fbpx
اقتصادتقارير

مصر: القرارات الاقتصادية لمواجهة تداعيات كورونا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

القرارات الاقتصادية لمواجهة كورونا

يقوم التوازن الاقتصادي على التساوي بين جانبي العرض-الذي يمثله رجال الأعمال- والطلب الذي يمثله المستهلكون، ومن المفترض أن سياسات مواجهة الأزمة تعالج الآثار السلبية المتوقعة على جانبي العرض والطلب، فإذا ما عالجت أحدهما فقط دون الآخر فسيصبح الاقتصاد المصري أعرجاً لا يقوى على النهوض، وإذا ما انحازت السياسات إلى مصالح الطبقات الغنية وأهملت الفقراء والطبقة المتوسطة تكون سياسات عوراء لا تري إلا بعين واحدة انتقائية ومتحيزة.

وهذا لا يعني الدعوة إلى إهمال جانب العرض ومصالح الطبقات المنتجة، وإنما دعوة للتوازن، وإعادة المراجعة بشأن إطلاق حزم مكملة من السياسات الاقتصادية التي تستهدف الطبقات الفقيرة والمتوسطة – والتي تشكل الغالبية العظمي من الشعب المصري – لكي تساعدها على الخروج من الأزمة الحالية التي تواجه الجميع.

ويمكن استقراء حزمة السياسات التي أطلقتها الدولة المصرية ممثلة في مجلس الوزراء والبنك المركزي لمواجهة التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا من خلال النقاط التالية:

أولا: قرارات مجلس الوزراء لمواجهة الأزمة:

يمكن اعتبار قرارات مجلس الوزراء من قبيل السياسات المالية حيث إن معظمها جاء في إطار التخفيضات والإعفاءات الضريبية، وذلك في مقابل مجموعة من القرارات النقدية التي أعلن عنها البنك المركزي، وجاءت قرارات المجلس كما يلي:

القرار الأول: خفض سعر الغاز الطبيعي للصناعة عند 4,5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، كما تقرر خفض أسعار الكهرباء للصناعة للجهد الفائق والعالي والمتوسط بقيمة 10 قروش لكل كيلو وات فى الساعة، مع تثبيت وعدم زيادة أسعار الكهرباء لباقي الاستخدامات الصناعية لمدة من 3 – 5 سنوات قادمة‪:

الهدف من هذا القرار هو خفض فاتورة الطاقة على المصانع، وهو أمر مهم في ضوء أن خفض التكاليف يعني استعادة جزء من الحصة السوقية محلياً وخارجياً للصناعات كثيفة الطاقة والتي فقدتها جراء تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي ورفع أسعار المحروقات، وهذا الخفض في أسعار الطاقة للمصانع قد يترتب عليه خفض أسعار المنتجات النهائية، وهو ما يصب في صالح المواطن، وكذلك في توسعة الأسواق، وهو ما يعني خلق فرص عمل جديدة، وكلاهما في صالح المواطن ولو بعد حين.

إلا أنه يمكن الإشارة هنا إلى نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: أن خفض أسعار الغاز الطبيعي كان مطلباً ملحاً لأصحاب المصانع قبل بداية أزمة فيروس كورونا، وأن الحكومة المصرية استجابت جزئياً لذلك بخفض سعر الغاز دولاراً واحداً في قرار سابق، وبالطبع أرى ان الحكومة كان لزاماً عليها الاستجابة لمناشدة المصنعين، حيث انخفضت أسعار الغاز العالمية إلى أقل من 3 دولار للمليون وحدة حرارية قبل الأزمة، ولا تزال الانخفاضات مستمرة في أسعاره حتى بلغ 1.580 دولار للمليون وحدة حرارية صباح 22 مارس الجاري.

هذا يعني ببساطة أن الحكومة تقدم الغاز الطبيعي للمصانع بثلاثة أضعاف سعره العالمي، وأن التحسن المتوقع في التكاليف لن يحدث أثره على المستوي الدولي حيث تتمكن الصناعات العالمية المنافسة من شرائه بأسعار أقل، وبما يعني كذلك أن السوق المحلي هو المنفذ الوحيد لتصريف تلك المنتجات مرتفعة التكلفة، وأن الحكومة بهذه الأسعار حرمت هذا المستهلك المحلي من السعر المنخفض وأجبرته على شراء منتج مرتفع الثمن في ظل الحماية الجمركية التي تعمل لصالح تلك الصناعات، كما يعني ذلك أن خلق فرص عمل جديدة عبر التوسع التسويقي أمر محل نظر، حيث محدودية القدرات الشرائية للمستهلك المحلي، وانعدام القدرة على المنافسة الخارجية لارتفاع التكاليف.

والسؤال الذي قد يتبادر للأذهان يتعلق بالاستفهام حول محدودية انخفاض سعر الغاز الطبيعي، بعد انهياره عالمياً، والإجابة الواضحة هنا أن الورطة الاقتصادية التي تسببت فيها رعونة السلطة باستيراد كميات ضخمة من الغاز من “إسرائيل” وبأسعار تزيد عن 5 دولار للمليون وحدة حرارية، تجبر الحكومة على عدم الاستجابة لنداءات المُصَنّعين لخفض السعر والذي ستتحمل موازنة الدولة خسائره بصورة مباشرة إن خفضت السعر بنسب أكبر، أو تتحمله بصورة غير مباشرة عندما ينقص إنتاج تلك الصناعات لارتفاع التكلفة وبالتالي تنخفض مدفوعاتها الضريبية التي تمول الإيرادات العامة .

 ومن الواجب الآن وفي ظل التداعيات الاقتصادية الصعبة لانتشار فيروس كورونا أن تحاول الحكومة المصرية الضغط على الجانب الإسرائيلي لمراجعة إمكانية خفض الأسعار، لا سيما في ظل ما يمكن تسميته بالجائحة العالمية والتي يمكن ان يتفهمها التحكيم الدولي إذا ما تذرعت مصر به كسبب لإيقاف الصفقة. وفي حال رفض الجانب الآخر، يجب الموازنة بين الغرامات المنصوص على دفعها في حال توقف الجانب المصري عن الشراء وبين فروق الأسعار التي ستتحملها الموازنة العامة وجيوب المواطنين بصورة نهائية نتيجة ارتفاع الأسعار، كما لا يجب أن ننسى الإنتاج المحلي من الغاز والذي تم تخفيضه بسبب الاستيراد.

