هل تتجه منطقة المشرق إلى الإضطراب الإقليمي والفوضى الشاملة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
مقدمة:
منذ تسارع التطورات في المنطقة على مدار السنوات القليلة الماضية، ونحن نقوم، من خلال المعهد المصري للدراسات، برصد وتحليل هذه التطورات بشكل مكثف. وقد قمنا خلال هذه الفترة بنشر العشرات من الدراسات والتحليلات وتقديرات الموقف، والتي تغطي جميع مناطق الصراعات والنزاعات والتوترات في المنطقة. ونعني بالمنطقة هنا ما يطلق عليه البعض منطقة “المشرق”، وهو المصطلح الذي نفضله عن المصطلح الاستعماري السائد، أي “الشرق الأوسط”. هذه المنطقة تمتد من إيران شرقًا إلى ليبيا غربا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن ومنطقة القرن الإفريقي جنوبًا.
وفي تقديراتنا للموقف في المنطقة، تطرقنا إلى دراسة السيناريوهات والمسارات المحتملة مرورًا بسيناريوهات تهدئة الصراعات والتسويات السياسية والنماء الإقتصادي المبني على تكامل دول المنطقة وتعاونها من ناحية، وصولًا إلى سيناريوهات الحروب الإقليمية باتساع الإقليم والإضطرابات الكبرى والفوضى الشاملة من ناحية أخرى.
في الفترة الأخيرة، وخاصة منذ اندلاع جولة الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026 منذ نحو سبعة أشهر، إزداد تسارع وتيرة الصراعات والتوترات على عدة جبهات، وازدادت معها وتيرة إنتاجنا للدراسات والتقييمات المتعلقة بها. من خلال هذه الدراسات، تأكدت قناعتنا، مع الأسف، أن الإحتمال الأكبر لمألات هذه التطورات هو أن المنطقة قد تكون سائرة رغمًا عنها إلى حالة من الإضطراب الشديد الذي قد يصل إلى فوضى شاملة، قد تكون نتيجة طبيعية للصراعات المتداخلة والمتزامنة، أو قد تكون مستهدفة لذاتها من أطراف تهدف بإثارتها وإذكائها إلى تقسيم المنطقة وإعادة تصميمها، طبقًا لمخططات مسبقة ومنشورة، لتحقيق أهداف هذه الأطراف؛ وهو ما استعرضناه في ورقة مركزة للمعهد المصري بعد بداية أحداث إيران الأخيرة مباشرة حول “الروافع الخمسة الرئيسية للحرب – إلى أين يتم الدفع بمسار الحرب” .
في الدراسة الحالية، نستعرض حيثيات وصولنا لهذه النتيجة من خلال ثلاثة أقسام رئيسية:
- في القسم الأول، نستعرض أهم التطورات الإقليمية التي حدثت منذ بداية الحرب على إيران، وذلك في الدول والوحدات الجغرافية المختلفة في الإقليم موضع الدراسة.
- في القسم الثاني، نستعرض أهم التداعيات المرتبطة بهذه التطورات، وحاولنا أن نستعرضها في نهاية الأمر، بقدر الإمكان، باعتبار الإقليم وحدة واحدة، من خلال مناطق الصراعات المختلفة، حيث أن الملفات تتداخل، والتأثيرات متبادلة بين المناطق المختلفة، لا يمكن فصلها من الناحية الجيوسياسية. والأهم من ذلك، فنحن نفضل أن يكون التحليل مرتبطًا بفكرة “الأمة الواحدة”، بحيث ننظر إليها في الملمات الكبرى والفترات الحرجة كالتي نمر بها حاليًا كوحدة واحدة. ومع ذلك، فقد تعرضنا أيضًا للتداعيات الخاصة بالوحدات المختلفة من الإقليم.
- في القسم الثالث، نقوم بدراسة وتقييم السيناريوهات الثلاث الكبرى التي يمكن أن يؤول الأمر إلى أحدها في المدى المنظور، وهي سيناريو التهدئة والتسويات، وسيناريو بقاء الوضع الراهن الذي يشمل صراعات منفصلة وحالة استنزاف هنا وهناك دون أن يصل الأمر إلى حالة إضطراب شديد شامل بامتداد الإقليم، يمثلها السيناريو الثالث.
بطبيعة الحال، لا تتأثر المنطقة فقط بما يجري فيها من صراعات في نطاقها الجغرافي، ولكن تؤثر فيها أيضًا التطورات والصراعات الهامة على الساحة الدولية. إلا أننا اخترنا ألا نتطرق إلى دراسة هذه المتغيرات الدولية في الدراسة الحالية حتى لا يتسع مجالها كثيرًا، إلا إذا اقتضت الضرورة، وقمنا بإحالة القارئ للرجوع إلى بعض الدراسات التي قمنا بنشرها من خلال المعهد عن هذه المتغيرات الدولية، كلما اقتضى الحال.
الأمر الواضح أن الفترة الحالية تمثل لحظة فارقة تمر بها الأمة، قد لا تكون مسبوقة في تاريخها، تتعرض فيها إلى هجمة واسعة وشرسة، نرى أن بدايتها كانت مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، واستمرت بعد ذلك بأشكال مختلفة، سيترتب عليها بكل تأكيد تغيرات هائلة في شتى المجالات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والإجتماعية، وحتى الحضارية، ما يستوجب على الجميع، حكامًا ونخبًا وتجمعات وشعوب، الوعي بأهم ملامحها، والاستعداد لما هو قادم، والقيام بمسئولياتهم، لكي يمكن المرور من هذه المرحلة الحرجة إلى بر الأمان.
تفرض طبيعة المرحلة تجنب الإقتصار على النظرة الضيقة للصراعات القائمة بمنظور محلي منفصل، مع أهمية ذلك بالطبع للتعامل التفصيلي مع كل صراع. ما نهدف إليه من هذه الدراسة هو توجيه النظر لمنطقة المشرق، قلب العالم الإنساني، بنظرة “عين النسر”، الذي يرى ما يحدث في المنطقة ككل، كوحدة مترابطة، يوثر كل عنصر منها، ويتأثر، بالعناصر الأخرى. هذه النظرة ضرورية لكي يمكن التعامل مع ما تمر به المنطقة من تحديات غير مسبوقة، تتمثل في هجمة شرسة تهدف لتغييرها بشكل كامل، ليس فقط سياسيًا وجغرافيًا، لكن حتى ثقافيًا وحضاريًا.
تنطلق هذه الدراسة من التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة في قراءة المشهد الإقليمي: مستوى الوقائع والتطورات الجارية، ومستوى تحليل التداعيات الناتجة عنها، ومستوى تقدير المسارات المستقبلية المحتملة. ومن ثم، فإن ما يرد في الدراسة من سيناريوهات لا يمثل تنبؤًا حتميًا بما سيقع، وإنما تقديرًا احتماليًا يستند إلى اتجاهات قائمة ومتغيرات يمكن مراقبتها وقياس تطورها. كما أن الترابط بين ساحات الصراع لا يعني بالضرورة وجود مركز واحد يدير جميع الأزمات، بل قد يكون نتاجًا لتفاعل قرارات مستقلة ومصالح وتحالفات متقاطعة، تؤدي في مجموعها إلى انتقال الضغوط والتداعيات من ساحة إلى أخرى.
وتعتمد الدراسة، تبعًا لذلك، على قراءة المنطقة باعتبارها منظومة استراتيجية مترابطة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية كل ساحة من ساحات الصراع. فالهدف ليس اختزال جميع الأزمات في تفسير واحد، وإنما تحديد نقاط الاتصال بينها، والآليات التي يمكن أن تنتقل من خلالها التأثيرات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية عبر الحدود. ويظل أي ترجيح تقدمه الدراسة قابلًا للمراجعة كلما تغيرت المتغيرات الرئيسية أو ظهرت معطيات جديدة تؤثر في اتجاه الصراعات أو قدرة الأطراف على احتوائها.
ملخص تنفيذي
تبحث هذه الدراسة في التحولات الاستراتيجية التي تشهدها منطقة المشرق، التي تمتد من إيران شرقًا إلى ليبيا غربا، ومن تركيا شمالًا إلى اليمن ومنطقة القرن الإفريقي جنوبًا، في ظل تزامن عدد كبير من الحروب والصراعات والأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتزايد الترابط بين ساحاتها بصورة جعلت من الصعب التعامل معها باعتبارها أزمات منفصلة. وتنطلق الدراسة من سؤال رئيسي يتمثل في التالي: هل تقف المنطقة أمام مرحلة مؤقتة من التصعيد والاستنزاف يمكن احتواؤها، أم أنها تتحرك تدريجيًا نحو نمط أكثر اتساعًا من الفوضى الإقليمية قد يعيد تشكيل بنيتها السياسية والأمنية والاستراتيجية بشكل دائم؟
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن خطورة الوضع الراهن لا ترتبط فقط بحجم الحروب القائمة، وإنما بتغير طبيعة العلاقة بينها. فالحرب في فلسطين لم تعد منفصلة عما يحدث في لبنان وسوريا والعراق، والحرب بين الولايات المتحدة/ إسرائيل مع إيران لها انعكاسات مباشرة على منطقة الخليج، والصراع في اليمن أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن حرب إيران، بينما تتداخل أزمات السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال وإريتريا مع أمن البحر الأحمر وخليج عدن، في الوقت الذي تجد فيه مصر نفسها تحت ضغوط متزامنة من الشرق والغرب والجنوب. وبذلك أصبحت منطقة المشرق تتأثر بصورة أقرب إلى كونها وحدة استراتيجية واحدة، تنتقل داخلها التداعيات العسكرية والأمنية والاقتصادية من ساحة إلى أخرى.
تتناول الدراسة الحرب الأمريكية الإيرانية باعتبارها أحد أهم المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في الاتجاهات المستقبلية للصراعات في كامل المنطقة، ليس فقط بسبب المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، وإنما بسبب امتداد آثارها إلى الخليج والعراق واليمن والممرات البحرية والاقتصاد العالمي. فكلما طال أمد الحرب، وتصاعدت وتيرتها، ازدادت احتمالات تداعياتها في الساحات الأخرى، سواء من خلال تصعيد الحلفاء والوكلاء، أو الضغط على الممرات البحرية، أو إعادة توزيع القوات والموارد، أو ارتفاع تكلفة الطاقة والتجارة والتأمين، وهو ما يجعل استمرارها أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل البيئة الإقليمية.
وتناقش الدراسة في هذا السياق مفهوم حروب الأحلاف، باعتباره أحد السمات البارزة للصراعات الحالية؛ حيث لم تعد المواجهات تجري دائمًا بين دول بصورة مباشرة، وإنما تتحرك قوى إقليمية ودولية من خلال حلفاء ووكلاء وقوى محلية في ساحات متعددة. وتكمن خطورة هذا النمط في أن التصعيد في ساحة واحدة يمكن أن يدفع حلفاء الأطراف إلى التحرك في ساحات أخرى، بما يخلق تأثيرًا متبادلًا بين الجبهات، ويجعل احتواء حرب محددة أكثر صعوبة. وتستفيد الدراسة من التجارب التاريخية للحربين العالميتين الأولى والثانية بوصفها إطارًا لفهم كيفية تحول الأزمات المحلية إلى صراعات أوسع عندما تتداخل التحالفات والمصالح، دون افتراض أن المنطقة ستكرر بالضرورة التجربة التاريخية.
كما تتناول الدراسة التحول في طبيعة الحروب الحديثة وتطبيقاتها على المنطقة، وتخلص إلى أن مفهوم القوة العسكرية، كما ظهر في الصراعات الحالية، لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الجيوش والأساطيل والسيطرة البرية؛ فقد أصبحت الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات غير المتماثلة قادرة على إنتاج تأثير استراتيجي يفوق حجم القوة المستخدمة من الأطراف الأكثر قوة، خصوصًا عندما تستهدف نقاط الاختناق الجغرافية والممرات البحرية. وتبرز حالتا إيران واليمن نموذجًا لهذا التحول، حيث يمكن لقوة لا تمتلك تفوقًا بحريًا تقليديًا أن تؤثر في حركة الملاحة والإقتصاد العالمي من خلال القدرات الصاروخية والمسيرة، استغلالًا لتموضعها الجغرافي، بما يحول الصراع حول ممر بحري مثل هرمز أو باب المندب من تدافع محلي إلى قضية ذات آثار إقليمية ودولية كبيرة.
وتولي الدراسة أهمية خاصة للعامل الاقتصادي، باعتباره أحد أهم المتغيرات التي تحدد قدرة الدول على تحمل الحروب الطويلة. فالصراعات الحالية لا تنتج خسائر عسكرية فقط، وإنما تضغط على التجارة والطاقة والاستثمار والملاحة والسياحة والتحويلات وأسعار التأمين وسلاسل الإمداد. ومن ثم، يمكن لأزمة عسكرية تقع في منطقة محدودة أن تنتقل آثارها إلى اقتصادات دول بعيدة عن خطوط القتال، وأن تتحول التداعيات الاقتصادية بدورها إلى مصدر ضغط اجتماعي وأمني وسياسي داخل الدول، يعمل لصالحها أو ضدها طبقًا لطبيعة التأثير.
وفي هذا الإطار الإقتصادي، تتناول الدراسة وضع مصر باعتبارها إحدى الدول الأكثر حساسية تجاه انتقال التداعيات الإقليمية إلى اقتصادها. فمصر تواجه ضغوطًا أمنية وعسكرية على حدودها الشرقية والغربية والجنوبية، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية كبيرة تجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي تصعيد إقليمي واسع. يمكن أن يؤدي اتساع الحرب بشكل سريع إلى خروج الأموال الساخنة، وتراجع إيرادات قناة السويس، وتراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فضلًا عن التأثير في السياحة والاستثمار وتكلفة الطاقة والواردات وارتفاع سعر العملة والتضخم. وبالتالي فإن أي تصعيد إقليمي لا يمثل بالنسبة إلى مصر تحديًا عسكريًا وأمنيًا فقط، وإنما يمكن أن يزيد الضغط على الاقتصاد والمجتمع المصري بصورة مباشرة.
وتقدم الدراسة قراءة معمقة لمنطقة الخليج باعتبارها منظومة استراتيجية متصلة تضم دول الخليج العربية وإيران والعراق واليمن، حيث أصبح من الصعب الفصل بين أمن الخليج وأمن مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. وتكشف الحرب الإيرانية الأمريكية، إلى جانب الحرب في اليمن، عن حدود مفهوم الأمن الخليجي التقليدي القائم بدرجة كبيرة على الوفرة الاقتصادية ثم على المظلة الأمنية الأمريكية، إذ يمكن للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أن يجعل بعض دول الخليج جزءًا من البيئة الاستراتيجية للحرب حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا فيها.
وتبرز السعودية باعتبارها إحدى الدول الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا الترابط، في ظل الضغوط التي تفرضها الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على عمقها الحيوي، وما تثيره من تحديات تتعلق بكفاءة الدفاع الجوي وحماية المنشآت النفطية والمطارات والبنية التحتية، بالتزامن مع تجدد التصعيد على الجبهة اليمنية.
وفي المقابل، تواجه إيران مخاطر اتساع نطاق المواجهة إلى بنيتها العسكرية والاقتصادية، واستنزاف قدراتها بفعل استمرار الحرب والحصار وتعدد جبهات الضغط، بما قد ينعكس على قدرتها على إدارة علاقاتها مع حلفائها الإقليميين.
أما اليمن، فيمثل إحدى نقاط الاتصال الرئيسية بين أمن الخليج والبحر الأحمر، إذ إن استمرار المواجهة بين أنصار الله الحوثيين والقوات المدعومة سعوديًا، بالتوازي مع التهديدات التي تطال العمق السعودي، قد يحول الصراع اليمني إلى مسار إضافي لتوسيع المواجهة الإقليمية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في ترتيبات الأمن الإقليمي، بالتوازي مع تنامي أهمية تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية، بما يحد من مخاطر انتقال الصراع واتساع نطاق الفوضى الشاملة.
أما منطقة الشام، فتظهر في الدراسة باعتبارها واحدة من أكثر البيئات قابلية لتفاعل الصراعات، بسبب تداخل ملفات فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وإسرائيل وتركيا وإيران. فاستمرار الحرب في فلسطين، والضغوط العسكرية والسياسية على لبنان، والتحركات الإسرائيلية في سوريا، ووضع العراق بعد إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي، كلها ملفات يمكن أن تتفاعل بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا تقتصر التداعيات الاستراتيجية المحتملة على استمرار المواجهات، بل تمتد إلى مخاطر إضعاف قدرات الدول ومؤسساتها، وتوسيع نطاق التدخلات الخارجية، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. فلبنان يواجه خطر اتساع المواجهة بما يزيد الضغط على قدراته ومؤسساته، بينما تظل سوريا ساحة محتملة لتصادم المصالح الإسرائيلية والتركية والإيرانية، بما قد يعيد إنتاج بؤر عدم الاستقرار. وفي العراق، قد يؤدي تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى وضع الدولة أمام ضغوط متعارضة، في ظل تداخل القرار الأمريكي على الداخل العراقي مع نشاط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران. كما أن استمرار الحرب في فلسطين وما يرتبط بها من تصعيد إقليمي قد يدفع أطرافًا أخرى إلى توسيع انخراطها، بما يزيد احتمالات انتقال المواجهة بين الساحات.
ولذلك فإن استمرار التصعيد في إحدى هذه البيئات قد يغير حسابات الأطراف في البيئات الأخرى، ويحول الأزمات المتزامنة إلى شبكة صراعات متداخلة، بما يجعل المشرق أحد المراكز الأساسية لاحتمالات انتقال الصراع من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة أوسع من الإضطراب الشديد.
وتتناول الدراسة كذلك منطقة مصر وليبيا باعتبارها بيئة أمنية مترابطة، حيث تتقاطع التطورات على الحدود المصرية الشرقية مع الانقسام الليبي والضغوط القادمة من السودان جنوبًا. وتناقش الدراسة التغيرات التي طرأت على البيئة الأمنية المحيطة بسيناء، والوجود الإسرائيلي بالقرب من الحدود المصرية، واحتمالات انتقال تداعيات الحرب في غزة إلى مصر، بالتوازي مع استمرار الانقسام الليبي وتعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية وأهمية النفط والموانئ والحدود. ويجعل هذا التداخل مصر أمام بيئة متعددة الضغوط، لا يمكن فصل أبعادها العسكرية عن أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي منطقة القرن الإفريقي، تستعرض الدراسة التداعيات على السودان وإثيوبيا والصومال وإريتريا، باعتبارها منطقة تتقاطع فيها أزمات داخلية مع تنافس إقليمي ودولي على البحر الأحمر والموانئ والممرات البحرية. ويكتسب التقارب بين أنصار الله الحوثي وحركة الشباب الصومالية أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يمثل نموذجًا على انتقال تأثير الصراع من الضفة الآسيوية للبحر الأحمر إلى الضفة الإفريقية منه. كما تتناول الدراسة الانقسام الفعلي في الصومال بين الحكومة المركزية وصومالي لاند، وما يرتبط بها من تنافس إقليمي ودولي على ميناء بربرة وموقعها الاستراتيجي على خليج عدن، بما يجعل الصومال جزءًا من شبكة أوسع من الصراعات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب.
وتقود دراسة التداعيات المختلفة للتطورات الأخيرة إلى المألات والسيناريوهات المتوقعة نتيجتها في المنطقة، وهو ما قامت الدراسة ببحثه بشئ من العمق.
تخلص الدراسة إلى أن المنطقة في هذه اللحظة تقف في مرحلة رمادية بين مسارين/ سيناريوهين متناقضين. المسار الأول هو الاحتواء التدريجي للصراعات والوصول إلى تسويات تفتح المجال أمام الاستقرار والتنمية والتعاون الإقليمي. والمسار الثاني هو استمرار تراكم الأزمات وتفاعلها، بما يحول تعدد الحروب الحالية إلى منظومة صراعات مترابطة يمكن أن تزداد تداعياتها من ساحة إلى أخرى، وتتحول تدريجيًا إلى اضطراب كبير وفوضى إقليمية واسعة.
وتشير الدراسة إلى متغيرين أساسيين في تحديد اتجاه المنطقة المستقبلي: أولهما اتجاه الصراعات نفسها، ما بين التصعيد والاحتواء، وثانيهما درجة الترابط بين الساحات وقدرة الأزمات على نقل تداعياتها إلى مناطق أخرى. كلما ارتفع مستوى التصعيد في عدة مناطق، وتزايد ترابط الساحات، ارتفعت احتمالات انتقال المنطقة من مرحلة الاستنزاف والتوتر إلى مرحلة الفوضى. أما نجاح الأطراف في احتواء الحروب وفك ارتباط الساحات بعضها ببعض، فيمكن أن يفتح الطريق أمام العودة التدريجية إلى الاستقرار.
وانطلاقًا من هذين المسارين، قدمت الدراسة ثلاثة سيناريوهات محتملة: مسار الهدوء والاستقرار في حال نجاح جهود الاحتواء وتراجع الحرب الأمريكية الإيرانية بشكل مستدام، ومسار استمرار التوتر والاستنزاف في حال بقاء الصراعات مفتوحة دون انتقالها إلى حالة حرب إقليمية شاملة، ومسار الاضطراب والانفجار الشامل في حال فشل الاحتواء، وخاصة مع اتساع الحرب الأمريكية الإيرانية وتداخلها بشكل أعمق مع بقية ساحات الصراع، بما يؤدي إلى انتقال الأزمات وتراكمها على المستوى الإقليمي. ولا تقدم الدراسة هذه السيناريوهات باعتبارها تنبؤات حتمية، وإنما باعتبارها مسارات محتملة تتحدد درجة اقتراب المنطقة منها وفق تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية، والتطورات الهامة الأخرى، ومدى ترابط الصراعات، وقدرة الدول والأطراف الإقليمية والدولية على احتواء تداعياتها.
وعليه، لا تقدم الدراسة سيناريو الفوضى الشاملة باعتباره نتيجة حتمية، وإنما باعتباره أحد المسارات التي نرجحها نتيجة استمرار التراكم الحالي للصراعات وتصاعدها وترابطها. على الجانب الأخر، لن يكون الاتجاه نحو الاستقرار نتيجة تلقائية لانخفاض مستوى القتال في جبهة معينة، وإنما بقدرة المنطقة على معالجة جذور الصراعات، وإعادة بناء ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر استقرارًا، ومنع انتقال الأزمات بين الساحات، وهو ما لا يبدو راجحًا في الوقت الحالي.
يظهر من الدراسة أننا نمر حاليًا بمرحلة السيناريو الثاني، الذي تتجه فيه الأوضاع الإقليمية نحو المزيد من عدم الاستقرار، في ظل استمرار الأزمات وتداخل مساراتها، وتراجع فرص التسوية السياسية في عدد من ساحات الصراع، دون الوصول للاضطراب الشامل. إلا أن قراءة الأحداث ومجرياتها تشير إلى أن هذا السيناريو هو وضع انتقالي، قد يشهد تصعيدًا يتلوه تصعيد، مع اتساع نطاق المواجهات وتزايد احتمالات انتقال تداعياتها من ساحة إلى أخرى، بما يجعل احتواء الأزمات أكثر صعوبة، ويرفع من مخاطر الانزلاق إلى مرحلة من الانفجار والتصعيد الشامل، قد تدفع المنطقة إلى السيناريو الثالث: الفوضى الشاملة.
وتكمن الخلاصة الاستراتيجية للدراسة في أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المنطقة لم يعد يتمثل في حرب منفردة أو أزمة منفردة، وإنما في تحول مجموعة الأزمات القائمة إلى نظام متفاعل من الصراعات. فإذا استمرت الحروب في التفاعل بصورة منفصلة، فقد تظل المنطقة قادرة على احتوائها تدريجيًا. أما إذا أصبحت هذه الحروب مترابطة بحيث يغذي التصعيد في كل ساحة التصعيد في ساحات أخرى، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة مختلفة نوعيًا، تصبح فيها السيطرة على مسار الأحداث أكثر صعوبة.
ومن هنا فإن مستقبل المنطقة لن تحدده فقط نتائج المعارك العسكرية، وإنما أيضًا قدرة الدول على الصمود الاقتصادي، وقدرتها على حماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، وإعادة صياغة التحالفات، ومنع انتقال الصراعات، والتعامل مع التحولات العميقة في طبيعة الحرب الحديثة، فضلًا عن صمود المجتمعات وكذلك أنظمة السلطة القائمة في البلاد المختلفة. فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على من يمتلك الجيش الأقوى، وإنما على من يستطيع الاستمرار، وحماية اقتصاده، وتأمين حدوده وممراته، والحفاظ على تماسك دولته ومجتمعه في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وتخلص الدراسة إلى أن تطورات المشرق تتجاوز حدود الصراعات المحلية، وتعكس تحولات استراتيجية عميقة قد تدفع المنطقة نحو الفوضى الشاملة، في ظل تفكك بعض الدول، وتعدد التدخلات الخارجية، وغياب مشروع إقليمي جامع قادر على بناء توازن مستقل. كما تكشف المواجهة بين إسرائيل وإيران عن تنافس على النفوذ الإقليمي قد ينتهي بتوسيع نفوذ أحد الطرفين، أو التوصل إلى ترتيبات بينهما لتقاسم النفوذ، في ظل ضعف الدور العربي المستقل. وتتزايد هذه المخاطر مع احتمالات تراجع التدخل الأمريكي المباشر في المنطقة، بما يفرض تحديات إضافية على أمن الخليج، ويثير تساؤلات بشأن مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، تبرز أدوار القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات وإسرائيل، بوصفها أحد محاور التنافس على النفوذ في عدد من ساحات الصراع، وفقًا لما تعرضه الدراسة من تقديرات بشأن تداخل المصالح والأدوار. كما تكشف التطورات عن محدودية التعويل على الثروة الاقتصادية والمظلات الأمنية الخارجية وحدهما لضمان الاستقرار، وتبرز أهمية امتلاك قدرات علمية وتكنولوجية وصناعية مستقلة. ورغم هذه المخاطر، تتيح التحولات في الرأي العام الدولي، بما فيها تنامي الاعتراض على الحرب على إيران والسياسات الإسرائيلية بشكل عام، فرصة للحد من التصعيد إذا أُحسن توظيفها. وبذلك، يرتبط تجنب الفوضى الشاملة بقدرة دول المنطقة على تعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي، وبناء مقومات القوة الذاتية، والحد من تفكك الدول وانتقال الصراعات بين ساحاتها.
تخلص الدراسة أيضًا إلى أن التحولات الاقتصادية العالمية قد تتحول إلى عامل مضاعف للأزمات في المشرق وإفريقيا، في ظل تزامن الحروب والتوترات الجيوسياسية مع اضطراب أسواق الطاقة والغذاء والتجارة، وارتفاع تكاليف التمويل وأعباء الديون. وتزداد خطورة هذه المعادلة على الدول التي تعاني أصلًا من الهشاشة الاقتصادية أو الصراعات والانقسامات، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والشحن، وتراجع الاستثمارات، واضطراب الممرات البحرية، إلى زيادة الضغوط الاجتماعية والمالية وإضعاف قدرة الحكومات على احتواء الأزمات. وتبرز مصر بصورة خاصة بسبب اعتمادها الكبير على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا، فيما تواجه دول مثل السودان واليمن وليبيا وسوريا مخاطر إضافية نتيجة محدودية مواردها واستمرار الصراعات. كما يكشف تذبذب أسعار النفط عن مدى تأثر أسواق الطاقة بتصاعد الأزمات وعدم اليقين. وبذلك، لا يقتصر خطر الفوضى الشاملة على تداخل الصراعات العسكرية والسياسية، بل يمتد إلى احتمال تزامنها مع صدمات اقتصادية عالمية قد تطيل أمد النزاعات، وتزيد هشاشة الدول، وتسرّع انتقال تداعيات الأزمات بين ساحات المنطقة. ويظل استقرارها مرتبطًا، إلى جانب المسارات العسكرية والسياسية، بقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على تدفقات الغذاء والطاقة والتمويل والتجارة وامتصاص الصدمات المتزامنة.
توضح الدراسة أن توظيف إيران لمضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط استراتيجية نقل المواجهة مع الولايات المتحدة من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي، عبر التأثير في أسواق الطاقة والتضخم وتكاليف المعيشة والتمويل داخل الولايات المتحدة نفسها، بما ينعكس على حسابات التصعيد والتهدئة والاعتبارات الانتخابية الأمريكية. ويكشف ذلك عن قدرة الأزمات الإقليمية على إحداث ضغوط داخلية لدى القوى الكبرى، بما يجعل الاقتصاد عاملًا مؤثرًا في مسار الحروب ومآلاتها.
وتمثل الحرب الروسية الأوكرانية بؤرة إضافية لعدم الاستقرار الدولي، مع تصاعد الاستعدادات العسكرية الأوروبية، وتوسع أنماط المواجهة لتشمل الهجمات السيبرانية والحرب الهجينة، واستمرار مخاطر الاحتكاك المباشر بين روسيا وحلف الناتو. ويؤدي تزامن هذه الحرب مع أزمات الشرق الأوسط والتوتر الأمريكي الإيراني واضطراب طرق الطاقة والتجارة إلى زيادة احتمالات تشابك الأزمات وصعوبة احتوائها، بما يوسع البيئة الدولية المهيأة لامتداد الفوضى الشاملة.
تكشف الحروب الحديثة عن تحول في مفهوم القوة والردع، إذ لم يعد التأثير الاستراتيجي حكرًا على الجيوش الكبيرة والأساطيل التقليدية، بل باتت الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات غير المتماثلة، إلى جانب استغلال الجغرافيا، قادرة على تعطيل الممرات البحرية ورفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة. وتوضح حالتا إيران في مضيق هرمز والحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب كيف يمكن لتهديد محدود جغرافيًا أن يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي، حتى دون تحقيق سيطرة بحرية تقليدية. وبذلك، أصبحت حماية الممرات وسلاسل الإمداد جزءًا من الأمن الاقتصادي والعسكري، وأصبح الانتقال من الحرب المحلية إلى الأزمة الدولية أسرع، بما يزيد مخاطر تشابك الصراعات واتساع الفوضى الشاملة.
تحذر الدراسة من مخاطر توظيف الحوادث الغامضة أو استغلالها لتوجيه الاتهامات وتبرير التصعيد العسكري وفتح جبهات جديدة، مع الإشارة إلى أن الملابسات المحيطة بحادثة شركة فلاي دبي أثارت تساؤلات بشأن احتمالات توظيفها سياسيًا وعسكريًا، دون أن يعني ذلك ثبوت مسؤولية جهة بعينها عنها. وترى الدراسة أن استغلال الأزمات القائمة أو دفع أطراف المنطقة إلى مواجهة بعضها بعضًا قد يحول الصراعات المحدودة إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة الأمد، تستنزف قدرات دول المنطقة ومواردها وإرادتها السياسية والعسكرية. كما تحذر من أن استمرار الفوضى والانقسامات قد يتيح لإسرائيل توسيع نفوذها وتقديم نفسها لبعض الأطراف بوصفها مصدرًا للأمن أو طرفًا قادرًا على احتواء الأزمات، بما يجعل الفوضى الشاملة مدخلًا محتملًا لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وتعزيز نفوذ القوى الأكثر قدرة على استغلالها.
في النهاية، وكما تُظهر الدراسة، فإن المنطقة تمر بمرحلة غير مسبوقة من تاريخها، تقف فيها أمام مفترق استراتيجي حقيقي. فإذا نجحت القوى الإقليمية والدولية في احتواء الصراعات وفك الارتباط بين ساحاتها، فقد تتحول المرحلة الحالية إلى مقدمة لإعادة بناء ترتيبات وأوضاع إقليمية أكثر استقرارًا، بما يشكل امتدادًا متطورًا للمرحلة التاريخية التي شهدتها العقود الماضية.
أما إذا استمر التصعيد كما هو الوضع الحالي، وتوسعت حروب الأحلاف، وانتقلت الصراعات إلى إحداث شلل تام في الممرات البحرية والاقتصاد، واستمرت الأزمات الداخلية في الدول الهشة، فإن الخطر لن يكون مجرد استمرار الحروب الحالية، وإنما تحولها إلى منظومة واحدة من الأزمات المتداخلة. وفي هذه الحالة قد يتطور الأمر إلى حالة اضطراب شامل، ليس نتيجة لحرب واحدة، وإنما نتيجة لتراكم حروب وأزمات اقتصادية وأمنية وسياسية واجتماعية تتفاعل معًا، وتعيد تشكيل منطقة المشرق بكاملها، وموازين القوى فيها لعقود قادمة، وهو ما يبدو، كما كشفت الدراسة، من وجهة نظرنا، الإحتمال الأرجح، خاصة وأن العالم كله، وليس منطقتنا فقط، يمر بحالة من التغيرات الكبرى التي لا يمكن أن ننعزل عنها.
ما يحدث في المنطقة يكشف مع الأسف عن غياب أي مشروع نهضوي حضاري جامع للمكون العربي السني في المنطقة، في الوقت الذي تملك فيه أطراف أخرى، إسرائيل وإيران، مشاريع إقليمية واضحة، تسعى لتمكينها في المنطقة على أرض الواقع. دخل الطرفان الأن في حالة من الصراع؛ إما أن تفضي إلى تغلب أحدهما لبسط نفوذه بالكامل، أو تنتهي بتوافق ما بينهما على اقتسام النفوذ في ظل غياب المشروع العربي السني المستقل.
القسم الأول: أهم التطورات الإقليمية
شهدت منطقة المشرق، منذ حرب طوفان الأقصي في أكتوبر 2023، ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، سلسلة من التحولات المتسارعة التي تجاوزت حدود المواجهات المباشرة المحدودة، وامتدت إلى عدد من الساحات الإقليمية التي كانت تعاني أصلاً من صراعات قائمة أو توازنات سياسية وأمنية هشة.
وقد أسهم استمرار الحرب الإيرانية، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة البحرية وأسواق الطاقة، في زيادة الترابط بين هذه الساحات. فضلًا عن إيران ومنطقة الخليج، فقد تزامن التصعيد مع تجدد المواجهات العسكرية في اليمن، وتزايد الضغوط على العراق، واستمرار التوترات في فلسطين ولبنان وسوريا، إضافةً إلى التحولات الجارية في السودان والقرن الإفريقي وليبيا، فضلًا عن بعض التأثير ات على ساحات مصر والأردن وتركيا.
ولم تتخذ هذه التطورات شكلاً موحداً؛ ففي حين شهدت بعض المناطق مواجهات عسكرية مباشرة وتغيرات في خرائط السيطرة، برزت في مناطق أخرى أزمات اقتصادية وتوترات سياسية داخلية، أو تحركات عسكرية ودبلوماسية لإعادة ترتيب موازين القوى والنفوذ.
ومن ثَمَّ، فإن استعراض المشهد الإقليمي وأهم التطورات الجارية فيه يقتضي تناول كل ساحة وفق خصوصيتها، مع مراعاة ارتباطها بالمتغير الرئيس حاليًا، وهو المواجهة الأمريكية الإيرانية، وبالتحولات الأوسع في الإقليم، وذلك قبل ربط هذه الساحات ببعضها البعض في التحليل واستعراض التداعيات، وهو ما سنتناوله في الجزء الثاني من الدراسة.
1- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: من المواجهة المباشرة إلى الاستنزاف الممتد
شكّل اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026 نقطة تحول في طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فبعد مرحلة الضربات العسكرية المباشرة، انتقل الصراع تدريجياً إلى نمط أكثر امتداداً، تتداخل فيه العمليات العسكرية المحدودة مع الضغوط الاقتصادية والعقوبات المالية والحصار، وكذلك التهديد المستمر لحركة الملاحة في الخليج.
ومع تعثر مسارات التهدئة، ولا سيما بعد انهيار التفاهمات التي أعقبت جولات المواجهة الأولى، اتجهت واشنطن إلى تشديد الحصار الاقتصادي والبحري على إيران، مستهدفة صادراتها النفطية وشبكاتها التجارية والمالية الخارجية، في محاولة لتقليص قدرتها على تمويل وارداتها ومواصلة أنشطتها العسكرية. وقد تناولت دراسة المعهد المصري المعنونة «إيران تحت الحصار الاقتصادي: حدود الضغط الأمريكي وقدرة طهران على إدارة اقتصاد البقاء»، المنشورة في 18 أغسطس 2026، هذا التحول من الضغط العسكري المباشر إلى استراتيجية ضغط اقتصادي أطول أمداً.
وتفيد التقارير أن الإجراءات الأمريكية قلصت كثيرًا من قدرة إيران على تصدير النفط، حيث كادت الكميات التي دفعت بها إيران للتخزين في عرض البحر بالقرب من الأسواق الأسيوية، بعد توقيع مذكرة التفاهم في شهر يونيو، على النفاذ في وقت يتراوح بين منتصف ونهاية شهر أكتوبر، وهو ما سيؤثر كثيرًا، إن حدث، على الوضع الإقتصادي الإيراني، وعلى قدرة إيران على تمويل احتياجات الحرب.
وفي المقابل، أصبحت منطقة مضيق هرمز إحدى أهم ساحات المواجهة، مع تزايد الهجمات والتهديدات المتعلقة بالسفن والمنشآت العسكرية وحركة التجارة البحرية. ولم تعد المسألة مقتصرة على احتمالات إغلاق المضيق بصورة كاملة، بل امتدت إلى قدرة إيران على التأثير في مستوى المخاطر الأمنية وتكاليف التأمين والشحن، وما يترتب على ذلك من اضطراب حركة البضائع الاستراتيجية ومكونات الطاقة.
وشهد سبتمبر تطوراً إضافياً في الخطاب العسكري الإيراني، مع إعلان طهران تبني توجه يسمح بتنفيذ ضربات استباقية ضد ما تعتبره تهديدات وشيكة، بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات بعد وقوعها. كما أعلنت تطوير منظومات صاروخية جديدة، من بينها صاروخ «قاسم بصير»، في سياق تعزيز قدراتها على استهداف القطع البحرية والمنشآت العسكرية. وتظل المواصفات والقدرات المعلنة لهذه المنظومات بحاجة إلى تقييم مستقل.
وفي سياق النهج الإيراني لتطوير القدرات العسكرية الإيرانية، أعلن المتحدث باسم الحرس الإيراني، العميد حسين محبي، في 10 أغسطس 2026، أن الصواريخ الإيرانية باتت تمتلك قدرات متقدمة لتغيير مسارها أثناء الطيران، وتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، بل وإعادة توجيه بعض الصواريخ نحو أهداف أخرى بعد الإطلاق. ووصف محبي هذا التطور بأنه جزء من استراتيجية إيران في “الحرب التكنولوجية”، القائمة على الذكاء الاصطناعي والابتكار العلمي وأنظمة التوجيه المتقدمة، وقد قمنا في المعهد المصري بنشر تقدير موقف عسكري مختص يحلل ذلك الأمر بعنوان (الصواريخ الإيرانية وتطور قدرات المناورة وإعادة الاستهداف – تحول في معادلة الدفاع الصاروخي).
