؟ أنباء عن انسحاب المرتزقة الروس والوفاق تحذر السيسي من التدخل في ليبيا، الجزيرة نت، تاريخ النشر 15 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[15] الحرب في ليبيا: برلمان طبرق يجيز لمصر التدخل العسكري، بي بي سي، تاريخ النشر 14 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[16] فيديو.. القاهرة تستقبل وفد القبائل الليبية لمناقشة التداعيات الراهنة للأزمة الليبية، اليوم السابع، تاريخ النشر 15 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[17] السيسي: أي تجاوز لخط سرت الجفرة تهديد للأمن القومي المصري، اليوم السابع، تاريخ النشر 16 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 16 يوليو 2020م، الرابط

[18] “إن تنتصروا بنا فسننصركم”. أبرز رسائل الرئيس السيسي للشعب الليبي، الوطن، تاريخ النشر 16 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[19] القوى المناوئة للسيسي وسياسات إدارة الفرص، المعهد المصري للدراسات، محمود جمال، تاريخ النشر 21 أبريل 2020م، تاريخ الدخول 17 يوليو 2020م، الرابط

[20] البرلمان المصري “يمهد” الطريق للتدخل العسكري في ليبيا، دويتش فيله، تاريخ النشر 20 يوليو 2020م، تاريخ الدخول 21 يوليو 2020م، الرابط

[21] عقيلة صالح: ليبيا ستحتاج إلى دعم الجيش المصري في حربها ضد الإرهاب، مصراوي، تاريخ النشر 25 يونيو 2020م، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. التحليل جد مفهم حيث قدم و بموضوعية مختلف العوامل التي تجعل دولة مصر تتدخل عسكريا في الشان الليبي و كذا عواقب هذا التخل الا انه لم تتعرض الدراسة الى وجهت نظر دول الجوار التي قد يكون لها دور في هذه القضية خاصة و ان النطقة تشهد نفاعلات سياسية و اقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close