عموماً، يمكن القول إن استمرار تنفيذ صفقة الغاز الإسرائيلي، خسارة مؤكدة للاقتصاد المصري، فالترويج غير المدروس لأن تصبح مصر مركزاً إقليمياً للغاز الطبيعي تهاوي كلياً، ليس فقط بعد وفرة المعروض قبل إبرام الصفقة، ولكن أيضاً بعد التباطؤ العالمي الذي بدا بالفعل كنتيجة مباشرة لازمة انتشار الفيروس. وللأسف سيدفع المواطن والمُصَنّع المصري كلفة تغييب الكفاءات ودراسات الجدوى قبل التعاقد، وتغليب أهل الحظوة الأمنية والمصالح السياسية عند إبرام التعاقدات والاتفاقيات الاقتصادية.

النقطة الثانية: أن الخفض المحدود لسعر للغاز الطبيعي لم يشمل الاستهلاك المنزلي بشكليه أسطوانة البوتاجاز، أو الغاز الموصل للمنازل، وهو ما يؤكد عور الرؤية لصانع تلك السياسة، وتحميل المواطن لأخطاء نزقه التعاقدي (المواطن المصري الفقير يدعم المواطن الإسرائيلي!)، ومحاباته لرجال الأعمال على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة، لا سيما أن هذا هو الخفض الثاني للسعر الذي يتجاهل المواطن.

القرار الثاني: توفير مليار جنيه للمصدرين خلال شهري مارس وإبريل 2020؛ لسداد جزء من مستحقاتهم وفقاً للآليات المتفق عليها (مبادرة الاستثمار والسداد النقدي المعلن عنها للمصدرين)، مع سداد دفعة إضافية بقيمة 10% نقداً للمُصَدّرين فى يونيو 2020:

طبقاً للبيان المالي لمشروع الموازنة العامة 2019/2020 فقد تزايد دعم وتنمية الصادرات في الموازنة العامة للدولة من 2.3 مليار جنيه في عام 2017/2018 والي 4 و6 مليار جنيه في العامين الماليين 2018/2019 2019/2020 على الترتيب.

وبذلك خصصت الحكومة 6 مليارات جنيه لرد أعباء الصادرات للعام المالي 2019/2020، وتشمل 2.4 مليار جنيه كمساندة نقدية أي بنسبة 40% من إجمالي المخصص و1.8 مليار جنيه تخصم من التزامات الشركات المصدرة لدى وزارة المالية وهو ما يمثل حوالي 30%، و1.8 مليار جنيه لدعم البنية التحتية للتصدير أي بنسبة 30%، وتعتبر المقاصة مع وزارة المالية حلا جيدا في ظل ان الحكومة لم تُدفع للمصدرين طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، ومؤخرا فقط مع مطلع 2020 أطلقت برنامجاً لتلافي ذلك.

توجد العديد من الدراسات ([1]) التي انتقدت برامج دعم الصادرات، ومن أبرز تلك الانتقادات عدم وجود أسس ومعايير لاختيار القطاعات التي تحصل على دعم الصادرات، وقيام العديد من الشركات بالتلاعب وتقديم مستندات غير حقيقية لصرف المساندة التصديرية، وأن الصناعات الكبيرة هي التي تحصل على النسبة الأكبر من الدعم، فضلاً عن عدم وجود رقابة على صرف الدعم، وعدم وجود دعم بالأساس للصناعات ذات التكنولوجيا العالية (ذات القيمة المضافة المرتفعة)، إضافة إلى عدم الاهتمام بدعم الصناعات الصغيرة.

والعرض السابق يوضح أن الحكومة التزمت -ولو مع إيقاف التنفيذ- بدعم المصدرين حتى في الفترات الاقتصادية الصعبة أثناء تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، والذي رفع الدعم عن المواطنين، بينما وفرته في صور مختلفة للمصدرين، كما أن الحكومة حلت مشكلتها بتكرار التلكؤ في دفع مستحقات الشركات بتبني برامج جديدة، وهو ما يعني شدة حرصها علي دعم المصدرين توازياً مع رفع الدعم عن الفقراء، وفي النهاية فإن الحكومة سارعت بصرف أجزاء من المستحقات المالية للمصدرين دون أن تواجه بجدية الانتقادات التي وجهتها الدراسات المختلفة لهذا البرنامج.

القرار الثالث: تأجيل سداد الضريبة العقارية المستحقة على المصانع والمنشآت السياحية لمدة 3 أشهر، والسماح بتقسيط الضريبة العقارية المستحقة على المصانع والمنشآت السياحية عن الفترات السابقة، من خلال أقساط شهرية لمدة 6 أشهر، ورفع الحجوزات الإدارية على كافة الممولين الذين لديهم ضريبة واجبة السداد مقابل سداد 10% من الضريبة المستحقة عليهم وإعادة تسوية ملفات هؤلاء الممولين من خلال لجان فض المنازعات.

يشير القرار الصادر بشدة إلى تحيز السياسات الحكومية الكبير إلى رجال الأعمال، فتأجيل سداد الضريبة العقارية المستحقة على المصانع والمنشآت السياحية لمدة 3 أشهر، والسماح بتقسيط الضريبة العقارية المستحقة على المصانع والمنشآت السياحية عن الفترات السابقة، من خلال أقساط شهرية لمدة 6 أشهر، وفي الحقيقة أتعجب من عدم إضافة المواطن العادي إلى هذا القرار حيث تأثير هذه الإضافة السلبي على نقص الإيرادات العامة شديد الضعف.

مالكو الوحدات السكنية من الطبقة المتوسطة والمقرر على وحداتهم ضريبة عقارية بعد ارتفاع قيمة وحداتهم فوق حدود الإعفاء الحكومي بعد موجة التضخم الناتجة عن برنامج صندوق النقد مع الحكومة وقعت غالبيتهم الآن تحت خط الفقر، وبالتالي فإن معاملة عقاراتهم بالمثل مع المصانع والمنشآت السياحية كان أمراً أكثر حتمية في ظل تآكل مواردهم المالية، وفي ظل أنها عقارات غير هادفة للربح من الأساس كما هو الحال في العقارات التي استهدفها القرار.