وقد صعدت إيران مؤخرًا من استهدافها للسفن داخل المضيق وخارجه، بعدما استطاعت الولايات المتحدة دعم خروج كميات من النفط تقترب مما كان يخرج من المضيق قبل الحرب، وتزايدت حالات انفجار السفن نتيجة تعرضها لألغام بحرية واستهدافات صاروخية، وبذلك عادت كمية النفط والبضائع الخارج من الخليج للانخفاض. وقد نجحت إيران بذلك في تقليص معدل خروج النفط من المضيق مرة أخرى في منتصف أكتوبر إلى نحو 11.6 مليون برميل يوميًا، بعد أن كان قد ارتفع إلى نحو 17.1 مليون برميل يوميًا قبل ذلك. في ظل تنامي الاحتياج العالمي للنفط، أدى ذلك إلى ارتفاع سعر العقود الأجلة لخام برنت إلى نحو 110 دولار للبرميل يوم 16 أكتوبر، وهو نفس المستوى تقريبًا الذي كان سائدًا أيام ارتفاع وتيرة حرب الأربعين يومًا. يحقق ذلك هدفًا إيرانيًا مهمًا في إبقاء سعر النفط مرتفعًا حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
على المستوى الاقتصادي أيضًا، اتسعت الحملة الأمريكية لتشمل المؤسسات المالية والوسطاء التجاريين الذين تتهمهم واشنطن بتسهيل المعاملات الإيرانية، بما في ذلك مؤسسات خارج الأراضي الإيرانية. وقد أضاف ذلك بعداً جديداً للمواجهة، يتمثل في محاولة تعطيل القنوات التي تسمح لطهران بتحويل عائداتها التجارية إلى موارد مالية قابلة للاستخدام.
وفي الوقت نفسه، امتدت المواجهة إلى محيط إيران الإقليمي، عبر استهداف مواقع ومصالح عسكرية أمريكية، وتزايد ارتباط التصعيد في الخليج بتحركات الجماعات المسلحة الحليفة لطهران، ولا سيما في اليمن (كما سنستعرض لاحقًا). وبذلك، لم تعد الحرب محصورة في عمليات عسكرية متبادلة بين دولتين، وإنما أصبحت مواجهة متعددة الأدوات والساحات، تجمع بين الضغط الاقتصادي والعسكري والتأثير في الممرات البحرية والانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.
لم تقتصر التحولات التي شهدتها إيران خلال الحرب على إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، بل امتدت إلى بنية القيادة الأمنية والسياسية نفسها. فقد شهد أغسطس 2026 صدور ستة مراسيم عسكرية عن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، بالتوازي مع تغييرات في المجلس الأعلى للأمن القومي، أعادت شخصيات من الحرس الثوري إلى مواقع رئيسية في التخطيط العسكري والأمن الداخلي. وتكتسب هذه التعيينات أهميتها من أنها لا تقتصر على سد الشواغر التي خلفتها عمليات الاستهداف والاغتيال خلال الحرب، وإنما تعكس اتجاهاً نحو توسيع دور الحرس الثوري في المؤسسات التي تربط بين إدارة العمليات العسكرية وصنع القرار السياسي والأمني. ومع ذلك، لا يعني هذا التحول انتهاء أدوار المؤسسات المدنية والدينية، بل إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل منظومة الحكم الإيرانية في ظل استمرار المواجهة الخارجية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن رفضه للمقترح الإيراني المتعلق بإنهاء القتال وإعادة فتح المضيق، فيما أفادت رويترز في 1 أكتوبر بأن إيران تواصل المسار الدبلوماسي، لكنها تستعد في الوقت نفسه لرد أوسع في حال استئناف الهجمات الأمريكية، في ظل محدودية فرص التوصل إلى تسوية في الوقت الراهن.
وبالتوازي مع تصريحات ترامب، بدأت الولايات المتحدة في تعزيز انتشارها العسكري في المنطقة بصورة لافتة، حيث غادرت حاملة الطائرات «يو إس إس ثيودور روزفلت» قاعدة سان دييغو في 27 سبتمبر في طريقها للمنطقة، كما غادرت مجموعة «ماكين آيلاند» البرمائية في اليوم التالي، وضمت نحو 2200 من مشاة البحرية والبحارة. وبحسب مسؤول أمريكي تحدث للجزيرة، فإن الانتشار الأمريكي المتوقع حتى نهاية نوفمبر قد يشمل ثلاث مجموعات لحاملات الطائرات ومجموعتين برمائيتين في محيط إيران، وهو ما يمنح القادة العسكريين الأمريكيين خيارات متعددة للتعامل مع إيران.
وكشف تسريب لباراك رافيد في «القناة 12» الإسرائيلية، ونشره أيضًا في أكسيوس، يتقاطع مع ما نشرته «ذا أتلانتك»، عن تقدم الاستعدادات الأميركية لاحتمال استئناف حرب واسعة ضد إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، مع مؤشرات على تنسيق عسكري أكبر بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن ترامب نفى أن تكون هناك ضربة مخططة قبل موعد الانتخابات
كما كشفت CNN في 15 أكتوبر أن الولايات المتحدة تدرس استخدام ما يطلق عليه “أم القنابل”، ذات القوة التدميرية الهائلة، لضرب إيران. ولم ينف ترامب ذلك عندما سئل عنه في مقابلة تلفزيونية حيث قال أنها “ليست سلاح نووي”. وقد أثار هذا الأمر تكهنات كثيرة، نظرًا لأن هذه القنبلة، رغم الدمار الهائل الذي يمكنها إحداثه، فإنها غير قادرة على اختراق التحصينات القوية والمواقع الجبلية العميقة. هذا يعني أن استخدام مثل هذه القنبلة لن يحقق هدفًا عسكريًا مهمًا، بل قد تستخدم ضد أعداد كبيرة من الجنود، أو منشأت نفطية أو بنية أساسية مهمة، وبالتالي فإن استخدامها يمكن أن يكون لأغراض دعائية يزعم فيها ترامب أنه حقق أهداف الحرب، مما يعطيه مبررًا للانسحاب وترك المنطقة مشتعلة في ظل ردود الفعل الإيرانية المنتظرة من مثل هذا الاستهداف. وقد كشف أحد المصادر بالفعل، كما نشر في التقرير المذكور، أن الصياغة المستخدمة في التخطيط العسكري تشير إلى تنفيذ الضربات قبل بدء انسحاب القوات الأمريكية من منطقة عمليات القيادة المركزية.
وتأتي كل هذه التحركات في وقت لا تزال فيه المفاوضات تراوح مكانها، بينما تستمر الولايات المتحدة في فرض حصارها على إيران وتحتفظ طهران بأوراق ضغط مهمة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وتجدر الإشارة أنه خلال جولات التصعيد الأخيرة، وحتى وقت إعداد هذه الدراسة، تجنبت إيران في ردود أفعالها استهداف إسرائيل. وفي نفس الوقت لم تشارك إسرائيل بشكل مباشر في أي ضربات على إيران. من الواضح أن الطرفين لا يرغبان في توسيع دائرة هذا الصراع لتشمل إسرائيل في الوقت الراهن.
استنزاف المخزون العسكري الأمريكي
برزت خلال الحرب إشكالية استدامة العمليات العسكرية الأمريكية، ولا سيما في ما يتعلق باستهلاك الصواريخ الدقيقة والذخائر الاعتراضية. فقد تناول تقدير نشره المعهد المصري في 7 أغسطس 2026 الفجوة بين معدلات استخدام هذه المنظومات خلال المواجهات الممتدة وقدرة القاعدة الصناعية العسكرية الأمريكية على تعويضها بالسرعة المطلوبة. وتكتسب هذه المسألة أهميتها من أن إدارة الحرب لا تتوقف على امتلاك التفوق التكنولوجي أو العسكري، وإنما تتطلب كذلك المحافظة على مخزون كافٍ من الذخائر الاستراتيجية لتلبية متطلبات العمليات الحالية والالتزامات العسكرية في مسارح أخرى. ويضيف هذا العامل بعداً يتعلق بالقدرة الصناعية وسلاسل الإمداد إلى الحسابات العسكرية الأمريكية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والاقتصادية المرتبطة باستمرار الحرب.
وقد ظهر أن هذا العامل لا يؤثر فقط على ساحة الصراع الأمريكي الإيراني المباشر، وإنما أيضًا على قدرة المملكة العربية السعودية على الدفاع عن نفسها أمام هجمات الحوثي، بعد أن تضررت أغلب المظلة الأمنية الأمريكية التي كان من المفترض أن تساهم في حمايتها. هذا الهامل سيكون له بالتأكيد أثار سلبية كبيرة أخرى حال اندلاع المواجهات مع إيران من جديد.
2. اليمن: تجدد الحرب وتغير موازين السيطرة على الساحل الغربي
شهدت الساحة اليمنية تحولاً عسكرياً مهماً في سبتمبر 2026، بعد نحو أربع سنوات من التهدئة النسبية التي أعقبت الهدنة الأممية عام 2022. فقد عادت المواجهات الواسعة بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، بالتزامن مع استئناف الضربات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية.
وبدأت الجولة الجديدة من القتال في 3 سبتمبر ، مع تصاعد الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة على مواقع في غرب تعز وجنوب الحديدة، قبل أن تتوسع المواجهات البرية إلى عدة محاور. وقد تركزت العمليات في البداية بصورة خاصة في المناطق المطلة على البحر الأحمر، نظراً لأهميتها في التحكم بطرق الإمداد المؤدية إلى ميناء المُخا ومضيق باب المندب.
وتشير التطورات الميدانية التي رصدها المعهد في دراسة «اليمن في حرب جديدة.. الأسباب والتداعيات»، المنشورة في 15 سبتمبر ، إلى تحقيق الحوثيين تقدماً واسعاً على الساحل الغربي، شمل مناطق الخوخة وحيس والوازعية، إضافة إلى مواقع عسكرية مهمة، بينها معسكر خالد وجبل النار، مع تقدم العمليات باتجاه المناطق القريبة من المضيق.
وارتبط هذا التقدم بالتغيرات التي طرأت على مواقع القوات المناوئة للحوثيين، وبالتباينات داخل المعسكر التابع لمجلس القيادة الرئاسي، ولا سيما بين التشكيلات المرتبطة بالسعودية وتلك المدعومة من الإمارات.
كما شهدت المواجهات عودة الضربات الحوثية على أهداف داخل الأراضي السعودية، بالتوازي مع العمليات العسكرية في الداخل اليمني، ما أعاد فتح الجبهة السعودية اليمنية بعد فترة من التهدئة.
ومن الناحية الجغرافية، اكتسبت المعارك أهمية تتجاوز السيطرة على المدن والمواقع العسكرية؛ إذ إن التقدم باتجاه الساحل الغربي يتيح للحوثيين توسيع نطاق تأثيرهم على الطرق البحرية المؤدية إلى باب المندب، أحد الممرات الرئيسية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وقد تزامنت هذه التطورات مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز، الأمر الذي جعل المواجهة البحرية في المنطقتين جزءاً من السياق الإقليمي للحرب الأمريكية الإيرانية، وإن اختلفت طبيعة العمليات العسكرية والجهات المنخرطة في كل منهما.
أما على المستوى الداخلي، فقد أظهرت الجولة الجديدة استمرار الانقسامات داخل المعسكر المناوئ للحوثيين، والتباين بين القوى اليمنية بشأن مستقبل السيطرة على المناطق الشمالية والجنوبية، في وقت أعادت فيه التطورات العسكرية طرح مسألة وحدة الأراضي اليمنية وشكل السلطة في المرحلة المقبلة.
تكشف القراءة العسكرية لجولة القتال الجديدة عن تحول في أساليب العمليات لدى الأطراف المتحاربة. فقد سعت القوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي، خلال الأيام الأولى من سبتمبر ، إلى فتح جبهات متزامنة في تعز والحديدة والجوف، مع الاعتماد على التمهيد الناري والطائرات المسيّرة واستهداف المرتفعات المشرفة على طرق الإمداد. وفي المقابل، اعتمد الحوثيون خلال المرحلة الأولى نمطاً يقوم على الدفاع المرن واستنزاف القوات المهاجمة، قبل الانتقال إلى الهجوم المضاد واستعادة المبادرة الميدانية. وشهد العاشر من سبتمبر تحولاً في مسار المعارك مع تقدم الحوثيين في المُخا، ثم امتداد العمليات باتجاه ذوباب وجزيرة ميون والمواقع القريبة من باب المندب. وتكتسب هذه التحركات أهميتها من موقعها الجغرافي المطل على الممر البحري الرابط بين خليج عدن والبحر الأحمر، فضلاً عن تأثيرها في طرق الإمداد البرية التي تربط تعز بالساحل الغربي.
وقد نشرت رويترز في الثاني من أكتوبر تقريرًا هامًا حول تحضيرات محتملة من جانب السعودية، استنفرت من خلالها علاقاتها الدبلوماسية والعسكرية تحضيرًا لهجوم كبير ضد الحوثيين خلال الأسابيع المقبلة، إما خلال الأسبوع الأول أو الثاني من أكتوبر، أو بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، كما يتوقع بعض المحللين، لكي يمكن تأمين مشاركة أمريكية مؤثرة في اسناد الهجوم. الهدف العملياتي الأساسي من الهجوم المحتمل هو كسر سيطرة الحوثيين على باب المندب واستعادة القدرة على تأمين طريق الشحن في البحر الأحمر. كما ذكر تقرير رويترز أن السعودية تدرس خيارًا ثانيًا تحشد من خلاله أكثر من 100ألف مقاتل يمني في حملة أوسع تتزامن فيها العمليات على عدة جبهات داخل اليمن عبر البيضاء ومأرب وتعز والجوف، إضافة للجبهة الساحلية.
يبدو أن الهدف الاستراتيجي للمملكة من هكذا عملية ليس الهزيمة الساحقة للحوثيين والهجوم على صنعاء مثلًا، على الرغم من استهداف صنعاء ومعقل الحوثيين في صعدة بالقصف الجوي للمزيد من الضغط، ولكن يبدو أنها تريد تحسين الموقف الميداني قبل الدخول في تسوية جديدة مع الحوثيين. قد ينطلق هذا الهدف من التصور بأن الحوثي يسعى لتسوية واتفاق في نهاية المطاف، إلا أن التطورات الميدانية والتصريحات تشي بأن الهدف الحوثي قد يتجاوز ذلك بكثير.
طبقًا لمصادر رويترز، فإن العملية لن تكون اجتياحًا سعوديًا بريًا مباشرًا، بل ستقودها قوات يمنية على الأرض تشرف عليها الرياض، مع إسناد جوي سعودي. الحلفاء الغربيون والإقليميون، طبقًا للمصادر، سيقدمون دعمًا استخباريًا ودفاعيًا دون مشاركة مباشرة في العمليات القتالية.
وقد نقلت رويترز عن بعض المحللين أن أكبر نقطة ضعف في الخطة السعودية هي انقسام القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، حيث أن هذه القوات (عدا الجيش اليمني بالطبع) ليست جيشًا موحدًا، بل مجموعة فصائل دربتها وسلحتها السعودية والإمارات خلال مراحل مختلفة من الحرب. عدد كبير من هذه التشكيلات، طبقًا للمحللين، غير منظم أو غير مستعد بعد لحملة طويلة ضد قوة حوثية أكثر انضباطًا، وأن الحوثيين يختبرونها حاليًا عبر الضغط المتزامن على عدة جبهات.
نقطة الضعف الثانية هي أن المملكة ستكون معرضة لضربات مكثفة من الحوثيين على بنيتها الأساسية ومنشأتها النفطية إذا بدأت هكذا عمليات، وبالتالي ستحتاج لإجراءات كبيرة لحماية هذه المنشأت من الضربات.
بالفعل في 4 أكتوبر، أعلن الرئيس اليمني رشاد العليمي عما أسماه “بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية اليمنية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها”، وقال “إن مؤسسات الدولة ستكون في حالة استنفار كامل لتحقيق النصر”. وأعلن العليمي في 5 أكتوبر إطلاق عملية «فجر اليمن»، ولم يذكر ما إذا كان هذا الإعلان في سياق العملية التي تحضر لها المملكة، كما لم يظهر مدى نجاعة العملية التي أطلقها المجلس الرئاسي اليمني، خاصة في ظل العقبات المشار إليها أعلاه. إلا أنه ما يبدو الأن، كما ذكرنا، أن هدف المملكة لا يصل إلى درجة السعي ل “استعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية اليمنية”، ويحتاج الأمر لمتابعة تطور العمليات لكي يمكن الحكم بدقة على هذا الأمر.
في المقابل، وسّع أنصار الله الحوثيون نطاق ردهم العسكري ليشمل العمق السعودي، في محاولة للضغط على الرياض ودفعها إلى إعادة النظر في استمرار حملتها الجوية ودعمها للقوات الموالية للمجلس الرئاسي. ولم تعد الهجمات مقتصرة على المنشآت الاقتصادية، مثل مرافق شركة أرامكو، بل امتدت إلى المطارات، وفي مقدمتها مطارا الملك خالد الدولي بالرياض وأبها، إلى جانب منشآت ومواقع أخرى. وشهدت الفترة بين 7 و11 أكتوبر هجمات متكررة على مطار الرياض، أسفرت، وفق السلطات السعودية، عن سقوط قتلى ومئات المصابين في إحدى الضربات، فضلًا عن وقوع قتلى وجرحى في هجمات سابقة على مطاري الرياض وأبها. وبذلك اتخذ التصعيد مسارًا متبادلًا: ضغط جوي سعودي لدعم التقدم البري على الجبهة اليمنية، يقابله سعي حوثي إلى نقل كلفة المواجهة إلى الداخل السعودي، بما يرفع الضغوط الأمنية والسياسية على الرياض ويختبر قدرتها على مواصلة العمليات بالتوازي مع حماية منشآتها الحيوية.
وفي تطور جديد، قام الحوثيون في 15 أكتوبر بقصف القصر الرئاسي معاشيق في العاصمة المؤقتة عدن، ما أسفر عن سقوط قتلى، ثم قصف مطار عدن في اليوم التالي،كما قاموا بقصف مدينة مأرب بالصواريخ الباليستية.
مما سبق، وحتى الإنتهاء من هذه الدراسة، منتصف شهر أكتوبر 2026، يمكن تلخيص قراءة المشهد الميداني في الساحة اليمنية بين أنصار الله الحوثيين والقوات الموالية للمجلس الرئاسي اليمني ودلالاته كالتالي:
1-محاولة الحوثيين تثبيت سيطرتهم على المدن والمحافظات التي سيطروا عليها في الساحل الغربي.
2- محاولات من بعض القوات الموالية للمجلس الرئاسي اليمني إستعادة تماسكها، مستغلةً التمهيد الجوي والنيراني المكثف الذي ينفذه طيران المملكة العربية السعودية، والذي أصبح مكثفًا وموزعًا على نطاقات متعددة في الداخل اليمني. ولكن حتى الآن (أوائل أكتوبر)، لم يُترجم القصف السعودي والتمهيد النيراني السعودي إلى تغيير في المعادلة على الأرض، ويظل الواقع الميداني يميل لكفة أنصار الله الحوثيين.
ويبدو أن السعودية تحاول معالجة بعض أوجه الاختلالات الجوهرية في صفوف مقاتلي القوات الموالية للمجلس الرئاسي على المستوى العملياتي والمعنوي، وتحاول جلب مقاتلين من جهات خارجية لسد العجز والمشاركة في القتال في اليمن، كما كشفت التقارير عن محاولات السعودية لجلب مقاتلين من سوريا، حسبما كشفت صحيفة «تركيا اليوم»، التي لم توافق على ذلك الطلب وفقًا لمصادرنا، ومقاتلين من كولومبيا، كما كشفت «إنتليجنس أونلاين». يضاف إلى ذلك الاستعدادات التي نقلتها رويترز في تقريرها الأخير حول الترتيب لهجوم كبير، وما أعلنه الرئيس اليمني من بدء عملية استعادة ما تبقى من الأراضي اليمنية، كما ذكر في إعلانه.
3- دلت الانسحابات العشوائية على أن القوات التابعة للمجلس الرئاسي اليمني تعاني اختلالات جوهرية، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي، وأن تلك القوات مختلفة حول الترتيبات السياسية، فضلًا عن تعدد ولاءاتها لجهات خارجية، وهو ما يعكس حالة من التباين والانقسام داخل هذه القوات.
ويبدو أن الخلاف الأخير بين السعودية والإمارات، والذي أدى إلى قصف السعودية للمعدات والقوات التابعة للإمارات في اليمن، كان له أثر وتداعيات على الانسحابات العشوائية التي ظهرت في بداية المعارك، وترتب على ذلك إنسحاب ألوية المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح تحت اسم “حراس الجمهورية”، ألوية العمالقة التابعة للمقاومة الجنوبية، مما دفع الحوثي لإستغلال تلك الانسحابات والتقدم أكثر، وتطوير هجومه الاستراتيجي والسيطرة على معظم الساحل الغربي اليمني.
4- يعمل أنصار الله على إدارة الحرب معتمدين على اتجاهين: أولًا، الضغط على القوات الموالية للمجلس الرئاسي لتثبيت سيطرتهم ومحاولة التقدم للسيطرة على جغرافيا ومحافظات ما زالت تحت سيطرة قوات المجلس الرئاسي؛ وثانيًا، الضغط المكثف داخل العمق السعودي، مستهدفين نقاط الطاقة والنقاط العسكرية، بهدف إجبار السعودية على وقف القصف والتمهيد الجوي للقوات الموالية للمجلس الرئاسي.
5- أظهرت هذه المعارك أن وحدة القيادة والسيطرة لدى أنصار الله الحوثيين كانت أحد العوامل المهمة في منحهم قدرًا أكبر من الثبات الميداني والقدرة على إدارة العمليات بصورة أكثر تماسكًا. فوحدة القرار العملياتي وارتباط الوحدات المقاتلة بغرفة قيادة وسيطرة موحدة سمحا بسرعة نقل الأوامر، وتنسيق التحركات، وإعادة توزيع القوات وفق تطورات الميدان، بما حدّ من احتمالات الانهيار أو الانسحاب العشوائي.
وفي المقابل، فإن تعدد مراكز القرار والولاءات داخل القوات الموالية للمجلس الرئاسي انعكس على تماسكها العملياتي وقدرتها على الاستجابة الموحدة لضغوط المعركة. ومن ثم، لم تكن الأفضلية الميدانية للحوثيين مرتبطة بالقوة النيرانية وحدها، وإنما أيضًا بقدرتهم على تحويل وحدة القيادة والسيطرة إلى تماسك عملياتي انعكس مباشرة على أداء القوات في الميدان.
6-شهدت الساحة اليمنية، خلال النصف الأول من أكتوبر 2026، تصعيدًا عسكريًا متزامنًا على الساحل الغربي وفي العمق السعودي، بعد إعلان رشاد العليمي، المشار إليه أعلاه، بدء العمليات العسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله الحوثيين، قبل أن يعلن في 5 أكتوبر إطلاق عملية «فجر اليمن». وتركزت العمليات على الساحل الغربي، بدعم جوي سعودي مكثف، ما أتاح للقوات الموالية للمجلس الرئاسي، وفي مقدمتها ألوية العمالقة، التقدم على الأرض والاستفادة من التمهيد النيراني، وإن ظل التقدم بطيئًا وسط استمرار المواجهات. وأعلنت القوات الحكومية السيطرة على مطار ذوباب ومواقع استراتيجية قرب مضيق باب المندب، فيما ظلت السيطرة على بعض المواقع والمحاور محل تضارب في التقارير الميدانية، بما يعكس استمرار المعركة وعدم حسمها بصورة نهائية.
7- تشير قراءة المشهد إلى أن المواجهة تتجه نحو تصعيد أكبر خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار الضغط السعودي من الجو، وحشد المقاتلين اليمنيين لمعارك كبيرة مقبلة، مقابل تمسك أنصار الله بمكاسبهم على الساحل الغربي وموقعهم قرب باب المندب، مع محاولتهم التوسع حول مدينة تعز، والتقدم شرقًا في محافظة لحج؛ وهو ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية على المستوى العملياتي والإقليمي.
8- الإصابات المتكررة لمطار الرياض تدل على أن التغطية والمظلة الجوية لحماية مكمن استراتيجي مهم مثل مطار الرياض ليست كافية، وأن بها عجزًا وثغرات، وأن الحوثي درس تلك النقطة والمضادات التي تؤمّنها بشكل دقيق، ويستخدم قوة نارية بصواريخ متقدمة يستطيع بها تحقيق إصابة النقطة المستهدفة. (أنظر تحليل عسكري هنا : مطار الرياض.. تكرار الاستهداف يكشف ثغرات في المظلة الدفاعية الجوية).
9- وبالنظر لكل ما سبق، فإن الموقف العملياتي على الأرض ما زال يميل لصالح أنصار الله الحوثيين، الذين يثبتون سيطرتهم على المناطق في الساحل الغربي بالقرب من باب المندب، والتي استطاعوا السيطرة عليها، كما أنهم يحاصرون حاليًا مدينة تعز، ويسعون لإحداث تقدم في جبهات مأرب ولحج، بل بدأ استهداف عدن نفسها بالقصف الذي طال قصر معاشيق الرئاسي.
3. منطقة الخليج: ضغوط أمن الطاقة وتوسع نطاق الاستهداف
أصبحت دول الخليج أكثر الساحات تأثراً باستمرار الحرب على إيران، ليس فقط بحكم قربها الجغرافي من مسرح المواجهة، بل أيضاً لارتباط اقتصاداتها بإنتاج الطاقة وتصديرها، واعتماد جزء كبير من حركة تجارتها على الممرات البحرية التي تأثرت بالعمليات العسكرية.
وامتدت العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب إلى عدد من دول الخليج، التي تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية وقواعد تضم قوات أمريكية، إلى جانب منشآت الطاقة والمصافي والموانئ والمطارات والمنشآت الصناعية والخدمية. وشملت الاستهدافات السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان، مع تفاوت حجم وطبيعة الهجمات من دولة إلى أخرى.
وتركز جانب مهم من الاستهدافات على البنية التحتية المرتبطة بالطاقة، بما في ذلك منشآت إنتاج النفط والغاز والتكرير ومحطات الكهرباء والتحلية، فضلًا عن الموانئ والمطارات والمنشآت التجارية. كما تعرضت بعض المواقع العسكرية ومنظومات الرادار والدفاع الجوي ومراكز الاتصالات لهجمات مباشرة، في حين أدت عمليات الاعتراض وسقوط بقايا الصواريخ والمسيّرات إلى أضرار وإصابات في بعض الحالات. وبذلك لم تقتصر العمليات على استهداف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وإنما امتدت إلى منشآت حيوية داخل دول الخليج، بما جعلها جزءًا مباشرًا من مسرح العمليات العسكرية المرتبط بالحرب على إيران.
وقد كشف تحقيق استقصائي مهم وشامل نشرته رويترز في 15 أكتوبر عن كثير من الضربات الدقيقة التي وجهتها إيران وحلفائها على البنية الأساسية في دول الخليج، وأحدثت أضرارًا بالغة. كشف التحقيق عن توجيه 135 ضربة دقيقة على الأقل منذ 28 فبراير بالصواريخ والمسيّرات استهدفت 84 موقعاً للبنية التحتية في عدة دول خليجية، أحدثت أضرارًا بالغة في معدات حساسة، وقامت دول الخليج بإخفاء أثارها في أغلب الأحيان. عدد كبير من الضربات لم يستهدف المنشآت بصورة عشوائية، بل أصاب معدات صغيرة وحيوية تتحكم بتشغيل مجمعات صناعية واقتصادية ضخمة، وأدى تعطيلها إلى توقف سلاسل إنتاج وتصدير كاملة، ما أحدث أضرارًا اقتصادية بالغة، واستفادت منها إيران في إحداث توازن مع الهجوم الأمريكي عليها. التقرير استند إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل بيانات التشغيل والملاحة ومقابلات مع 36 مصدراً و14 خبيراً ومطلعاً.
وقد أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى زيادة المخاطر المرتبطة بنقل النفط والغاز، ودفعت الدول المنتجة إلى البحث عن مسارات بديلة للتصدير. وفي الحالة السعودية، اكتسب خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب، وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بحيث يمكن نقل البترول إما جنوبًا عبر مضيق باب المندب، أو شمالًا إلى ميناء العين السخنة المصري، ثم عبر خط أنابيب سوميد إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، أهمية استثنائية باعتباره منفذاً يسمح بتجاوز مضيق هرمز.
غير أن هذا البديل تعرض بدوره لهجمات بالطائرات المسيّرة في سبتمبر ، ما أدى إلى توقف الضخ وتعطيل شحنات النفط من ينبع. وفي 22 سبتمبر ، استؤنفت عمليات الضخ بمعدلات منخفضة، فيما أشارت مصادر مطلعة إلى أن استعادة طاقته التشغيلية الكاملة قد تستغرق عدة أسابيع.
وتُظهر هذه الواقعة كيف امتد أثر المواجهة من الممرات البحرية إلى البنية التحتية البرية للطاقة. كما أبرزت الترابط بين العمليات العسكرية في العراق واليمن والخليج؛ إذ لا تقتصر المخاطر على حركة الناقلات في هرمز، بل تشمل كذلك مسارات التصدير البديلة والموانئ الواقعة على البحر الأحمر.
وفي المقابل، تكثفت التحركات الدبلوماسية الخليجية المتعلقة بأمن الملاحة ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، بالتوازي مع استمرار المساعي الرامية إلى إيجاد مخرج تفاوضي للمواجهة الأمريكية الإيرانية. وقد برزت قطر ضمن الدول التي تسعى إلى بحث إطار أمني إقليمي يضم إيران ويعالج المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
وعليه، اتسمت التطورات الخليجية خلال هذه الفترة بازدواجية واضحة: استمرار التعرض للضغوط العسكرية والاقتصادية من جهة، وتكثيف البحث عن ترتيبات دفاعية ودبلوماسية تقلص الانكشاف على الصراع من جهة أخرى. (انظر)
إعادة تقييم المسارات البديلة لتصدير الطاقة
أعادت الحرب على إيران إحياء النقاش حول تنويع طرق تصدير النفط والغاز الخليجي وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. وتوضح دراسة نشرها المعهد المصري في 5 أغسطس 2026 أن السعودية والإمارات تمتلكان أفضلية نسبية بفضل البنية التحتية القائمة؛ فالسعودية تعتمد على خط الأنابيب شرق–غرب الواصل إلى ميناء ينبع، بينما تستخدم الإمارات خط الفجيرة لتصدير جزء من إنتاجها إلى خليج عُمان دون عبور المضيق.
وفي المقابل، تواجه دول أخرى، منها العراق وقطر والكويت والبحرين، قيوداً جغرافية وبنيوية تجعل تنويع مسارات التصدير أكثر تعقيداً. وقد أعادت هذه الظروف طرح مشروعات خطوط الأنابيب والممرات البرية الممتدة نحو البحر الأحمر والبحر المتوسط، بما في ذلك مسارات عبر الأردن وسوريا وتركيا. إلا أن هذه المشروعات لا تمثل بديلاً فورياً عن هرمز، نظراً إلى تكلفتها الاستثمارية ومتطلبات تأمينها وحاجتها إلى تفاهمات سياسية طويلة الأمد.
4. التحالفات الإقليمة:
برز خلال الحرب على إيران تطور مهم في بنية التحالفات الإقليمية، تمثل في توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026.
وقد نص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميعها، إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والدفاعي وتطوير القدرات المشتركة. وجاء توقيعه في ظل تصاعد التهديدات التي واجهتها دول الخليج، واتساع النقاش حول مستقبل الترتيبات الأمنية الإقليمية.
يرى بعض المحللين، ونحن منهم، أن الدافع الرئيس من وراء تشكيل الحلف هو الرغبة الأمريكية في تقليص تواجدها والتزاماتها الأمنية في عدة بقاع من العالم، ومنها منطقة الخليج، في إطار استراتيجيتها التي تركز فيها على الأمريكتين، وعلى المنافسة الاستراتيجية مع الصين. تحاول الولايات المتحدة، طبقًا لهذا الرأي، أن توكل بعضًا من مهامها الأمنية إلى حلفاء موثوقين يستطيعون أداء هذه المهام تحت إشرافها، مع تقليص التواجد الأمريكي للحد الأدنى. تلاقت هذه الرغبة في نفس الوقت مع قناعة متزايدة في المنطقة بأنه يجب أن يكون لديها دور ذاتي في تكوين منظومتها الأمنية وتوفير الحماية اللازمة لأمنها واستقرارها الإستراتيجي.
ولم تنضم مصر إلى هذا التحالف، رغم مشاركتها مع الدول الثلاث نفسها، فيما عرف بإتفاقية ال R4، ما أثار العديد من التساؤلات، استعرضتها دراسة للمعهد المصري حول هذا الموضوع.
وفي 31 أغسطس، عقد وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث اجتماعاً في إسطنبول، لبحث آليات تفعيل الاتفاق وتطوير التعاون المؤسسي والصناعي والعسكري، بما في ذلك إنشاء أمانة عامة مقرها السعودية، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك.
غير أن تجدد العمليات الحوثية ضد السعودية في سبتمبر مثّل اختباراً مبكراً لطبيعة الالتزامات التي يفرضها الاتفاق، خصوصاً في ما يتعلق بالفرق بين التضامن السياسي وتقديم الدعم العسكري المباشر.
وفي 22 سبتمبر ، أكد وزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب مصر، حق المملكة في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، وشددوا على أهمية حماية الملاحة البحرية واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية.
وفي تطور يعكس اتساع نطاق المواجهة إقليميًا، دخل حلف مكة للدفاع المشترك حيز التنفيذ في 5 أكتوبر 2026، عقب اجتماع طارئ لممثلي الدول الثلاث في الرياض، حيث أعلن مجلس الحلف البدء الفوري في تنفيذ التزامات الدفاع المشترك، وتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعًا في الأراضي السعودية، مؤكدًا أن أمن كل دولة جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي للدول الأعضاء.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل تزايد الهجمات الحوثية على العمق السعودي، وما تفرضه من ضغوط على منظومات الدفاع الجوي وقدرات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، إذ تفتح الباب أمام الاستفادة من القدرات العسكرية الباكستانية والتركية لتعزيز الدفاع عن الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية.
وبذلك، لم يعد التصعيد محصورًا في المواجهة السعودية الحوثية، بل بدأ يستدعي تفعيل ترتيبات دفاعية إقليمية مشتركة، بما قد يغير حسابات أطراف الصراع ويزيد من احتمالات اتساع نطاق التدخل العسكري. ومع ذلك، فإن البيان لم يحدد حجم القوات التي ستُنشر أو طبيعة مهامها تفصيلًا، كما أن تفعيل الالتزامات الدفاعية لا يعني بالضرورة مشاركة الدولتين في العمليات الهجومية داخل اليمن؛ إذ أكدت أنقرة أن أي دعم تركي سيظل في الإطار الدفاعي، مع استبعاد المشاركة في عمليات هجومية.
إلا أنه بحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤول عسكري باكستاني، فإن مقاتلات باكستانية تشارك في تنفيذ ضربات ضد أنصار الله الحوثيين، في أول مؤشر صادر من داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية على انتقال إسلام آباد من الدور الدفاعي داخل السعودية إلى استخدام قوتها الجوية في الحرب الدائرة في اليمن.
ووفق مسؤول باكستاني ثانٍ، يتركز الدور الباكستاني على إضعاف تهديدات أنصار الله بالصواريخ والطائرات المسيّرة من خلال الإسناد الجوي، وليس على تنفيذ عملية برية داخل اليمن. ومع ذلك، لم تُكشف أعداد الطائرات المشاركة أو طبيعة الأهداف أو توقيت بدء العمليات، كما لم يتضح بصورة مستقلة ما إذا كانت المقاتلات الباكستانية تنفذ ضربات داخل الأراضي اليمنية أم تشارك في مهام جوية مرتبطة بالعملية من داخل السعودية.
من خلال قراءتنا، فهذه النقطة الأخيرة مهمة عسكريًا؛ لأن الفرق كبير بين الدفاع الجوي عن الأراضي السعودية وبين تنفيذ ضربات هجومية ضد منظومات أنصار الله الحوثيين داخل اليمن. فإذا تأكد أن الطائرات الباكستانية تنفذ بالفعل ضربات داخل اليمن، فإن ذلك يعني أن باكستان تجاوزت بصورة واضحة الموقف الذي اتخذته عام 2015، عندما قرر البرلمان الباكستاني عدم المشاركة في الحملة السعودية مع التعهد بالدفاع عن الأراضي السعودية والأماكن المقدسة. أما الآن، فإن تفعيل اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، وما تبعه من نشر قوات وقدرات عسكرية، يفتح الباب أمام شكل مختلف من الالتزام العملياتي. (أنظر هنا)
من المهم الإشارة أيضًا إلى أنه عند اندلاع الحروب، فقد لا يمكن التمييز بين المهام الدفاعية وتلك الهجومية؛ فماذا لو تعرضت مثلًا قوات باكستانية تقوم بمهام دفاعية لضربات تؤدي لخسائر بشرية؟ كيف سيكون الرد؟ وهل سيعتبر الخصم هذا الرد في إطار “دفاعي” أم “هجومي”؟ ينطبق نفس الأمر بالمناسبة على القوات الفرنسية التي بدأ بالفعل نشرها حول ينبع، وذلك لحماية الملاذ الأخير الذي يمكن أن يخرج من خلاله النفط السعودي إلى أوروبا باعتبار المشاكل في مضيقي هرمز وباب المندب.
على جانب أخر، وفي إطار التحالفات التي تعمل تركيا على تأسيها لمواجهة الازمات في سياق إقليمي أوسع، تطرح تركيا في المرحلة الراهنة تصوراً لإنشاء آلية أمنية رباعية تضم كلاً من تركيا وسوريا والعراق وإيران، تحت عنوان الانتقال من مسار “تركيا خالية من الإرهاب” إلى نطاق إقليمي أوسع يمكن وصفه بـ”منطقة خالية من الإرهاب”.
وقد كشف وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي عن الفكرة في 17 سبتمبر/أيلول 2026، موضحاً أن أنقرة ترى إمكانية تطوير آلية تجمع الدول الأربع، بعد مناقشات سبقتها مع الجانب الإيراني حول مصير امتدادات حزب العمال الكردستاني PKK ، والمخاطر المرتبطة بحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK .
ورغم أن المبادرة لا تزال في مرحلة التصور ولم تتحول بعد إلى مؤسسة أمنية أو اتفاق رسمي، فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضمونها العملياتي، بل في توقيتها والسياق الاستراتيجي الذي تتحرك داخله أنقرة. فتركيا باتت تدفع خلال عام 2026 بصورة أكثر وضوحاً باتجاه مفهوم “الملكية الإقليمية” للأمن، أي تقليص اعتماد المنطقة على ترتيبات تفرضها أو تديرها قوى خارجية، وبناء آليات يقودها الفاعلون الإقليميون أنفسهم. وقد عبّر وزير الخارجية هاكان فيدان أكثر من مرة عن هذه الرؤية، معتبراً أن دول المنطقة مطالبة بإدارة قضاياها الأمنية من خلال احترام السيادة ووحدة الأراضي والتعاون ضد الفاعلين المسلحين من غير الدول. (أنظر دراسة المعهد المصري: المقترح التركي للإطار الأمني الرباعي بين تركيا وسوريا والعراق وإيران: الدوافع والفرص والقيود).
وفي نفس السياق قالت وزارة الدفاع التركية إن البلاد وقعت الأربعاء 21 أكتوبر اتفاقا مع قطر وباكستان وإندونيسيا لتعزيز التعاون الدفاعي والقدرات العسكرية. وقالت الوزارة في بيان إن الدول الأربع وقعت “مذكرة تفاهم بدر” في الدوحة، في خطوة تعكس مساعي تعزيز التعاون المشترك وتطوير الشراكات. وأضافت أن الاتفاق “يحمل أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة”، مشيرة إلى أن مذكرة التفاهم تهدف إلى تشجيع التعاون في مجال الإنتاج العسكري، وتعزيز القدرات العسكرية للدول الأربع، إلى جانب دعم التعاون في مجالات التدريب العسكري التقني والبحث والتطوير.
5. العراق: الانسحاب الأمريكي وإشكالية حصر السلاح بيد الدولة
يواجه العراق مرحلة سياسية وأمنية تتسم بتداخل الضغوط الداخلية مع تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، في وقت تم استكمال انسحاب القوات الأمريكية المتبقية بحلول 30 سبتمبر 2026.
ويتزامن الانسحاب مع تجدد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة، ومحاولات الحكومة إخضاع التشكيلات المسلحة لقيادة أمنية مركزية. غير أن عدداً من الفصائل المرتبطة بإيران رفض تسليم سلاحه، فيما أبدت مجموعات أخرى استعداداً مشروطاً للتفاوض بشأن إعادة تنظيم وضعها العسكري.
هذا وقد أُرجئ الموعد المستهدف لاستكمال ملف نزع السلاح إلى يونيو 2027، مع استمرار المحادثات بعد الانسحاب الأمريكي.
وازدادت حساسية هذا الملف مع انخراط فصائل عراقية في المواجهة الإقليمية، واستهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي داخل العراق وخارجه، فضلاً عن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد منشآت في دول الجوار.
وكان من أبرز هذه التطورات الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب في 11 سبتمبر. فقد أكدت الحكومة العراقية انطلاق الهجوم من أراضيها، وأعلنت فتح تحقيق واتخاذ إجراءات بحق مسؤولين عسكريين، في حين وُجهت الاتهامات إلى فصائل مسلحة مرتبطة بإيران.
وتكشف هذه الوقائع عن تعدد مراكز القرار العسكري داخل العراق، والصعوبات التي تواجهها الحكومة في منع استخدام أراضيها ضمن المواجهات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، يثير الانسحاب الأمريكي تساؤلات تتعلق بالترتيبات الأمنية اللاحقة، خصوصاً في إقليم كردستان، مع نقل القوات والمعدات الأمريكية إلى مواقع أخرى في المنطقة، واستمرار المخاوف من تعرض منشآت الإقليم وقواعده لهجمات جديدة. (انظر) (انظر)
تداخل ملف الفصائل المسلحة مع المواجهة الإقليمية
لم يعد ملف الفصائل المسلحة في العراق منفصلاً عن المواجهة الأمريكية الإيرانية، إذ باتت الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً تتعلق بضبط النشاط العسكري لهذه الفصائل ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة إضافية للصراع. وتناقش دراسة المعهد المصري حول الحرب اليمنية السابق الإشارة إليها تطورات هذا الملف، في إطار محاولات إضعاف القوى المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة، مشيرة إلى أن دفع الفصائل نحو مواجهة مع مؤسسات الدولة العراقية قد يؤدي إلى تحويل جزء من قدراتها العسكرية من الصراع الخارجي إلى التنافس الداخلي.
إلا أن هذه القراءة تبقى تفسيراً لمسار الضغوط السياسية والأمنية، وليست دليلاً على وجود خطة موحدة معلنة لتفجير مواجهة داخلية. وتزداد حساسية هذا الوضع مع الانسحاب الأمريكي وإعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة والفصائل، في ظل استمرار الخلاف حول حدود السلطة العسكرية للدولة.
6. لبنان: استمرار التوتر جنوباً وتعثر معالجة ملف سلاح حزب الله
ظل لبنان إحدى الساحات المتأثرة بالحرب على إيران، سواءً على المستوى العسكري أو على المستوى السياسي، بعد استئناف المواجهات بين إسرائيل وحزب الله في مارس 2026، وما أعقبها من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة في الجنوب.
وقد ترتب على هذه العمليات توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على مناطق حدودية، وإقامة منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، مع تدمير منشآت ومنازل في عدد من البلدات واستمرار نزوح السكان.
وقد نُشرت مؤخرًا صور صادمة تبين أن إسرائيل قد قامت في عدد 48 من أصل 60 من القرى والبلدات المحتلة في الجنوب اللبناني بتسويتها بالأرض، على غرار ما قامت به في غزة، ما يعني أن إسرائيل تسعى لإفراغ هذه الأراضي من سكانها.
وقد أثار الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية نقاشاً سياسياً حاداً في الداخل اللبناني، بعدما قدّمته واشنطن بوصفه خطوة أولى نحو إنهاء عقود من النزاع، فيما رأى منتقدوه أنه يتجاوز فكرة الهدنة إلى مسار اعتراف سياسي وأمني يحمّل الدولة اللبنانية مهمة نزع سلاح حزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي مشروط ومؤجل من الأراضي اللبنانية.
وفي 4 سبتمبر ، أعلنت إسرائيل السيطرة على تلة علي الطاهر قرب النبطية، ضمن عملياتها الرامية إلى تثبيت المنطقة الأمنية التي أقامتها في الجنوب. واستمرت هذه التحركات رغم الترتيبات التي أعقبت وقف إطلاق النار في يونيو ، وفي ظل تعثر تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
وبالتوازي، استمر الخلاف الداخلي حول سلاح حزب الله ومستقبل احتكار الدولة للقوة العسكرية.
فقد دفعت الحكومة اللبنانية باتجاه تنفيذ خطة لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، بينما رفض الحزب المهل الزمنية المطروحة لنزع سلاحه، وربط موقفه باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والتهديدات الأمنية. وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بضرورة نزع سلاح الحزب وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب باعتبار ذلك شرطاً للترتيبات الأمنية.
كما برزت مساعٍ دولية لإيجاد آلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، مع بحث مشاركة أطراف خارجية في مراقبة ملف السلاح، بالتزامن مع اقتراب نهاية مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بنهاية عام 2026.
وقد واصلت إسرائيل، الأربعاء 08 أكتوبر 2026، تصعيدها الميداني في جنوب لبنان عبر القصف المدفعي والغارات الجوية، وعمليات التفجير، والتمشيط بالأسلحة الرشاشة، فيما أعلن مصدر عسكري إسرائيلي أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان لسنوات، وأغار الطيران الحربي الإسرائيلي على وادي السلوقي من جهة بلدة شقرا في قضاء بنت جبيل، وألقت مسيّرات إسرائيلية من نوع «كواد كوبتر» مواد متفجرة على 3 دفعات باتجاه أطراف بلدة النبطية الفوقا، وسُمع دوي 3 انفجارات في تلة علي الطاهر في أطراف البلدة. ومشّطت القوات الإسرائيلية أطراف بلدة المنصوري جنوب صور بالأسلحة الرشاشة، وسط تحركات آليات عسكرية نحو منطقة الخزان في حي المشاع بين البلدة، ومجدل زون المجاورة، قبل أن يستهدفها القصف المدفعي. كما نفذت تمشيطاً كثيفاً بالأسلحة الرشاشة من موقع رويسات العلم باتجاه كفرشوبا، ومحيطها في قضاء حاصبيا.
وكشف مصدر عسكري إسرائيلي عن تقديرات تل أبيب لمسار العمليات الميدانية في الجنوب اللبناني، مؤكداً أن عملية تحديد وتفكيك البنية التحتية التابعة ل«حزب الله» في المنطقة ستستغرق سنوات، نظراً لانتشارها الواسع في مختلف المناطق الواقعة جنوب «الخط الأصفر». وأوضح المصدر في تصريحات صحفية، أن الجيش الاسرائيلي لا يخطط للانسحاب من الجنوب اللبناني في الوقت الحالي، جازماً بعدم عودة السكان إلى تلك المناطق لسنوات مقبلة. وفي سياق تقييمه للأوضاع الميدانية والجهات الدولية والإقليمية، انتقد المصدر العسكري أداء القوات الدولية والمؤسسة العسكرية اللبنانية.
وهكذا، تزامنت الأزمة السياسية الداخلية المرتبطة بسلاح حزب الله مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الجنوب، وتعثر التوصل إلى ترتيبات أمنية مقبولة من جميع الأطراف المعنية. (انظر)
7. فلسطين: تعثر التعافي في غزة وتصاعد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية
لم تؤدِ الترتيبات التي أعقبت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في أكتوبر 2025، إلى معالجة الأزمة الإنسانية أو بدء عملية إعادة إعمار واسعة، كما لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
فقد استمرت الغارات والعمليات الميدانية، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة وإدخال المعدات والمواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية. وأفاد تقرير صادر عن مكتب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، بتاريخ 24 سبتمبر 2026، بأن التعافي المبكر في غزة لا يزال دون المستوى المطلوب، وأن الترتيبات الانتقالية المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن 2803 لعام 2025 لم تدخل حيز التشغيل الفعلي داخل القطاع. (انظر)
وقد تواصلت الأزمة الإنسانية في ظل تدمير أجزاء واسعة من المساكن وشبكات المياه والصرف الصحي والمرافق الصحية، مع استمرار القيود على الوصول إلى مساحات كبيرة من القطاع. وقد أفادت وزارة الصحة بغزة في بيان بمناسبة يوم الأغذية العالمي في 16 أكتوبر بأن معدلات سوء التغذية والتجويع في القطاع بلغت مستويات كارثية تفتك بالأطفال وكبار السن، حيث تم حصر وفاة 466 فلسطينيا بسبب التجويع منذ العام 2024 بينهم 157 طفلا و189 مسنا، وتم تسجيل 158 ألف حالة سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة منذ 2024 حتى أغسطس 2026، وذكرت الوزارة أن أكثر من 1.4 مليون فلسطيني في القطاع المحاصر مهددون بمواجهة أزمة غذائية.
أما على المستوى السياسي، فظلت الخلافات المتعلقة بترتيبات الحكم والأمن ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإعادة الإعمار تحول دون الانتقال إلى مرحلة مستقرة، رغم وجود أطر دولية معلنة لإدارة المرحلة الانتقالية.
وفي الضفة الغربية، تصاعدت اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار التوسع الاستيطاني وهدم المنازل وفرض قيود على حركة السكان والوصول إلى الأراضي الزراعية.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجل منذ بداية العام حتى 14 سبتمبر أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، مقارنة بمتوسط يومي أقل خلال عام 2025.
كما استمرت الإجراءات الإدارية المتعلقة بتسجيل الأراضي وتوسيع المستوطنات في المنطقة المصنفة «ج»، إلى جانب التوترات المرتبطة بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
وبذلك، شهدت الساحة الفلسطينية مسارين متزامنين: استمرار الأزمة الإنسانية والأمنية وتعثر إعادة الإعمار في غزة، وتصاعد التوسع الاستيطاني والقيود الأمنية والإدارية في الضفة الغربية والقدس.
تعقيدات إعادة إعمار غزة وإعادة تشكيل البيئة الأمنية
لم تعد إعادة إعمار قطاع غزة مسألة فنية تتعلق بإزالة الركام وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بالخلاف حول طبيعة الترتيبات السياسية والأمنية التي ستحكم القطاع. وتتناول دراسة نشرها المعهد المصري في يوليو 2026 العلاقة بين مسارات الإعمار والتطورات الميدانية، مشيرة إلى أن استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات واسعة، وتعثر تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإدارة القطاع، يفرضان قيوداً مباشرة على إمكان إطلاق عملية إعمار شاملة. كما أن تنفيذ المشاريع العمرانية يتطلب ترتيبات مستقرة بشأن الوصول إلى الأراضي ومواد البناء وحركة الأفراد والتمويل، وهي مسائل تتأثر باستمرار العمليات العسكرية والخلافات السياسية. ومن ثم، فإن تعثر الإعمار يعكس تداخل الأزمة الإنسانية مع النزاع على مستقبل الإدارة والسيطرة والأمن في القطاع.
8. الأردن: امتداد المواجهة العسكرية – بين المشاركة المباشرة وحساسية ملف الضفة الغربية
برز الأردن خلال الأشهر الأخيرة بوصفه إحدى الساحات التي امتدت إليها العمليات العسكرية المرتبطة بالمواجهة الأمريكية الإيرانية بشكل مباشر، في ضوء وجود منشآت وقوات أمريكية على أراضيه، وموقعه الجغرافي بين العراق وسوريا وفلسطين.
في الثاني من سبتمبر، أعلن الجيش الأردني تعرض المملكة لهجوم صاروخي مصدره الأراضي الإيرانية، موضحاً أن دفاعاته الجوية تعاملت مع 13 صاروخاً باليستياً دخلت المجال الجوي الأردني، واعترضت عشرة منها، فيما سقطت ثلاثة في مناطق نائية دون تسجيل خسائر بشرية. وقد تكررت مثل هذه الحوادث والاستهدافات خلال الأشهر الماضية.
وتزامن هذا التطور مع استمرار التوتر المرتبط بالضفة الغربية، حيث تتعامل عمّان مع التوسع الاستيطاني والإجراءات الإسرائيلية بوصفها قضية تمس أمنها ومصالحها المباشرة، فضلاً عن ارتباطها بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي السادس من سبتمبر، شارك الأردن في بيان وزاري مع سبع دول رفض تصريحات مسؤولين إسرائيليين بشأن تهجير الفلسطينيين. وجدد وزير الخارجية أيمن الصفدي في 24 سبتمبر رفض أي تصور لتسوية القضية الفلسطينية على حساب الأردن. وتعبّر هذه المواقف عن مخاوف سياسية وأمنية معلنة، ترتبط بشواهد متنامية.
وبذلك، تتداخل في الساحة الأردنية ثلاثة ملفات: حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، والتعامل مع تداعيات الانتشار العسكري الأمريكي، ومتابعة التطورات في الضفة الغربية والقدس وانعكاساتها على العلاقات الإقليمية. (انظر)
9. سوريا وتركيا: الضغوط الداخلية وتنامي الاحتكاك الإقليمي
شهدت الساحة السورية منذ بداية الحرب على إيران تزايداً في الضغوط الاقتصادية والأمنية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع المعيشية وإعادة تنظيم علاقاتها الإقليمية.
فعلى المستوى الداخلي، أدت الزيادة المتكررة في أسعار المحروقات إلى موجة من الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن السورية خلال سبتمبر. وارتبطت هذه التحركات بارتفاع تكاليف النقل والغذاء والخدمات، في ظل استمرار ضعف القدرة الشرائية وتأخر التعافي الاقتصادي. وقد بررت الحكومة قرارات زيادة الأسعار بارتفاع كلفة استيراد المشتقات النفطية والاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة العالمية.
أما على المستوى العسكري، فقد استمرت الضربات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بالتوازي مع المساعي السورية لإعادة بناء قدراتها العسكرية والأمنية، ومحاولات التوصل إلى ترتيبات أمنية تحد من المواجهة المباشرة.
وبرزت إحدى محطات التوتر في 18 أغسطس/آب، عندما استهدفت غارات إسرائيلية مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي سوريا، بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع لمتابعة أعمال إعادة تأهيله. وقد تناول المعهد هذا التطور في تقدير موقف بعنوان «قصف أبو الظهور يكشف حدود الصدام التركي–الإسرائيلي في سوريا»، موضحاً ارتباطه بالخلاف حول طبيعة الوجود العسكري التركي في الأراضي السورية.
سلسلة انفجارات مستودعات الأسلحة والذخائر
شهدت سوريا خلال سبتمبر 2026 سلسلة من الانفجارات المرتبطة بمستودعات الأسلحة والذخائر ومواقع تجميع مخلفات الحرب، شملت بنش وسرمدا في إدلب، والضمير في ريف دمشق، وعياش في دير الزور، وصولاً إلى مستودع العيس جنوبي حلب في 21 سبتمبر. وبرزت حادثة العيس بصورة خاصة بعد وقوع انفجارات ثانوية متتالية داخل الموقع، وتطاير مقذوفات إلى المناطق المحيطة، ما استدعى إجلاء سكان وإغلاق طرق وتنفيذ عمليات تمشيط للذخائر غير المنفجرة.
وقد أعلنت وزارة الدفاع السورية فتح تحقيق في أسباب الحوادث، فيما تناولت تقارير إعلامية فرضيات متعددة، بينها تدهور حالة الذخائر وسوء التخزين والاستهداف الخارجي أو الاختراق الأمني. ولا تسمح المعلومات المعلنة حتى الآن بحسم وجود رابط عملياتي بين جميع الحوادث أو تحديد جهة مسؤولة عنها، إلا أن تكرارها يسلط الضوء على التحديات المرتبطة بإدارة المخزون العسكري وتأمين المنشآت خلال مرحلة إعادة بناء المؤسسات الدفاعية السورية.
إعادة تشكيل البيئة الأمنية السورية والتنافس التركي الإسرائيلي
تكتسب التطورات المرصودة على الساحة السورية أهمية خاصة بالنسبة لتركيا، التي تسعى إلى توسيع تعاونها العسكري والأمني مع دمشق، في مقابل التحفظات الإسرائيلية على انتشار قوات أو منظومات عسكرية تركية في مواقع قد تؤثر في حرية عملياتها الجوية داخل سوريا.
ولم يعد التنافس التركي – الإسرائيلي مقتصراً على الساحة السورية، بل امتد إلى شرق المتوسط، مع تنامي التعاون الأمني والعسكري الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، واستمرار الخلافات بشأن النفوذ البحري ومشروعات الطاقة والممرات التجارية.
وقد تناولت دراسة المعهد المصري «من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط»، المنشورة في 23 يوليو 2026، هذه التحولات، مع التمييز بين التنافس الاستراتيجي القائم وبين وجود قرار سياسي بخوض مواجهة عسكرية مباشرة.
تجاوز التنافس التركي – الإسرائيلي في سوريا حدود الخلافات السياسية المرتبطة بغزة وإيران، وأصبح يتعلق بصورة متزايدة بطبيعة البنية العسكرية والأمنية التي ستتشكل داخل الدولة السورية. فتركيا تعمل على توسيع تعاونها مع دمشق في مجالات التدريب العسكري وإعادة بناء المؤسسات الدفاعية، في حين تسعى إسرائيل إلى منع نشوء ترتيبات عسكرية جديدة قد تقيد حريتها العملياتية في الأجواء السورية، ولا سيما في المناطق الجنوبية. وقد كشف استهداف مطار أبو الظهور العسكري في 18 أغسطس/آب 2026، بعد ساعات من زيارة وفد تركي للموقع، عن حساسية التداخل بين المشروعات العسكرية السورية والتعاون الدفاعي مع أنقرة. وفي الوقت نفسه، استمرت الاتصالات المتعلقة بآليات منع الاحتكاك والترتيبات الأمنية، ما يعكس وجود مسارين متوازيين: استمرار التنافس الميداني، ومحاولة ضبطه سياسياً وعسكرياً دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة.
ويمثل مشروع «سوفا 53» أحد أبرز التحولات الميدانية التي يشهدها الجنوب السوري في المرحلة الراهنة، كما يظهر من دراسة المعهد المصري حول هذا الموضوع، نظراً إلى طبيعته العسكرية وموقعه داخل منطقة الفصل التي حددها اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974. ورغم أن المشروع بدأ في منتصف عام 2022 باعتباره مساراً عسكرياً وأعمالاً هندسية مرتبطة بالحدود مع الجولان السوري المحتل، فإن تطوره التدريجي من طريق مخصص لحركة الآليات إلى شبكة من الخنادق والسواتر الترابية ونقاط المراقبة والمواقع العسكرية يشير إلى انتقاله من إجراء أمني محدود إلى بنية دفاعية أكثر اتساعاً واستدامة.
10. السودان: اتساع المعارك بين كردفان والنيل الأزرق
استمرت الحرب السودانية في التحرك على جبهات متعددة، مع بروز تطورات عسكرية مهمة في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب استمرار القتال في دارفور. وقد اكتسبت هذه الجبهات أهمية متزايدة في ضوء موقعها على خطوط الإمداد والحدود الدولية، وما يرتبط بها من تحركات للقوى المسلحة والدول المجاورة.
ففي كردفان، حقق الجيش السوداني تقدماً مهمًا في عدد من مناطق شمال الإقليم، ووسّع عملياته ضد مواقع قوات الدعم السريع ومخازنها، سعياً إلى تعزيز سيطرته على الطرق التي تصل وسط السودان بغربه. كما شهدت قوات الدعم السريع انشقاقات، من بينها إعلان نحو 200 مقاتل بقيادة أبو بكر حمودة دحلوب انضمامهم إلى الجيش. وقد وثّق تقرير المعهد المصري «نحن والعالم – عدد 13 سبتمبر 2026» هذه التطورات في سياق رصده لتحولات الجبهة السودانية.
وفي المقابل، شهد إقليم النيل الأزرق تقدماً لقوات الدعم السريع وحليفها الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، باتجاه مناطق قريبة من الدمازين. وقد دفع ذلك الجيش إلى إرسال تعزيزات عسكرية من عدة ولايات، نظراً لأهمية المدينة بوصفها عاصمة الإقليم ومركزاً عسكرياً وعقدة مواصلات تربط جنوب شرقي السودان بوسطه.
وقد تزامنت هذه التحركات مع زيارة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، إلى أديس أبابا في 26 أغسطس، في وقت أثيرت فيه تساؤلات بشأن تأثير الحدود الإثيوبية في سير العمليات العسكرية. وتناولت دراسة منشورة في المعهد المصري بتاريخ 15 سبتمبر التزامن بين الزيارة والتطورات الميدانية.
وازدادت أهمية البعد الخارجي للحرب مع صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، الذي تناول دور شبكات عابرة للحدود في توفير الأسلحة والمقاتلين والخدمات العسكرية. وقد أشار التقرير إلى جهات وأفراد من عدة دول، بينها الإمارات وكولومبيا وتشاد، فيما نفت الإمارات تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع. كما تناول التقرير أدلة أولية تتعلق بدعم خارجي بالطائرات المسيّرة للجيش السوداني.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تفاقمت الأزمة المعيشية مع تراجع قيمة الجنيه السوداني، واضطراب حركة الإنتاج والتجارة، وانقسام السيطرة على مناطق الموارد وخطوط النقل. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز في 22 سبتمبر ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بمناطق سيطرة الجيش من نحو 4100 جنيه في مايو إلى قرابة 7500 جنيه.
وتبرز في هذا السياق أهمية النظر إلى الجبهات السودانية باعتبارها ساحات مترابطة عبر الممرات والموارد والحدود، مع التمييز بين التطورات العسكرية المؤكدة والاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي التي لا تزال محل خلاف.
11. القرن الإفريقي: تحولات الصومال وإثيوبيا وتزايد الأهمية العسكرية لجيبوتي
تزامنت التطورات في السودان واليمن مع تحولات أمنية وسياسية مهمة في القرن الإفريقي، خصوصاً في الصومال وإثيوبيا وجيبوتي، وهي منطقة ترتبط مباشرة بأمن خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر.
الصومال
في الصومال، استمرت تداعيات اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة في ديسمبر 2025. وقد تعززت العلاقات الثنائية خلال عام 2026، في مقابل رفض الحكومة الفيدرالية الصومالية وعدد من الدول والمنظمات الإقليمية هذه الخطوة، وتمسكها بوحدة الأراضي الصومالية.
وتنبع أهمية أرض الصومال في سياق الحرب الراهنة من موقعها المقابل للسواحل اليمنية، وقربها من خليج عدن وباب المندب، فضلاً عن الأهمية التجارية والعسكرية لميناء بربرة. (انظر)
وفي الداخل الصومالي، عاد ملف تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال «أوصوم» إلى الواجهة، بعدما وافقت الولايات المتحدة على فترة انتقالية إضافية مدتها عام، تبدأ في يناير/كانون الثاني 2027، بعد أن كانت قد أعلنت أنها ستوقف التمويل بحلول نهاية 2026، لتمكين الأمم المتحدة من تقليص دعمها اللوجستي تدريجياً. ولا تعني هذه المهلة التزاماً أمريكياً مفتوحاً بالتمويل، إذ لا تزال ترتيبات الدعم البديل محل بحث.
إثيوبيا
أما في إثيوبيا، فقد شهد سبتمبر تحولاً داخلياً مهمًا تمثل في إعلان سبع جماعات مسلحة وسياسية تشكيل تحالف معارض للحكومة الفيدرالية، قام المعهد المصري بدراسة مفصلة عنه في إطار التطورات الحادثة في إثيوبيا، يضم أطرافاً من تيجراي والأمهرة والأورومو ومناطق أخرى. وقد جمع التحالف قوى سبق لبعضها أن قاتل في صفوف متعارضة خلال الحرب الإثيوبية السابقة، بين العامين 2020 و 2022، والتي راح ضحيتها أكثر من 600 ألف قتيل، لكن استمرار الخلافات بينها يجعل مدى التنسيق السياسي والعسكري الفعلي مسألة لا تزال غير محسومة.
ويأتي هذا التطور في ظل تجدد التوتر في إقليم تيجراي، وتعقّد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، ووجود صراعات مسلحة قرب الحدود السودانية. وهي تطورات ترفع من درجة الترابط الأمني بين دول القرن الإفريقي، من دون أن تثبت بمفردها قيام حرب إقليمية موحدة، حتى الأن على الأقل.
على المستوى الميداني العسكري في الساحة الإثيوبية، لا تبدو التطورات مجرد تحركات محدودة على خطوط التماس، وإنما تشير إلى دخول المعارك مرحلة جديدة تتجه فيها الأطراف إلى اختبار قدرتها على المبادرة والهجوم والحفاظ على المكاسب الميدانية. ففي 26 و27 سبتمبر، أصبحت مدينة أريبتي في إقليم عفر، شمال شرق إثيوبيا، تحت سيطرة قوات التحالف وجاء ذلك بعد سيطرة التيجراي على مطار ميكيلي في تيجراي، في تطور يعكس قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية وتحقيق اختراقات ميدانية.
وفي المقابل، وفي تطورات متلاحقة، شن الجيش الإثيوبي بعد ذلك هجومًا مضادًا وتمكن من الدخول إلى مدينة ألاماتا في إقليم تيجراي، بما يؤكد أن القوات الحكومية لا تزال تحتفظ بقدرة على المناورة والهجوم واستعادة زمام المبادرة في بعض المحاور. وبالفعل في 2أكتوبر انسحب مقاتلوا جبهة تيجراي من ميكيلي مع تقدم القوات الحكومية الإثيوبية، ونقلت رويترز عن قوات سلام تيجراي، الموالية للحكومة الإثيوبية، سيطرتها على المطار الرئيس في الإقليم، حيث قالت أيضًا هذه القوات أنها تقوم بتطهير مدينة ميكيلي عاصمة الإقليم.
لكن هذا ليس معناه أن الحرب والتصعيد الحالي قد انتهي، لفهم طبيعة ما يجري حاليًا في إثيوبيا، من المهم العودة إلى المسار العملياتي للحرب في تيجراي بين عامي 2020 و 2022، وما بعد أغسطس 2022، فقد شهدت تلك الفترة أكثر من دورة من الهجوم والهجوم المضاد.
ففي نوفمبر 2020 بدأت قوات جبهة تحرير شعب تيجراي الهجوم على مواقع القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي لترد القوات الفيدرالية بهجوم واسع، مدعومة بقوات إريترية وقوات من إقليم أمهرا، وتمكنت خلال أسابيع من استعادة مناطق واسعة والوصول إلى ميكيلي والسيطرة عليها في 28 نوفمبر 2020. لكن ذلك لم يكن نهاية القتال؛ إذ أعادت قوات تيجراي تنظيم صفوفها، وشنت في يونيو 2021 هجومًا مضادًا واسعًا استعادت خلاله ميكيلي في 28 يونيو، ثم توسعت باتجاه إقليمي أمهرا وعفار، وسيطرت لاحقًا على ديسي وكومبولتشا في أكتوبر ونوفمبر 2021. وفي ديسمبر 2021 تمكنت القوات الفيدرالية وحلفاؤها من شن هجوم مضاد آخر واستعادة ديسي وكومبولتشا، قبل أن تدخل الحرب مرحلة جديدة انتهت بجولة القتال الكبرى في أغسطس 2022.
ويكشف هذا التسلسل أن السيطرة على المدن والمناطق خلال الحرب لم تكن بالضرورة تعني حسم المعركة، إذ تمكن كل طرف في أكثر من مرحلة من فقدان مناطق ثم إعادة تنظيم قواته والعودة بهجوم مضاد لاستعادتها، وهو ما يجعل القدرة على الاحتفاظ بالمبادرة وتثبيت المكاسب عاملًا أهم من مجرد تحقيق اختراق ميداني مؤقت.
تعيد التطورات الحالية أيضًا في شمال إثيوبيا إلى الأذهان بصورة واضحة ما جرى خلال جولة التصعيد الكبرى في عام 2022. ففي 24 أغسطس 2022 اندلعت جولة جديدة من القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، بعد هدنة استمرت عدة أشهر. وتمكنت قوات تيجراي خلال الأيام الأولى من تحقيق تقدم في جبهة شمال ويلو، وسيطرت على كوبو (Kobo) ومناطق محيطة بها، بينها جبل زوبل ومنديفيرا، بينما أعلنت أيضًا السيطرة على مواقع أخرى مثل غوغودو وفوكيسا وروبيت وتكولوش، مع بقاء بعض هذه الادعاءات محل خلاف وعدم تأكيد مستقل.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا في المقارنة: استعادة الحكومة للمطار في 3 أكتوبر جاءت بعد عشرة أيام فقط من سيطرة المعارضة عليه، وهو ما يعني أن القوات الفيدرالية استطاعت في هذه المرحلة استعادة زمام المبادرة بسرعة أكبر مما حدث في الجولة الأولى من 2022. كما استعادت القوات الحكومية خلال الأيام السابقة مناطق أخرى، بينها ألاماتا، وتقدمت على عدة محاور في تيجراي وأفار وأمهرا.
لكن، رغم هذا التشابه، والاتفاق أيضًا في مشهد 2020 – 2021، فإن المشهد الحالي يختلف عن 2022 في ثلاثة عوامل رئيسية. أولها أن المعارضة لا تتحرك هذه المرة من خلال جبهة تيجراي وحدها، وإنما ضمن تحالف سباعي للمعارضة الإثيوبية يضم قوى من تيجراي وأمهرا وأوروميا وأفار وبني شنقول-قمز وغيرها، وهو ما يفتح نظريًا إمكانية توزيع الضغط على الحكومة عبر أكثر من جبهة.
والعامل الثاني دعم إريتريا للمعارضة بخلاف ما كان عليه الوضع في 2022 و 2020. ولا يعد ذلك مجرد دعم فقط، بل نقلت وكالة رويترز عن مصدر حكومي إثيوبي أن أديس أبابا دعت إلى انسحاب القوات الإريترية من أراضي البلاد فورًا، في رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقالت الحكومة الإثيوبية إنها لا تملك خيارًا سوى الدفاع عن نفسها ضد ما وصفته بأنه «غزو شامل» تشنه القوات الإريترية. وذكر وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، في الرسالة التي تحمل تاريخ 8 أكتوبر 2026 ، أن وجود القوات الإريترية لم يترك لإثيوبيا “خيارًا سوى الدفاع عن نفسها ضد إريتريا”. وأضاف الوزير الإثيوبي أن القوات الإريترية توغلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومترًا داخل شمال إثيوبيا. وجاء في الرسالة: «في خطوة تنقل عداءها وتعنتها إلى مستوى جديد تمامًا، نشرت الحكومة الإريترية قواتها، بما يشمل وحدات ميكانيكية، في عمق الأراضي الإثيوبية. الغزو الشامل الذي تشنه إريتريا على أجزاء من شمال إثيوبيا أمر معلوم للجميع”. (انظر هنا ماذا يُفهم من توغل الجيش الإريتري 60 كيلومتراً داخل إثيوبيا)
أما العامل الثالث فهو الاتهامات الإثيوبية لمصر بدعم المعارضة، وهي اتهامات تنفيها القاهرة. ومن ثم يجب التعامل معها باعتبارها اتهامات صادرة عن الحكومة الإثيوبية وليست حقيقة مثبتة. لكن مجرد دخول هذا العامل إلى الحسابات السياسية والعسكرية للصراع يضيف بُعدًا إقليميًا إلى الأزمة.
الأوضاع الداخلية في إثيوبيا، بالنظر إلى طبيعة تركيبتها العرقية والقومية وتعقيداتها السياسية، تظل قابلة للانفجار في أي وقت، في ظل وجود خلافات جوهرية بين عدد من المكونات والقوى الإثيوبية. كما أن تعدد هذه الصراعات وتداخلها يتيح لأطراف إقليمية ودولية متعددة مساحة للتدخل والتأثير، بما يجعل إثيوبيا عرضة لدورات متكررة من التصعيد، ويصعب معها الوصول إلى استقرار مستدام. (انظر تقدير موقف المعهد المصري هنا : تقدير موقف: هل يتكرر سيناريو 2022 في إثيوبيا؟ الجزء 1 الجزء 2 )
وبناءً على ذلك، لا تكشف التطورات الحالية عن اتجاه حاسم للكفة نحو أي من الطرفين؛ فالمعارك لا تزال في مراحلها الأولى، وكل طرف لا يزال قادرًا على تنفيذ عمليات هجومية ومضادة، ما يعني أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية في تحديد قدرة قوات التحالف على تحويل الاختراقات الأولية إلى مكاسب قابلة للتثبيت، وقدرة الجيش الإثيوبي على احتواء هذا الضغط ومنع تحول تلك المكاسب إلى انهيار متتابع في خطوطه. ومن ثم، فإن الميدان مرشح لمزيد من التصعيد واتساع نطاق العمليات، بينما لا تسمح المعطيات الحالية بعد بإصدار حكم حاسم بشأن الطرف الذي ستؤول إليه الأفضلية العملياتية.
جيبوتي
وفي جيبوتي، كشف تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 17 سبتمبر عن إنشاء الجيش الصيني منشأتين جديدتين للاتصالات داخل قاعدته العسكرية منذ منتصف 2024. ووفق تحليل صور الأقمار الصناعية، يُرجح أن تعزز المنشأتان قدرات الاتصالات وجمع استخبارات الإشارات ومتابعة النشاط العسكري في المنطقة. (انظر).
ويقدر الخبراء أن الهدف من ذلك يتجاوز الاتصالات التقليدية إلى تعزيز قدرة الصين على جمع استخبارات الإشارات ومراقبة النشاط العسكري عبر البحر الأحمر والشرق الأوسط وشرق إفريقيا. يرتبط ذلك بتصاعد الصراعات في البحر الأحمر والشرق الأوسط، وباتساع المصالح الصينية في إفريقيا. بذلك أصبح الجيش الصيني يملك صورة أكثر استمرارية للبيئة العسكرية المحيطة، مع قدرة أفضل على دعم عمليات أكثر تعقيدا، وعلى مسافات أبعد من الصين.
ويكتسب هذا التطور أهمية أيضًا بالنظر إلى وجود قواعد عسكرية لدول أخرى في جيبوتي، وإلى قربها من مضيق باب المندب، حيث تتقاطع المصالح التجارية والعسكرية للقوى الإقليمية والدولية.
12. ليبيا: تقدم المسار السياسي واستمرار الانقسام الأمني واضطرابات النفط
شهد الملف الليبي تحركاً سياسياً جديداً في 30 أغسطس 2026، مع توقيع اتفاق برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشأن خطوتين أساسيتين من خريطة الطريق السياسية: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة المسائل العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية. (انظر)
ونص الاتفاق على العمل لإجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، في إطار سلطة تنفيذية موحدة. ومع ذلك، فإن الاتفاق يمثل إطاراً إجرائياً وسياسياً، ولا يعني انتهاء الانقسامات بين المؤسسات والقوى المسيطرة على شرق البلاد وغربها.
وفي موازاة ذلك، استمرت الاضطرابات الأمنية والاقتصادية، ولا سيما في قطاع النفط الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
ففي 15 سبتمبر، حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من إمكان إعلان القوة القاهرة إذا استمرت تعطيلات بعض المنشآت وخطوط النقل، مع تأكيدها آنذاك أن إجمالي الإنتاج لم يتأثر بصورة كبيرة. ثم أعلنت في 21 سبتمبر أن مجموعة مسلحة أغلقت الصمام رقم 7 في خط نقل خام حقل الشرارة إلى ميناء الزاوية، ما أدى إلى تراجع إنتاج الحقل وهدد باستمرار توقف التدفقات.
وتُظهر هذه التطورات استمرار قدرة التشكيلات المسلحة والنزاعات المحلية على التأثير في تشغيل البنية التحتية النفطية، رغم التحركات السياسية الرامية إلى توحيد مؤسسات الدولة.