القرار الرابع: خفض سعر ضريبة توزيع الأرباح الرأسمالية للشركات المقيدة بالبورصة بنسبة 50% لتصبح 5%، والإعفاء الكامل للعمليات الفورية على الأسهم من ضريبة الدمغة لتنشيط حجم التعامل. إعفاء غير المقيمين من ضريبة الأرباح الرأسمالية نهائياً وتأجيل هذه الضريبة على المقيمين حتى 1/1/2022. وخفض ضريبة الدمغة على غير المقيمين لتصبح 1,25 فى الألف وخفض ضريبة الدمغة على المقيمين لتصبح 0,5 في الألف بدلاً من 1,5 فى الألف.

من الواضح أن القرار السابق استهدف تخليص البورصة المصرية من بعض معوقات الأداء والذي تسببت فيه الحكومة من خلال قراراتها غير المدروسة – ليست موضوع الورقة- خلال فترة ما بعد التعويم، ويعبر الخفض الكبير في خفض ضريبة توزيع الأرباح الرأسمالية للشركات المقيدة بالبورصة بنسبة 50% لتصبح 5% فقط عن عزم قوي للحكومة في معالجة أداء البورصة والتخفيف عن مستثمريها، وهو عزم محمود إلى حد كبير بشرط ان يقابل بعزم مماثل في جانب المواطن.

ويأتي في ذات الاتجاه خفض ضريبة الدمغة على غير المقيمين لتصبح 1,25 فى الألف وخفض ضريبة الدمغة على المقيمين لتصبح 0,5 في الألف بدلاً من 1,5 فى الألف، وكذلك إعفاء غير المقيمين من ضريبة الأرباح الرأسمالية نهائياً وتأجيل هذه الضريبة –المؤجلة أساسا من سنوات سابقة- على المقيمين حتى 1/1/2022.

القرار الخامس: منحة استثنائية للعمالة غير المنتظمة بقيمة 500 جنيه:

أعلنت هذه المنحة على لسان وزير القوي العاملة وليس رئيس الوزراء، بما يعني أن الحكومة لا تعتبرها ضمن حزمة سياساتها، وربما لأنها تدخل في إطار العمل الروتيني لوزارة القوي العاملة والتي تقدم منح مماثلة ربع سنوية لحوالي 300 ألف عامل غير منتظم، علما بان هذه المنحة هي منحة استثنائية بخلاف المنح الروتينية.

عموماً هذه المنحة هي التوجه الوحيد من الدولة إلى العمال والبسطاء، ولكن تجدر الإشارة إلى أن العمالة غير المنتظمة في مصر بالملايين، ويجب أن تجد الدولة حلاً لإدراجهم رسمياً في السجلات، وربما الأزمة الحالية تدفع الحكومة والمستفيدين إلى ذلك، كما أن مبلغ المنحة هزلي إلى حد كبير (16 دولار تقريباً) ولا يتناسب مع مستوى الأسعار السائد، ولا مع توفير سلة غذاء لأسرة واحدة في أسبوع، كما أنه لا يتناسب مع حجم الوفورات الضخمة التي حققتها الموازنة العامة للدولة جرّاء انخفاض أسعار البترول المقدرة في الموازنة الحالية بحوالي 67 دولار للبرميل بينما سعر حاليا اقل من 27 دولار ولا تزال الأسعار مرشحة للانخفاض؛ ومن المعروف أن خفض سعر البرميل دولاراَ واحداً يخفض عجز الموازنة أربعة مليارات جنيه، بما يعني أن الحكومة خفضت العجز بما يقارب 160 مليار جنيه، ولا يوجد ما هو أدعى من الظرف الحالي لانفاق جزء من هذه الوفورات على البسطاء.

ربما الأعداد المحدودة للمستفيدين وضعف المقابل هما ما دفعا الحكومة إلى اتخاذ القرار الوحيد الموجه للبسطاء، ولكن المؤكد أن هذا القرار يجب أن تتبعه قرارات برفع قيمة المنحة لضعفين على الأقل، وبضم باقي المستفيدين إلى السجلات الرسمية للدولة.

هذا عن حزمة القرارات الحكومية – السياسات المالية – لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا، والتي لم تراعِ المواطن البسيط، وركزت على جانب العرض فقط، وبالتالي فنتائجها الإجمالية على الواقع الاقتصادي ستكون شديدة المحدودية.

وربما تكون المقارنة مع قرارات دول أخري مفيدة في هذا الإطار، ولان ذلك يخرج عن مجال بحث الورقة فسنكتفي بمثال واحد من الحكومة البريطانية التي أصدرت حزمة قرارات لمواجهة الفيروس اقتصادياً وصدرتها بالنص التالي (الحكومة تتعهد بدفع ٨٠% من مرتبات جميع العاملين اللذين يتعرضون لفقد وظائفهم بسبب الأزمة في جميع القطاعات العامة والخاصة والخيرية بحد أقصى ٢٥٠٠ جنيه إسترليني في الشهر (٥٠ ألف جنيه مصري).

لم أقصد من المثال بالطبع مقارنة الأرقام لاختلاف الظروف الاقتصادية بين الدولتين، وإنما المقصود هو لفت النظر إلى أن هذا هو القرار الأول في الحزمة ويترجم ذلك مباشرة إلى مدى عناية الدولة بالمواطن، وأن القرار شامل لكل المتضررين، وأن مبلغ الإعانة يكفي على الأقل لمدة شهر.

ثانياً: حزمة قرارات البنك المركزي في مواجهة التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا:

أصدر البنك المركزي المصري حزمة قرارات هامة لتحفيز الاقتصاد الوطني والحفاظ على نشاط السوق في إطار الجهود المبذولة لمواجهة آثار فيروس كورونا المستجد، وشملت هذه القرارات ما يلي:

1- خفض أسعار الفائدة الأساسية لدى البنك المركزي المصري بواقع 3%:

يجب وصف قرار البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 3% بغير المسبوق بالنسبة للسياسة المحافظة التي ينتهجها المركزي في العادة، وعموماً أصبح سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية عند مستوى 9.25% و10.25% و9.75% على الترتيب، وسعر الائتمان والخصم عند مستوى 9.75%.