في نفس الوقت، فلا تشهد أي من جبهتي الشرق والغرب استقرارًا أو إجماعًا داخليًا، بل هناك خلافات متنامية في كلا المعسكرين تهدد استقرارهما الداخلي. فقد قمنا في المعهد المصري على سبيل المثال بنشر دراسة في منتصف شهر سبتمبر بعنوان: “صراع أبناء حفتر واغتيال رئيس الاستخبارات يهددان تماسك منظومة الشرق الليبي“. في نفس الوقت، يشهد الغرب الليبي صراعات مستمرة بين الميليشيات المسلحة حول النفوذ السياسي والسيطرة المكانية ومصادر الثروة، وسط عجز الدولة عن فرض احتكار السلاح (أنظر مثلًا).
وبذلك، اتسم المشهد الليبي بالتوازي بين التقدم في صياغة ترتيبات انتخابية جديدة، وبقاء التحديات المرتبطة بوحدة السلطة والأمن وتوزيع الموارد.
إلا أنه، وفي تطور جديد، صوت مجلس النواب الليبي بالموافقة على اعتماد الاتفاقية البحرية لترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا، كما صوت المجلس أيضا على سحب قرار مقاطعة تركيا الموقع عام 2020. وقد أثار هذا التطور ردود فعل واسعة النطاق، بين ترحيب كبير في تركيا، إلى بيانات إحتجاج رسمية صادرة في مصر وإسرائيل واليونان وقبرص والإتحاد الأوروبي. قد يثير هذا التطور موجة جديدة من القلق في منطقة شرق المتوسط، ما يفرض متابعة تداعياته عن قرب.
13. مصر: ضغوط الاقتصاد الإقليمي وسط ضغوط أمريكية
تأثرت مصر بتداعيات الحرب على إيران من خلال عدة قنوات اقتصادية وأمنية، أبرزها تقلب أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، والتغيرات في حركة الاستثمارات والتدفقات المالية، إلى جانب ارتباطها المباشر بأمن قناة السويس ثم تطورات غزة والسودان وليبيا.
إلا أنه على المستوى الاقتصادي، أظهرت البيانات الرسمية تحسناً في عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي. فقد أعلن البنك المركزي المصري وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، كما بلغت تحويلات المصريين العاملين في الخارج نحو 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026. (انظر)
وفي الوقت نفسه، أشار صندوق النقد الدولي في تقييمه المنشور في 21 سبتمبر إلى أن مصر تمكنت من امتصاص جانب مهم من الصدمة الإقليمية بفضل تحسن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف والاستجابة الاقتصادية، مع استمرار الحاجة إلى إصلاحات إضافية لمعالجة مواطن الضعف وتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص.
ولا ينفي تحسن المؤشرات الكلية استمرار الضغوط المعيشية على السكان، أو تعرض المالية العامة وميزان المدفوعات لمخاطر ترتبط بأسعار الوقود وتكاليف الاستيراد وحركة التجارة والاستثمار. فضلًا عن ذلك فإن المؤشرات الإيجابية المذكورة في الإقتصاد الكلي مهددة بالتبدد بسرعة، إذا قررت دول الخليج عدم تجديد ودائعها في البنك المركزي، وتسارع خروج الأموال الساخنة، وتراجعت تحويلات العاملين بالخارج بفعل التوترات الإقليمية المتوقع تصاعدها. سيتسبب ذلك في أزمة اقتصادية حادة وغير مسبوقة. وقد رصدت عدة دراسات للمعهد المصري بعض هذه المؤشرات والتطورات، وبصفة خاصة ما تم رصده في إطار تأثيرات الحرب الإيرانية على الإقتصاد المصري.
وعلى الصعيد الإقليمي، برزت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر ، حيث عقد مباحثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بما في ذلك أمن الملاحة البحرية وتنسيق الجهود بشأنه، وفق البيانات الرسمية المصرية والسعودية. (انظر)
وقد جاءت الزيارة في سياق تصاعد المواجهات في اليمن والتهديدات التي تعرضت لها البنية التحتية النفطية السعودية، الأمر الذي منح ملف أمن البحر الأحمر أهمية إضافية في العلاقات بين البلدين.
ومع ذلك، لا تظهر البيانات الرسمية المتاحة ما رشح من إمكانية المشاركة المصرية في العمليات العسكرية في اليمن، أو بشأن ترتيبات مالية محددة تتعلق بدعم الإقتصاد المصري؛ إلا أن بعض التقارير الإعلامية ذكرت بعض التسريبات في هذا الإطار.
وعلى جانب أخر، وخلال الفترة الماضية شهدت العلاقات بين مصر وإثيوبيا تدهورًا كبيرًا، وذلك في سياق اتهام إثيوبيا لمصر بالتدخل في الصراع العسكري الذي اندلع مؤخرًا في إثيوبيا، وذلك بدعم القوات المناوئة للحكومة. وأعلنت إثيوبيا مساء الخميس 01 أكتوبر 2026، دبلوماسيا مصريا “شخصا غير مرغوب فيه”، وأبلغت سفارة القاهرة بأديس أبابا بضرورة مغادرته خلال 48 ساعة. ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية “إينا”، عن رسالة لوزارة الخارجية الإثيوبية للسفارة المصرية تبلغها فيه أن أحد الموظفين الدبلوماسيين المصريين، “شخص غير مرغوب فيه”، وأمرته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة.
وأوضحت الرسالة أن الدبلوماسي “أحمد محرم أحمد سليمان” شخص غير مرغوب فيه وعليه مغادرة البلاد خلال 24 ساعة. في المقابل، أعلنت السلطات المصرية تطبيق مبدأ التعامل بالمثل واعتبار مستشار السفارة الإثيوبية بالقاهرة شخصًا غير مرغوب فيه، وإمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد، ردًا على قرار الحكومة الإثيوبية إعلان أحد أعضاء السفارة المصرية في أديس أبابا شخصًا غير مرغوب فيه. ونقلت وكالة الأنباء المصرية عن مصدر مسؤول، أن خطوة إثيوبيا مؤسفة وغير مبررة، مبينا أن الجانب المصري دأب على تأكيد رفضه التام التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم التعليق على أحداث في دول أخرى ومن بينها إثيوبيا احتراماً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ومن ناحية أخرى، رصدت دراسة شاملة للمعهد المصري تنامي العلاقات المصرية الصينية مؤخرًا، وذلك بمناسبة زيارة الرئيس الصيني إلى مصر خلال شهر سبتمبر. وقد تطرقت الدراسة أيضًا إلى رصد بعض مظاهر الضغوط الأمريكية التي تمارس على مصر في الوقت الراهن، فيما يبدو مرتبطًا بالحرب الأمريكية على إيران، والدور الذي يمكن أن يكون مطلوبًا من مصر حاليًا.
القسم الثاني: أهم التداعيات المرتبطة بهذه التطورات
منهجية قراءة التداعيات
لا تقتصر تداعيات الصراع الممتد في المنطقة على ما وقع بالفعل، وتم رصده، من آثار عسكرية وأمنية واقتصادية، وإنما تمتد إلى مجموعة من التداعيات ذات الاحتمال المرتفع، التي تشير الدلائل أن احتمالات حدوثها عالية مع استمرار الحرب وتطور مساراتها. ولذلك، لا نتعامل في تحليلاتانا فقط مع ما أصبح واقعًا يمكن رصده وقياسه، وإنما أيضًا مع ما يزال في نطاق الاحتمال الراجح، ويرتبط اتجاهه بمسار العمليات العسكرية وتطور موازين القوى وانتقال آثار الصراع بين الساحات.
وبأخذ ذلك في الاعتبار، نقسم عرضنا لهذا المحور من الدراسة إلى مستويين مترابطين؛ الأول، تداعيات خاصة بالدول، نتناول فيه تأثيرات التطورات على كل دولة بصورة منفصلة، وفق موقعها من الصراعات، وما يؤثر عليها بشكل مباشر، وقدرتها على التعامل مع نتائجها المباشرة وغير المباشرة. والثاني، تداعيات على مستوى المناطق، ننتقل فيه من الدولة إلى الإقاليم الفرعية، لقراءة الآثار التي تتجاوز الحدود الوطنية وتمتد بين أكثر من ساحة، بما يكشف كيف يمكن للصراع في دولة ما أن يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية في المنطقة التي تقع فيها، ثم من منطقة ما إلى المناطق المجاورة، وهو ما نرى أنه ما يميز بوضوح طبيعة الأزمات الحالية، التي تؤثر في بعضها البعض بشكل واضح، بما تتضح معه الطبيعة الإقليمية لهذه الصراعات، ما قد يجعلها في نهاية المطاف تؤول إلى صراح واحد كبير ومتصل. ومن خلال هذا العرض سنفرق بين التداعيات التي تحققت بالفعل، وتلك التي أصبح احتمال حدوثها لاحقًا مرتفعًا إذا استمرت الاتجاهات الحالية، مع بيان الحدود الفاصلة بين الواقع القائم والاحتمالات المستقبلية.
قبل ذلك سنقدم طرحًا لبعض الدلالات والتداعيات ذات الأثر العام في المنطقة، سواءً على المستوى الاستراتيجي، أو حتى على المستوى الحضاري، ثم نستعرض أهم التداعيات الدولية التي حدثت نتيجة صراعات المنطقة، والتي تؤثر عليها في نفس الوقت في حلقة متصلة، ثم ننتقل بعض ذلك لاستعراض بعض التداعيات الأخرى على طبيعة الصراعات، ثم نتطرق إلى التداعيات التفصيلية الخاصة بالمنطقة.
1-دلالات وتداعيات استراتيجية وحضارية عامة
تمر منطقة المشرق بفترة من التطورات المكثفة تشملها بالكامل تقريبًا، هذه التطورات لها دلالات كبرى، وبدأ يظهر أنها تؤدي إلى عدد من التداعيات الهامة على المستوى الاستراتيجي والحضاري العام، يمكن رصد أهمها على النحو التالي:
- المشهد بكامله يدل بوضوح على أن هناك هجمة شاملة على المنطقة لإنهاء أي أمل لها في المستقبل. فبعد الثورات العربية، والتي كان سيترتب عليها مألات تخالف الاستراتيجية الغربية المخططة للمنطقة، رغم أنها حدثت بأدوات متوافقة مع الفكر الغربي، تأكد لأصحاب المشروع الاستعماري الغربي أنه لا حل لمنع تماسك المنطقة حول مشروعها الذاتي إلا بإغراقها في الفوضى التي تؤدي إلى تدميرها وتفكيكها لكي يمكن فرض السيطرة التامة عليها. مشروعات التقسيم المخططة منذ عقود، تتم بالتدريج في شتى أنحاء المنطقة؛ في ليبيا، في العراق، في اليمن، في الصومال، في السودان، في منطقة الساحل، إلخ. ستنتقل الموجة بالتأكيد إلى الداخل الإسلامي في مصر، والتي تبدو حتى الأن أكثر الكيانات صلابة في العالم الإسلامي، وحتى إلى منطقة الخليج.
- جميع الدلائل تشير إلى أن المنطقة تتجه بشكل عام إلى وضع يشبه فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتفكك الدولة العثمانية، إلا أنه لا يوجد الأن طرف استعمار ي جاهز ليستلم المنطقة المفككة والمنهكة! فإلى من ستؤول السيطرة عليها في ظل الأوضاع الحالية؟ وهل ستنتظر المنطقة حتى يتمكن مشروع ما لدى طرف جديد من الهيمنة والسيطرة عليها؟
ما يحدث في المنطقة يكشف مع الأسف عن غياب أي مشروع نهضوي حضاري جامع للمكون العربي السني في المنطقة، في الوقت الذي تملك فيه أطراف أخرى، إسرائيل وإيران، مشاريع إقليمية واضحة، تسعى لتمكينها في المنطقة على أرض الواقع، وتسخر لها كامل إمكاناتها، وتعمل على تحقيقها بدأب على مدار عقود من الزمن. دخل الطرفان الأن في حالة من الصراع؛ إما أن تفضي إلى تغلب أحدهما لبسط نفوذه بالكامل، أو تنتهي بتوافق ما بينهما على اقتسام النفوذ في ظل غياب المشروع العربي السني المستقل.
- اتضح من مجرى الأحداث، خاصة خلال الأشهر الماضية، أن التصور السائد بأن الثروة والإقتصاد تصنع القوة والمنعة، في ظل دعم دولي مستمر ومستقر، وهو التصور الذي تبنته منطقة الخليج على مدار عقود، هي مجرد أوهام. وقد اتضح مدى الضرر الذي حدث بالمنطقة نتيجة ما سعت له القوى الاستعمارية الغربية من فصل مناطق الثروة المالية عن مناطق الثروة البشرية لإضعاف المنطقة وتقسيمها جغرافيًا وديمغرافيًا ليسهل السيطرة عليها، وصارت الثروة تستخدم في إجهاض أحلام الشعوب وتفتيت الدول بدلًا من أن تكون أداة لتقدمها ورفاهيتها.
- رغم التورط الأمريكي الحالي في الحرب على إيران، إلا أن تداعيات تلك الحرب ستزيد من التوجه الأمريكي لتقليل التواجد في المنطقة في إطار استراتيجيتها العامة الحالية للأمن القومي، والتي تركز على نصف الكرة الغربي، مع التركيز على مواجهة الصين كخصم استراتيجي. يرصد المحللون شواهد كثيرة على التوجه الأمريكي المنتظر للمنطقة، وذهب بعضهم للقول، مثل مارك لينش، بما يمكن تسميته “نهاية الشرق الأوسط الأمريكي“، وكذلك ما طرحته مجلة الإيكونوميست، واستعرضه مقال للمعهد المصري حول “انحسار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط: نهاية المظلة الأمنية أم إعادة صياغة النفوذ؟“
- يزداد المشروع الإماراتي توغلًا وتغولًا في شتى أنحاء المنطقة، ويساهم بشكل كبير في إذكاء أغلب الصراعات الجارية حاليًا فيها، من ليبيا إلى اليمن إلى السودان إلى الصومال، وغير ذلك. يستخدم ذلك المشروع شتى الأدوات بدءًا من دعم وتمويل الميليشيات الإنفصالية، استخدام المرتزقة في خوض الصراعات، التغلغل في شبكات التمويل العالمي والتأثير من خلالها، السيطرة الإقتصادية وامتلاك الأصول الاستراتيجية في الدول المستهدفة، السيطرة على الإعلام واستخدام المؤثرين واللجان الإلكترونية في التأثير على الرأي العام ودعم السرديات التي تروجها، توظيف الذكاء الإصطناعي والشبكات الرقمية، وغير ذلك من الأدوات.
المشكلة أن هذا المشروع يرتبط بشكل شبه عضوي بالمشروع الصهيوني في المنطقة، بحيث أصبح الدور الإماراتي مسهلًا لتحقيق الأهداف الصهيونية المتعلقة بضرب استقرار المنطقة ونشر الفوضى فيها، فضلًا عن محاربة أي تيار استقلالي نابع من داخل المنطقة ويسعى إلى رفعتها ونهضتها. في هذا الإطار يمكن وضع الزيارة التي أجراها مؤخرًا رئيس الوزراء الصهيوني لأبوظبي، واجتماعه مع محمد بن زايد، في حضور عدة أطراف أخرى من المنطقة (8 دول أخرى) لتنسيق الأدوار المقبلة في ظل التصعيدات الأخيرة تحت المظلة الإسرائيلية، وذلك برعاية إماراتية. (أنظر أيضًا مثلًا هنا، هنا، هنا، هنا، هنا).
- برغم التراجعات الواضحة في المنطقة، تبرز الأن فرصة جيدة تتمثل في يقظة عالمية أمام المشروع الصهيوني العنصري، تمتد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها (أنظر هنا، هنا، هنا، هنا، هنا، هنا)، وتكتسب زخمًا إضافيًا من رفض الأغلبية للحرب على إيران (أنظر هنا، هنا)، والقناعة بأن هذه الحرب بدأت مدفوعة إسرائيليًا لتحقيق مصالح لها (أنظر هنا، هنا)، بالرغم من الأثار السلبية الخطيرة التي انعكست، ولا زالت تتنامى، على الولايات المتحدة والشعب الأمريكي نتيجة خوض هذه الحرب. هذه الفرصة إذا أُحسن الاستفادة منها، يمكن أن تشكل عاملًا ضاغطًا مهمًا يخفف من وطأة التغول الأمريكي في المنطقة، ومن التوجه الصهيوأمريكي لتصعيد الصراعات وإثارة الفوضى في المنطقة.
- أظهر الأداء الإيراني في الحرب الأخيرة، أهمية التطوير التكنولوجي الذاتي لكي يمكن امتلاك أدوات القوة اللازمة للمقاومة. وظهر ت بالتالي الأثار السلبية للاستراتيجيات الغربية بتفكيك أي قدرات مستقلة للبحث والتطوير في المنطقة العربية، وبالدفع باستراتيجيات الخصخصة التي سعت لتحويل الصروح العلمية الكبيرة لمجرد عقارات تباع وتشترى. يأتي بالتالي هذا التفكيك على التوازي مع التفكيك الجيوسياسي والديمغرافي والصراعات العسكرية، بما يؤشر على السعي للإجهاز الكامل على المنطقة.
2-البعد الاقتصادي الدولي وتداعياته على المنطقة:
لا يمكن قراءة تداعيات الأزمات والحروب التي تشهدها المنطقة بمعزل عن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خصوصًا أن العالم يواجه في الوقت نفسه مجموعة من المخاطر المتداخلة: تصاعد التوترات الجيوسياسية/ الجيواقتصادية، ارتفاع مستويات الدين العام والخاص، وتشديد الأوضاع المالية وارتفاع كلفة الاقتراض، واضطراب أسواق الطاقة، واضطراب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، إلى جانب هشاشة بعض أسواق الأصول وتراكم مخاطر مالية مرتبطة بالائتمان والاستثمار.
ولا يعني اجتماع هذه العوامل أن أزمة مالية عالمية بحجم أزمة 2008 أصبحت حتمية، رغم أن الكثيرين من خبراء الإقتصاد يرون ذلك، لكنه يرفع احتمال انتقال أي صدمة كبيرة من قطاع أو منطقة إلى الاقتصاد العالمي بصورة أسرع، خصوصًا إذا تزامنت أزمة الطاقة أو الغذاء مع أزمة ديون أو اضطراب مالي.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن إطالة الحروب والتجزؤ الجيوسياسي وارتفاع الديون والضغوط المالية يمكن أن تضعف النمو العالمي وتزيد اضطرابات الأسواق، بينما يشير البنك الدولي إلى أن اضطراب السلع والطاقة والتمويل يمثل أحد أبرز المخاطر السلبية على الاقتصاد العالمي.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال بالنسبة لمنطقة المشرق وإفريقيا، لأن عددًا كبيرًا من دولهما قد يدخل أزمة عالمية وهو يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية ومالية وأمنية. فأي ارتفاع حاد ومستمر في أسعار النفط والغاز قد يفيد الدول المصدرة للطاقة في جانب منه (إذا استطاعت تصديره أصلًا)، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الطاقة والنقل والغذاء على الدول المستوردة، ويزيد التضخم ويضغط على الموازنات العامة.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا و تراجع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة يمكن أن يؤدي إلى خروج رؤوس الأموال الساخنة وارتفاع كلفة الاقتراض وخدمة الديون، وهي تداعيات تكون أكثر حدة في الدول التي تعاني أصلًا من ديون مرتفعة وعجز مالي كبير أو نقص في العملات الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، فإن اضطراب التجارة والممرات البحرية يمكن أن يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر في حركة الصادرات والواردات، وهو ما يجعل الحروب في البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط ذات أثر اقتصادي يتجاوز حدود ساحات القتال نفسها.
وتشكل الحرب الروسية الأوكرانية أحد أهم الأمثلة على الترابط بين الحروب الدولية والأمن الاقتصادي والغذائي في المنطقة العربية والإفريقية. فروسيا وأوكرانيا تمثلان مصدرًا رئيسيًا للحبوب والأسمدة والطاقة بالنسبة لعدد كبير من الدول، وأي اضطراب مستمر في موانئ البحر الأسود أو طرق تصدير الحبوب يمكن أن يرفع الأسعار العالمية ويضغط على الدول المستوردة. وتبرز مصر في هذا التأثير بصورة خاصة؛ إذ تستورد نحو 11.4 مليون طن من القمح سنويًا في المتوسط، وتوفر روسيا وأوكرانيا معًا أكثر من 70% من وارداتها من القمح خلال العقد الأخير، ما يجعل أي اضطراب كبير في البحر الأسود أو ارتفاع حاد في الأسعار العالمية ذا انعكاس مباشر على فاتورة الاستيراد والأمن الغذائي المصري. كما أن متطلبات مصر من واردات القمح لعام 2026/2027 ما تزال مرتفعة، مع استمرار اعتماد جانب كبير من الواردات على منطقة البحر الأسود.
ولا تقتصر التداعيات على مصر؛ فارتفاع أسعار الحبوب والطاقة والأسمدة يمكن أن يضغط كذلك على دول عربية وإفريقية تعاني من محدودية الاحتياطيات النقدية أو الاعتماد المرتفع على الاستيراد، بما يرفع تكلفة الدعم الغذائي ويزيد الضغوط على الموازنات ويضاعف مخاطر الفقر وانعدام الأمن الغذائي. كما أن الدول التي تعاني بالفعل من حروب أو عدم استقرار، مثل السودان واليمن ، تكون أكثر هشاشة أمام هذه الصدمات لأنها لا تملك القدرة الاقتصادية والمؤسسية الكافية لامتصاص أثار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل. وبذلك يمكن للأزمة الاقتصادية العالمية أن تعمل كـ«مضاعِف» للأزمات القائمة، فتزيد من تكلفة الحرب وتضعف قدرة الحكومات على تمويل الخدمات والإنفاق الاجتماعي والأمني في الوقت نفسه.
كما أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، بالتزامن مع أزمات الشرق الأوسط، يخلق ضغطًا إضافيًا على منظومة التجارة العالمية، خصوصًا إذا استمرت الهجمات على البنية التحتية لتصدير الحبوب والطاقة. وقد أدت الهجمات الأخيرة على منشآت الحبوب في البحر الأسود بالفعل إلى تعطيل جزء من القدرة التصديرية ورفع مخاوف المشترين العالميين من اضطراب الإمدادات، فيما ارتفعت أسعار القمح العالمية بصورة ملحوظة خلال أشهر الصيف. وهذا يوضح أن الحرب الروسية الأوكرانية لا تمثل بالنسبة للمنطقة العربية والإفريقية أزمة جغرافية بعيدة، وإنما يمكن أن تنتقل آثارها إليها عبر الغذاء والطاقة والنقل والتمويل.
ومن هنا، فإن البعد الدولي قد يتحول إلى عامل مضاعف لكل الأزمات التي تتناولها الدراسة وتحدثنا عنها في الجزء الأول منها؛ فارتفاع أسعار الغذاء قد يزيد الضغوط الاجتماعية في مصر والأردن وغيرها، وارتفاع أسعار الطاقة والشحن قد يضغط على الدول المستورِدة، وتراجع الاستثمارات أو ارتفاع كلفة التمويل قد يضعف قدرة الدول الهشة على إدارة أزماتها، بينما يمكن أن يؤدي تراجع التجارة العالمية إلى تقليص إيرادات الدول التي تعتمد على الممرات والخدمات اللوجستية. وفي الدول التي تعاني أصلًا من الحرب أو الانقسام، مثل السودان واليمن وليبيا وسوريا، قد يؤدي تراجع الموارد وتزايد تكلفة الاحتياجات الأساسية إلى إطالة أمد الأزمات بدل احتوائها.
وبذلك، فإن الخطر الاستراتيجي لا يتمثل فقط في كل أزمة منفردة، وإنما يتضخم مع تزامن عدة صدمات في وقت واحد: حرب روسية أوكرانية مستمرة، واضطراب في أسواق الطاقة، وتصعيد في الشرق الأوسط، واضطراب في البحر الأحمر و الخليج، ومن ثَمّ ارتفاع أسعار الغذاء، وارتفاع أسعار الفائدة وتزايد أعباء الديون، وتشدد الأسواق المالية. وإذا اجتمعت هذه العوامل مع أزمة مالية أو مصرفية واسعة، فقد تنتقل العدوى بسرعة بين الاقتصادات، بما يخلق أزمة عالمية ذات آثار قد تقترب في اتساعها من الأزمات الكبرى السابقة، وإن اختلفت أسبابها وبنيتها عن أزمة 2008. وفي هذه الحالة، لن تكون المنطقة مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمة العالمية، بل قد تصبح بعض أزماتها القائمة نفسها جزءًا من مسببات سلسلة الصدمات التي تزيد الضغط على الاقتصاد العالمي.
وتكشف هذه المعادلة أن استقرار المنطقة لا يتحدد بالمسار العسكري والسياسي وحده، وإنما يتأثر أيضًا بقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات المتزامنة. ولذلك فإن أي تقدير مستقبلي لمسار الأزمات في منطقة المشرق وإفريقيا يجب أن يضع في حسابه المتغير الاقتصادي الدولي باعتباره عاملًا مستقلًا قادرًا على تضخيم الأزمات القائمة، أو على العكس منح الدول مساحة أكبر لاحتوائها إذا بقي الاقتصاد العالمي قادرًا على توفير الغذاء والطاقة والتمويل وحركة التجارة بصورة مستقرة.
وفي مثال على مشكلة الطاقة العالمية المتمثلة في التقلبات الحادة في أسعار النفط، والتي ستزداد تفاقمًا مع كثرة الأزمات وتصاعدها في المنطقة، ما حدث في يوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026، حيث انخفضت أسعار خام برنت للعقود المستقبلية بشكل حاد في يوم واحد إلى نحو ٩٦ دولارا للبرميل نزولا من مستوى نحو ١٠٧ دولار للبرميل. لكن سعر البرميل عاد صباح يوم الخميس 01 أكتوبر 2026 للارتفاع إلى مستوى يفوق ١٠٠ دولار للبرميل بعد يوم واحد من انخفاضها إلى مستوى 96 دولار للبرميل. وفي نهاية اليوم استقر السعر على مستوى يفوق 102 دولار للبرميل، وذلك دون حدوث اي متغير جديد. (راجع تحليلنا حول هذا الموضوع)
الاستراتيجية الإيرانية والضغط الإقتصادي
منذ بداية جولة حرب الأربعين يومًا في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لجأت إيران مباشرة إلى استراتيجية مقاومة كان أحد أهم عناصرها السعي للسيطرة على مضيق هرمز. ورغم أن احتمالات هذه السيطرة والإغلاق كانت حاضرة على الدوام في الحسابات الأمريكية عند تقدير أثر أي تصعيد عسكري على إيران، فقد بدا وكأن أمريكا والعالم، بما في ذلك إيران نفسها، قد انتبهوا إلى سلاح فتاك جديد لم يكن في الحسبان عندما قامت إيران بإغلاق المضيق! بالنسبة لإيران، فقد بدا لها أن سلاح الردع المتمثل في غلق المضيق قد فاق في أهميته سلاح الردع النووي إن امتلكته، ولذلك أصبح التمسك بالتحكم في المضيق أكثر ما تصر عليه كورقة ضغط لتحقيق مطالبها الأخرى في إنهاء العقوبات الإقتصادية واستعادة أموالها المجمدة وفك الحصار الإقتصادي عليها والإحتفاظ بحق التخصيب النووي على أراضيها.
في البند السابق، قمنا بالحديث باختصار عن أهم الأثار الإقتصادية العالمية التي ترتبت على الحرب الحالية. إلا أن البعد الأهم الذي تركز عليه إيران هو الأثر الإقتصادي السلبي على الولايات المتحدة، حيث اعتبرته السلاح الضاغط الأهم في جعبتها. هذا الأثر يمثل السبب الرئيس لاعتراض قطاع كبير من الشعب الأمريكي ونخبه على شن الولايات المتحدة حربًا على إيران بالأساس، استجابة لاستدراج إسرائيل لها. هذا الأمر سيؤثر بالتأكيد على فرص الحزب الجمهوري الذي يقوده الرئيس ترامب في الفوز بالإنتخابات المقبلة للتجديد النصفي للكونجرس. ستؤثر خسارة الجمهوريين في تلك الانتخابات على قدرة ترامب في المضي قدمًا في أجندته الرئاسية، سواء في الحرب أو غيرها. الخوف من ذلك السيناريو ردع ترامب إلى حد كبير عن المضي قدمًا في أي تصعيد عسكري جديد ضد إيران قبل الانتخابات، بما قد يفاقم من الأزمة الاقتصادية ويؤثر سلبًا بشكل أكبر على نتائج الانتخابات.
تمثلت الأثار السلبية على الإقتصاد الأمريكي بعد غلق مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا قبل الحرب، في تفاقم المشكلات المتمثلة في عودة معدلات التضخم للارتفاع، ما اضطر بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي للعودة لرفع سعر الفائدة في اجتماعه في شهر سبتمبر، وهو ما سيؤدي بالضرورة لزيادة أعباء خدمة الديون، وبالتالي ازدياد العجز في الموازنة الفيدرالية، مما سيزيد الحاجة للمزيد من الاقتراض، فترتفع الأعباء، فيزداد العجز، وهكذا في حلقة مفرغة. ارتفاع التضخم جاء بالأساس بسبب ارتفاع سعر الوقود، وخاصةوقود الديزل، إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وهو الذي تعتمد عليه حركة نقل الشاحنات بين الولايات، وماكينات الزراعة والحصاد، وغير ذلك، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار كل شئ، وبالتالي على مستوى معيشة المواطنين.
ارتفعت أيضًا بشكل كبير معدلات العائد على سندات الخزانة طويلة الأجل ل 10 سنوات و 30 سنة لمستويات ما قبل الأزمة المالية في 2007، وهو ما أدى لارتفاع معدلات الرهن العقاري للمنازل، وفوائد كروت الإئتمان، وقروض شراء السيارات، وقروض الطلاب، إلخ، أي باختصار كل ما يمس حياة المواطن الأمريكي.
استمرار هذه الأثار السلبية لفترة طويلة بدون شك سيكون عاملًا هامًا في المسار الذي ستأخذه الحرب لاحقًا، بما له من تأثير على القرار الأمريكي في مدى التصعيد أو التهدئة، خاصة في أعقاب الإنتخابات المقبلة في شهر نوفمبر.
الحرب الروسية الأوكرانية والأمن الأوروبي
تمثل الحرب الروسية الأوكرانية عاملًا إضافيًا في حالة عدم الاستقرار الدولي والإقليمي، خصوصًا مع استمرار التصعيد العسكري وتراجع فرص الوصول إلى تسوية سياسية واضحة. فالحرب لم تعد تقتصر تداعياتها على الأراضي الأوكرانية، وإنما أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في حسابات الأمن الأوروبي، مع تصاعد الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا، وزيادة الاستعدادات الدفاعية داخل دول حلف الناتو، وتوسع المواجهة إلى مجالات أخرى مثل الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والحرب الهجينة. وقد حذرت موسكو مؤخرًا من أن أي محاولة لعزل كالينينغراد، الواقعة على بحر البلطيق، يمكن أن تقود إلى مواجهة مباشرة مع الناتو، بينما تؤكد قيادة الحلف عدم وجود تهديد وشيك لأراضيه، وهو ما يعكس في الوقت نفسه استمرار وجود قنوات للردع ومحاولات لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن استمرار الحرب بهذا المستوى من التصعيد، مع غياب أفق واضح لتسوية سياسية، يرفع احتمالات اتساع نطاق المواجهة بصورة غير مقصودة، سواء من خلال حادث عسكري على حدود إحدى دول الناتو، أو تصعيد في بحر البلطيق، أو توسع الهجمات الهجينة والسيبرانية، أو انتقال الضربات إلى أهداف مرتبطة بصورة مباشرة بالدعم العسكري الغربي لأوكرانيا. ومع استمرار تبادل الضربات وتصاعد الخطاب الروسي تجاه الغرب، يصبح هامش الخطأ والحسابات الخاطئة أكثر خطورة، خصوصًا في ظل وجود أسلحة نووية لدى روسيا وحلف الناتو.
وبذلك لا تمثل الحرب الروسية الأوكرانية أزمة أوروبية منفصلة عن بقية الأزمات الدولية، وإنما تضيف مركزًا آخر للضغط على النظام الدولي في وقت تتزامن فيه الحرب مع أزمات الشرق الأوسط والتوتر الأمريكي الإيراني والحرب اليمنية واضطراب طرق الطاقة والتجارة. وإذا استمر المسار الحالي دون تسوية سياسية، فقد تتحول الحرب تدريجيًا من صراع محصور في أوكرانيا إلى أزمة أمنية أوروبية أوسع، بما يزيد احتمالات تداخلها مع أزمات أخرى، ويعزز البيئة الدولية التي يمكن أن تتشكل فيها أزمات متزامنة يصعب احتواؤها تؤدي لمزيد من الفوضى العالمية.
3- التغير في المفاهيم الحديثة للحروب وتأثيراتها على العالم:
تكشف الحروب الحديثة عن أزمة أعمق من مجرد تطور الأسلحة والتكتيكات، وهي أزمة في المفاهيم التي اعتادت الدول بناء تصوراتها للحرب على أساسها. فقد كان مفهوم القوة العسكرية لفترات طويلة مرتبطًا بحجم القوات البرية، والسيطرة على الأرض، وامتلاك الأساطيل والطائرات، والقدرة على خوض حرب تقليدية واسعة. أما اليوم، فقد أصبح من الممكن لقوة محدودة نسبيًا، لا تمتلك جيشًا تقليديًا، أن تستطيع مواجهة قوة كبرى بصورة مباشرة، وأن تحقق تأثيرًا استراتيجيًا يتجاوز بكثير حجمها العسكري، باستخدام منظومات متكاملة من الصواريخ والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي والاختراقات الإلكترونية والوسائل غير التقليدية الأخرى، فيما يصطلح عليه بالحرب الهجينة أو الحرب غير المتماثلة.
وتظهر هذه التحولات بوضوح في التعامل مع الممرات البحرية الاستراتيجية أثناء الصراعات. فإغلاق ممر بحري أو تهديد حركة الملاحة فيه لم يعد يتطلب بالضرورة امتلاك أسطول بحري تقليدي قادر على السيطرة على المجال البحري، أو إغراق بعض السفن، أو استخدام الألغام البحرية. فقد تستطيع دولة أو جماعة مسلحة التأثير في حركة الملاحة من البر، بالتوظيف السليم للجغرافيا، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من الوسائل قصيرة أو بعيدة المدى، بحيث يصبح مجرد احتمال استهداف السفن أو ارتفاع مستوى المخاطر كافيًا لدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، ورفع شركات التأمين لتكاليفها، وتحمل الدول تكاليف أمنية وعسكرية واقتصادية إضافية لتوفير الحماية لسفنها، ما يعني عمليًا التحكم في الملاحة في المضيق.
وقد أظهرت أزمة مضيق هرمز خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أن التهديد للممر البحري يمكن أن يعتمد بدرجة كبيرة على غير التقليدية، وليس على القوة البحرية التقليدية وحدها. وتشير تقييمات عسكرية إلى أن التهديد الإيراني للملاحة في هرمز ارتبط بصورة أساسية بالصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة وغيرها من القدرات غير المتماثلة.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الجغرافيا والقوة. فالمضيق البحري لم يعد مجرد مساحة جغرافية يجب السيطرة عليها عسكريًا، وإنما أصبح وظيفة استراتيجية يمكن تعطيلها من خارج الممر نفسه، ومن يملك القدرة على تهديد هذه الوظيفة يستطيع التأثير في اقتصادات دول لا علاقة مباشرة لها بالحرب. وهذا هو الفارق الجوهري بين الحرب التقليدية والحرب غير المتماثلة في عصر الصراع على الممرات الاستراتيجية؛ إذ لم يعد المطلوب تدمير اقتصاد الخصم بالكامل، بل يكفي أحيانًا تعطيل جزء حيوي من حركة الطاقة أو التجارة حتى تنتقل تكلفة الحرب إلى الأسواق العالمية بما يشكل ضغطًا دوليًا يصب في صالح الطرف المتحكم في المضيق.
وتقدم اليمن نموذجًا آخر لهذه المعادلة. فأنصار الله الحوثيون لا يحتاجون إلى امتلاك قوة بحرية تقليدية تضاهي الأساطيل الدولية الموجودة في البحر الأحمر حتى يستطيعوا التأثير في حركة الملاحة؛ فقد أثبتت هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة أن قوة محدودة تستطيع رفع مستوى المخاطر على السفن التجارية ودفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، وهو ما يخلق تأثيرًا اقتصاديًا يتجاوز اليمن والخصوم المباشرين إلى التجارة العالمية. وتؤكد التقييمات الحديثة أن التأثير غير المتماثل للتهديد الحوثي لا يعتمد بالضرورة على قصف أو إغراق السفن، وإنما يمكن أن يتحقق من خلال خلق حالة مستمرة من عدم اليقين تدفع شركات النقل والتأمين والحكومات إلى تحمل تكاليف إضافية.
ومن هنا تظهر إحدى أهم المفاهيم في الحرب الحديثة: لم يعد حجم الضرر العسكري المباشر هو المقياس الوحيد للتأثير الاستراتيجي؛ فقد يكون عدد الصواريخ أو المسيرات المستخدمة محدودًا، وعدد السفن التي تتعرض للهجوم محدودًا أيضًا، لكن التأثير النهائي قد يكون واسعًا إذا أصاب نقطة اختناق في النظام الاقتصادي العالمي، فالممر البحري لا يخدم الدولة التي يقع داخل حدودها أو بالقرب منها فقط، وإنما يخدم شبكة واسعة من التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، ولذلك فإن تهديده ينقل تكلفة الصراع من المستوى المحلي إلى المستوى الإقليمي والدولي.
هذا يعني أن الجغرافيا نفسها أصبحت سلاحًا استراتيجيًا؛ فالدولة أو القوة التي تتمركز على مضيق أو ممر بحري لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة على مساحة واسعة حتى تمتلك قدرة على التأثير في الخارج، ويكفي أن تمتلك وسائل تجعل استخدام هذا الممر أكثر خطورة أو تكلفة، حتى يتحول موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة يتجاوز وزنها الاقتصادي والعسكري. وتزداد أهمية ذلك في حالة مضائق مثل هرمز وباب المندب، لأنهما لا يمثلان مجرد حدود جغرافية، وإنما نقطتا اختناق داخل شبكة عالمية لحركة الطاقة والتجارة.
والأخطر أن هذا التحول يجعل التفوق العسكري التقليدي أقل قدرة على حل بعض المشكلات الاستراتيجية بصورة مباشرة. فقد تستطيع قوة كبرى تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية لخصم أصغر، لكنها قد تجد صعوبة في إزالة التهديد بالكامل إذا كانت تلك القدرات موزعة ومتحركة وقابلة للإخفاء، خصوصًا عندما يكون الخصم غير مضطر إلى تحقيق سيطرة بحرية كاملة، وإنما يحتاج فقط إلى الاحتفاظ بقدرة مستمرة على تهديد الملاحة. وهذا ما يجعل الحرب الحديثة أكثر تعقيدًا؛ لأن تحقيق التفوق العسكري لا يعني بالضرورة استعادة الوظيفة الاقتصادية التي تعطلت بسبب الحرب.