وأكدت لجنة السياسة النقدية على أنه تم اتخاذ إجراء خفض أسعار العائد كإجراء استثنائي يساهم في دعم النشاط الاقتصادي بكافة قطاعاته، أخذاً في الاعتبار التوقعات المستقبلية للتضخم واتساقها مع تحقيق معدل التضخم المستهدف خلال الربع الرابع من عام 2020.

ولا شك أن هذا التأكيد في محله إلى حد كبير خاصة فيما يتعلق بحفز الاستثمار المحلي، ورغم ذلك فإن هذا الإجراء يؤكد ما ذهبنا إليه من قصور النظرة الكلية لصانع السياسة الاقتصادية في مصر، فمن المعروف وجود أعداد ليست قليلة من المصريين أصحاب المعاشات والأرامل بل ومن أصحاب الأجور المحدودة الذين يعتمدون على عوائد ودائعهم في تغطية نفقاتهم الشهرية، وأن هذا الخفض كارثي بالنسبة لهم.

ولا يعني ما سبق قصد إلغاء القرار أو حتى درجته، وإنما لو اعتبر صانع السياسة هؤلاء المودعين وظروفهم الخاصة، لفكر في سعر فائدة تمييزي ولو مؤقتاً في ظل الأزمة الحالية، يحفظ لهؤلاء عوائدهم الشهرية، حتى لو اضطرت الموازنة لتحمل فارق سعر الفائدة، وهو نفس الإجراء الذي فعلته في مبادرة تنشيط القطاع الصناعي على سبيل المثال.

2- إصدار مبادرة جديدة للعملاء غير المنتظمين في السداد من الأفراد الطبيعيين

تهدف المبادرة إلى إقالة العملاء غير المنتظمين من عثرتهم لتمكينهم من التعامل مجدداً مع الجهاز المصرفي، بما يسهم في رفع قدرتهم الشرائية وتعزيز الطلب المحلي، وذلك على النحو التالي:

  • تسري المبادرة على الأفراد الطبيعيين غير المنتظمين في السداد البالغ إجمالي أرصدة مديونياتهم غير المنتظمة لدى الجهاز المصرفي أقل من مليون جنيه (بدون أرصدة البطاقات الائتمانية والعوائد المهمشة (وفقاً للمركز في 30 سبتمبر 2019، سواء كان متخذاً أو غير متخذ ضدهم إجراءات قضائية من واقع التقرير المُتاح لدى الشركة المصرية للاستعلام الائتماني (I-Score) والمُعد لهذا الغرض، ويتم بموجبها ما يلي:

1-التنازل عن جميع القضايا المتداولة والمتبادلة لدى المحاكم فور اتفاق العميل مع بنك التعامل على شروط السداد.

2-عند قيام العميل بالسداد النقدي أو العيني “في حالة قبول البنك للسداد العيني” نسبة 50% من صافي رصيد المديونية بدون العوائد المهمشة، “رصيد المديونية مستبعداً منه الضمانات النقدية وما في حكمها” يتم ما يلي:

أ. الحذف من قوائم الحظر بنظام تسجيل الائتمان بالبنك المركزي المصري والشركة المصرية للاستعلام الائتماني، والإفصاح عن هؤلاء العملاء كعملاء مبادرة لمدة سنة واحدة من تاريخ سداد نسبة الـ 50% كمعلومة تاريخية فقط.

ب. عدم سريان حظر التعامل على هؤلاء العملاء فيما يخص تلك المديونية.

ج. تحرير الضمانات غير النقدية وما في حكمها والرهون الخاصة بتلك المديونية.

3-يتم العمل بالمبادرة اعتباراً من تاريخه وحتى 31 مارس 2021.

4-يتم تطبيق ذات شروط المبادرة على العملاء الذين قاموا بالسداد قبل 30 سبتمبر 2019.

لا شك أن مواد المبادرة السابقة جيدة للغاية لصغار رجال الأعمال الذين ولا شك سيرحبون بإسقاط نصف مديونياتهم، وكذلك القضايا المرفوعة ضدهم، خاصة أن أغلبهم يسهل عليه تدبير نصف المبلغ المشروط سداده لذلك، ولو راعت المبادرة المتعثر منهم بتقسيط المبلغ عليه لكانت أكثر فاعلية.

وتجدر الإشادة هنا بانفتاح المبادرة على الجميع وعدم غلقها على فئة دون أخرى، ولكن يجب هنا كذلك طرح آراء صغار المدينين، وهل لم يكن من الأجدى خصهم بنص يسهل عليهم الأمر في ظل الأزمة الراهنة، فعلى سبيل المثال لو خصت المبادرة أولئك المدينين بمبالغ أقل من 250 ألف جنيه بسداد نصف المبلغ على دفعات، ألم يكن ذلك أكثر توافقا مع ظروفهم؟

عموماً المبادرة جيدة ولكنها ككل السياسات لم ترَ البسطاء من المواطنين بسياسات أكثر مناسبة لظروفهم الحالية.

ثالثا: القرارات التي أصدرها السيسي:

خلال كلمته باحتفال المرأة المصرية بقصر الاتحادية في 22 مارس 2020، أعلن السيسي مجموعة من القرارات الاقتصادية، حرصت وسائل الإعلام على بيان استهدافها لمواجهة التداعيات الاقتصادية لأزمة الفيروس، وكانت تلك القرارات كما يلي:

1- ضم العلاوات الخمس المستحقة لأصحاب المعاشات بنسبة 80% من الأجر الأساسي، ومنح العلاوة الدورية السنوية للمعاشات بنسبة 14% من العام المالي القادم.

لا أعرف على وجه التحديد من أشار على السيسي بإدخال هذا البند ضمن سياق احتفالي، خاصة ان العلاوة المقررة للعام المالي القادم أقل من نظيرتها في العام المالي الحالي والبالغة 15% بحد أدنى 150 جنيهاً، والتي بدأ تطبيقها من أول يوليو الماضي فعلياً ([2]).

وتوصف هذه الزيادة بالدورية للمعاشات مع وضع الخطوط العريضة لموازنة العام المالي القادم، وقد تواكب معها إعلان لجنة الخطة والموازنة يوم 14/3 /2020 عن علاوة دورية استثنائية لموظفي الدولة ([3])، وهو القرار الذي فسره تصريح لوزير المالية ([4])، قال فيه إن العاملين في الدولة سيحصلون على زيادتين بداية من أول يوليو المقبل، إحداهما علاوة دورية والثانية استثنائية. وأضاف أن العاملين في الدولة الخاضعين لقانون الخدمة المدنية سيحصلون على علاوة دورية بنسبة 7% من الأجر الوظيفي، بحد أدنى 75 جنيهاً شهرياً، وبدون حد أقصى.

 أما العاملون في الدولة من غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية سيحصلون على علاوة بنسبة 12% من المرتب الأساسي، بدلاً من 10% كما هو معتاد كل عام، وذلك بحد أدنى 75 جنيهاً شهرياً.

تصريح وزير المالية السابق يفند أية مزاعم بأن تلك العلاوات سواء للمعاشات أو للموظفين مخصصة لمواجهة أزمة الفيروس، لا سيما وأن بداية استحقاقها ستكون مع بداية الموازنة العامة الجديدة، كما يؤكد أنها الزيادات الدورية الطبيعية المستحقة لموظفي الدولة وأرباب المعاشات كل عام.

النظام لم يتجمل حتى في حال الأزمة الحالية -رغم أن حديث السيسي كان في ذروة الأزمة- بزيادة ولو طفيفة في العلاوات الدورية، وهي الزيادة الواجبة ليس فقط بسبب الأزمة ولكن أيضاً بعد زيادة معدلات التضخم على صورتها الحقيقية، وليست تلك المعدلات المعلنة حالياً بعد تغيير سنة الأساس إلى عام 2018 بدلاً من سنة أساس عام 2010.

وربما يثور التساؤل حول أهمية الزيادة لموظفي الدولة ولأصحاب المعاشات – ذوي الدخول المضمونة- بنسبة أكبر من الزيادات الروتينية المتعارف عليها سنوياً، والإجابة ببساطة أنه من المتوقع زيادات في الأسعار لبعض السلع خلال الفترة القادمة، لاسيما في ظل التأثير السلبي على سلاسل الإمداد والتوريد العالمية، والاعتماد الكبير للدولة المصرية على الاستيراد الخارجي لسد احتياجات المواطنين، علاوة على الارتفاع المتوقع في قيمة الدولار وهو ما يعني المزيد من ارتفاع أسعار الواردات، وكل ما سبق سيعمل علي المزيد من تآكل القوة الشرائية لموظفي الدولة وأصحاب المعاشات ولابد من دور للدولة في مواجهة ذلك خاصة بعد استنفاذ أقصى طاقات المواطنين أثناء تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي، فلم يعد لديهم ما يمكن استنفاذه.

أما عن رفع الحد الأدنى للإعفاء الضريبي إلى 14 ألف جنيه والذي وافقت عليه مؤخراً لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب ([5])، فذلك يعني أن الإعفاء يشمل الرواتب أقل من 1,166 جنيهاً شهرياً، وبداية من العام المالي القادم، والرقم يغني عن أي تعليق.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول لجأت إلى تخفيض حاد في رواتب بعض القطاعات مثل موظفي شركات الطيران وغيرها، ولذلك أعتقد أنه من الواجب حالياً تخفيض مماثل ومؤقت لبعض القطاعات والهيئات شديدة الارتفاع في الأجور والحوافز.

ورغم أنه لا توجد إحصائيات يمكن من خلالها التوصل إلى أرقام حقيقية يمكن التوصية بها، إلا  أنه وحتى تبتعد السلطة عن الطباعة المتوقع للنقود لمواجهة الأزمة الحالية ( والذي أحذر منه بشدة)، يمكن اقتراح خفض 75% ممن تزيد أجورهم عن 150 ألف جنيه شهرياً، و50% ممن تزيد اجورهم عن 100 ألف جنيه شهرياً، و25% ممن تزيد أجورهم عن 50 ألف جنيه شهرياً، على أن تكون هذه الخصومات لمدة ستة أشهر وحتى بداية الموازنة الجديدة، مع إعادة النظر في تلك الزيادات الهزيلة للفئات المذكورة في الموازنة المقبلة. على أن توجه هذه الزيادات فورً إلى أصحاب المعاشات، وصغار موظفي الدولة ممن يتقاضون أقل من 2500 جنيها شهريا، إضافة إلى دعم لائق بعمال اليومية، وجزء أخير منها لمواجهة خسائر الشركات والهيئات التي يعملون بها. 

2- وقف قانون ضريبة الأطيان الزراعية لمدة عامين.

ضريبة الأطيان الزراعية هي مبالغ مالية تفرض بنسبة 14% من القيمة الإيجارية للفدان الواحد في السنة وفقا لأحكام القانون رقم 113 لسنة 1939. وينص قانون ضريبة الأطيان الزراعية على إعادة تقدير القيمة الإيجارية للفدان وتحديد الضريبة عليها كل عشر سنوات.

وجاء قرار السيسي بمد وقف قانون الضريبة على الأطيان الزراعية لمدة عامين آخرين، بعد اقتراب انتهاء الوقف الأول والذي بدأ عام 2017، وكان وقف العمل بهذه الضريبة سابقا لتخفيف الأعباء على القطاع الزراعي، ومن المؤكد أن تلك الأعباء قد تضاعفت حاليا لا سيما بعد ارتفاع أسعار تكاليف الزراعة بعد تطبيق برنامج إزالة الدعم.

وعموما يمكن القول إن وقف الضريبة سابقا وحاليا هو تهرب من الدولة تجاه التزاماتها نحو القطاع الزراعي، فبدلا من خطة دعم حقيقية للمزارع المصري، دخلت الشركات الكبرى من القطاع الخاص المصري والأجنبي ويشاركهم فيها القوات المسلحة والذين حصلوا على أراضي شاسعة لعمل مشروعات زراعية أعلن رسميا أن الهدف منها منافسة صغار المزارعين ومربي الأبقار بدلا من دعمهم ([6]).