وتكشف هذه الظاهرة أيضًا عن تحول آخر في مفهوم الردع. ففي الحروب التقليدية، كان الردع يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على تدمير قوات الخصم أو تهديد أراضيه. أما في بيئة الممرات البحرية، فقد يصبح الردع قائمًا على القدرة على فرض تكلفة اقتصادية على منظومة أوسع من الخصم المباشر. وهنا تتحول التجارة والطاقة والملاحة والتأمين إلى عناصر في معادلة الصراع، ويصبح القطاع التجاري نفسه جزءًا من البيئة التي تتأثر بالحرب، حتى عندما لا يكون طرفًا فيها.
ولهذا فإن حالتي إيران واليمن تكشفان عن نموذج واحد رغم اختلاف طبيعة الطرفين. إيران تمتلك دولة وجيشًا وقدرات صاروخية وبحرية كبيرة، بينما يعتمد الحوثيون بدرجة أكبر على قوة غير نظامية وقدرات صاروخية ومسيرات. ومع ذلك، فإن كليهما يستطيع التأثير في ممر بحري ذي أهمية عالمية من خلال وسائل غير متماثلة، بما يوضح أن القدرة على التأثير في النظام الدولي لم تعد حكرًا على القوى التي تمتلك أكبر الجيوش والأساطيل.
ومن منظور أوسع، فإن هذه التحولات تفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي نفسه. فحماية الاقتصاد لم تعد منفصلة عن حماية الممرات البحرية، وحماية الممرات لم تعد مهمة بحرية خالصة، بل أصبحت مرتبطة بالقدرات الصاروخية والمسيرات والاستخبارات والدفاع الجوي والقدرة على حماية البنية التحتية وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن أي دولة تقع على ممر استراتيجي قد تجد نفسها جزءًا من صراع حتى لو لم ترغب في الدخول فيه، كما أن أي حرب تقع قرب هذه الممرات يمكن أن تتحول سريعًا إلى أزمة دولية بسبب تأثيرها في التجارة والطاقة والأسواق.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحروب الحديثة: أن المسافة بين الحرب المحلية والأزمة العالمية أصبحت أقصر بكثير. فقد تبدأ المواجهة بين دولتين أو بين دولة وجماعة مسلحة، لكنها إذا وقعت بالقرب من ممر بحري يشكل نقطة خنق استراتيجية يمكن أن تتحول آثارها بالسلب إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن والاستثمار وسلاسل الإمداد، ثم تؤدي هذه التداعيات الاقتصادية لتضغط على الدول والمجتمعات التي لم تكن طرفًا أصليًا في الحرب. وبذلك لم تعد الحرب تقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، وإنما أيضًا بما تستطيع أطراف الصراع تعطيله خارجها.
وهذه هو جوهر الأزمة التي تكشفها الحروب الحديثة: العالم ما زال يتعامل في كثير من الأحيان مع القوة وفق مقاييس الحرب التقليدية، بينما انتقلت أدوات التأثير إلى مستوى آخر أصبحت فيه المسيرة والصاروخ والموقع الجغرافي والشبكة غير النظامية قادرة على إنتاج آثار تتجاوز بكثير حجم القوة المستخدمة. ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك قوة محدودة لأسلحة متطورة، وإنما في قدرتها على استخدامها ضد نقاط الاختناق التي تؤثر في النظام الاقتصادي العالمي، بحيث تتحول حرب محدودة جغرافيًا إلى أزمة تتجاوز حدود أطرافها وتؤثر في الاقتصاد العالمي بأكمله.
4-استراتيجية “العلم الزائف” وقت الحروب.. وتطبيقها على الوضع الراهن: هل تستخدمها إسرائيل حاليًا؟
تُعد استراتيجية عمليات “العلم الزائف – False Falg” من الأساليب المعروفة في إدارة الصراعات والاضطرابات، ويُقصد بها تنفيذ عمليات أو أعمال عدائية بطريقة توحي بأن طرفًا آخر هو من يقف وراءها، بهدف تحميله المسؤولية ودفع الأطراف إلى اتخاذ مواقف أو ردود تخدم الجهة التي تقف خلف العملية. ويمكن أن تلجأ إليها بعض الدول أو الجهات لإشعال الأحداث وتوسيع نطاق الفوضى، بما يتيح لها استغلال حالة التصعيد لتحقيق أهدافها، سواء بإرباك الخصوم أو دفع أطراف جديدة إلى الانخراط في الصراع.
ما استدعى الخوض في هذا التأثير الملابسات التي تزامنت مع حادثة شركة فلاي دبي الإماراتية التي كانت متجهة إلى تل أبيب وتعرضت لأحداث غامضة لم يمكن الوصول إلى خلفياتها ودوافعها حتى الأن، مع سرعة اتهام أطراف إسرائيلية، بما فيهم رئيس الوزراء نفسه، بأن الحادث إرهابي، وأنه يناظر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأن الشواهد تقول أن إيران هي من تقف خلفه..إلخ. كل ذلك دعا العديد من المحللين أن يرجحوا أن إسرائيل إن لم تكن وراء الحدث، فهي على الأقل تحاول توظيفه لتبرير تصعيد عسكري محتمل ضد إيران، أو حتى أن يكون نتنياهو وحكومته يوظفونه لأغراض انتخابية. لا يمكن استبعاد أن تكون إسرائيل توظف هذا النمط من العمليات في بعض الحالات ضمن استراتيجية أوسع لإشعال المنطقة واستنزاف أطرافها.
ما قامت به إسرائيل في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر عام 2023 في غزة مثال واضح على نمط تكرر كثيرًا من إسرائيل، بأن تستغل أحداثًا معينة في تبرير القيام بتنفيذ خططٍ مسبقة تحقق من ورائها أهدافًا استراتيجية. وقد وجدت إسرائيل فرصة في تلك الأحداث لتبرير كل ما قامت به من أعمال تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية، وصولًا للسيطرة التامة على قطاع غزة، وإنهاء التواجد المؤثر لحركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى به. استغلت إسرائيل هذا الأمر لتروج أنها تحارب على 7 جبهات، كما يقول نتنياهو، انتهت بالحرب الأخيرة على إيران، ودفع الولايات المتحدة للمشاركة فيها.
ليس بالضرورة أن تنفذ إسرائيل عمليات علم زائف بصورة مباشرة من داخل الأراضي المحتلة، بل قد تلجأ إلى تحريك عملاء أو أطراف مرتبطة بها لتنفيذ استهدافات من أراضٍ عربية أخرى، بما يجعل الطرف المستهدف يعتقد أن الهجوم انطلق من داخل دولة توجد فيها حركات مقاومة أو قوى مسلحة، وهو ما قد يدفعه إلى الرد على تلك الدولة أو تلك القوى، ويُبعد في الوقت ذاته الشبهة عن إسرائيل.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية؛ إذ إن الهدف لا يكون بالضرورة تحقيق أثر عسكري مباشر من عملية واحدة، وإنما تغيير اتجاه الصراع نفسه، وخلق ساحات جديدة للاشتباك، ودفع أطراف المنطقة إلى استهداف بعضها البعض، بما يؤدي إلى توسيع دائرة الحرب واستنزاف الجميع. وهذا هو ما يبدو الهدف الإسرائيلي في تلك المرحلة، من خلال قراءتنا لواقع المنطقة.
وفي تقديرنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الحالية هو أن تنجح إسرائيل في تحويل الصراع من مواجهات محددة إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، تتقاتل فيها أطراف المنطقة فيما بينها في حرب استنزاف طويلة الأمد، بينما تستفيد إسرائيل من استنزاف قدراتها ومواردها وإرادتها السياسية والعسكرية، وتهيمن هي على المنطقة بعد استنزاف كافة دول المنطقة لتحقيق مشروعها “إسرائيل الكبرى” . إسرائيل تبني استراتيجيتها على استغلال الفرص، وهو ما يوجب الإنتباه على جميع الأطراف ذات العلاقة. (أنظر مثلًا ورقة المعهد المصري : (حادثة استهداف سفن الغاز في ميناء دمياط: الدروس المستفادة وما يجب على مصر فعله).
أهمية هذا الأمر تتمثل في أنه لا ينبغي استبعاد احتمال أن تسعى إسرائيل إلى توظيف حالة الفوضى والتوتر في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر استغلال أزمات قائمة أو، في بعض الحالات، عبر الدفع نحو مزيد من التوتر بين دول المنطقة، بهدف إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها. ففي بيئة تتزايد فيها الصراعات والانقسامات، يمكن لإسرائيل أن تقدم نفسها لبعض الأطراف باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على توفير الأمن أو احتواء التهديدات، بما يعزز نفوذها ويمنحها مساحة أوسع للتدخل في ترتيبات المنطقة. ومن ثم، فإن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في اندلاع حروب جديدة، وإنما في إمكانية تحول إسرائيل تدريجيًا إلى طرف يُنظر إليه باعتباره «المنقذ» أو القادر على حل الأزمات التي ساهمت الفوضى الإقليمية في تعميقها، بما يتيح لها تحويل حالة عدم الاستقرار من تهديد إلى أداة لتعزيز موقعها السياسي والأمني في المنطقة.
التداعيات على دول المنطقة
1-التداعيات على إيران:
لا تزال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مفتوحة، رغم انتقالها خلال الفترة الأخيرة بين موجات من التصعيد والهدوء النسبي، في ظل استمرار الانسداد السياسي وعدم التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب. وتفرض الولايات المتحدة حصارًا اقتصاديًا على إيران، بينما تتمسك طهران بسيطرتها على مضيق هرمز كورقة ضغط رئيسية، في وقت لا تزال الفجوة واسعة بين شروط الطرفين.
وتكتسب التحركات الأمريكية العسكرية الأخيرة في اتجاه منطقة الخليج أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تتزامن فيه الضغوط الاقتصادية والحصار الأمريكي مع استمرار إيران في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، بينما لم تُغلق نافذة التفاوض بصورة نهائية. ولذلك فإن المشهد الحالي يمكن وصفه بأنه حرب مفتوحة ذات مسار متذبذب بين التصعيد والتهدئة، لكنها تفتقر حتى الآن إلى مسار سياسي واضح لإنهائها، بالتزامن مع إعادة بناء الولايات المتحدة لقدرتها العسكرية في المنطقة. كما أن وصول الانتشار البحري الأمريكي إلى مستويات أكبر خلال نوفمبر، وفق ما نقلته مصادر أمريكية، سيكون تطورًا ينبغي مراقبته، لأنه يوسع الخيارات العسكرية المتاحة لواشنطن، بعد انقضاء الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية.
تتمثل إحدى أهم تداعيات الحرب الإيرانية–الأمريكية على إيران في انتقالها من مواجهة عسكرية محدودة الأهداف إلى اختبار شامل لقدرة الدولة الإيرانية على الصمود والاستمرار؛ فالحرب لم تقتصر على استهداف منشآت عسكرية أو قدرات محددة، وإنما طالت قطاعات مرتبطة بالبنية التحتية والاقتصاد والطاقة، فضلًا عن الحصار الاقتصادي، وهو ما يجعل كلفة الحرب بالنسبة لإيران متراكمة ومتصاعدة على أكثر من مستوى. وبالتالي، فإن التحدي الأساسي أمام طهران لا يرتبط فقط بحجم الخسائر التي تعرضت لها، وإنما بقدرتها على تعويض هذه الخسائر ، والمحافظة في الوقت نفسه على قدرتها على مواصلة الحرب وإدارة الدولة والاقتصاد تحت ضغط عسكري واقتصادي متواصل.
وتبرز التداعيات الاقتصادية باعتبارها أحد أهم عناصر الاستنزاف الإيراني، خصوصًا مع تراجع قدرة طهران على تصدير النفط والحصول على موارد مالية بالقدر الذي كانت تعتمد عليه قبل الحرب. وقد تدهور سعر الريال الإيراني لمستويات غير مسبوقة حيث تخطي سعر الدولار الأمريكي 2.6 مليون ريال إيراني في أوائل أكتوبر. ومع استمرار القيود على حركة التجارة والشحن والحصار الأمريكي والعقوبات، وانخفاض سعر العملة الإيرانية بشكل حاد، تصبح قدرة إيران على توفير الموارد اللازمة لاستمرار المجهود العسكري وإعادة بناء القدرات التي تعرضت للاستهداف أكثر صعوبة. وهنا تتحول الضغوط الاقتصادية من مجرد نتيجة للحرب إلى عامل مؤثر في القدرة العسكرية نفسها؛ فكلما طال أمد الاستنزاف، أصبحت قدرة الدولة على تمويل العمليات وتعويض الخسائر والحفاظ على وتيرة الإنتاج العسكري أكثر تحديًا.
وفي المقابل، لم تؤد الحرب إلى إنهاء قدرة إيران على الرد أو إخراجها من المعادلة العسكرية والإقليمية. فقد حافظت طهران على قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وأدوات القوة غير المباشرة، وهو ما سمح لها بنقل جزء من المواجهة إلى خارج أراضيها واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة. يعني ذلك أن الحرب بالنسبة لإيران لم تتحول إلى مواجهة دفاعية داخل حدودها فقط، وإنما بقيت قادرة على توسيع نطاق الكلفة التي تتحملها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وهو ما يمنحها ورقة مهمة في إدارة الحرب والاستنزاف والتفاوض.
كما تدفع الحرب إيران إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية. فبعد تعرض بعض القدرات والمنشآت للاستهداف، تصبح الأولوية للحفاظ على القدرات التي تمكنها من الاستمرار في الرد، وإعادة بناء ما يمكن إعادة بنائه، وتوزيع القدرات بصورة تقلل من أثر الضربات اللاحقة. ومن المرجح أن يصبح الاعتماد على القدرات المتحركة والموزعة، والصواريخ والطائرات المسيّرة، وشبكات القوة غير المباشرة، أكثر أهمية في إدارة أي مرحلة لاحقة من الصراع، خصوصًا إذا استمر التفوق الجوي الأمريكي في فرض ضغط على المنشآت الثابتة.
الجبهة الداخلية الإيرانية يبدو أنها لا تزال متماسكة، والاحتجاجات الشعبية اختفت تقريبًا، إما لممارسة القمع الشديد من قبل الدولة، أو لأن رد الفعل الشعبي في العادة في أوقات الحروب المصيرية يكون بتحقق درجة أكبر من الالتفاف الشعبي حول القيادة.
على المستوى الاستراتيجي، فإن الحرب تضع إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: المحافظة على قدرتها على الردع من جهة، وعدم استنزاف مواردها أو انهيار تماسك جبهتها الداخلية بصورة تهدد قدرتها على الاستمرار من جهة أخرى. فإيران تحتاج إلى الاحتفاظ بأوراق قوة عسكرية ذاتية وإقليمية تمنع خصومها من فرض شروطهم بالكامل، لكنها في الوقت نفسه تواجه كلفة متزايدة كلما طال أمد الحرب. ولذلك فإن العامل الزمني يصبح مهمًا بصورة متزايدة؛ إذ إن قدرة إيران على تحويل الصمود العسكري إلى قدرة مستدامة على الاستمرار ستحدد إلى حد كبير شكل موقعها في المرحلة التالية للحرب. أُنظر دراسات المعهد المصري ذات العلاقة (بعد مائة يوم من بداية حرب الأربعين يومًا: بين امتلاك المبادرة الإيرانية ومحدودية الخيارات الأمريكية)، ( قراءة أولية في المألات وحسابات المكاسب والخسائر لأطراف الصراع في إيران – تقدير موقف)، ( ماذا بعد جولة تصعيد شهر يوليو على إيران؟ ….قراءة في مسارات الصراع القادمة)، (مستقبل الحرب على إيران – تقدير موقف استراتيجي شامل).
وبالتالي، فإن التداعيات على إيران لا يمكن اختزالها في حجم الأضرار العسكرية التي لحقت بها، وإنما في التغير الذي أحدثته الحرب في معادلة القوة الإيرانية نفسها. فطهران تواجه الآن ضرورة إعادة بناء جزء من قدراتها، والحفاظ على أدواتها الإقليمية، وإدارة اقتصاد أكثر تعرضًا للاستنزاف، في الوقت الذي تحاول فيه منع الحرب من التحول إلى استنزاف طويل الأمد يفوق قدرتها على التحمل. وهذه المعادلة ستظل من أهم العوامل المحددة لمستقبل الدور الإيراني خلال المرحلة المقبلة.
2- التداعيات على المملكة العربية السعودية
تواجه السعودية تداعيات مركبة للحرب الإيرانية–الأمريكية، وكذلك للحرب الدائرة في اليمن حاليًا مع حركة أنصار الله؛ حيث أنها لا تتأثر بالحرب بوصفها دولة خليجية قريبة من مسرح العمليات وتتعرض للقصف من جهة إيران من وقت لأخر فحسب، وإنما أصبحت أيضًا منخرطة بصورة مباشرة في التصعيد مع أنصار الله الحوثيين في اليمن. وبذلك وجدت الرياض نفسها أمام مسارين عسكريين واقتصاديين متداخلين: الأول يرتبط بالحرب الأوسع مع إيران وانعكاساتها على أمن المملكة واقتصادها وحركة صادراتها، والثاني يتمثل في استمرار العمليات العسكرية في اليمن وما تفرضه من كلفة عسكرية وأمنية واقتصادية متزايدة على المملكة.
اقتصاديًا، دفعت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على خط أنابيب شرق–غرب لنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، بوصفه مسارًا بديلًا عن المرور عبر هرمز. إلا أن هذا المسار نفسه تعرض للقصف، بما يكشف أن الحرب لم تعد تضغط فقط على طرق التصدير البحرية، وإنما امتدت إلى البنية التحتية التي تعتمد عليها السعودية لتجاوز مخاطر إغلاق الممرات البحرية. ومع استمرار التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب، تصبح قدرة السعودية على تأمين مسارات تصديرها وتنويعها عاملًا أكثر أهمية، خصوصًا أن أي استهداف متزامن للبنية التحتية النفطية ومسارات النقل يمكن أن يرفع كلفة التأمين والشحن ويضغط على تدفقات النفط والنشاط الاقتصادي.
وهنا تبرز أهمية الجبهة اليمنية بصورة أكبر؛ لأن المسار البديل الذي يمكن أن تستخدمه السعودية لتجاوز اضطرابات الخليج يمر عبر البحر الأحمر، في الوقت الذي يحاول فيه أنصار الله تثبيت حضورهم على الساحل الغربي لليمن والسيطرة على المجال الجغرافي لباب المندب. وقد زادت أهمية هذا الاتجاه بالنسبة للسعودية مع اضطراب حركة الملاحة عبر هرمز، إذ ارتفعت أهمية صادرات المملكة التي تمر عبر البحر الأحمر، وهو ما يجعل استمرار الضغط الحوثي على هذا الاتجاه ذا أثر اقتصادي يتجاوز كلفة الحرب داخل اليمن نفسها.
طبقًا لذلك، فإن الضغوط الناتجة عن الحرب مع أنصار الله بدأت تؤثر سريعًا على العجز في الموارد الإقتصادية للمملكة وفي موازنتها، وعلى صورتها كواحة للأمان واستقبال الزائرين، بعد أن استهدفت مطاراتها الرئيسية عدة مرات، وكبيئة لاقتصاد المستقبل والجاذبية للاستثمار، والذي تستهدف المملكة الترويج له لتنويع مصادر اقتصادها بعيدًا عن النفط، وذلك بعد أن أثرت الأحداث على نجاح فعاليات رئيسية كانت المملكة تخطط لاستضافتها في الوقت الحالي.
وعسكريًا، منذ بدء التصعيد بين السعودية وبين أنصار الله الحوثيين، الذين يضغطون على العمق السعودي بكثافة لإجبار المملكة على وقف تصعيدها، خصوصًا من خلال استهداف نقاط الطاقة، إلى جانب ضرب بعض المطارات والنقاط العسكرية، تتركز طلبات المملكة من الدول المختلفة على الشق الدفاعي، سواء من خلال منظومات الدفاع الجوي أو المقاتلات الحربية لصد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد جاءت تلك الطلبات السعودية من مصر وفرنسا، وهو ما صرّح به الرئيس الفرنسي نفسه، كما جاءت طلبات المملكة من مصر خلال زيارة سريعة قام بها ولي العهد السعودي إلى القاهرة، حيث طلب ذلك بشكل مباشر من السيسي أثناء الزيارة. ويشير ذلك إلى وجود عجز في بعض المنظومات الدفاعية لدى المملكة، نتيجة قِصر الفترة الزمنية بين التصعيد الذي شهدته الحرب الإيرانية الأمريكية والتصعيد المباشر بين المملكة والحوثيين، فضلًا عن أن قدراتها الجوية لا تستطيع حماية سماء المملكة ذات الاتساع الجغرافي الكبير بشكل كلي، وتغطية النقاط الاستراتيجية ومكامن القوة داخل المملكة، وهي كثيرة ومنتشرة في كافة أنحاء المملكة.
عسكريًا أيضًا، تواجه السعودية ضغوطًا متزايدة على عمقها الجنوبي، وحتى العاصمة والمنطقة الشرقية، بعدما توسعت الهجمات الحوثية لتشمل مدنًا ومواقع ومنشآت اقتصادية وطاقة في جازان ونجران وعسير، إضافة إلى خميس مشيط وأبها، مع استمرار الحديث عن استهداف مواقع ومنشآت تابعة لأرامكو حتى في الرياض والمنطقة الشرقية. وهذا يفرض على المملكة توزيع قدراتها الدفاعية بين حماية المنشآت الحيوية والمدن والمطارات والمنشآت العسكرية في الجنوب، وصولًا إلى الرياض والمنطقة الشرقية، وبين مواصلة عملياتها الجوية داخل اليمن. وبذلك لا تقتصر كلفة التصعيد على الخسائر المباشرة، وإنما تشمل أيضًا رفع مستوى الجاهزية الدفاعية وتخصيص موارد عسكرية وأمنية كبيرة لحماية العمق السعودي.
لكن التداعيات المحتملة تتجاوز الهجمات الصاروخية والمسيّرة إلى البعد الجغرافي والتاريخي للحدود السعودية–اليمنية. فمناطق عسير ونجران وجازان، التي أصبحت ضمن المملكة السعودية بموجب الترتيبات الحدودية التاريخية، ولا سيما معاهدة الطائف عام 1934، ظلت موضع حضور في السردية اليمنية المتعلقة بالأراضي التي فقدتها المملكة المتوكلية اليمنية آنذاك، كما استمرت القضية في الظهور داخل الخطاب السياسي والقومي اليمني وفي السردية الحوثية. ومع أن الحدود بين البلدين جرى تثبيتها بصورة نهائية في معاهدة جدة عام 2000، فإن عودة الحرب وتوسع نفوذ أنصار الله قرب الحدود يفتحان المجال أمام إعادة توظيف هذا الإرث التاريخي في الصراع.
ومن هنا، فإن أحد التداعيات المحتملة التي يجب أخذها في الاعتبار، إذا استمر التصعيد وتغيرت موازين القوى على الأرض، هو انتقال أنصار الله من الضغط بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى محاولة توسيع نطاق العمليات البرية باتجاه الحدود السعودية إلى داخل المملكة، مع استغلال المناطق الحدودية لتحقيق مكاسب جغرافية. ولا يعني ذلك أن السيطرة على عسير أو جازان أو نجران أصبحت هدفًا عسكريًا حتميًا أو أن تحقيقها سهل، لكن وجود هذه المناطق في الذاكرة التاريخية للصراع اليمني يجعل أي محاولة للتوغل أو السيطرة على مواقع حدودية فيها ذات قيمة سياسية ورمزية وعسكرية أكبر بكثير من مجرد الاستيلاء على موقع حدودي عابر.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال إذا استطاع أنصار الله تثبيت مكاسبهم داخل اليمن، خصوصًا في المحافظات الشمالية والغربية، وتأمين خطوط حركة أكثر استقرارًا باتجاه الحدود السعودية. ففي هذه الحالة قد تتحول الحدود الطويلة والممتدة بين البلدين من خط دفاعي يفصل بين ساحتي الصراع إلى جبهة عملياتية نشطة، بما يفرض على السعودية تخصيص قوات وموارد أكبر للدفاع عن مناطقها الجنوبية، ويجبرها على التعامل مع تهديد بري محتمل بالتوازي مع التهديد الصاروخي والمسيّر. كما أن أي اختراق ناجح للحدود أو سيطرة مؤقتة على مواقع داخل الأراضي السعودية يمكن أن يمتلك تأثيرًا سياسيًا ومعنويًا يتجاوز حجمه العسكري الفعلي، بالنظر إلى الحساسية التاريخية لهذه المناطق.
وتتمثل المعضلة السعودية الأوسع في أن استمرار الحرب قد يضع المملكة أمام ضغط متزامن من اتجاهين: إيران ومضيق هرمز من الشرق، وأنصار الله واليمن وباب المندب من الجنوب والجنوب الغربي. وإذا تزامن استمرار الضغط على هرمز مع قدرة الحوثيين على تهديد مسارات البحر الأحمر، فإن السعودية ستجد نفسها مطالبة بحماية أكثر من مسار للطاقة والتجارة في الوقت نفسه، فضلًا عن حماية منشآتها ومدنها وحدودها الجنوبية. ومن ثم، فإن الجبهة اليمنية لا تمثل بالنسبة للمملكة مجرد ملف عسكري منفصل، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة أمنها الاقتصادي والجغرافي في ظل الحرب الإقليمية الأوسع.
ومن اللافت أنه قد نُشر مؤخرًا عدد من التقارير الهامة في صحف مثل الفاينانشيال تايمز، والنيويورك تايمز، وبلومبيرج، وبشكل لافت في ثلاثة أيام متتالية، تشرح حدود إمكانيات المملكة في مواجهة التهديدات الناشئة من الحروب الجارية من جهة الحوثيين، رغم الإمكانيات العسكرية الهائلة المتاحة لديها، وتناولتها ورقة للمعهد المصري بالتحليل والتعليق
وعليه، فإن التداعيات على السعودية لا تقتصر على ارتفاع كلفة العمليات العسكرية أو استمرار تعرض أراضيها ومنشآتها للهجمات، وإنما تمتد إلى احتمال تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمملكة. فاستمرار الحرب قد يفرض عليها إعادة توزيع مواردها العسكرية والاقتصادية بين أكثر من اتجاه، وتأمين مسارات بديلة للطاقة والتجارة، ومواجهة احتمال تحول اليمن إلى جبهة استنزاف طويلة الأمد، فضلًا عن ضرورة منع أنصار الله من تحويل مكاسبهم الحالية إلى واقع جغرافي مستقر على ساحل البحر الأحمر أو إلى ضغط بري مباشر على المناطق الحدودية السعودية. وكلما طال أمد الحرب وتداخلت الجبهة الإيرانية مع الجبهة اليمنية، أصبحت هذه التداعيات أكثر ترابطًا، وأصبح الحفاظ على الأمن السعودي مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على إدارة هذين المسرحين في وقت واحد.
تجني المملكة الأن تبعات الخطأ الاستراتيجي بتوظيف الحوثي في مراحل تاريخية معينة لتحقيق أهداف سياسية ضيقة في اليمن. ما يحدث الأن في اليمن، من وجهة نظرنا، ينطوي أيضًا على استهداف للمملكة ذاتها بشكل خاص، بعد استدراجها للتصعيد. فإيران، من خلال ذراعها الحوثي، توجه ضربات مؤلمة للمملكة، سواءً في اليمن أو في المملكة ذاتها. الضربات على المملكة خلال شهر سبتمبر قضت تقريبًا على البقية الباقية من كميات النفط التي كانت السعودية تصدرها، سواءً بتهديدات الحوثي للملاحة السعودية في باب المندب، أو في ضرب خط شرق – غرب نفسه، ما أدى لإيقافه لأسابيع، قبل أن يتم اصلاحه جزئيًا، مع قرب نفاذ مخزون النفط السعودي في ميناء ينبع، وفي مينائي العين السخنة وسيدي كرير المصريين.
في ظل ذلك، أحجمت الولايات المتحدة عن تقديم دعم مؤثر للمملكة لكي تواجه هذه التحديات، التي بدأت في مواجهتها بالفعل من خلال الضربات الأخيرة التي وجهتها للحوثي في منطقة باب المندب. قد يرجع ذلك لعدم رغبة الولايات المتحدة في الانخراط في جبهة ثانية في الوقت الحالي، فضلًا عن أنها لا تستطيع أصلا تحقيق اختراقات في جبهة واحدة. لكن في ظل الميزة الاستراتيجية الإضافية التي حصلت عليها إيران بالتحكم أيضًا في باب المندب عن طريق وكيلها الحوثي، كان من المفترض أن تتحرك الولايات المتحدة لإجهاض هذه الميزة، من باب المصلحة الأمريكية ذاتها، وليس دعمًا للمملكة.
لذلك يبرز التساؤل عن سبب عدم تقديم الدعم المطلوب. قد يكون ذلك في إطار الضغط الشديد على المملكة للقبول بالانخراط في الاتفاق الإبراهيمي لتعطي ترامب انجازًا يحتاجه قبل الانتخابات، أو حتى لدفعها للجوء لإسرائيل لقيادة الدفاع عن المملكة كما تم الترويج له مؤخرًا.
في هذا الإطار أيضًا يأتي الحديث المتنامي في بعض الدوائر الغربية عن أن أحد أهداف أنصار الله في حربهم الحالية لا يتعلق فقط بأهداف في اليمن، أو حتى في توسع جغرافي داخل المملكة، ولكن في إسقاط النظام الملكي الحاكم نفسه. وتتحدث التقارير عن المخاطر التي تواجه محمد بن سلمان وتجعله يختفي عن الأنظار وينتقل دائمًا بين أماكن حصينة. كما يتحدث البعض أيضا، ومنهم الدبلوماسي البريطاني السابق المخضرم ألستير كروك عن أن التهديد الرئيس الذي يواجه محمد بن سلمان حاليًا لا يتمثل فقط في التهديدات الخارجية من جهة أنصار الله، ولكن من عوامل داخلية تجعل النظام نفسه مهددًا نتيجة الأعداء المتنوعين الذين خلقهم النظام لنفسه في السنوات العشر الأخيرة.
قد يكون ذلك أيضًا جزءًا من تصور إغراق المنطقة كلها في حالة من الفوضى تكون في صالح الكيان الصهيوني في إطار سعيه للهيمنة التامة على المنطقة، على الرغم مما قد يحمله ذلك من تداعيات سلبية على الولايات المتحدة نفسها، وعلى الإقتصاد العالمي ككل. وفي هذا الإطار يجب أن نأخذ في الاعتبار أن بداية الجولة الأخيرة من الحرب على إيران جاءت بتحريض إسرائيلي، كما أصبح معلومًا الأن، على الرغم من الأصوات الأمريكية المعترضة في إطار عدم توافق هذه الحرب مع المصالح الأمريكية.
المملكة نتيجة لكل ذلك أصبحت في وضع استراتيجي شديد الضعف، ولا يبدو ، حتى الأن، أنها ستحصل على دعم مؤثر من تحالف مكة، باعتبار أن هذه أزمة قائمة وليست مستحدثة، طبقًا للتصريح الباكستاني! أضطر ذلك المملكة أن تطلب دعمًا من مصر من خلال توجه محمد بن سلمان لزيارتها بشكل عاجل، على الرغم من توتر العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة. بن سلمان يدرك احتياج السيسي للدعم المالي، فضلًا عن رغبة في عدم سحب الودائع السعودية في البنك المركزي المصري في الوقت الحالي، والتي تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار. ويبدو أن الدعم المطلوب من مصر حاليًا قد أصبح أكبر كثيرًا من مجرد توفير بعض الدعم الجوي أو الدفاعات الجوية عن بعض المواقع، وهو ما حدا بالرئيس المصري لطلب موافقة مجلس النواب المصري على إرسال مثل هذا الدعم الذي من غير المعروف حتى الأن حجمه أو نوعيته.
3- التداعيات على اليمن
تشير مآلات التصعيد العسكري في اليمن إلى احتمال انزلاق البلاد نحو حرب طويلة الأمد، في ظل انغلاق أفق الحلول السياسية وتراجع فرص العودة إلى تسوية قادرة على معالجة جذور الصراع وتوحيد مراكز القوة العسكرية والسياسية. وتزداد خطورة هذا المسار مع انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعًا، تجمع بين العمليات البرية التي تنفذها القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي بدعم جوي سعودي مكثف والعمليات البرية لأنصار الله الحوثي على القوات الموالية للمجلس الرئاسي ، والهجمات الحوثية التي باتت تستهدف العمق السعودي والمنشآت الحيوية والمراكز الاستراتيجية، بما في ذلك مطار الرياض الذي تعرض لهجمات متكررة أدت إلى سقوط قتلى ومصابين وتعطيل حركة الطيران.
ويعكس هذا التطور تحولًا في طبيعة المواجهة؛ إذ لم تعد السعودية تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفًا يهدد حلفاءها داخل اليمن فحسب، بل قوة تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي وبنيتها التحتية، وهو ما قد يدفعها إلى تبني استراتيجية أكثر حسمًا، خصوصًا مع اتساع المخاوف من امتداد الاستهدافات إلى مواقع أكثر حساسية، بما فيها مراكز صنع القرار. غير أن تجربة التدخل العسكري السعودي منذ عام 2015، بدءًا من «عاصفة الحزم» ثم «إعادة الأمل»، أظهرت أن التفوق الجوي والدعم العسكري لا يضمنان وحدهما القضاء على الحوثيين أو حسم الصراع، بينما أصبحت الجماعة تمتلك اليوم خبرة قتالية وقدرات صاروخية وطائرات مسيّرة أكثر تطورًا مما كانت عليه عند بدء التدخل.
ومن ثم، فإن اتساع الحرب لا يعني بالضرورة انتصار طرف بعينه؛ إذ يظل احتمال سيطرة الحوثيين على اليمن ككل قائمًا إذا تمكنوا من استثمار تفكك خصومهم واستنزافهم، كما يظل احتمال تمكن القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي، بدعم سعودي وإقليمي، من استعادة زمام المبادرة وإلحاق هزيمة عسكرية بالحوثيين قائمًا أيضًا، وإن كان ذلك يتطلب أكثر من مجرد التفوق الجوي، وفي مقدمته توحيد القيادة والقوى المناهضة للحوثيين، وتأمين الإمداد، والقدرة على تثبيت المكاسب الميدانية. وفي المقابل، قد تقود إطالة أمد الحرب، مع استمرار تعدد مراكز القوة وتباين مشاريع الأطراف المحلية والإقليمية، إلى تكريس التقسيم الفعلي لليمن، بحيث تتحول مناطق السيطرة القائمة إلى كيانات منفصلة بحكم الأمر الواقع، وربما تتطور لاحقًا إلى دويلات متنافسة. وبذلك، لا يقتصر الخطر الاستراتيجي على استمرار الحرب، بل يمتد إلى احتمال انهيار ما تبقى من وحدة الدولة اليمنية، وتحول أراضيها إلى ساحة نفوذ متداخلة، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن السعودية، وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، واستقرار المنطقة ككل.
ولا يقتصر خطر اتساع المواجهة على استهداف الحوثيين للعمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل قد يمتد، في حال تحولت الحرب إلى مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، إلى محاولات التوغل داخل المناطق الحدودية السعودية، وفي مقدمتها نجران وجازان وعسير، بما يوسع نطاق التهديد الأمني ويفرض على الرياض تشتيت قدراتها بين حماية العمق الاستراتيجي وتأمين الحدود الجنوبية. وقد يحاول الحوثيون توظيف المظالم التاريخية المرتبطة بهذه المناطق، الموجودة في بعض عناصر الخطاب السياسي اليمني باعتبارها أراضي يمنية، لتبرير أي تحرك عسكري أو توسيع نطاق المواجهة. ومن شأن هذا المسار، إذا تحقق، أن ينقل الصراع من حرب تهدف إلى حسم السلطة داخل اليمن إلى مواجهة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها أهداف السيطرة العسكرية مع قضايا الحدود والأمن القومي السعودي. ومع ذلك، فإن التلويح بهذه المطالب لا يعني بالضرورة أن السيطرة على تلك المناطق هدف عسكري قابل للتحقق؛ لكنه يظل أحد السيناريوهات التي قد تزيد مخاطر التصعيد وتدفع السعودية إلى التعامل مع الحرب باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها الإقليمي.
وتزداد احتمالات اتساع الحرب تعقيدًا في ضوء تحركات السعودية لتوسيع دائرة الدعم الإقليمي والدولي، عبر التنسيق مع تركيا وباكستان ومصر، والانفتاح على سوريا، إلى جانب الاستعانة بقدرات عسكرية فرنسية لتعزيز حماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية السعودية. وتعكس هذه التحركات أن الرياض لم تعد تتعامل مع الهجمات الحوثية باعتبارها تهديدًا يمكن احتواؤه بالقدرات الوطنية وحدها، بل تسعى إلى بناء شبكة دعم تتوزع أدوارها بين تعزيز الدفاعات الجوية، وتوفير المعدات والخبرات العسكرية، ودعم العمليات التي تنفذها القوات اليمنية المناهضة للحوثيين. وإذا تطور هذا الدعم من حماية الأراضي السعودية إلى مشاركة مباشرة في العمليات داخل اليمن، فقد يتحول الصراع تدريجيًا إلى مواجهة أوسع تتداخل فيها أطراف إقليمية ودولية، بما يرفع كلفة الحرب ويزيد صعوبة احتوائها.
تعدد الأطراف الداعمة قد يوسع نطاق المواجهة من جهة، لكنه لا يعني بالضرورة توافقها على أهداف عسكرية موحدة أو مشاركتها جميعًا بقوات قتالية داخل اليمن؛ إذ ستظل طبيعة تدخل كل طرف مرتبطة بحساباته ومصالحه وحدود التزاماته. وبذلك، يصبح احتمال تدويل الحرب أحد العوامل التي قد تطيل أمدها، وتضعف فرص التسوية السياسية، وتزيد مخاطر انزلاق اليمن نحو تقسيم فعلي لمناطق النفوذ والسيطرة. (أنظر هنا باكستان تدخل الحرب الجوية في اليمن.. قراءة عسكرية) (أنظر هنا ماذا طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من السيسي أثناء زيارته إلى مصر) (أنظر هنا بطلب من السعودية، فرنسا ترسل جنودًا ومعدات عسكرية لحماية ميناء ينبع على البحر الأحمر).