يفتقر القطاع الزراعي لخطة شاملة تبدأ من إعادة هيكلة التركيب المحصولي مرورا بخطة مساندة مالية وإرشادية للفلاح، إضافة إلى خطة شاملة للموارد المائية، لا سيما في ظل شح المياه المتوقع بعد الانتهاء من سد النهضة، أما الاكتفاء بهذه القرارات الهزيلة فسيصب في إسراع خروج المزارعين من القطاع.

وهنا يثور التساؤل المشروع، ألا يستحق القطاع الزراعي مبادرة شاملة من البنك المركزي، وبفائدة مخفضة أسوة بقطاعات السياحة والصناعة والعقارات؟

3- دعم للشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر بتأجيل الاستحقاقات الائتمانية لمدة 6 أشهر:

يمكن توصيف هذا القرار بأنه جزء من القرار السابق للبنك المركزي بتأجيل الاستحقاقات على العملاء الأفراد، والتي تشمل 4 أنواع من القروض وهي، القروض الشخصية، البطاقات الائتمانية، القروض بغرض شراء سيارات للاستخدام الشخصي، القروض العقارية للإسكان الشخصي.

وأشار البنك المركزي، إلى أن التعليمات تسري على كافة العملاء سواء المنتظمين أو غير المنتظمين من الأفراد والمؤسسات، وقال المركزي إن الاستحقاقات الائتمانية الواردة بالتعليمات هي جميع المبالغ مستحقة الدفع لكافة التسهيلات الائتمانية سواء تسهيلات قصيرة الأجل أو أقساط قروض حالية أو مستقبلية بالإضافة إلى العوائد، بحيث يتم ترحيل كافة استحقاقات العملاء وجداول السداد تلقائيا من بداية تاريخ صدور التعليمات ولمدة 6 أشهر مع إخطار العملاء بأي وسيلة من وسائل الاتصال المتاحة.

وبالتالي يمكن القول إن الشركات المتوسطة والصغيرة هي جزء من المخاطبين بالمبادرة السابقة، والغريب أنها داخلة كذلك في مبادرة المركزي بإسقاط فوائد الديون عن المصانع المتعثرة، والذي اشترط فيها، إسقاط الديون عن المصانع التي تقل مديونياتها عن ١٠ ملايين جنيه، ودون وضع حد أدنى للمديونية، وبإجمالي فوائد ٣١ مليار جنيه، وإزالة هذه المصانع من القائمة السلبية للبنك المركزي، بشرط سداد ٥٠% من أصل الدين.

إذاً القرار السابق يدخل ضمن مبادرتي البنك المركزي، مما يثير التساؤل حول إعادة صياغة قرار جديد يخص الشركات المتوسطة والصغيرة، دون أن يفيدهما بشيء جديد، وربما كان الهدف هو تسويق حزمة القرارات بكونها لمواجهة الأزمة الحالية، ودون تكلفة إضافية على الدولة لعدم وجود قرار حقيقي جديد.

عموماً النص على الشركات المتوسطة والصغيرة كان من الممكن أن يصبح ذا فائدة إذا ما خصهما بمميزات مثل طول فترة الإعفاء، أو تقسيط المستحق بعد خصم الفوائد إلى فترات زمنية معتبرة، وذلك للشركات التي لا يصل رأسمالها إلى مليون جنيه، مع ترتيبات أفضل للشركات الأقل في رأس المال.

وحتى وضع بنود مماثلة تختص بها الشركات المتوسطة والصغيرة فإنه يمكن التأكيد على أن المبادرة لن تفيد كثيرا تلك الشركات وأن الشركات الكبرى هي المستفيد الأكبر منها.

4- إطلاق مبادرة “العملاء المتعثرين” المتضررين من القطاع السياحي

أعلن البنك المركزي في يناير الماضي، وقبل اندلاع أزمة كورونا، عن مبادرة لدعم قطاع السياحة بقيمة 50 مليار جنيه وبفائدة متناقصة 10 في المائة ووقف المبادرة السابقة والتي كانت قيمتها 5 مليارات جنيه.

حدد البنك المركزي مدة القرض بحد اقصى 15 سنة، مع إمكانية استفادة العملاء غير المنتظمين من المبادرة، اخذا في الاعتبار عدم سريان المبادرة على عملاء الحظر المطلق.

وأوضح المركزي أن كل بنك يدخل في المبادرة يقوم بتمويل 75% بحد أقصى من إجمالي تكلفة الإحلال والتجديد على أن يتحمل العميل النسبة المتبقية مع سداد حصة العميل بنسبة تتناسب مع حصة البنك بناء على قيام البنك بدراسة التدفقات النقدية المقدمة من العميل ومطابقة عملية الإحلال والتجديد للمعايير والمواصفات الصادرة عن وزارة السياحة.

أضاف القرار الحالي بندين جديدين على المبادرة السابقة وهما: تمويل مصاريف الفنادق الجارية والمصروفات التي تضمن استمرار تشغيلها، وتخفيض تكلفة الإقراض لتلك المبادرة إلى 8%.

ويمكن القول إن تخفيض التكلفة إلى 8% بدلا من 10% لم يأتِ كنتيجة للأزمة، وإنما يرجع إلى قرار البنك المركزي الأخير والذي خفض سعر الفائدة على الإيداع والإقراض، بواقع 300 نقطة أساس بنسبة تبلغ 3%، وبذلك أصبح سعر الفائدة لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية عند مستوى 9.25%، 10.25% 9.75% على الترتيب، وسعر الائتمان والخصم عند مستوى 9.75%. وهو ما يجعل سعر الفائدة في المبادرة الأولى أعلى من السعر السوقي الحالي، فكان لزاما على المركزي تخفيض السعر لإحياء المبادرة الرئيسة وليس له علاقة بالأزمة وتداعياتها السلبية على قطاع السياحة.

أما عن إضافة المصروفات التشغيلية فذلك لمقتضى الحال الناتج عن الأزمة، فلا شك أن مشروعات التوسعات الفندقية ستتوقف ليس فقط حتى تنقشع الأزمة، بل وحتى استكشاف أثرها على الاقتصادات العالمية وبالتالي تأثيراتها المحتملة على قطاع السياحة.

وبذلك فإن المركزي كان مجبراً على الإضافتين لضمان استمرار المبادرة وعدم إلغائها، وفي كل الأحوال يجب التنويه إلى أنه لم يقدم أية مبالغ إضافية عن تلك المقررة سلفاً.

وعموما ليس من المتوقع أن تبقي الفنادق على عمالها وموظفيها، بل تشير التجارب السابقة إلى التخلص منهم فور وقوع الأزمات، بما يعني أن تلك السيولة المخفضة والغير مشروطة لن تفيد الطبقات العاملة بل هي موجهة لخفض خسائر ومساندة رجال الأعمال.

5-  دعم البورصة المصرية بتخصيص 20 مليار جنيه من البنك المركزي:

ساهم الإعلان عن خطة البنك المركزي لشراء أسهم بقيمة 20 مليار جنيه لدعم البورصة المصرية في عودة البورصة إلى الأرباح بعد موجة من الخسائر الضخمة بداية من العام الحالي. ورغم أن البنك المركزي لم يوضح كيفية تدخله في البورصة أو توقيتات هذا التدخل، إلا أنه من المرجح أنه سيتدخل مباشرة في السوق من خلال شراء أسهم.

 كما أنه من المرجح أن يكون استثمارا طويل الأجل، ليمنح نفسه الوقت الكافي للخروج لاحقا من السوق دون تسرع، ويحقق أرباحا أيضا (على الرغم من أنه لا يهدف بالأساس للربح)، ويدعم الاقتصاد، ويحافظ على استقرار السوق على المدى البعيد كي لا يؤدي تخارجه إلى تراجع أسعار الأسهم.

مع استمرار تهاوي مؤشرات البورصة المصرية والخسائر العنيفة التي طالت جميع الأسهم المدرجة، أعلن البنك الأهلي المصري وبنك مصر عن اتجاههما لاستثمار السيولة الضخمة التي يمتلكانها في البورصة المصرية والاستفادة من تهاوي أسعار بعض الأسهم إلى ما دون سعر الطرح.

وقد أعلن البنك الأهلي المصري استثمار 1.5 مليار جنيه في البورصة المصرية ضمن استراتيجيته لتدعيم نشاطها ودعم فرصها الاستثمارية.  كما أعلن نائب رئيس بنك مصر أن مصرفه قام، بالتعاون مع البنك الأهلي المصري، بشراء أسهم في البورصة المصرية بالمناصفة مع البنك الأهلي بقيمة 3 مليارات جنيه.

وقال رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري، هشام عكاشة، إن “قرار البنك بالاستثمار في البورصة المصرية يأتي ضمن القناعة الخاصة بأن تدني البورصة لأقل من قيمتها الحقيقية لا يعبر عن القيمة الحقيقية لأسهم الشركات”. وأكد “عكاشة” أن الانخفاض الحالي هو انخفاض مؤقت وبالتالي فهي فرصة سانحة للشراء وتحقيق أرباح مستقبلية على المدى المتوسط والطويل، وأن المبلغ المخصص قابل للزيادة لمزيد من المساهمة.

عموما قرار المركزي المصري بالاستثمار في البورصة سبقه العديد من البنوك المركزية العالمية، والتي قدرت حيازاتها من الأسهم حتى العام الماضي بحوالي تريليون دولار، وفق ما ذكرته وكالة “بلومبيرغ”، آنذاك، التي أشارت أن ذلك يأتي سعياً من البنوك إلى تنويع احتياطاتها بعيداً عن السندات ذات العائد المنخفض ([7]).

وهنا تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:

  • أهمية بنوك القطاع العام، وما ساهم فيه بنكي مصر والأهلي في إيقاف نزيف الخسائر للبورصة.
  • بيع بنك القاهرة الحكومي، بعد تحقيقه أرباح تقارب 4 مليارات جنيه في عام 2019([8])، هو أمر مريب في الأساس، وأصبح شديد الغرابة بعد بيان توافر السيولة لدى بنكي مصر والأهلي بل والبنك المركزي، فلماذا لم يستحوذوا عليه؟
  • رغم التصريح المشار إليه سابقا من مجلس إدارة البنكين حول أسباب دخولهما في الاستثمار في الأسهم، إلا أنه من الواضح وجود توجيه من المركزي بذلك، وهو ما يثير التساؤل حول استقلالية قرارات البنوك الحكومية.
  • تجربة تدخل الدولة لإنقاذ البورصة ترتب عليها ضياع أموال المعاشات في عصر يوسف بطرس غالي وزير المالية، مما يجعل الأموال العامة تستلزم المزيد من الرقابة والاحتياط.

من الواضح ان القرار ليس له علاقة بتداعيات أزمة الفيروس، وانه كان معد سلفا، لإنقاذ خطة طروحات الشركات الحكومية في البورصة والتي تم تأجيلها لأكثر من مرة بسبب تراجع أسعار الأسهم، وفي كل الأحوال هذا القرار لا يخدم المواطنين العاديين في شيء، بل هو لإنقاذ رجال الأعمال، ولو بشكل جزئي.

 يوضح التحليل السابق لجملة القرارات التي أصدرها السيسي أن غالبيتها لا علاقة لها بمواجهة الأزمة، وربما كانت هذه القرارات ستصدر في كل الأحوال، وأن المستهدف منها بالأساس هم رجال الاعمال ولن يستفيد منها العمال أو الموظفون في القطاع الخاص.

6- حزمة المائة مليار جنيه وتخصيص مليار واحد للقطاع الصحي:

أشار وزير المالية أن هذا المبلغ ستوفره الموازنة العامة للدولة من الاحتياطيات، وبداية لا يوجد بند بقيمة 100 مليار جنيه في الموازنة العامة يسمي احتياطيات، والموجود بند يسمى مصروفات أخرى بقيمة 90.4 مليار جنيه في مشروع الموازنة 2019/2020، وهذا يثير التساؤل حول مصدر تمويل هذه الحزمة بالإضافة إلى طريقة استخدامها.