وفي المقابل، فإن اتساع التدخلات الخارجية في اليمن لصالح القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي قد يدفع إيران إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها في الصراع، خصوصًا إذا انتقل الدعم الإقليمي والدولي من تعزيز القدرات الدفاعية للسعودية إلى المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية داخل اليمن. وفي مثل هذا السيناريو، قد تلجأ طهران إلى توسيع دعمها العسكري للحوثيين، مع احتمال تصعيد انخراطها وصولًا إلى أشكال أكثر مباشرة من التدخل، بما في ذلك تقديم دعم ميداني أو الدفع بعناصر وقوات على الأرض، إذا رأت أن بقاء الحوثيين مهدد وأن ميزان القوى يتجه بصورة حاسمة ضدهم. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى تدخل عسكري إيراني مباشر يظل احتمالًا افتراضيًا مرتفع الكلفة، وليس نتيجة حتمية لتدخل أطراف خارجية؛ إذ قد تفضل طهران استخدام الدعم العسكري واللوجستي وشبكات حلفائها لتجنب مواجهة مفتوحة مع السعودية والقوى المشاركة في الحرب. وفي الحالتين، فإن دخول إيران بصورة أوسع على خط المواجهة سيزيد من تعقيد المشهد اليمني، ويرفع مخاطر تحول الحرب من صراع داخلي مدعوم إقليميًا إلى مواجهة متعددة الأطراف، تتشابك فيها الحسابات اليمنية والسعودية والإيرانية والدولية، بما يطيل أمد القتال ويجعل احتواءه سياسيًا أكثر صعوبة.
المأساة الإنسانية في اليمن في ظل تصاعد الصراع وتداخل الأزمات الإقليمية
بات اليمن، حتى قبل التصعيد العسكري الأخير، يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، على مستويات الغذاء والصحة والتعليم والمعيشة، في ظل اتساع رقعة الفقر، وتدهور الخدمات الأساسية، وضعف قدرة المؤسسات على تلبية الاحتياجات الضرورية للسكان. ومن ثم، فإن التصعيد العسكري الجديد لم يجعل الوضع الإنساني المتدهور يبدأ من فراغ، بل أضاف إلى واقع إنساني شديد الهشاشة، ويهدد بتفاقم معاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل صعوبات في الحصول على الغذاء والدواء ومياه الشرب والتعليم والرعاية الصحية.
وتتزايد خطورة هذا الوضع مع استمرار العمليات العسكرية، وتعدد أطراف الصراع، واحتمال انتقال المواجهات إلى مناطق جديدة، بما قد يؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا، وتدمير البنية التحتية، واتساع موجات النزوح الداخلي. كما أن تعطل طرق الإمداد والموانئ، و ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وتكاليف النقل، قد ينعكس مباشرة على توافر السلع الأساسية وقدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من السكان من تراجع مصادر الدخل ومحدودية فرص الحصول على الخدمات الضرورية. وتظل الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والنازحون والمرضى، الأكثر تعرضًا لتداعيات هذا التصعيد، بما في ذلك سوء التغذية وتراجع الرعاية الصحية والانقطاع عن التعليم.
ولا تنفصل المأساة الإنسانية في اليمن عن التطورات الإقليمية الأوسع؛ إذ إن اتساع المواجهة بين القوى الإقليمية، أو تجدد التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب، قد يضيف أعباءً جديدة على حركة التجارة والإمدادات الإنسانية، ويرفع تكاليف إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة. كما أن تحول اليمن إلى ساحة ضمن صراع إقليمي ممتد قد يقلص فرص التهدئة والتسوية، ويجعل الأوضاع الإنسانية أكثر ارتباطًا بالتوازنات العسكرية والسياسية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أولوية تستوجب استجابة عاجلة ومستدامة.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار الصراع يهدد بتوسيع الكارثة الإنسانية، ويجعل احتواء آثارها وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، حتى في حال انحسار المواجهات العسكرية. وهنا تتجلى إحدى صور الفوضى الشاملة، حين تتفاعل الحرب مع الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات وضعف مؤسسات الدولة، فتغذي هذه العوامل بعضها بعضًا، وتزيد من صعوبة استعادة الاستقرار. كما أن استمرار الأزمة قد يفاقم تداعياتها الإقليمية عبر اضطراب الملاحة والتجارة وتزايد الضغوط الأمنية والاقتصادية.
وعليه، فإن تقدير مسار الأزمة اليمنية لا ينبغي أن يقتصر على خرائط السيطرة والتحركات العسكرية وموازين القوى، بل يجب أن يشمل الكلفة الإنسانية المتوقعة، وقدرة الأطراف على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات واستمرار تدفق الغذاء والدواء والوقود. فاليمن، الذي يعاني أصلًا من أزمة إنسانية عميقة، يواجه خطر أن يؤدي التصعيد إلى دفع أوضاعه إلى مستويات أشد تدهورًا، بما يجعل حماية المدنيين واحتواء الكارثة الإنسانية جزءًا أساسيًا من أي مسعى للحد من اتساع الفوضى الشاملة في المنطقة.
4- التداعيات على فلسطين
تواجه فلسطين تداعيات متراكمة على المستويين الإنساني والسياسي نتيجة استمرار الحرب وتعثر الانتقال إلى مرحلة التعافي، إذ لم يتحول وقف إطلاق النار في غزة إلى مسار مستقر يسمح بإعادة بناء القطاع واستعادة وظائفه الأساسية. ويعني استمرار القيود على الوصول وإدخال مواد ومعدات إعادة الإعمار، إلى جانب استمرار الأضرار الأمنية والميدانية، أن الأزمة الإنسانية تتحول تدريجيًا إلى أزمة طويلة الأمد فتغيب فيها القدرة على استعادة السكن والخدمات والبنية التحتية والنشاط الاقتصادي. وقد أكد تقرير الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 أن التعافي المبكر في غزة لا يزال دون المستوى المطلوب، وأن الترتيبات الانتقالية لم تدخل حيز التشغيل الكامل داخل القطاع.
ويترتب على ذلك أن عملية إعادة إعمار غزة لا تواجه فقط فجوة في التمويل والمواد، وإنما مشكلة في البيئة السياسية والأمنية التي يفترض أن تجري فيها عملية الإعمار؛ فغياب ترتيبات مستقرة للحكم والأمن، وعدم دخول الآليات الانتقالية حيز التنفيذ الكامل، واستمرار الخلاف حول مستقبل إدارة القطاع ونزع سلاح الفصائل، كلها تجعل الانتقال من الإغاثة إلى التعافي وإعادة الإعمار عملية بطيئة ومعقدة. وتزداد أهمية هذه المسألة لأن الأمم المتحدة تعتبر أن التعافي وإعادة الإعمار مرتبطان مباشرة بإعادة بناء القدرة المؤسسية الفلسطينية؛ أي أن استمرار التعثر لا يطيل الأزمة الإنسانية فقط، وإنما يؤخر أيضًا استعادة قدرة الفلسطينيين على إدارة الخدمات والاقتصاد والمؤسسات داخل غزة.
أما في الضفة الغربية، فإن تصاعد اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية والقيود على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية يؤدي إلى ضغط متزايد على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان، ويتجاوز أثره الخسائر المباشرة في الممتلكات والإصابات إلى إضعاف قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على مصادر دخلها والوصول إلى الخدمات والتعليم والرعاية الصحية. وقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ بداية عام 2026، أثرت في 275 تجمعًا فلسطينيًا، مع ارتفاع المتوسط اليومي للاعتداءات مقارنة بعام 2025.
وفي نفس السياق، تتفاقم التداعيات في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وتصاعد اقتحامات المستوطنين لباحاته تحت حماية قوات الاحتلال، وما يصاحبها من قيود على دخول المصلين الفلسطينيين ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد ومحيطه. ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على بعدها الديني والرمزي، بل تمتد إلى تداعيات سياسية وأمنية أوسع، إذ تزيد احتمالات اندلاع مواجهات في القدس والضفة الغربية، وتضع القضية الفلسطينية في قلب التفاعلات الإقليمية المتصاعدة. كما أن استمرار الاعتداءات على الأقصى، بالتزامن مع الحروب المشتعلة وتعدد جبهات المواجهة، قد يرفع مستوى التوتر الشعبي ويمنح الفصائل الفلسطينية دوافع إضافية للتصعيد، بما يفتح المجال أمام تداخل الساحة الفلسطينية مع جبهات إقليمية أخرى. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، تصبح القدس والمسجد الأقصى من أبرز بؤر الاشتعال المحتملة، بما يجعل أي تصعيد فيهما قادرًا على تجاوز حدوده المحلية والتأثير في استقرار المنطقة برمتها.
وتتمثل إحدى أخطر التداعيات على الفلسطينيين في أن استمرار هذه الإجراءات في الضفة والقدس، بالتوازي مع تعثر التعافي في غزة، يعمق الانقسام الفعلي بين البيئتين الفلسطينيتين ويزيد صعوبة بناء فضاء سياسي واقتصادي فلسطيني متماسك. فغزة تواجه أزمة إعادة إعمار وحكم وأمن، بينما تواجه الضفة ضغوطًا متزايدة على الأرض والحركة والنشاط الاقتصادي، بما يجعل السلطة والمؤسسات الفلسطينية أمام بيئة أكثر صعوبة في إدارة الخدمات والحفاظ على الاستقرار المالي والمؤسسي. وقد حذر تقرير UNSCO من أن الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية تحولت إلى أزمة في القدرة المؤسسية والاستقرار، مع استمرار القيود على الحركة والتجارة وتدفقات الإيرادات.
وعلى المستوى السياسي الفلسطيني، يؤدي استمرار المسارين المتوازيين في غزة والضفة إلى تضييق هامش الحركة أمام أي ترتيبات فلسطينية موحدة للمرحلة المقبلة. فإعادة إعمار غزة تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية واضحة، بينما تحتاج الضفة إلى بيئة تسمح باستمرار المؤسسات والنشاط الاقتصادي والحفاظ على التواصل الجغرافي والاجتماعي بين التجمعات الفلسطينية. وبالتالي، فإن استمرار الوضع الحالي لا يعني فقط تأخر إعادة الإعمار، وإنما يضعف تدريجيًا القدرة الفلسطينية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات مستقرة للحكم والاقتصاد والأمن.
وبذلك، تتمثل التداعيات الأساسية للتطورات الأخيرة على فلسطين في إطالة أمد الأزمة الإنسانية في غزة، وتعثر استعادة البنية التحتية والخدمات، واستمرار الضغط على المؤسسات والاقتصاد الفلسطيني، وتصاعد الضغوط على السكان والأراضي في الضفة الغربية، وتصاعد الإعتداءات على المسجد الأقصى، وتراجع قدرة الفلسطينيين على بناء بيئة سياسية وإدارية واقتصادية موحدة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن المشكلة الفلسطينية ستنتقل بصورة أكبر من مرحلة التعامل مع آثار الحرب إلى مرحلة إدارة أزمة ممتدة تؤثر في قدرة المؤسسات والمجتمع الفلسطيني على التعافي وإعادة بناء قدرته على الاستقرار. (أُنظر هنا دراسة المعهد المصري : غزة بعد الحرب… الصراع على إعادة الإعمار وإعادة تشكيل القطاع)
الخطورة هنا تتمثل أيضًا في أن البيئة الفلسطينية التي تكرست في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواءً في قطاع غزة أو الضفة، قد تدفع الكثير ين من الفلسطينيين، الواقعين تحت أوضاع إنسانية خانقة، إلى الهجرة من الأرض المحتلة، سواءً إلى مصر أو الأردن أو غيرها، وهو ما تسعى إليه إسرائيل بقوة، مع ما سيكون له من تداعيات سلبية على القضية الفلسطينية بشكل عام، فضلًا عن التداعيات ذات الأثر الكبير على مصر والأردن إذا ما حدث هكذا سيناريو.
(يرجع كذلك لتحليل المعهد المصري لاتقاقية شرم الشيخ هنا: ” تحليل المعهد المصري حول توقيع اتفاق شرم الشيخ وملابساته).
5- التداعيات على لبنان
يمر لبنان بمرحلة شديدة الحساسية، في ظل تزايد الضغوط الداخلية والدولية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بالتوازي مع الضغوط العسكرية والسياسية على حزب الله. وقد اتخذت الحكومة اللبنانية بالفعل قرارات تستهدف منع أي نشاط عسكري خارج مؤسسات الدولة، وتكليف الجيش بتنفيذ خطة لحصر السلاح، فيما لا يزال تنفيذ هذه الخطة يواجه تعقيدات كبيرة. ويعني ذلك أن لبنان دخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة وحزب الله، بحيث أصبح مستقبل سلاح الحزب جزءًا مباشرًا من معادلة الاستقرار السياسي والأمني الداخلي.
وفي المقابل، لا تزال إسرائيل تحتفظ بمواقع داخل جنوب لبنان وتواصل عملياتها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك تدمير منشآت ومواقع تابعة لحزب الله. وقد أعلنت إسرائيل في سبتمبر سيطرتها العملياتية على منطقة علي الطاهر الاستراتيجية، معتبرة أنها جزء من المنطقة العازلة التي تعمل على ترسيخها في الجنوب. كما تستمر أعمال الهدم والعمليات العسكرية في عدد من المناطق الجنوبية رغم ترتيبات وقف إطلاق النار. ويترتب على استمرار هذا الوضع تأخير عودة السكان إلى المناطق المتضررة، وزيادة أعباء إعادة الإعمار، وإبقاء الجنوب في حالة أمنية غير مستقرة.
وتضع هذه المعادلة حزب الله تحت ضغط عسكري وسياسي كبير؛ فقد تعرض لضربات عسكرية أضعفت جزءًا من قدراته وبنيته العملياتية، وأصبح في الوقت نفسه تحت ضغط لبناني ودولي متزايد لنزع سلاحه. لكن هذا الضعف لا يعني بالضرورة انتهاء قدرته على الرد، إذ أظهر التصعيد الأخير استمرار امتلاكه قدرات هجومية، خاصة في مجال المسيرات. وبالتالي، فإن التعامل معه باعتباره طرفًا فقد قدرته العسكرية بصورة كاملة لا يعكس واقع الوضع القائم.
ومن التداعيات المحتملة لهذا الوضع أن يؤدي استمرار الضغط على حزب الله، بالتزامن مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب، إلى زيادة احتمالات عودة التصعيد بين الطرفين. ولا يعني ذلك أن الحزب قرر فتح مواجهة جديدة، وإنما أن استمرار تآكل قدراته وموقعه العسكري والسياسي قد يدفعه، في حال وصول الضغوط إلى مستوى معين، إلى محاولة استعادة زمام المبادرة بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الضغوط المفروضة عليه. ويظل هذا الاحتمال مرتبطًا بتطور الموقف الميداني وبطبيعة الترتيبات التي ستنشأ حول سلاح الحزب والوجود الإسرائيلي في الجنوب.
كما أن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية قد يؤدي تدريجيًا إلى ترسيخ واقع أمني جديد في الجنوب، خصوصًا مع تعثر تنفيذ الترتيبات المتعلقة بالانسحاب وانتشار الجيش اللبناني. فإذا طال أمد هذا الوضع، فقد تتحول المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل من إجراء مؤقت مرتبط بالتصعيد إلى واقع عسكري أكثر استقرارًا، بما يزيد تعقيد مهمة الدولة اللبنانية في بسط سيادتها الكاملة على المنطقة الحدودية ويجعل ملف الانسحاب الإسرائيلي جزءًا أساسيًا من أي تسوية أمنية داخلية.
وفي الداخل اللبناني، يمثل ملف نزع سلاح حزب الله بالقوة أحد أخطر التداعيات المحتملة، إذ إن انتقال الدولة من الضغط السياسي إلى محاولة فرض نزع السلاح بالقوة قد يفتح الباب أمام صدام داخلي بين المؤسسات الرسمية والحزب. وتزداد حساسية هذا الاحتمال بسبب الانقسامات السياسية والطائفية التي تجعل أي مواجهة مسلحة داخلية قابلة للاتساع، فضلًا عن محدودية قدرات الدولة اللبنانية العسكرية والاقتصادية على تحمل صراع داخلي طويل. ولذلك، فإن الطريقة التي ستُدار بها عملية حصر السلاح ستؤثر بصورة مباشرة في مستوى الاستقرار الداخلي وقدرة الدولة على فرض سلطتها دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
ويضاف إلى ذلك اقتراب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بنهاية عام 2026، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى ترتيبات أمنية بديلة تمنع حدوث فراغ في الجنوب. وفي ظل استمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من المنطقة، وعدم اكتمال انتشار الجيش اللبناني بالشكل الذي تقتضيه الترتيبات الجديدة، فإن أي انتقال غير منظم للمهام الأمنية قد يزيد هشاشة الوضع في الجنوب ويضع مسؤوليات إضافية على الجيش اللبناني.
وعلى المسار السياسي، لم تنجح المباحثات اللبنانية الإسرائيلية، التي تجري برعاية أمريكية، حتى الآن في معالجة القضايا الجوهرية للصراع، رغم الاتفاق الإطاري الذي أُعلن في يونيو 2026، والذي يتضمن ترتيبات تدريجية لانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله، وتولي الجيش اللبناني مسؤوليات أمنية إضافية. وتتمثل المعضلة الأساسية في تباين أولويات الطرفين؛ فبيروت تسعى إلى وقف الهجمات الإسرائيلية وإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، بينما تضع إسرائيل نزع سلاح حزب الله وضمان عدم استعادة قدراته العسكرية في مقدمة مطالبها. وفي ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والوجود العسكري في أجزاء من الجنوب، وتعثر المفاوضات في تحقيق تقدم ملموس، تبقى احتمالات التهدئة المستدامة محدودة، ويظل لبنان معرضًا لاستمرار الاستنزاف العسكري والاقتصادي والأمني. وتتجاوز تداعيات هذا المسار الساحة اللبنانية، لأن مستقبل المواجهة يرتبط أيضًا بالتوتر بين إيران وإسرائيل، وبأي تفاهمات إقليمية أوسع؛ فتعثر المسار اللبناني قد يعيد تنشيط جبهة حزب الله، بينما قد يفرض أي اتفاق ترتيبات جديدة بشأن السلاح والسيطرة الأمنية في الجنوب، بما يؤثر في توازن القوى داخل لبنان وفي امتداد الصراع الإقليمي.
يعكس التصعيد الإسرائيلي المستمر في جنوب لبنان، بالتزامن مع إعلان تل أبيب أنها لا تعتزم الانسحاب من المنطقة لسنوات، اتجاهًا نحو فرض واقع عسكري طويل الأمد، يتجاوز العمليات المحدودة إلى محاولة تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وتقييد عودته إلى المناطق الحدودية. وقد يضع هذا المسار الحزب أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فاستمرار القصف والتفجيرات والتمشيط، مع منع السكان من العودة، يفرض ضغوطًا عسكرية واجتماعية وسياسية متراكمة، بينما يؤدي بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية إلى إبقاء المواجهة مفتوحة، حتى في غياب قرار معلن باستئناف الحرب الشاملة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية قد يمنح حزب الله مبررًا لتصعيد تحركاته تحت عنوان الرد على الخروقات والوجود العسكري الإسرائيلي، بما قد يعيد إشعال المواجهة ويضعف فرص نجاح المسار التفاوضي. وتكمن خطورة الوضع في أن استمرار الضغط العسكري قد يجعل التهدئة القائمة هشة، بحيث يكفي تطور ميداني كبير أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو توسع العمليات لتتسع المواجهة مجددًا. ومن ثم، فإن المؤشر الأهم ليس فقط حجم الضربات الإسرائيلية، بل استمرارها بالتوازي مع غياب أفق واضح للانسحاب وتسوية القضايا الأمنية؛ وهو ما يجعل الساحة اللبنانية قابلة للانفجار في أي وقت، مع احتمال انتقال التصعيد من الجنوب إلى مواجهة أوسع ترتبط بتطورات الصراع الإقليمي، ولا سيما العلاقة بين إسرائيل وإيران وأمريكا.
وفي نفس السياق نشرت نيويورك تايمز، تقرير صادم أظهر ، موثقًا بالصور، أن معظمُ المباني في ٤٨ قرية وبلدة -من أصل ٦٠ تقريباً- تقع في جنوب لبنان الذي تحتله إسرائيل، قجد سُوِّيَت بالأرض ؛ وقد أذكى حجمُ عمليات الهدم الممنهج التي تنفذها إسرائيل المخاوفَ من سعيها إلى إخلاء المنطقة من سكانها بشكل دائم”.
وبذلك، تتمثل التداعيات القائمة على لبنان في استمرار عدم الاستقرار الأمني في الجنوب، وتضرر المناطق الحدودية ونزوح السكان، وتصاعد الضغوط على حزب الله لنزع سلاحه، وتزايد المسؤوليات الملقاة على الدولة والجيش اللبناني. سيؤدي ذلك المسار إلى إطالة أمد الوجود الإسرائيلي في الجنوب، واحتمال عودة التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، أو تحول الخلاف حول السلاح إلى مواجهة داخلية إذا فشلت المعالجة السياسية. وتبقى قدرة لبنان على تجنب هذه المسارات مرتبطة بمدى نجاح الدولة في إدارة ملف السلاح، وبطبيعة الترتيبات الأمنية التي ستنشأ في الجنوب بعد إعادة تنظيم الوجود الدولي هناك. (أنظر هنا ورقة المعهد المصري المنشورة في 17 أبريل 2026): تقدير موقف: هدنة لبنان المؤقتة في سياق ترابط الساحات ومسار التفاوض الإيراني–الأمريكي)
6- التداعيات على العراق
يمثل العراق مرحلة شديدة الحساسية في ظل اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي في 30 سبتمبر، والذي ينظر إليه أغلب المحللين بوصفه تغييراً في ميزان القوى داخل العراق، أكثر من كونه مجرد نهاية لمهمة عسكرية (أنظر هنا الانسحاب الأميركي من العراق.. ماذا يتغير في موازين القوة؟ ) وذلك بالتزامن مع استحقاق أكثر تعقيدًا يتعلق بمستقبل السلاح خارج سيطرة الدولة. وتشير المعطيات الحالية إلى أن الفصائل المسلحة الأكثر ارتباطًا بإيران لا تبدو مستعدة لتسليم سلاحها، بينما تحاول الحكومة العراقية الوصول إلى صيغة لإخضاعها للقيادة المركزية بدلًا من نزع سلاحها بصورة فورية. ويضع ذلك الدولة أمام تحدي إعادة تنظيم بنية القوة المسلحة داخل البلاد، في وقت لا تزال فيه مراكز قوة عسكرية وسياسية متعددة قائمة خارج المؤسسات الرسمية.
وتكمن المعضلة الأساسية أمام الحكومة العراقية في أنها مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سيادة الدولة وحصر السلاح، بينما تعمل داخل بيئة سياسية وأمنية ما زال للفصائل المسلحة نفوذ كبير فيها.
الانسحاب الأمريكي لا يعني بالضرورة انتهاء الدور الأمريكي في العراق، لكنه يزيل جزءًا مهمًا من أدوات الضغط والحماية العسكرية الموجودة داخل البلاد، ويضع بغداد أمام اختبار أكثر صعوبة يتعلق بقدرتها على ضبط الفصائل ومنع استخدامها للأراضي العراقية بصورة مستقلة عن قرار الدولة.
ويكشف الهجوم الأخير على خط النفط السعودي شرق–غرب حجم هذه المعضلة. فقد أكدت السعودية أن الطائرات المسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، وأكدت بغداد بدورها أنها حددت موقع إطلاق الطائرات في محافظة ميسان، واتخذت إجراءات أمنية، لكن المسؤولية المباشرة عن تنفيذ الهجوم ظلت غير محسومة علنًا. وتتمثل أهمية هذا التطور بالنسبة إلى العراق في أنه يكشف استمرار وجود جهات قادرة على استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات خارج الحدود، في وقت لا تزال فيه الدولة تواجه صعوبة في تحديد الجهة المسؤولة عنها بصورة حاسمة.
ومن ثم، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالجهة التي نفذت الهجوم، وإنما بمدى قدرة الدولة العراقية على منع استخدام أراضيها في عمليات عسكرية لا تخضع لقرارها. وهذه المعادلة تمثل تحديًا مباشرًا لمفهوم احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتكشف أن امتلاك الحكومة للأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية لا يعني بالضرورة امتلاكها السيطرة الكاملة على جميع الأدوات المسلحة الموجودة داخل البلاد.
وفي المقابل، فإن الضغط المتزايد على الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل يحمل تداعيًا داخليًا محتملًا لا يقل أهمية. فإذا حاولت بغداد فرض ذلك بالقوة دون امتلاك القدرة السياسية والعسكرية الكافية، فقد يتحول ملف حصر السلاح إلى مواجهة داخلية واسعة، بما يضعف مؤسسات الدولة ويستنزف قدراتها. أما إذا تراجعت أمام الفصائل، فقد يترسخ واقع تعدد مراكز القوة، وتزداد صعوبة بناء قيادة عسكرية وأمنية موحدة قادرة على فرض القرار الحكومي على كامل الأراضي العراقية.
كما أن الانسحاب الأمريكي يضيف ضغطًا على مؤسسات الدولة العراقية لإثبات قدرتها على إدارة البيئة الأمنية بصورة أكثر استقلالًا. فكلما تراجعت المظلة العسكرية الأمريكية، أصبحت مسؤولية الحكومة العراقية أكبر في حماية المجال الأمني الداخلي ومنع استخدام الأراضي العراقية في عمليات لا توافق عليها الدولة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا مباشرًا لقدرة بغداد على الانتقال من إدارة التوازن بين القوى المسلحة إلى فرض إطار مؤسسي أكثر وضوحًا للعلاقة بين الدولة والفصائل.
قد يفتح انسحاب القوات الأمريكية من العراق أيضًا عودة تنامي النفوذ الإيراني فيه، خاصة إذا لم تستطع الحكومة ضبط عملية السيطرة على الميليشيات المسلحة.
وبذلك، تتمثل التداعيات الأساسية على العراق في تزايد الضغط على الدولة لحصر السلاح، وتصاعد التحدي المرتبط بتعدد مراكز القوة المسلحة، وارتفاع مسؤولية الحكومة عن ضبط الأراضي العراقية، وتزايد مخاطر تحول ملف نزع السلاح إلى صدام داخلي، إلى جانب اختبار قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأمن بصورة أكثر استقلالًا مع اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي. من المحتمل أن يترسخ واقع أمني موازٍ للدولة إذا فشلت بغداد في فرض قيادتها، أو انتقال الخلاف حول السلاح إلى مواجهة داخلية إذا حاولت فرضه بالقوة بما يدخل العراق في حالة فوضى شاملة.
وقد خلصت دراسة للمعهد المصري بعنوان ( الانسحاب الأميركي من العراق.. ماذا يتغير في موازين القوة) إلى أن بعد أكثر من عشرين عاماً، تخرج الولايات المتحدة من العراق عسكرياً في وقت لا تزال آثار تدخلها الأول حاضرة في بنية النظام السياسي وموازين القوى. لكن اعتبار خروج القوات نهاية للصراع الأميركي-الإيراني على العراق سيكون مبكراً. واشنطن تخفف حضورها العسكري لكنها تبقى حاضرة في النظام المالي والطاقة والاستثمار والتسليح والعلاقات الدبلوماسية. إيران، من جهتها، تخرج من مرحلة كان خصمها الأميركي موجوداً فيها عسكرياً على حدودها، لكنها تدخل مرحلة سيكون عليها فيها الدفاع عن استمرار نفوذ حلفائها من دون ذريعة القوات الأجنبية التي استندوا إليها طويلاً.
أما بغداد، فهي الطرف الذي سيحدد في النهاية معنى الانسحاب. إذا تمكنت الدولة من استخدام نهاية الوجود الأميركي لاستعادة قرارها الأمني ومنع أراضيها من الدخول في الحروب الإقليمية، فقد يتحول الخروج الأميركي إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة. أما إذا استمر السلاح المستقل واستمرت القرارات العسكرية التي تتجاوز الحكومة، فلن تكون المشكلة قد انتهت بخروج الأميركيين؛ سيكون العراق قد استعاد سيادته على الورق فيما بقيت القدرة على ممارستها موزعة بين أكثر من مركز.
7- التداعيات على سوريا
تتجه سوريا إلى مرحلة شديدة الحساسية نتيجة تزامن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية مع استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية. فقد كشفت الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مشكلة معيشية منفصلة، وإنما أصبحت عاملًا يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في تماسك الجبهة الداخلية وقدرة الدولة على إدارة المرحلة الانتقالية. ويعني استمرار الضغوط الاقتصادية، في ظل محدودية قدرة الدولة على توفير الخدمات وتحسين الظروف المعيشية، أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي سيظل أحد التحديات الأساسية أمام دمشق خلال المرحلة المقبلة.
وتزداد صعوبة الوضع مع استمرار العمليات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بما في ذلك إقامة نقاط وتنفيذ عمليات تفتيش وقصف مدفعي، وهو ما يفرض ضغطًا مستمرًا على الدولة السورية في مرحلة لا تزال فيها مؤسساتها العسكرية والأمنية قيد إعادة البناء. ويؤدي استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي إلى تقييد قدرة دمشق على فرض سيادتها الكاملة على المناطق الجنوبية، كما يفرض عليها التعامل مع واقع أمني لم تكن مؤسسات الدولة الجديدة قد استكملت بعد أدواتها اللازمة للتعامل معه.
ويمثل مشروع «سوفا 53» أحد أبرز التحولات الميدانية التي يشهدها الجنوب السوري في المرحلة الراهنة، نظراً إلى طبيعته العسكرية وموقعه داخل منطقة الفصل التي حددها اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي لعام 1974. ورغم أن المشروع بدأ في منتصف عام 2022 باعتباره مساراً عسكرياً وأعمالاً هندسية مرتبطة بالحدود مع الجولان السوري المحتل، فإن تطوره التدريجي من طريق مخصص لحركة الآليات إلى شبكة من الخنادق والسواتر الترابية ونقاط المراقبة والمواقع العسكرية يشير إلى انتقاله من إجراء أمني محدود إلى بنية دفاعية إسرائيلية أكثر اتساعاً واستدامة. (أنظر ورقة المعهد المصري: خط «سوفا 53» وإعادة تشكيل المجال الأمني في الجنوب السوري).
وفي الوقت الراهن، لا تبدو دمشق راغبة في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، وهو موقف يرتبط بحاجتها إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية قبل خوض مواجهة واسعة محتملة. لكن استمرار الضغط الإسرائيلي في ظل ضعف الدولة يحمل تداعيات محتملة أكثر خطورة؛ فكلما طال أمد الوضع الحالي، ازدادت إمكانية فرض وقائع ميدانية جديدة داخل الأراضي السورية، سواء من خلال توسيع نطاق الوجود العسكري أو فرض ترتيبات أمنية جديدة، بما قد يجعل استعادة الدولة لسيادتها على المناطق المتأثرة أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.
كما أن استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية قد يضع القيادة السورية أمام معادلة صعبة بين تجنب مواجهة لا تملك حاليًا مقوماتها الكاملة، وبين منع تحول الإجراءات الإسرائيلية المؤقتة إلى واقع أمني دائم. وقد يؤدي استمرار هذه المعادلة إلى زيادة الضغوط الشعبية والسياسية على دمشق لاتخاذ موقف أكثر حزمًا، خصوصًا إذا تواصلت التوغلات وسقط ضحايا أو اتسع نطاق المناطق المتأثرة بها.
ومن التحديات الاستراتيجية المحتملة في الساحة السورية خطر انزلاق التنافس الإسرائيلي التركي إلى مواجهة عسكرية مباشرة على الأراضي السورية، في ظل تعارض الحسابات الأمنية للطرفين بشأن مستقبل سوريا وترتيباتها العسكرية. فقد أظهرت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في أغسطس 2026، وما أثارته من توتر بشأن الدور العسكري التركي المحتمل داخل سوريا، أن تحركات أنقرة لتعزيز قدرات الدولة السورية قد تصطدم بالخطوط الحمراء التي تسعى إسرائيل إلى فرضها، ولا سيما ما يتعلق بانتشار القوات التركية ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات التي قد تحد من حرية عمل الطيران الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن المواجهة المباشرة بين الجيشين لا تبدو نتيجة حتمية، نظرًا إلى كلفتها العسكرية والسياسية، وإمكانية احتواء الخلاف عبر قنوات الاتصال والوساطة الأمريكية. لكن احتمالات التصعيد تظل قائمة إذا استهدفت إسرائيل مواقع أو تجهيزات تركية، أو أدى احتكاك ميداني إلى سقوط قتلى من القوات التركية، أو حاولت أنقرة فرض وجود عسكري لا تقبل به تل أبيب. وإذا تطور الأمر إلى اشتباك مباشر، فقد تتسع المواجهة من ضربات محدودة إلى صراع على حرية الحركة الجوية ومواقع الانتشار العسكري، مع احتمال اضطرار تركيا إلى تعزيز قواتها ودفاعاتها داخل سوريا، في مقابل توسيع إسرائيل عملياتها لمنع ترسيخ هذا الوجود. وسيضع ذلك الحكومة السورية أمام ضغوط متعارضة من الطرفين، ويهدد بتحويل الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة بين قوتين إقليميتين، بما يعرقل إعادة بناء المؤسسات العسكرية السورية، ويزيد مخاطر تقسيم مناطق النفوذ، ويجعل أي تسوية بشأن أمن الجنوب السوري ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي أكثر تعقيدًا.
كما قد تتجاوز التداعيات حدود سوريا إذا استدعى التصعيد تدخلًا دبلوماسيًا أو عسكريًا من الولايات المتحدة، أو أثّر في علاقات تركيا مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي. وبذلك، يتمثل الخطر الأساسي في أن يؤدي حادث ميداني محدود أو سوء تقدير إلى مواجهة أوسع، في منطقة تتشابك فيها المصالح الإسرائيلية والتركية والإيرانية والعربية والدولية. (أنظر هنا دراسة المعهد المصري: من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط).
على جانب أخر، فتتزايد التقارير الغربية الإعلامية و”التسريبات” التي تشير إلى مشاركات محتملة لقوات سورية خارج أراضيها، تارة في لبنان لمواجهة حزب الله والمساهمة في نزع سلاحه، بناء على طلب أمريكي، وتارة أخرى في اليمن بناء على طلب سعودي، من باب “رد الجميل”، في مقابل الاستمرار في دعم النظام الجديد في سوريا. لا توجد تقارير مستقلة لتأكيد أو نفي هذه الأنباء، التي بدأت تتحدث عن حجم محدد للقوات وترتيبات محددة، إلا أن التصريحات الرسمية السورية تنفي ذلك جملة وتفصيلًا، وهو ما تأكده المعلومات المتوفرة لدينا أيضًا. نحن نقرأ هذه “التسريبات” الأمريكية أنها مقصودة؛ وتعبر عن توجه أمريكي لاستعمال الحكومة السورية الجديدة في الصراع الإقليمي، لتضمن استمرار الصراع الإقليمي وتستنزف النظام الجديد، وتُبعد آلاف العناصر “المتشددة” عن حدود إسرائيل، إذا تمت الاستجابة لتلك الضغوط.
أما داخليًا، فإن استمرار الاحتجاجات الاقتصادية بالتزامن مع الضغوط الأمنية قد يضعف قدرة الدولة على تثبيت المرحلة الانتقالية، خصوصًا إذا تكررت الاحتجاجات أو اتسع نطاقها نتيجة استمرار ارتفاع الأسعار وتدهور الظروف المعيشية. وتكمن الخطورة في احتمال تداخل الضغوط الاقتصادية مع التحديات الأمنية، بما يجعل قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار مرتبطة ليس فقط بقدرتها على ضبط الوضع العسكري، وإنما أيضًا بقدرتها على معالجة أسباب التوتر الاجتماعي.
مثَّل انفجار، أو ما يرجح أن يكون تفجيرًا، خط الغاز في محطة تشرين الحرارية، بعد يومين فقط من تفجير مماثل لخط غاز في دير الزور، مؤشرًا لا ينبغي التعامل معه باعتباره حوادث منفصلة، بل في إطار احتمال وجود نمط من الهجمات التخريبية التي تستهدف إمدادات الطاقة ومحطات توليد الكهرباء في سوريا. وتزداد دلالة هذه الهجمات مع تزامنها مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على سوريا وارتفاع أسعار الوقود، بما يجعل استهداف الطاقة والوقود ذا أثر يتجاوز الجانب الفني إلى التأثير المباشر في حياة المواطنين وقدرة الدولة على إدارة الأزمة.
والأخطر أن استمرار هذا النمط، إذا ثبتت فرضية التخريب، قد يكون جزءًا من مسار أوسع يدفع سوريا نحو مزيد من الفوضى، عبر الضغط على الدولة والشارع في الوقت نفسه من البوابة الاقتصادية والخدمية، وتحويل الكهرباء والوقود وتكاليف المعيشة إلى أدوات ضغط على السلطة والمجتمع معًا. ومن هنا، فإن المرحلة التي تمر بها سوريا تبدو شديدة الحساسية، لأن تراكب الضغوط الأمنية والاقتصادية والخدمية قد يخلق حالة من الاحتقان الداخلي، ويزيد احتمالات الصدام بين الشارع والدولة، بما يخدم أي أطراف تسعى إلى إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار ومنعها من الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا وتماسكًا، وصولًا إلى دفعها نحو حالة من الفوضى يمكن أن تتجاوز حدودها، وتنتقل تداعياتها إلى مناطق ودول أخرى، بما يخلق ما يمكن وصفه بـ«عدوى الفوضى» التي تتسع تدريجيًا بين ساحات المنطقة، وصولًا إلى الفوضى الشاملة.
وبذلك، تتمثل التداعيات القائمة على سوريا في استمرار الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد الضغوط على الجبهة الداخلية، واستمرار الوجود والعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتعقيد مهمة إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وفرض السيطرة الكاملة على الأراضي. يضاف إلى ذلك احتمالات ترسيخ واقع أمني إسرائيلي داخل الأراضي السورية إذا طال أمد الوضع الحالي، وزيادة الضغوط الداخلية على دمشق لاتخاذ موقف عسكري أكثر حدة، واحتمال انتقال سوريا تدريجيًا من مرحلة إعادة بناء الدولة إلى مواجهة عسكرية قبل اكتمال جاهزيتها.
8- التداعيات على الأردن
يواجه الأردن تداعيات أمنية وعسكرية مباشرة نتيجة موقعه في بيئة إقليمية مضطربة. ورغم أنه لا يمثل طرفًا مباشرًا في الحرب الأمريكية الإيرانية، إلا أنه في قلب النار مع كل مرحلة من مراحل التصعيد؛ فوجود قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية على الأراضي الأردنية، وتحريك القوات والأسلحة الأمريكية من قواعد الخليج التي تعرضت للتدمير إلى قواعد أردنية، حوّل الأردن إلى دائرة الاستهداف، ووضع الدولة أمام تحدي حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية من انعكاسات الحرب، مع استمرار التزاماتها الأمنية والعسكرية تجاه الولايات المتحدة.
كما يفرض استمرار التهديدات المرتبطة بالحرب ضغوطًا إضافية على منظومة الدفاع والأمن الأردنية، سواء من حيث مراقبة المجال الجوي والتعامل مع أي تهديدات عابرة، أو حماية المنشآت والقواعد والمواقع الحيوية. ومع استمرار وجود القوات الأمريكية، تبقى احتمالات تعرض الأراضي الأردنية لأضرار جانبية أو لهجمات تستهدف الوجود الأمريكي عاملًا يجب على عَمَّان أخذه في حساباتها الأمنية، بما يزيد من حساسية إدارة العلاقة العسكرية مع واشنطن.
وعلى المستوى الداخلي، يمثل تطور الوضع في الضفة الغربية أحد أكثر مصادر الضغط حساسية بالنسبة للأردن، نظرًا للارتباط الجغرافي والديموغرافي والاجتماعي المباشر بين الضفة والمملكة. وأي تصعيد واسع يؤدي إلى زيادة التهجير أو النزوح من الضفة يمكن أن يفرض على الأردن ضغوطًا سكانية وأمنية واقتصادية كبيرة، خصوصًا في ظل وجود أعداد كبيرة من اللاجئين أصلًا، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدولة. ولذلك فإن منع انتقال تداعيات الصراع الفلسطيني إلى الداخل الأردني يمثل قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني الأردني.
كما أن استمرار التصعيد في الضفة والقدس قد يرفع مستوى الضغوط السياسية والشعبية داخل الأردن، ويضع الدولة أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة موقفها السياسي تجاه التطورات الفلسطينية. وكلما طال أمد التوتر وازدادت مظاهر العنف والتهجير، ارتفعت احتمالات انعكاس ذلك على البيئة الاجتماعية والسياسية والأمنية داخل المملكة.
على جانب أخر، فإن استمرار الحرب الإقليمية بالتوازي مع تصاعد التوتر في الضفة قد يضاعف الضغوط الواقعة على الأردن، بحيث يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل في الوقت نفسه مع مخاطر أمنية مرتبطة بوجود القوات الأمريكية على أراضيه، وضغوط داخلية مرتبطة بتطور القضية الفلسطينية. وفي حال تصاعد أي من المسارين بصورة كبيرة، فقد ترتفع كلفة حماية الأراضي والمنشآت الحيوية، وتزداد الضغوط الاقتصادية والأمنية على الدولة، بما قد يهدد الاستقرار الداخلي في الدولة.
9- التداعيات على السودان
تكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن الحرب السودانية لا تزال بعيدة عن الحسم، رغم التغيرات الميدانية التي حققها الجيش السوداني في بعض محاور كردفان، مقابل تقدم قوات الدعم السريع وحلفائها في أجزاء من ولاية النيل الأزرق واستمرار القتال في دارفور. ويعني هذا أن كلا الطرفين لا يزال قادرًا على فتح جبهات جديدة أو الحفاظ على جبهات قائمة، بما يزيد من استنزاف القوات والموارد ويجعل السيطرة على المساحات الحيوية والطرق الداخلية عاملًا أساسيًا في تطور ميزان القوة داخل السودان.
في كردفان، يمثل تقدم الجيش في عدد من المناطق مكسبًا عسكريًا مهمًا، خصوصًا إذا تمكن من تثبيت مواقعه وتأمين الطرق التي تربط وسط السودان بغربه. كما أن انشقاق مجموعات من قوات الدعم السريع وانضمامها إلى الجيش، مثل المجموعة التي قادها أبو بكر حمودة دحلوب، يحمل دلالة تتجاوز حجم القوة المنضمة نفسها، لأنه يعكس احتمال تعرض قوات الدعم السريع لضغوط على مستوى التماسك الداخلي والقدرة على الاحتفاظ بالمقاتلين في بعض المحاور. وفي المقابل، فإن استمرار قدرة الدعم السريع على القتال وفتح جبهات أخرى، في ظل الدعم الإماراتي المستمر، يؤكد أن هذه الانشقاقات لا تعني وحدها حدوث تحول حاسم في تماسك القوة العسكرية.
أما التطورات في النيل الأزرق، فتفرض على الجيش السوداني توزيع جزء من قواته واحتياطاته على جبهة جديدة، في الوقت الذي يخوض فيه عمليات عسكرية في كردفان ويواجه استمرار القتال في دارفور. ويزيد ذلك من تعقيد عملية إدارة القوات بالنسبة للجيش، إذ يصبح مطالبًا بالموازنة بين حماية المراكز الحيوية، وتعزيز الجبهات النشطة، ومنع أي اختراقات يمكن أن تهدد مدنًا ومراكز عسكرية مهمة مثل الدمازين. وفي المقابل، فإن قدرة قوات الدعم السريع وحلفائها على الضغط في هذا المحور تمنحهم إمكانية تشتيت الموارد العسكرية للجيش وإجباره على التعامل مع أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
وتبرز التداعيات الاقتصادية للحرب بوصفها أحد أخطر عناصر الاستنزاف الداخلي، مع استمرار تراجع قيمة العملة واضطراب الإنتاج والتجارة وتضرر شبكات النقل وانقسام السيطرة على الموارد ومراكز النشاط الاقتصادي. ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش من نحو 4100 جنيه في مايو إلى قرابة 7500 جنيه في سبتمبر يعكس حجم الضغوط الواقعة على الاقتصاد، ويزيد من صعوبة تمويل الاحتياجات العسكرية والمدنية معًا. ومع استمرار الحرب، تصبح قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة للقوات والمؤسسات والخدمات الأساسية عاملًا مؤثرًا بصورة متزايدة في قدرتها على مواصلة الحرب وإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
كما أن اتساع الاعتماد على شبكات خارجية لتوفير السلاح والمقاتلين والخدمات العسكرية، وفق ما أوردته تقارير دولية، يزيد من تعقيد الحرب ويجعل استمرارها أقل ارتباطًا بالقدرات المحلية وحدها. ومع بقاء بعض الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي محل نفي وخلاف، فإن استمرار تدفق الموارد العسكرية إلى أطراف النزاع يمكن أن يطيل أمد الحرب ويحد من قدرة أي طرف على فرض حسم سريع. بالنسبة للدولة السودانية، فإن استمرار هذا النمط من الحرب يرفع تكلفة إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، ويجعل استعادة احتكار الدولة للقوة أكثر تعقيدًا.
استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من الاستنزاف العسكري للجيش وقوات الدعم السريع، خصوصًا مع تعدد الجبهات واتساع المساحات التي يتعين على كل طرف الدفاع عنها. وقد يصبح تثبيت المكاسب الميدانية أهم من تحقيق تقدم سريع، لأن الاحتفاظ بالطرق والمراكز والمدن يتطلب قوات وموارد مستمرة. كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع قيمة العملة قد يتحول تدريجيًا إلى عامل يؤثر في القدرة على تمويل العمليات والحفاظ على الخدمات الأساسية، بما يجعل القدرة على التحمل الاقتصادي جزءًا من القدرة على مواصلة الحرب.
وبذلك، فإن التداعيات الأساسية للحرب على السودان تتمثل حاليًا في استمرار الاستنزاف العسكري، وتعدد الجبهات، وتآكل القدرة الاقتصادية، وصعوبة إعادة بناء سلطة الدولة ومؤسساتها في ظل استمرار وجود مراكز قوة مسلحة متعددة، فضلًا عن التداعيات الإنسانية وتزايد أعداد النازحين هروبًا من أماكن القتال. أما إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فقد يصبح التحدي الأكبر أمام السودان ليس فقط السيطرة على الأراضي، وإنما القدرة على الحفاظ على المؤسسات والموارد والقوة العسكرية اللازمة لإدارة حرب طويلة واستعادة قدر من الاستقرار الداخلي، وانهاء معاناة الملايين من الشعب السوداني المستمرة منذ سنوات.
10- التداعيات على إثيوبيا
تكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن إثيوبيا دخلت مرحلة أكثر خطورة من الصراع الداخلي، بعدما انتقلت المواجهات من توترات محدودة إلى عمليات عسكرية متعددة المحاور تشارك فيها القوات الحكومية وقوات تيغراي وتشكيلات مسلحة متحالفة معها في أمهرا وعفر وبني شنغول. وقد أظهرت المعارك قدرة قوات التحالف على تنفيذ هجمات وتحقيق اختراقات ميدانية، في مقابل قدرة الجيش الإثيوبي على شن هجمات مضادة واستعادة مناطق مهمة مثل ألاماتا. ويعني ذلك أن الدولة لم تعد تواجه مجرد اضطرابات محلية محدودة، وإنما تحديًا عسكريًا أكثر اتساعًا لقدرتها على السيطرة على أراضيها وفرض الأمن فيها.
وتتمثل إحدى أهم التداعيات العسكرية في تشتت الجهد العسكري الإثيوبي. فانتقال القتال بين تيغراي وأمهرا وعفر يفرض على الجيش التعامل مع أكثر من محور في الوقت نفسه، ويجعل قدرته على تركيز قواته واحتياطاته في جبهة واحدة أكثر صعوبة. وفي المقابل، فإن نجاح القوات الحكومية في تنفيذ هجمات مضادة واستعادة ألاماتا ومناطق أخرى يدل على أن الجيش لا يزال يحتفظ بقدرة عملياتية معتبرة، وأن خسارة بعض المواقع لا تعني انهيار خطوطه أو فقدان قدرته على المبادرة. ولذلك فإن ميزان القوة لا يزال متحركًا، مع قدرة الطرفين على الانتقال بين الهجوم والدفاع.
كما أن تشكيل تحالف يضم سبع حركات مسلحة معادية للحكومة يضيف بعدًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا للأزمة. فالمشكلة بالنسبة إلى الدولة الإثيوبية لم تعد محصورة في مواجهة قوة إقليمية واحدة، وإنما أصبحت مرتبطة بإمكانية تنسيق عدة قوى مسلحة ذات أجندات ومناطق نفوذ مختلفة. ومع ذلك، فإن وجود التحالف لا يعني بالضرورة امتلاكه قدرة موحدة على العمل العسكري؛ إذ تشير التقارير إلى وجود اختلافات بين بعض مكوناته بشأن المشاركة العسكرية، وهو ما يجعل قدرته على الحفاظ على جبهة موحدة أمرًا يحتاج إلى اختبار ميداني.
وتظهر كذلك تداعيات مباشرة على حركة النقل والاقتصاد والحياة المدنية، مع اضطراب الاتصالات وتعليق الرحلات الجوية وإغلاق بعض الطرق في مناطق القتال. وتزداد أهمية ذلك مع استمرار القتال في مناطق يعتمد سكانها على طرق الإمداد القادمة من مناطق أخرى، ما يرفع مخاطر نقص الغذاء والدواء وتفاقم الأزمة الإنسانية. وقد بدأت آثار القتال تظهر بالفعل في ارتفاع الأسعار وتعطل الحركة في المناطق المتأثرة، فيما تواجه السلطات تحديًا متزايدًا في الحفاظ على الخدمات الأساسية في مناطق العمليات.
ومن التداعيات المهمة كذلك أن مؤدى عودة الحرب بعد اتفاق بريتوريا لعام 2022 هو ضعف قدرة التسوية السابقة على توفير إطار مستقر لإدارة الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وتيغراي. وإذا استمر القتال، فإن إعادة بناء الثقة بين الأطراف ستصبح أكثر صعوبة، كما ستزداد كلفة إعادة دمج القوات والمناطق المتنازعة داخل مؤسسات الدولة. وهذا يعني أن المشكلة لن تكون عسكرية فقط، وإنما ستتطور إلى أزمة أعمق في بنية الدولة وآليات إدارة الخلافات بين المركز والأقاليم.
ولا تزال الساحة الإثيوبية مرشحة لمزيد من التصعيد، رغم استعادة القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها السيطرة على مطار ميكيلي، ثم عودة الرحلات الجوية إلى المدينة، إذ لا يعني هذا التطور انتهاء التمرد أو استعادة الاستقرار في إقليم تيغراي، وإنما يعكس تغيرًا في ميزان السيطرة الميدانية قد تدفع نتائجه الأطراف إلى إعادة تنظيم صفوفها والاستعداد لجولات جديدة من القتال.
ومن ثم، فإن دعم قوى المعارضة الإثيوبية، إذا ثبت اتساعه الخارجي، يمكن أن يخدم أهدافًا متعددة: إضعاف الحكومة أو الضغط عليها لتعديل سياساتها، أو استنزاف الجيش وإشغاله بجبهات داخلية، أو منع أديس أبابا من تنفيذ تحركات إقليمية تعتبرها دول الجوار تهديدًا لمصالحها. ولا توجد، مع ذلك، أدلة كافية للجزم بأن جميع الأطراف الخارجية تتحرك ضمن خطة واحدة أو أن هدفها المشترك هو إسقاط الحكومة. وتكمن الخطورة في أن تزامن التمرد الداخلي مع التوتر الحدودي قد يدفع إثيوبيا إلى توزيع قواتها ومواردها على جبهات متعددة، بينما قد يؤدي أي تقدم حاسم لأحد الأطراف إلى دفع الطرف الآخر نحو تصعيد أكبر. وإذا استمر هذا التداخل، فقد تتحول الأزمة إلى حرب إقليمية تتجاوز تيغراي وإريتريا، وتتشابك مع ملفات البحر الأحمر وسد النهضة والسودان والصومال، بما يهدد وحدة الدولة الإثيوبية واستقرار القرن الإفريقي. ولذلك، فإن استعادة مطار ميكيلي تمثل تطورًا ميدانيًا مهمًا، لكنها لا تحسم مسار الصراع؛ فالمؤشر الحاسم سيكون قدرة الحكومة على تثبيت سيطرتها وتخفيف الجبهات الداخلية، بالتوازي مع احتواء التوتر مع إريتريا، قبل أن تتحول الضغوط المتزامنة إلى مواجهة إقليمية يصعب التحكم في نطاقها.
إستمرار القتال على أكثر من محور قد يؤدي إلى استنزاف متزايد للجيش الإثيوبي والقوى المسلحة المعارضة، ويزيد صعوبة إعادة فرض سيطرة مركزية مستقرة على المناطق المتنازع عليها. وإذا تمكنت القوى المناوئة للحكومة من الحفاظ على تحالفها وتحويل مكاسبها الأولية إلى سيطرة مستقرة على مناطق واسعة، فقد تتجه إثيوبيا نحو واقع تتراجع فيه قدرة الحكومة المركزية على بسط سلطتها بصورة متساوية على جميع الأقاليم.
ولا يعني ذلك أن تقسيم إثيوبيا أصبح نتيجة مرجحة أو حتمية، لكن استمرار الحرب وتثبيت مناطق نفوذ مسلحة منفصلة يمكن أن يفتح خطر تفكك السلطة المركزية وتزايد النزعات الانفصالية، أو تحول بعض الأقاليم إلى مناطق نفوذ شبه مستقلة. ويزداد هذا الخطر إذا تزامن استمرار القتال مع فشل التسوية السياسية، وتراجع قدرة الجيش على حسم الجبهات، وتحول التحالفات المسلحة المؤقتة إلى ترتيبات سياسية وعسكرية دائمة.
وبذلك، فإن تداعيات التطورات الأخيرة على إثيوبيا تتمثل في اتساع نطاق القتال، وتعدد الجبهات، واستنزاف القوات الحكومية، واضطراب الحركة والاقتصاد والخدمات في مناطق العمليات، وتراجع فاعلية التسوية التي أنهت حرب تيغراي السابقة. أما الخطر الأبعد، فيتمثل في أن يتحول تعدد مراكز القوة المسلحة من ظاهرة عسكرية مؤقتة إلى واقع سياسي وجغرافي دائم، بما قد يضع تماسك الدولة الإثيوبية نفسها أمام اختبار غير مسبوق.
11- التداعيات على ليبيا
تكشف التطورات السياسية والعسكرية في ليبيا أن التوافق على إجراء الانتخابات خلال 24 شهرًا لا يعني بالضرورة انتهاء الانقسام، إذ تظل المشكلة الأساسية مرتبطة بقدرة الدولة على توحيد مؤسساتها واحتكار أدوات القوة وفرض نتائج العملية السياسية. ولذلك فإن الانتخابات، حتى في حال إجرائها، قد لا تنهي الصراع إذا لم تترافق مع تفاهمات واضحة بشأن توزيع السلطة والموارد ووضع القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة، بما يجعل الانتقال السياسي عرضة لإعادة إنتاج الانقسام بصورة مختلفة. بعض المحللين يحذرون من أن هذا الاتفاق يمهّد في الواقع الطريق لأحد أبرز أمراء الحرب، وهو اللواء خليفة حفتر، للسيطرة على السلطة في الدولة الموحدة “أنظر ورقة المعهد المصري: أحد أمراء الحرب على وشك “إعادة توحيد” ليبيا في ظل اتفاق برعاية أمريكية”.
وتبرز في هذا السياق وضعية معسكر خليفة حفتر، الذي يمتلك نفوذًا عسكريًا وجغرافيًا واسعًا، ويسيطر على مناطق وموارد نفطية مهمة، بالتوازي مع استمرار تطوير قدراته العسكرية، وكذلك علاقاته الخارجية بجميع الأطراف ذات العلاقة مع الملف الليبي. ويعني ذلك أن أي ترتيبات سياسية جديدة ستتأثر بصورة مباشرة بميزان القوة القائم على الأرض، وليس فقط بنتائج الانتخابات أو التوافقات السياسية. وإذا استمر هذا المعسكر في تعزيز أدواته العسكرية والسياسية، فقد يصبح امتلاكه للقوة عاملًا مؤثرًا في شكل الدولة المقبلة وفي طبيعة توزيع النفوذ داخل مؤسساتها.
وفي المقابل، لا تزال هشاشة الوضع الاقتصادي والخدمي تمثل عامل ضغط مباشر على الحكومة الليبية في الغرب. فقد أدت أزمات الكهرباء والوقود إلى احتجاجات وضغوط شعبية، بينما أدت الاضطرابات التي طالت منشآت وخطوط نقل النفط إلى تهديد مصدر الدخل الرئيسي للدولة. ويجعل ذلك الصراع على النفط والإيرادات العامة جزءًا أساسيًا من الصراع على السلطة، لأن السيطرة على الموارد تمنح الأطراف قدرة أكبر على تمويل مؤسساتها وشبكات نفوذها والحفاظ على مواقعها السياسية والعسكرية.
كما أن استمرار الانقسام المؤسسي والعسكري يحد من قدرة الدولة على إدارة هذه الموارد بصورة مستقرة، ويجعل أي اضطراب في قطاع الطاقة ذا تأثير يتجاوز المنشأة أو الحقل المتضرر إلى المالية العامة والقدرة على توفير الخدمات. ولذلك فإن استمرار إغلاقات المنشآت النفطية أو تكرار الهجمات والاضطرابات يمكن أن يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ويضعف قدرة المؤسسات على إدارة المرحلة الانتقالية.
وفي سياق متصل ، يمثل ما كُشفت عنه (تايمز أوف إسرائيل) بشأن الاتصالات بين إسرائيل وقيادة خليفة حفتر تطورًا يستحق التوقف عنده في سياق تحليل مسار الإضطراب الشامل في المنطقة؛ إذ لا تقتصر خطورة الانقسام الليبي على استمرار ازدواج السلطة والمؤسسات العسكرية، بل تمتد إلى إتاحة المجال أمام قوى خارجية لبناء قنوات نفوذ وتعاون مع أطراف ليبية، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية من دون الحاجة إلى تطبيع دبلوماسي معلن مع الدولة الليبية.
وقد أكد تايمز أوف إسرائيل بان نتنياهو التقى صدام حفتر نجل خلفة حفتر في أبوظبي. وإذا تطورت هذه الاتصالات واللقاءت إلى تعاون أمني أو عسكري فعلي، فقد تتيح لإسرائيل توسيع شبكة علاقاتها في شمال إفريقيا وجنوب المتوسط، والحصول على قنوات اتصال ومعلومات ونفوذ داخل إحدى أهم ساحات التنافس الإقليمي، فضلًا عن استثمار طموحات القوى المحلية في الحصول على دعم خارجي لتعزيز مواقعها السياسية والعسكرية. وقد يوفر هذا النمط من العلاقات لإسرائيل مكاسب عملية مع تجنب الكلفة السياسية والشعبية التي قد تترتب على إعلان علاقات رسمية مع ليبيا. لكن الأهم في سياق الدراسة أن استمرار الانقسام الليبي يحوّل البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات قوى خارجية متعددة، وقد يؤدي تضارب هذه المصالح إلى تعقيد فرص توحيد المؤسسات وإعادة بناء الدولة، بما يرسخ حالة السيولة الأمنية والسياسية ويفتح المجال أمام امتداد الفوضى الشاملة من المشرق إلى شمال إفريقيا. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع الأهداف الإسرائيلية المحتملة بوصفها قراءة استراتيجية للاتصالات والتقارير المنشورة، لا حقائق مثبتة بشأن اتفاق سري أو ترتيبات عسكرية لم يُكشف عن أدلتها بصورة مستقلة.
أما الحديث عن وجود خلافات داخل معسكر حفتر حول الخلافة وتوزيع النفوذ، إذا تأكد واتسع، فقد يفتح أمام ليبيا تحديًا إضافيًا يتمثل في احتمال انتقال التنافس من مستوى الشرق والغرب إلى داخل مراكز القوة نفسها. وفي هذه الحالة، لن يرتبط استقرار المعسكر المسيطر فقط بقدرته على الحفاظ على نفوذه الخارجي، وإنما بقدرته على إدارة انتقال القيادة وتوزيع النفوذ داخله دون أن يتحول التنافس إلى انقسام عسكري أو سياسي جديد.
استمرار المسار الحالي قد يقود إلى مرحلة يصبح فيها التحدي الرئيسي أمام ليبيا هو بناء دولة قادرة على توحيد مؤسساتها ودمج مراكز القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية داخل إطار واحد. وقد يؤدي إجراء الانتخابات من دون تسوية مسبقة للقضايا المرتبطة بالقوة والموارد والاعتراف بالنتائج إلى إعادة إنتاج الصراع بدلًا من إنهائه، خصوصًا إذا اعتبرت إحدى القوى أن نتائج العملية السياسية لا تتناسب مع موازين القوة القائمة على الأرض.
تتمثل التداعيات القائمة إذًا في استمرار هشاشة مؤسسات الدولة، وتفشي الفساد، وتداخل الصراع السياسي مع السيطرة على الموارد النفطية، وعدم قدرة الدولة على الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين، وبقاء ميزان القوة العسكري عاملًا مؤثرًا في مستقبل العملية السياسية، فضلًا عن التدخلات الخارجية الداعمة للأطراف المختلفة. إذا استمر الوضع على هذا الحال، فالراجح أن تنتقل ليبيا من الانقسام المؤسسي الحالي إلى صراع جديد حول شكل الدولة ومراكز القوة داخلها، سواء بعد الانتخابات أو بالتوازي معها، بما يجعل نجاح أي تسوية سياسية مرتبطًا بقدرتها على معالجة مسألة القوة والموارد، وليس فقط تنظيم الاستحقاق الانتخابي.
12- التداعيات على مصر
تبدو الأوضاع في مصر مستقرة نسبيًا على المستوى الظاهري، إلا أن استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية يفرض تحديات على قدرة الدولة على الحفاظ على هذا الاستقرار. فقد تحسنت بعض المؤشرات الكلية للاقتصاد مقارنة بالسنوات السابقة، مع ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع تحويلات العاملين بالخارج وعودة السياحة إلى مستويات مرتفعة نسبيًا، وتمكن الاقتصاد من امتصاص جانب مهم من آثار التصعيد الإقليمي. إلا أن مواطن الضعف لا تزال قائمة، كما أن استمرار التوترات الإقليمية يمكن أن ينعكس بشكل سلبي على هذه المؤشرات الإيجابية.
وتتمثل إحدى نقاط الضعف الأساسية في الطبيعة الريعية للاقتصاد المصري التي تجعله يعتمد على تدفقات خارجية يمكن أن تتأثر بالإضطرابات الإقليمية والدولية والتقلبات الحادة في الإقتصاد العالمي. فاستمرار التصعيد أو اتساع نطاقه قد يضغط على السياحة والتحويلات وتدفقات الأموال الساخنة وإيرادات قناة السويس وتكلفة الطاقة، والتي تشكل مصادر العملة الأجنبية اللازمة للوفاء بالتزامات خدمة الديون الضخمة من أقساط وفوائد، واستيراد السلع الأساسية اللازمة للشعب. وبالتالي، فإن استمرار الحرب في محيط مصر لا يبقى مجرد ملف أمني خارجي، وإنما يمكن أن يتحول إلى ضغط اقتصادي واجتماعي شديد إذا طال أمده أو اتسع نطاقه.
وتزداد حساسية هذا الوضع في ظل استمرار الضغوط المعيشية، إذ إن ارتفاع تكاليف المعيشة و تراجع القدرة الشرائية السائد أصلًا في الوقت الراهن، يمكن أن يزيد من حالة السخط الاجتماعي إذا تزامن مع ضغوط اقتصادية جديدة ناتجة عن تراجع مصادر العملة الأجنبية أو ارتفاع تكلفة الواردات والطاقة. ومن ثم، فإن قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي لا ترتبط بالمؤشرات الاقتصادية الكلية وحدها، وإنما بقدرتها كذلك على احتواء انعكاساتها على الظروف المعيشية للمواطنين.
ويمثل تطور الوضع في قطاع غزة عاملًا آخر ذا حساسية خاصة بالنسبة لمصر، بحكم الموقع الجغرافي والارتباط المباشر بملف سيناء وأمن الحدود. أي تطور باتجاه تهجير فلسطيني واسع من القطاع يمكن أن يفرض ضغوطًا أمنية وسياسية واقتصادية على الدولة المصرية، فضلًا عن تأثيره المباشر على حسابات الأمن القومي المرتبطة بسيناء. ولذلك فإن استمرار الوضع في غزة على ما هو عليه حاليًا، وما قد يطرأ عليه من تحولات، يظل من المتغيرات التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الأمنية والسياسية المصرية.
وفي الوقت نفسه، تواجه القاهرة ضغوطًا متزايدة في إدارة علاقاتها الخارجية، خصوصًا مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، بالتوازي مع سعيها إلى توسيع هامش الحركة من خلال تنويع الشراكات الدولية. ويجعل ذلك السياسة الخارجية المصرية مطالبة بالموازنة بين الحفاظ على العلاقات القائمة وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية للدولة، وبين توسيع خياراتها في التسليح والاستثمار والتعاون الدولي. وكلما ازدادت الضغوط الخارجية، ارتفعت كلفة هذه الموازنة على صانع القرار المصري.
إستمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بالتزامن مع تصعيد إقليمي واسع محتمل قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الاستقرار الداخلي، خصوصًا إذا انعكس التصعيد بشكل حاد على مصادر العملة الأجنبية أو تكلفة الطاقة والأسعار. كما أن أي تطور كبير في قطاع غزة، ولا سيما إذا ارتبط بحركة نزوح واسعة نحو الحدود المصرية، يمكن أن يضيف ضغطًا أمنيًا وسياسيًا مباشرًا إلى هذه الضغوط الاقتصادية.
على جانب أخر، يمثل التلاعب المحتمل بتدفقات مياه النيل عبر التشغيل الأحادي وغير المنسق لسد النهضة أحد المسارات التي قد تدفع نحو اضطراب شامل في المنطقة، لأن تداعياته لا تقتصر على الخلاف السياسي بين مصر وإثيوبيا، بل تمس الأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مصر. ففي حالة انخفاض الفيضان في موسم ما، بالتزامن مع احتجاز كميات كبيرة من المياه أو عدم التنسيق بشأن التصريفات خلال سنوات الجفاف الممتد، قد تتراجع التدفقات الواصلة إلى بحيرة السد العالي، ما يفرض ضغوطًا على المخزون الاستراتيجي ويحدّ من قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات المائية للزراعة والشرب والصناعة، وقد يستدعي ذلك خفض المساحات المزروعة بمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، وزيادة الاعتماد على استيراد الغذاء، وارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار.
كما أن تراجع منسوب بحيرة ناصر قد يؤثر في إنتاج الكهرباء من السد العالي، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على المياه والطاقة، فتتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتتسع تداعياتها على الأمن القومي المصري. وتزداد المخاطر إذا تزامن انخفاض الفيضان الطبيعي مع جفاف ممتد وتشغيل السد الإثيوبي وفق قواعد لا تراعي احتياجات دول المصب؛ إذ تشير الدراسات إلى أن شدة الضرر تعتمد بدرجة كبيرة على حجم التدفقات الفعلية، ومستويات التخزين في السدين، وقواعد التصريف والتنسيق خلال فترات الجفاف. ولا يعني ذلك أن انخفاض الفيضان سيؤدي حتمًا إلى أزمة مائية شاملة، أو أن إثيوبيا تستطيع وحدها التحكم في حجم الأمطار والتدفقات الطبيعية، لكن غياب اتفاق ملزم وشفافية تبادل البيانات يرفع مستوى عدم اليقين ويصعّب إدارة الأزمة. وهنا تتجلى الصلة مع تصاعد احتمالات الإضطراب في المنطقة؛ فإذا تحولت المياه إلى أداة ضغط متبادل، فقد تنتقل الأزمة من المجال الفني إلى مواجهة سياسية وأمنية، وتتداخل مع التنافس الإقليمي على النفوذ والموارد، بما يرفع احتمالات التصعيد ويجعل تداعياته تتجاوز حوض النيل.
وفي سياق أخر، لم تترتب على حرب طوفان الأقصى مناوشات عسكرية مباشرة بين مصر وإسرائيل، لكنها شهدت عددًا من الأحداث المؤثرة التي رفعت مستوى التوتر بين الجانبين، من بينها استشهاد جنود مصريين على يد القوات الإسرائيلية قرب معبر رفح، إضافة إلى إجراءات إسرائيلية اعتبرتها القاهرة مخالفة للترتيبات الأمنية القائمة بموجب معاهدة السلام، واتفاقية المعابر في عام 2005، ومنها السيطرة على معبر رفح من الجانب الفلسطيني والسيطرة على محور صلاح الدين (فيلادلفي)، فضلًا عن إعلان المنطقة المتاخمة لمصر منطقة مغلقة، وإنشاء مواقع عسكرية إسرائيلية على مقربة شديدة من الحدود المصرية. وقد قابلت مصر هذه التطورات بإعادة انتشار وتعزيز وجود قواتها في سيناء. وتؤكد التقارير أن السيطرة الإسرائيلية على محور صلاح الدين أصبحت إحدى أبرز نقاط الخلاف بين القاهرة وتل أبيب، في ظل تمسك مصر برفض تغيير الترتيبات الأمنية القائمة على الحدود.
وتشكل هذه الإجراءات المتبادلة بين الجانبين نقاط احتكاك يمكن أن تتحول، في حال تراكمها أو تزامنها مع تطورات جديدة في قطاع غزة، إلى شرارة لصراع مباشر بين مصر وإسرائيل. ويزداد هذا الاحتمال خصوصًا إذا تطورت الحرب إلى محاولة إجبار سكان قطاع غزة على النزوح باتجاه سيناء، إذ يمكن أن يمثل ذلك تجاوزًا لخطوط أمنية وسياسية شديدة الحساسية بالنسبة إلى القاهرة، ويدفع إلى رد فعل مصري أكثر حدة. ومن ثم، فإن استمرار هذه الترتيبات على الحدود، إلى جانب ملف تهجير سكان غزة، يجعل الجبهة المصرية الإسرائيلية واحدة من نقاط القابلية للتصعيد التي ينبغي مراقبتها في أي قراءة لمستقبل الصراع الإقليمي. (أُنظر ورقة المعهد المصري: “إسرائيل تعيد تعريف حدودها بعد 7 أكتوبر.. قاعدة عسكرية على بُعد 70 مترًا من الحدود المصرية).
لا يزال أيضًا ملف إحتمال إرسال قوات مصرية للدفاع عن السعودية في حربها مع الحوثيين في مرحلة التفاعل الداخلي، حيث من غير المعروف، حتى وقت إعداد هذه الدراسة، حدود الدعم العسكري المرسل، وحجم القوات، والمهام الموكلة لها، وما إذا كانت هذه القوات ستتعرض لخسائر نتيجة الحرب الجارية الأن، إلى غير ذلك من التفاصيل. غني عن البيان أن هذه الخطوة، طبقًا لما سيتطور إليه مسار العمليات العسكرية، يمكن أن تشكل حساسية كبيرة بالنسبة للوضع الداخلي في مصر، ما يقتضى متابعة تطوراته عن قرب.
الخلاصة بالنسبة لمصر أن التداعيات الأساسية تتمثل حاليًا في استمرار هشاشة مصادر الدخل الريعية أمام الصدمات الخارجية، والضغط على الظروف المعيشية (أُنظر مثلًا ورقة المعهد المصري: التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر – 2) ، والحساسية الأمنية المرتبطة بتطورات غزة وسيناء وسد النهضة وحرب اليمن، إلى جانب ارتفاع كلفة إدارة العلاقات الخارجية في بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا. هذه التداعيات ستزداد بشكل حاد في حالة تراكم جميع هذه الضغوط في وقت واحد، بما قد يضع قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي أمام اختبار أكبر، دون أن يعني ذلك بالضرورة حتمية حدوث انهيار أو انفجار داخلي.
التداعيات على المناطق والقطاعات الجغرافية داخل الإقليم:
بعد أن تحدثنا عن أهم التداعيات للتطورات الأخيرة لأهم دول المنطقة تأثرًا بها، وذلك بشكل منفصل لكل دولة، واتضح من ذلك العرض أن جميع دول المنطقة بدون استثناء تتعرض لتداعيات خطيرة قد تؤثر على أمنها واستقرارها بشكل كبير، سننتقل للحديث عن أهم التحديات التي تواجهها المناطق المختلفة داخل الإقليم، حيث سيظهر من استعراضها الإرتباط الكبير بين أزمات الدول، وأوضاع القطاعات الإقليمية المختلفة، وصولًا إلى إقليم المشرق ككل، والذي سيظهر من التحليل ترابط جميع أزمات دوله ومناطقه بشكل أو بأخر، بطريقة غير مسبوقة، ما يجعل اندلاع الصراع أو استمراره في أحد الدول أو المناطق يؤثر بشكل مباشر على الأقليم ككل.
1-منطقة الخليج والجزيرة العربية.. من تداخل الساحات إلى إعادة تعريف الأمن الخليجي واحتمالات الفوضى الإقليمية:
تكشف منطقة الخليج بصورة واضحة أن الصراعات التي تبدو في ظاهرها متعددة ومنفصلة بدأت تتحول إلى منظومة واحدة مترابطة. فالحرب مع إيران لم تعد محصورة في المواجهة المباشرة، كما أن الحرب في اليمن لم تعد مجرد صراع داخلي يمني أو مواجهة منفصلة بين السعودية وأنصار الله الحوثيين؛ وإنما أصبحت الساحتان تتداخلان بصورة متزايدة، بحيث يؤثر ما يحدث في الخليج ومضيق هرمز في حسابات اليمن، ويؤثر ما يحدث في اليمن في أمن الخليج، بينما الممرات البحرية نفسها تشكل جزءًا رئيسًا من الصراع. وبذلك تحولت منطقة الجزيرة العربية، من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى اليمن وباب المندب والبحر الأحمر، إلى منظومة أمنية واحدة تتداخل فيها ساحات المواجهة ومصالح الدول بصورة يصعب معها الفصل بين جبهة وأخرى.
ويضيف العراق طبقة أخرى إلى هذه المعادلة؛ إذ إن وجود فصائل مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية، إلى جانب إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي، يجعل العراق جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي وليس مجرد ساحة داخلية. وبالتالي فإن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل ومحور إيران يمكن أن يجد انعكاسًا داخل العراق، بينما يمكن لأي اضطراب داخلي عراقي أن يضيف جبهة جديدة إلى منظومة الصراع. وهنا تتراجع قدرة الدول على الفصل بين أمنها الداخلي وبين التحولات العسكرية التي تجري حولها.
هذا التداخل يخلق وضعًا استراتيجيًا مختلفًا عن الحروب التقليدية المحدودة؛ لأن الساحة اليمنية أصبحت امتدادًا للصراع الخليجي، والساحة الخليجية أصبحت امتدادًا للصراع اليمني. فدول الخليج لا تواجه تهديدًا واحدًا من اتجاه واحد، وإنما تتعامل مع بيئة أمنية تتداخل فيها إيران من الشرق، واليمن من الجنوب والجنوب الغربي، والممرات البحرية التي تربط الخليج بالبحر الأحمر. ومع استمرار الحرب، يصبح من الصعب على دول الخليج أن تفصل بين أمنها الداخلي وأمن الممرات البحرية أو بين التطورات العسكرية في إيران وفي اليمن.
وتزداد خطورة هذا الترابط مع تحول هرمز وباب المندب إلى نقطتي ضغط متقابلتين على المنظومة نفسها. فمضيق هرمز يمثل البوابة الرئيسية لحركة الطاقة من الخليج، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتشكل بديلًا جزئيًا لمضيق هرمز بالنسبة لدول الخليج لمرور تجارتها إلى أسيا من النفط والمشتقات البترولية والبضائع، ولو بشكل جزئي. وبالتالي فإن اضطراب الممرين في الوقت نفسه لا يعني مجرد تعطيل طريقين بحريين، وإنما يضغط على حركة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد من هشاشة الاقتصادات الخليجية أمام استمرار الحرب. كما أن استمرار تهديد الملاحة والطاقة لا يبقى تأثيره محصورًا في القطاع النفطي، وإنما يمتد إلى الاستثمار والتجارة والسياحة والخدمات والأسواق المالية، بما يجعل الحروب عاملًا ضاغطًا على النمو والاستقرار الاقتصادي إلى جانب تأثيرها العسكري والأمني.