ويمكن في إطار محاولة فهم ذلك اثارة النقاط التالية:

  • من المتوقع ان تشكل طباعة النقود والتي اعتمدت عليه الإدارة النقدية حتى العام الماضي مصدرا رئيسيا لهذه الأموال ([9])، رغم أن محافظ البنك المركزي أعلن مؤخرا عدم اللجوء إليها مرة أخرى.
  • كما أنه لم توضح الحكومة كيفية إنفاق هذه الأموال، وحتى بعد استعراض كل القرارات التي صدرت من الجهات الاقتصادية المصرية، لم يتبين علي وجه التحديد أين ستنفق، وبفرض أنها أُنفقت على الأوجه التي أشارت إليها تلك القرارات، فذلك يؤكد أن الدولة لم تأخذ الأكثرية من المواطنين بعين الاعتبار في هذا الإنفاق، ولكن جل اهتمام سياستها الاقتصادية وكما هو العادة متحيز نحو رجال الأعمال.
  • ظهور مؤسسات الجيش بعد تخصيص هذا المبلغ الكبير في إنتاج المطهرات ومواد التعقيم، ثم إنتاج الكمامات الذي تبرعت بها الدولة للصين ثم إيطاليا، رغم افتقار القطاع الصحي لها، ربما يثير التساؤلات حول حجم الأموال التي ستخصص للمؤسسة العسكرية من هذه الحزمة، ولا يفوتنا في هذا الإطار أن نشير إلى أهمية وجود قطاع عام كأحد ركائز المراحل الأولي للتنمية، والجيش الآن سيوفر كمامات طبية كان يمكن للقطاع العام توفيرها، عموما التساؤل المشروع هنا هل ستستمر الحكومة في خصخصة المشروعات الحكومية؟
  • عموما لدينا رقم معلن لدعم القطاع الصحي بمليار جنيه، ورغم وهن القطاع في العديد من النواحي التي لا يمكن تعويضها مثل أعداد الأطباء والممرضين، إضافة إلى ندرة في تخصصات معينة لها أهمية كبرى في الأزمة الحالية مثل أطباء وممرضي العناية المركزة، إلا أنه توجد العديد من الأمور الأخرى العاجلة للقطاع والتي تجعل هذا المبلغ شديد الضعف مقارنة بحجم المخاطر التي تحيط بالمجتمع.
  • من الأمور التي كان يجب على وزارة الصحة استدراكها سريعا، وعلي سبيل المثال لا الحصر، استيراد أجهزة غرف العناية المركزة، وأجهزة التنفس الصناعي، على سبيل المثال توجد في مصر 15 الف غرفة عناية مركزة فقط (10 آلاف في المستشفيات الجامعية و5 آلاف في المستشفيات الحكومية) في مقابل 100 الف غرفة عناية في تركيا مثلاً، رغم أن عدد السكان أقل في تركيا عنه في مصر.
  • من العجيب جدا عدم تخصيص أية مبالغ مالية نقدية أو حزم عينية ومعنوية لمساندة الأطباء والأطقم الصحية، وبالطبع لا يمكن الانتظار حتي العام المالي القادم، فما المانع من صرف ثلاثة أشهر كمكافاة فورية لجميع العاملين بالمستشفيات، وما المانع من تخصيص سيارات لنقلهم إلى مقار عملهم، لا سيما في ظل حظر التجول المفروض مؤخرا، وما المانع من توفير وجبات طازجة لهم، حتى تلك التي تم توفيرها من طلاب المدراس بعد غلقها؟
  • كما أنه من العجيب عدم توفير أدوات الوقاية من العدوى البسيطة للغاية حتي الآن في المستشفيات، رغم إصابة عدد من هيئات التمريض، وشكوى الأطباء والطواقم الطبية المستمرة من عدم توافر الإمكانات.

الخلاصة:

حاولت الورقة استقراء السياسات الحكومية المصرية بشقيها المالي والنقدي والتي أُعلنت لمواجهة التداعيات الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا في مصر والعالم، وافترضت الورقة أن هذه السياسات قامت على ساق واحدة وهي جانب العرض مع إهمال جانب الطلب، كما أنها لم تنظر إلى المواطن البسيط ولم تعره أي اهتمام عند وضع هذه السياسات.

وباستعراض السياسات المختلفة للحكومة تبين بالفعل صحة الفروض السابقة، وبذلك يمكن القول إن السياسات الحكومية في مواجهة الأزمة عالجت جانبا من المشاكل وأهملت الآخر مما يعني أن تفعيلها لا يعني تخفيف حدة المشكلات بل قد يزيد من أوضاع الاختلال بين جانبي العرض والطلب خلال الفترة المقبلة.

كما أن غياب السياسات الموجهة للمواطن البسيط تعني استمرارية تناقص استهلاكه المتناقص فعليا جراء برنامج صندوق النقد الدولي، بما يعني المزيد من تراجع دور القطاع الخاص لا سيما قدراته الإنتاجية خلال الفترة القادمة.

وكذلك كانت بعض السياسات الحكومية إن وجدت النظرة الموضوعية للمواطن البسيط لا تحتاج إلا تعديلات بسيطة، إما غير مكلفة من الأساس، أو أن تكاليفها أقل بكثير من عوائدها المتوقعة والتي يمكن أن تعيد الروح إلى النشاط الاقتصادي وتبتعد به عن شبح الكساد.

الكثير من القرارات التي أطلقت كانت مكررة داخل مبادرات أو قرارات سابقة، والبعض منها يتصف بالدورية ولا يتعلق بالأزمة، ولا يزال تهميش القطاع الزراعي قائما، ولم توضع المشروعات الصغيرة والمتوسطة نصب أعين مبادرات البنك المركزي.

سقط الأطباء والأطقم المساعدة ماديا ومعنويا من خطة الدولة حتى الآن، وهم خط المواجهة الأول في مواجهة الأزمة، وسقطت التجهيزات الصحية الضرورية للتعامل السليم، وربما يلخص ذلك طريقة تعامل الدولة مع الأزمة.


الهامش
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close