وهنا تظهر التداعيات الاقتصادية بوصفها جزءًا من المعادلة الأمنية نفسها. فاقتصادات الخليج، رغم امتلاكها قدرات مالية كبيرة، تعتمد بدرجات مختلفة على استقرار الطاقة وحركة التجارة والاستثمار والثقة في البيئة الإقليمية. وكلما طال أمد الحرب واتسعت دائرة المخاطر، زادت تكلفة حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وارتفعت تكاليف التأمين والنقل، وتعرضت بعض القطاعات غير النفطية لضغوط إضافية. ومع تراجع القدرة على التنبؤ بالبيئة الأمنية، يمكن أن تصبح الحرب عاملًا يؤثر في قرارات الاستثمار وفي توجهات دول الخليج لتنويع الشركاء الاقتصاديين ومصادر التمويل والأسواق، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والاقتصاد في الخليج.
وهذا يقود إلى مسألة أكثر عمقًا تتعلق بمفهوم الأمن الخليجي نفسه. فقد ظل أمن الخليج لعقود قائمًا بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية، باعتبار الولايات المتحدة القوة الخارجية الرئيسية التي توفر الردع وتحمي المصالح الاستراتيجية والممرات البحرية وتعمل على منع انتقال الحروب إلى دول الخليج، في مقابل المزايا الإقتصادية التي تحصل عليها الولايات المتحدة في مقابل توفير هذه الحماية. لكن الحرب الأمريكية – الإيرانية فرضت إعادة التفكير في هذه المعادلة؛ ليس بالضرورة لأن الوجود الأمريكي فقد أهميته، وإنما لأن وجود القوات والقواعد الأمريكية نفسها داخل دول الخليج يجعل هذه الدول، في بعض ظروف الحرب، جزءًا من البيئة المستهدفة للصراع حتى عندما لا تكون طرفًا مباشرًا فيه، بدلًا من أن توفر الحماية اللازمة لهذه الدول.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية؛ المظلة التي يفترض أن تحمي الخليج من الحرب قد تصبح، في ظروف معينة، أحد العوامل التي تجعل الخليج داخل دائرة الحرب. فوجود القوات والمنشآت الأمريكية في المنطقة يجعلها جزءًا من الحسابات العسكرية للخصوم، وبالتالي وجدت دول الخليج نفسها تدفع ثمن الصراع بين واشنطن وطهران رغم أنها لم تبدأ الحرب ولم تكن طرفًا مباشرًا فيها. وهذه التجربة قد تدفع بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم مفهوم الاعتماد الأمني على قوة واحدة، والبحث عن ترتيبات أكثر تنوعًا تستطيع من خلالها حماية مصالحها وتقليل احتمالات تحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحات مرتبطة بحروب الآخرين.
لكن ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا أن إيران تستهدف دول الخليج، ليس فقط من باب استهداف القواعد الأمريكية التي تحاربها، لكنها تعتبر أن إفساح المجال لوجود هذه القواعد ثم إنطلاق الهجمات الأمريكية منها، يجعل دول الخليج مشاركة في هذه الحرب ضد إيران. هذه المقاربة تعطي إيران مبررًا إضافيًا لاستهداف دول الخليج وبنيتها النفطية والتحتية، وليس فقط القواعد الأمريكية، مما يجعل أثر التواجد الأمريكي سلبًا عليها مضاعفًا، ويضيف المزيد من الوقود على الحرب.
وفي هذا الإطار يأتي ما كشفته وول ستريت جورنال مؤخرًا، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التحذيرات الإيرانية، أن مسؤولين في طهران لوّحوا بإمكانية تنفيذ توغلات برية داخل دول مجاورة إذا استأنفت الولايات المتحدة هجماتها. وقد نقلت الصحيفة أن الاستعدادات الداخلية الإيرانية، بالتزامن مع استعدادات أخرى كثيرة للحرب المقبلة، تتضمن حملة واسعة لتعبئة السكان سياسياً وعسكرياً، شملت تنظيم تجمعات موالية للنظام وبثها يومياً عبر وسائل الإعلام الرسمية. ونقلت الصحيفة عن سكان إيرانيين أن هذه التجمعات أصبحت أكبر حجماً وأكثر انتشاراً في الأسابيع الأخيرة. كما أشار ت الصحيفة إلى أن رجال دين متشددين مشاركين في التحركات يتوقعون استئناف الحرب، ويعتبرون أن الدبلوماسية لم تحقق نتائج. يشكل هذا الأمر تهديدًا وجوديًا بالغً الخطورة لدول الخليج، خاصة إن صحت التحليلات أن الولايات المتحدة يمكن أن تغادر المنطقة بعد ضربة قوية جدًا توجهها على إيران، كما أسلفنا من قبل.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن دول الخليج ستتخلى عن الشراكة الأمريكية، وإنما قد يدفعها إلى محاولة تنويع المظلات الأمنية والشراكات الاستراتيجية، بحيث لا يبقى أمنها مرتبطًا بمصدر واحد للقوة والردع. وقد يترافق ذلك مع توسع العلاقات الدفاعية والاستراتيجية مع قوى أخرى، وزيادة الاستثمار الخارجي وتنويع الشركاء الاقتصاديين والتجاريين، بهدف بناء قدرة أكبر على حماية المصالح الوطنية في بيئة دولية وإقليمية أكثر اضطرابًا. وهنا يصبح التنويع الاقتصادي والاستثماري جزءًا من مفهوم الأمن القومي، وليس مجرد سياسة اقتصادية منفصلة عنه.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر لأن دول الخليج قد وجدت نفسها أمام سؤال جديد: هل يمكن تحقيق الأمن من خلال استدعاء قوة خارجية لحمايتها إذا كان وجود هذه القوة يجعلها في الوقت نفسه جزءًا من الصراع؟والسؤال لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، وإنما بمستقبل النموذج الأمني الخليجي كله. فإذا أصبحت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية قادرة على إدخال دول الخليج في دائرة المواجهة، فإن مفهوم الأمن القائم على الحماية الخارجية وحدها يصبح موضع مراجعة، وقد تتجه دول المنطقة تدريجيًا إلى بناء شبكة متعددة المستويات من العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بدل الاعتماد على مظلة واحدة.
في الوقت نفسه، فإن التحولات في التحالفات لا تحدث في فراغ؛ إذ تتزامن مع إعادة تشكيل العلاقات الدفاعية في المنطقة، وظهور ترتيبات جديدة بين دول الخليج وقوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، إلى جانب استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، وتنامي العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين وروسيا. وإذا استمرت هذه العملية، فقد تنتقل المنطقة تدريجيًا من نموذج الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى نموذج تعدد المظلات والشراكات. وهذا قد يمنح دول الخليج هامشًا أكبر للمناورة، لكنه في المقابل قد يجعل البيئة الإقليمية أكثر تعقيدًا، لأن تعدد الشركاء قد يعني أيضًا تعدد الالتزامات وتداخل المصالح الأمنية.
لا يمكن فصل تشكيل تحالف مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان عن النقاش الأوسع بشأن إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. ففي قراءة تناولها تقرير «نحن والعالم» الصادر عن المعهد المصري في 29 أغسطس 2026، يرى المحلل الجيوسياسي جورج فريدمان أن الاتفاق يمثل أحد مظاهر اتجاه القوى الإقليمية إلى تطوير ترتيبات دفاعية خاصة بها، بدلاً من الاعتماد الكامل على التدخل العسكري الأمريكي المباشر. ويجمع التحالف بين قدرات عسكرية وصناعية تركية، وإمكانات عسكرية باكستانية، وموارد اقتصادية سعودية، بما يتيح إطاراً جديداً للتعاون الدفاعي. غير أن الاتفاق لا يعني بالضرورة قيام منظومة دفاع جماعي متكاملة، إذ لا تزال أسئلة تتعلق بهياكل القيادة وآليات اتخاذ القرار وحدود الالتزامات العسكرية بحاجة إلى ترتيبات تنفيذية واضحة. كما أن تفسير الاتفاق باعتباره موجهاً لتطويق إيران يعبر عن قراءة جيوسياسية، وليس هدفاً منصوصاً عليه في الوثائق المعلنة للتحالف.
وفي هذا الإطار، وفي تطور يعكس انتقال تحالف مكة من مرحلة التأسيس السياسي إلى بدء التفعيل العملي، جاء الاجتماع الطارئ الذي عقدته اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في الرياض يوم 5 أكتوبر 2026 ليؤشر إلى تغير في طبيعة التعامل مع التصعيد الحوثي ضد السعودية. فقد أعلنت الدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، الانتقال الفوري إلى تنفيذ التزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعًا داخل المملكة. كما عُيّن أول أمين عام للتحالف في خطوة تعكس التوجه نحو بناء هيكل مؤسسي أكثر انتظامًا.
وترافقت هذه القرارات مع تقارير عن تقديم تركيا دعمًا فنيًا ودفاعيًا للسعودية، شمل المساعدة في مجالات الدفاع الجوي والمعلومات والدعم اللوجستي، في حين لا تزال بعض ترتيبات المشاركة العسكرية خاضعة للإجراءات الوطنية والتنسيق بين الأطراف. ويعني ذلك أن الحلف بدأ يتحول إلى إطار عملي لتنسيق الدفاع عن السعودية، لكن لا تتوافر حتى الآن تفاصيل علنية كافية لتحديد حجم القوات التي ستُنشر، وطبيعة المهام الموكلة إليها، وحدود انخراط كل عضو في العمليات داخل اليمن.
ومن ثم، لا ينبغي تفسير التفعيل باعتباره إعلانًا تلقائيًا عن دخول الدول الثلاث حربًا برية أو جوية مفتوحة ضد الحوثيين، بل باعتباره بناءً تدريجيًا لقدرة دفاعية مشتركة قد تتوسع وفق تطورات الميدان وقرارات الدول الأعضاء. وفي سياق هذه الدراسة، تكتسب الخطوة أهمية تتجاوز حماية السعودية؛ إذ قد تعيد تشكيل موازين القوى في شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وتدفع إيران والحوثيين إلى إعادة حساباتهما، كما قد تفتح المجال أمام تفاعلات عسكرية وسياسية جديدة تتداخل فيها الأزمة اليمنية مع الصراع الإقليمي الأوسع. وهنا تبرز صلة التحالف بمسار الإضطراب الشديد؛ فنجاح الردع الجماعي في احتواء الهجمات قد يحد من اتساع المواجهة، لكن اتساع الدور العسكري للتحالف أو انتقاله من الدفاع عن أراضي أعضائه إلى الانخراط المباشر في الحرب اليمنية قد يوسّع نطاق الصراع ويستدعي ردودًا مقابلة من الحوثيين وإيران، بما يرفع مخاطر تشابك الجبهات وتحول التصعيد المحلي إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية استراتيجية؛ لأن قيمة أي تحالف دفاعي لا تُقاس فقط بما يرد في بياناته أو الاتفاقات الموقعة بين أعضائه، وإنما بقدرته على التحول إلى آلية فعلية عند تعرض أحد أعضائه للخطر. ومن ثم، فإن عدم تفعيل البعد العسكري للتحالف في مواجهة التصعيد ضد السعودية يطرح تساؤلًا حول طبيعة الاتفاق نفسه: هل هو إطار سياسي وأمني لتنسيق المواقف، أم أنه نواة لتحالف دفاعي قادر على العمل المشترك عند اندلاع مواجهة عسكرية؟ وحتى وقت إعداد الدراسة، لم يقدم الواقع الميداني إجابة عملية تؤكد انتقاله إلى المستوى الثاني.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن التحالف فقد أهميته أو أن أهدافه لم تعد قائمة، وإنما يكشف أن الانتقال من التفاهم السياسي إلى الالتزام العسكري الجماعي يظل هو الاختبار الأصعب. فالدول قد تتفق على مبادئ عامة تتعلق بالأمن والدفاع، لكنها عندما تواجه خطر الدخول المباشر في حرب قد تعيد حساباتها وفق مصالحها الوطنية، وطبيعة التهديد، وقدرتها العسكرية، وعلاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية، وهو ما يجعل تفعيل أي بند للدفاع الجماعي أكثر تعقيدًا من مجرد الاتفاق عليه. وبالتالي، فإن التصعيد ضد السعودية قدم أول اختبار عملي مهم لتحالف مكة، والنتيجة حتى وقت صدور الدراسة تشير إلى أن التحالف لم يتحول بعد إلى مظلة دفاعية جماعية بالمعنى العسكري الكامل. وهذا لا يحسم مستقبله، لكنه يكشف أن الفارق بين الإعلان عن تحالف دفاعي وبين بناء قدرة جماعية قابلة للتفعيل عند الحرب لا يزال كبيرًا، وأن الاختبار الحقيقي لأي تحالف لا يبدأ عند توقيع الاتفاق، وإنما عندما تتعرض إحدى دوله لهجوم ويصبح على بقية الأعضاء الاختيار بين الاكتفاء بالدعم السياسي أو تحمل كلفة المشاركة العسكرية الفعلية.
من زاوية أخرى، يرتبط الأمن بالاقتصاد بصورة مباشرة. فإذا أصبحت الحرب قادرة على تهديد الطاقة والموانئ والممرات البحرية والاستثمار والتجارة، فإن حماية الاقتصاد الخليجي لن تعود مسألة مالية فقط، وإنما ستصبح جزءًا من منظومة الدفاع والأمن. وكلما اتسعت المخاطر، ستضطر دول الخليج إلى تخصيص موارد أكبر للدفاع والأمن والحماية، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى استمرار الإنفاق على مشروعات التنويع الاقتصادي والتحول بعيدًا عن الاعتماد على النفط. ومن ثم، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفرض تكلفة مزدوجة: تكلفة مباشرة للصراع، وتكلفة غير مباشرة ناتجة عن إعادة توجيه الموارد نحو الأمن بدل الاستثمار والتنمية.
ويرتبط الأمن بالاقتصاد بصورة مباشرة، لكن التكلفة التي تفرضها الحرب على دول الخليج تتجاوز زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة توجيه الموارد بعيدًا عن مشروعات التنمية، لتشمل تعطل الأعمال، وتأخر تنفيذ المشروعات، وتراجع حركة التجارة والسياحة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن احتمال تأجيل الاستثمارات الجديدة أو انتقال جزء منها إلى أسواق أكثر استقرارًا. وقد ظهرت بعض هذه التداعيات بالفعل في اضطراب صادرات الطاقة وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر؛ إذ أشار صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2026 إلى أن الحرب قيّدت النشاط غير النفطي في دول مجلس التعاون نتيجة تراجع التجارة وضعف ثقة قطاع الأعمال وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مع توقع انكماش اقتصاد المنطقة خلال العام نفسه.
وتكشف حالة قطر عن حجم المخاطر التي قد تتجاوز الخسائر الآنية؛ فقد أشار تقرير لرويترز في 12 أكتوبر إلى تضرر نحو 17% من طاقتها التصديرية للغاز الطبيعي المسال، وإلى خسائر إيرادات بمليارات الدولارات، فضلًا عن توقعات بانكماش اقتصادها بنسبة 8.6% خلال 2026.
ولا تقف التداعيات عند القطاعات المرتبطة بالطاقة، إذ إن استمرار التهديدات الأمنية يرفع كلفة تمويل المشروعات وتشغيلها، ويجعل الشركات أكثر حذرًا في اتخاذ قرارات التوسع، كما قد يدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم حتى تتضح اتجاهات الصراع وضمانات الاستقرار. وإذا طال أمد الحرب، فقد تواجه مشروعات التنويع الاقتصادي والتحول بعيدًا عن النفط ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في ارتفاع تكاليف التنفيذ من جهة، وتراجع شهية المستثمرين والمستهلكين من جهة أخرى، بما قد يؤخر تحقيق أهدافها ويضعف قدرتها على خلق فرص العمل. ولا يعني ذلك أن هروب رؤوس الأموال أصبح واقعًا موحدًا في جميع دول الخليج، فالتأثير يختلف باختلاف قدرة كل دولة على حماية بنيتها التحتية وتنويع طرق التصدير وامتصاص الصدمات؛ لكن استمرار المخاطر قد يضعف تدريجيًا صورة المنطقة باعتبارها مركزًا آمنًا للاستثمار والتجارة والسياحة.
وهنا تتجلى إحدى آليات الفوضى الشاملة المحتملة: إذ لا تحتاج الحرب إلى تدمير الاقتصاد الخليجي كي تحقق أثرًا استراتيجيًا واسعًا، بل قد يكفي استمرار حالة عدم اليقين لرفع كلفة النشاط الاقتصادي، وتعطيل الاستثمارات، واستنزاف الموارد العامة، وإبطاء مشروعات التنمية، فتتحول التداعيات الأمنية إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد قد تستمر حتى بعد انحسار المواجهات. (أنطر تقرير صندوق النقد الدولي: تداعيات الحرب على اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى). (أُنظر أيضًا ورقة المعهد المصري “2.1 تريليون دولار تعيد تشكيل الخليج… من اقتصاد الكفاءة إلى اقتصاد الصمود).
وفي ظل هذه البيئة، لا تتمثل الخطورة في وجود حرب واحدة هنا، وحرب هناك فقط، وإنما في إمكانية تحول مجموعة من الأزمات إلى منظومة صراع مترابطة : حرب مع إيران، وحرب في اليمن، وضغط على هرمز وباب المندب، وتهديد للملاحة والطاقة، وتداعيات اقتصادية، وإعادة تشكيل للتحالفات والمظلات الأمنية التي ترفع من احتمالات المواجهة الخطرة. كل أزمة من هذه الأزمات قد تغذي الأخرى، بحيث يصبح احتواء إحداها أصعب في ظل استمرار بقية الأزمات، وتترتب عليها تداعيات سلبية استراتيجية يصعب إصلاح أثارها، حتى لو توقفت الحرب.
وهنا تبدأ عوامل تحقق الفوضى الإقليمية المحتملة في الظهور؛ ليس بالضرورة من خلال حرب شاملة يقرر طرف واحد إطلاقها، وإنما من خلال تراكم الأزمات وتداخلها، وتعدد ساحات المواجهة، وتغير التحالفات، وتراجع القدرة على فصل الصراعات عن بعضها. ومع دخول قوى إقليمية ودولية إضافية في ترتيبات أمنية متقاطعة، يمكن أن تتحول المنطقة تدريجيًا إلى بيئة تشبه من حيث منطقها الاستراتيجي مرحلة “حروب الأحلاف”، حيث لا تبقى الحرب محصورة بين طرفين، وإنما تصبح شبكة من المصالح والالتزامات والجبهات المتداخلة والحروب بالوكالة.
وبذلك، فإن الخطر على منطقة الخليج لا يتمثل فقط في استمرار الحرب، وإنما في تحول الخليج من منطقة تسعى القوى الكبرى إلى عزله عن الحروب إلى منطقة تصبح هي نفسها جزءًا أصيلًا من دوائر الحرب. وإذا تزامن ذلك مع اضطراب اقتصادي، وتعدد المظلات الأمنية، وتداخل ساحتي إيران واليمن مع أمن الخليج والممرات البحرية، فإن المنطقة قد تدخل تدريجيًا في مرحلة يصعب فيها الفصل بين الأمن الخليجي والأمن الإقليمي والدولي. وهذه هي النقطة التي تجعل الخليج أحد أهم المؤشرات على إمكانية انتقال المنطقة من الاستنزاف المتبادل إلى الفوضى الإقليمية، ومن الفوضى الإقليمية إلى الفوضى الشاملة.
هنا تبرز أهمية مفهوم «حروب الأحلاف» في فهم المسار الذي يمكن أن تسلكه المنطقة. فالحرب العالمية الأولى لم تبدأ باعتبارها حربًا عالمية، وإنما بدأت بأزمة وصراع محدود، قبل أن تؤدي شبكة التحالفات والالتزامات وتداخل المصالح إلى اتساع نطاق المواجهة وانضمام قوى ودول متعددة إليها. وكذلك الحرب العالمية الثانية لم تبدأ منذ اللحظة الأولى بالصورة التي انتهت إليها، وإنما توسعت تدريجيًا مع تشابك الصراعات وتداخل المصالح والتحالفات وتحول ساحات متعددة إلى أجزاء من صراع أوسع. ولا يعني استحضار هذين المثالين أن المنطقة تتجه حتمًا إلى تكرار التجربة نفسها، وإنما تكمن أهميتهما في إظهار الكيفية التي يمكن بها لتداخل الأزمات والتحالفات أن يحول صراعات منفصلة إلى منظومة صراع واسعة يصعب احتواؤها.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري في منطقة الخليج يستحق الانتباه؛ لأن الحرب مع إيران، والحرب في اليمن، وأمن الخليج، ومضيق هرمز، وباب المندب، والوجود العسكري الأمريكي، والتحالفات الأمنية الجديدة، والمصالح الاقتصادية والطاقة، لم تعد ملفات منفصلة تمامًا. وكلما ازداد ارتباط هذه الملفات بعضها ببعض، أصبح احتمال انتقال التداعيات من ساحة إلى أخرى أكبر. وقد تدخل دولة في مواجهة لا لأنها طرف أصلي فيها، وإنما لأنها ترتبط بتحالف أو تستضيف قوات أو قواعد لقوة أخرى، أو لأن مصالحها الاقتصادية والأمنية أصبحت مهددة نتيجة الصراع.
وهذا هو جوهر الخطر الذي نبحثه في هذه الدراسة: ليس أن الخليج سيشهد بالضرورة حربًا إقليمية شاملة، وإنما أن المنطقة قد تتحرك تدريجيًا نحو منطق حروب الأحلاف؛ حيث يؤدي الصراع في ساحة إلى إعادة تشكيل التحالفات في ساحة أخرى، وتتحول هذه التحالفات نفسها إلى عامل في توسيع الصراع بدل احتوائه. ومع انتقال هذه الآلية من الخليج إلى اليمن، ومن إيران إلى الخليج، ثم إلى بقية مناطق الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، يمكن أن يتحول تعدد الحروب من ظاهرة منفصلة إلى منظومة إقليمية واحدة، وهنا تحديدًا تبدأ احتمالات «الفوضى الشاملة» التي يمثلها السيناريو الثالث في هذا التقدير، كما سنفصل لاحقًا.
2- منطقة الشام وتركيا.. من تعدد الجبهات إلى حروب الأحلاف واحتمال الفوضى الشاملة
تمثل منطقة الشام، وتلاصقها تركيا، أكثر مناطق الإقليم وضوحًا في إظهار التحول من صراعات منفصلة إلى منظومة صراعات مترابطة؛ فالحرب في غزة، والتوتر في الضفة الغربية، والضغط العسكري على لبنان، والتطورات في سوريا، والتحولات الأمنية في العراق والتنافس الإسرائيلي – التركي داخل الساحة السورية، كلها لم تعد ملفات منفصلة يمكن التعامل مع كلٍ منها على حدة. فكل تغير في إحدى هذه الساحات يعيد تشكيل حسابات الساحات الأخرى، بينما أصبحت إسرائيل وإيران وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب القوى المحلية، أطرافًا تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في توازنات المنطقة.
وتكمن الخطورة العسكرية والأمنية في أن المنطقة أصبحت تحتوي على عدة جبهات يمكن أن تتصل ببعضها في وقت واحد. فاستمرار الحرب والضغط العسكري في فلسطين، إلى جانب التوتر في لبنان، والوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية، يضع حدودًا غير مستقرة بين ساحات المواجهة. وفي سوريا تحديدًا، لا يقتصر الصراع على البعد السوري الداخلي، وإنما تتقاطع فيه المصالح الإسرائيلية والتركية والإيرانية والأمريكية، بما يجعل سوريا ساحة يمكن أن تنتقل إليها تداعيات أي تصعيد يقع في جبهة أخرى.
وفي غزة، تبقى قضية نزع سلاح المقاومة هي النقطة الجوهرية التي لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تفصيلًا عابرًا في مسار التهدئة، وإنما باعتبارها أحد أهم الملفات القابلة لإعادة تفجير الأوضاع في قطاع غزة، وفي كل فلسطين، ثم في المنطقة. فبينما تتمسك فصائل المقاومة بسلاحها وترفض التخلي عنه، ترى إسرائيل أن نزع سلاح المقاومة يمثل شرطًا أساسيًا لأي ترتيبات مستقرة في القطاع. ولذلك، فإن استمرار الخلاف حول هذه القضية يعني بأن الأوضاع العسكرية قد تتفجر مجددًا في أي وقت إذا تعذر الوصول إلى صيغة مقبولة بشأن مستقبل سلاح المقاومة.
أما الأردن، فيجد نفسه في موقع جغرافي شديد الحساسية؛ فهو يقع بين فلسطين وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، ويرتبط أمنيًا وعسكريًا بالولايات المتحدة وأصبح مقرًا لأعداد متزايدة من القوات والأسلحة والطائرات الأمريكية، ويتأثر بصورة مباشرة بأي تطورات في الضفة الغربية أو غزة أو الجنوب السوري. ولذلك فإن اتساع الصراع في الشام قد يضع الأردن أمام ضغوط متزامنة؛ أمنية وعسكرية من جهة، وضغوط سكانية واقتصادية وسياسية من جهة أخرى. وإذا تزامنت هذه الضغوط مع تراجع القدرة على ضبط الحدود أو تدفقات النزوح أو تهديد المصالح الحيوية، فإن التأثير قد ينتقل من محيط الأردن إلى استقراره الداخلي، بما يهدد أيضًا الاستقرار الإقليمي.
والأخطر في هذه المنطقة هو التنافس الإسرائيلي – التركي داخل الساحة السورية . فكلما توسعت المصالح الأمنية لكل طرف في سوريا، زادت احتمالات الاحتكاك بينهما، خصوصًا إذا أصبحت دمشق ومناطق النفوذ المحيطة بها جزءًا من ترتيبات أمنية متعارضة. أُنظر دراسة المعهد المصري : (من التنافس إلى الاحتكاك: تركيا وإسرائيل في بيئة أمنية متغيرة بين سوريا وشرق المتوسط). ولا يعني ذلك أن مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا أمر حتمي، لكن استمرار التنافس على شكل الدولة السورية ومستقبل انتشار القوى العسكرية فيها يمكن أن يحول سوريا إلى إحدى أهم ساحات اختبار النفوذ بين قوتين إقليميتين، بما يزيد تعقيد المشهد ويجعل أي أزمة سورية قابلة للارتباط بصراعات أوسع.
وهنا تظهر التداعيات الاقتصادية باعتبارها أحد أهم مداخل الفوضى المحتملة. فالحروب الممتدة في غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب اضطراب العراق، لا تؤثر فقط في القدرات العسكرية للدول، وإنما تضرب حركة التجارة والاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار. وكلما اتسعت دائرة عدم الاستقرار، ارتفعت تكلفة النقل والتأمين، وتراجعت جاذبية الاستثمار، وتزايدت احتياجات إعادة الإعمار، بينما تتحمل الدول المحيطة أعباء إضافية مرتبطة بالنزوح والأمن وحماية الحدود.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن إعادة الإعمار نفسها قد تتحول إلى ساحة من ساحات الصراع. فحجم الاحتياجات في غزة ولبنان وسوريا، وفي المستقبل العراق، يتطلب تدفقات مالية ضخمة، بينما ترتبط عملية الإعمار بالاستقرار السياسي والأمني، وبمن يسيطر على الأرض ومن يملك القرار. وإذا استمرت الانقسامات الداخلية والتنافس الإقليمي، فقد يصبح التمويل وإعادة الإعمار جزءًا من أدوات النفوذ، بدل أن يكونا مجرد مسارين اقتصاديين، وهو ما قد يطيل أمد الأزمات بدل إنهائها.
كما أن اضطراب هذه المنطقة يمكن أن يؤثر في ممرات التجارة والطاقة والربط البري بين الخليج وشرق المتوسط وتركيا. فالعراق وسوريا والأردن تمثل جغرافيًا حلقات وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا والبحر المتوسط، وأي اضطراب طويل في هذه البيئة يرفع كلفة الحركة التجارية ويحد من الاستثمارات العابرة للحدود ويعطل مشروعات الربط والنقل والطاقة. وبذلك تتحول الجغرافيا الاقتصادية نفسها إلى عامل من عوامل التأثر بالصراع.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحرب يفرض على دول المنطقة زيادة الإنفاق على الدفاع والأمن وحماية الحدود والمنشآت الحيوية، في وقت تحتاج فيه إلى موارد ضخمة لإعادة الإعمار ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المنافسة على الموارد يمكن أن تصبح أحد عوامل عدم الاستقرار؛ فكلما طال الصراع، زادت تكلفة الأمن، وتراجعت المساحة المتاحة للتنمية، وازدادت الضغوط على الموازنات العامة، خصوصًا في الدول الأكثر هشاشة اقتصاديًا.
ومن زاوية أوسع، فإن الشام يمثل نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدث عندما تتقاطع التحالفات الإقليمية مع الجغرافيا العسكرية. فإسرائيل تسعى إلى بناء بيئة أمنية جديدة حولها، وتركيا تتحرك لحماية مصالحها ونفوذها في سوريا، وإيران تحاول استعادة نفوذها المفقود في سوريا والحفاظ على نفوذها وشبكاتها الإقليمية، بينما تظل الولايات المتحدة لاعبًا عسكريًا وأمنيًا مؤثرًا. وفي المقابل، تحاول دول المنطقة إعادة بناء مؤسساتها وقدراتها بعد سنوات من الحروب والانقسامات. وبالتالي فإن أي تغير كبير في ميزان القوى في إحدى الساحات قد يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة التموضع والتحالف، وهو ما يعيد إنتاج الصراع بصورة جديدة.
وهنا تظهر مرة أخرى فكرة «حروب الأحلاف». فالحرب العالمية الأولى تقدم مثالًا تاريخيًا على الكيفية التي يمكن بها لأزمة محدودة أن تتوسع عندما ترتبط بشبكة من التحالفات والالتزامات، والحرب العالمية الثانية تقدم مثالًا آخر على انتقال الصراع بين ساحات متعددة وتشكّل جبهات وتحالفات أوسع مع اتساع الحرب. ولا يعني ذلك أن الشام يسير حتمًا نحو تكرار هاتين الحربين، وإنما تكمن دلالة المقارنة في أن الخطر لا يأتي فقط من حجم كل حرب منفردة، وإنما من قدرتها على الارتباط بحروب أخرى عبر التحالفات والمصالح والجغرافيا.
ومن ثم، فإن الخطر الأكبر في منطقة الشام ليس استمرار حرب واحدة، وإنما فقدان القدرة على فصل الحروب عن بعضها. فإذا استمرت الحرب في فلسطين، وتصاعد الضغط في لبنان، واستمر التنافس على سوريا، وبقي العراق ساحة محتملة للتجاذب الأمريكي – الإيراني، وتزايدت حساسية الأردن تجاه الضفة الغربية وسوريا، وتعمق التنافس الإسرائيلي – التركي، فإن المنطقة قد تتحول إلى شبكة أزمات متداخلة. ومع كل أزمة جديدة، تتسع دائرة الأطراف والمصالح المتأثرة بها، وتزداد احتمالات انتقال التداعيات من جبهة إلى أخرى.
وفي هذه الحالة، قد لا تحتاج الفوضى إلى قرار مركزي بإشعال حرب شاملة في منطقة الشام؛ فقد تنشأ تدريجيًا من تراكم الحروب، وتداخل التحالفات، وتراجع الاستقرار الاقتصادي، واستنزاف الموارد، واتساع الفجوات الاجتماعية، وتعدد القوى المسلحة، وضعف قدرة بعض الدول على احتكار القرار الأمني. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال هو ما إذا كانت هناك حرب في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو العراق، وإنما ما إذا كانت هذه الحروب قد أصبحت أجزاء من منظومة واحدة يصعب احتواؤها.
وبذلك، فإن منطقة الشام قد تكون إحدى أكثر المناطق قابلية للانتقال من تعدد الصراعات إلى الفوضى المركبة؛ لأن العامل العسكري فيها يتداخل مع العامل الأمني والاقتصادي والاجتماعي، بينما تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات وتزايدت الروابط بين الساحات، فقد تنتقل المنطقة من مرحلة الاستنزاف الممتد إلى مرحلة حروب الأحلاف المتداخلة، بما يجعل الشام أحد المحاور الرئيسية في الانتقال من الفوضى الإقليمية إلى الفوضى الشاملة التي يمثلها السيناريو الثالث في هذا التقدير كما سنذكر لاحقًا.
3- منطقة الشمال الإفريقي – مصر وليبيا: إعادة تشكيل البيئة الأمنية واحتمالات انتقال الصراع إلى الفوضى
تمثل مصر وليبيا بيئة أمنية مترابطة بحكم الجوار الجغرافي وطول الحدود والمصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة، ولذلك فإن أي تصعيد واسع في الإقليم يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على البلدين معًا، سواء من خلال انتقال الضغوط الأمنية والعسكرية، أو عبر التأثير في حركة التجارة والطاقة والاستثمار والهجرة. وتزداد أهمية هذه العوامل في ظل استمرار حالة الانقسام الليبي، وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية داخل ليبيا، بالتوازي مع تعرض مصر لضغوط متزايدة على حدودها الشرقية والغربية والجنوبية.
تتجاوز تداعيات التصعيد الإقليمي على مصر حدود كل ساحة على حدة، إذ تتداخل الضغوط القادمة من الجبهة الشرقية مع المخاطر المرتبطة باستمرار الانقسام الليبي غربًا، بما يضع الأمن القومي المصري أمام بيئة إقليمية متشابكة يصعب فصل مساراتها. فعلى الحدود الشرقية، لا تقتصر أهمية التغيرات الميدانية الإسرائيلية في محيط قطاع غزة على ما تفرضه من اعتبارات أمنية مباشرة، بل ترتبط أيضًا باحتمالات اتساع المواجهة أو تجدد موجات النزوح، وما قد يترتب عليها من ضغوط إضافية على مصر. وفي الوقت نفسه، يمكن لأي تصعيد إقليمي واسع أن يفاقم الضغوط الاقتصادية المصرية من خلال اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وتراجع ثقة المستثمرين، وارتفاع تكاليف التجارة والطاقة. وتكمن الخطورة في تزامن هذه التداعيات مع استمرار التوترات الأمنية على الحدود، بما يجعل الأزمة الإقليمية مصدرًا لضغوط متزامنة على موارد الدولة وقدرتها على إدارة المخاطر، ويعزز احتمالات انتقال آثار الصراع من ساحاته المباشرة إلى الداخل المصري.
أما ليبيا، فتمثل الجبهة الغربية التي يمكن أن تنتقل عبرها تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي إلى مصر، ليس فقط بفعل طول الحدود المشتركة، وإنما أيضًا نتيجة استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتداخل المصالح الخارجية. وتقدم مرحلة ما بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 مثالًا واضحًا على هذا الترابط؛ فقد أدى انهيار منظومة السيطرة على مخازن السلاح وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب إلى تدفق أسلحة من ليبيا إلى مصر، ووصل بعضها إلى شبه جزيرة سيناء، حيث أسهم انتشار الأسلحة المتطورة والذخائر في تعقيد البيئة الأمنية ورفع مستوى التهديد الذي واجهته القوات المصرية. وقد وثّقت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا مسارات لتهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية، وأشارت إلى أن بعض الأسلحة التي وصلت إلى سيناء كانت من النوع الموجود في الترسانات الليبية. وتكشف هذه التجربة أن تداعيات الفوضى في ليبيا لا تبقى محصورة داخل أراضيها، بل يمكن أن تتحول إلى تهديد مباشر للأمن المصري، عبر تعزيز قدرات الجماعات المسلحة، وتنشيط شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، وخلق مسارات لانتقال السلاح والمقاتلين بين بؤر الصراع.
وتتضاعف هذه المخاطر إذا استمر الانقسام الليبي وتحوّلت البلاد إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية، بما قد يفضي إلى إعادة تسليح أطراف محلية أو تغيير موازين القوى بينها، أو استخدام الأراضي الليبية منصةً لتوسيع النفوذ الإقليمي. وفي هذه الحالة، لا تواجه مصر مجرد خطر حدودي تقليدي، بل احتمال نشوء بيئة ممتدة من عدم الاستقرار تتداخل فيها الصراعات المحلية مع الحسابات الخارجية، وتنتقل آثارها عبر الحدود في صورة أسلحة وتهديدات أمنية وضغوط اقتصادية وبشرية. كما أن استمرار اضطراب ليبيا يعرقل فرص بناء ترتيبات أمنية مستقرة على الحدود، ويجعل إدارة التهديدات أكثر كلفة وتعقيدًا، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع تصعيد على الجبهة الشرقية أو اضطراب أوسع في البحر الأحمر.
ومن منظور الإضطراب الإقليمي، تكمن أهمية الحالة المصرية في أن المخاطر لا تنبع بالضرورة من اندلاع مواجهة واحدة واسعة، بل من تزامن أزمات متعددة على حدود الدولة ومحيطها الإقليمي، بحيث يعزز كل منها آثار الأخرى. فاضطراب ليبيا قد يفتح المجال أمام انتقال السلاح والتهديدات عبر الحدود الغربية، بينما قد يؤدي التصعيد في غزة ومحيطها إلى زيادة الضغط الأمني والسياسي على الحدود الشرقية، في الوقت الذي تتأثر فيه الموارد الاقتصادية المصرية باضطراب الملاحة والتجارة والاستثمار. وإذا استمرت هذه المسارات بالتوازي، فقد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى توزيع مواردها وقدراتها على تحديات متزامنة، بدلًا من التعامل مع كل أزمة في نطاق منفصل. ومن ثم، فإن استقرار ليبيا واحتواء التصعيد على الجبهة الشرقية لا يمثلان ملفين منفصلين بالنسبة إلى مصر، بل عنصرين مترابطين في منع انتقال الفوضى الإقليمية إلى الداخل المصري واتساع نطاقها.
كما أن استمرار الانقسام في ليبيا لا يعني فقط احتمال تجدد القتال، وإنما يخلق بيئة تسمح بتراكم عوامل عدم الاستقرار، من الصراع على المؤسسات والموارد إلى التنافس على مناطق النفوذ والمنشآت النفطية. وأي اضطراب واسع في إنتاج النفط أو تصديره يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز ليبيا، بالنظر إلى أهمية الطاقة الليبية بالنسبة إلى الأسواق الإقليمية، في الوقت الذي يمكن أن تؤدي فيه الأزمات الأمنية إلى زيادة الضغوط على الحدود المصرية وإلى ارتفاع تكلفة تأمينها.
وتزداد أهمية منطقة مصر وليبيا عند ربطها بالجنوب المصري والحرب في السودان. فاستمرار الحرب السودانية يضع ضغوطًا إضافية على الحدود الجنوبية لمصر، سواء بسبب تدفقات اللاجئين، أو نشاط شبكات التهريب، أو انتقال السلاح، أو احتمال تمدد الصراع إلى مناطق أقرب إلى الحدود المصرية. وترتفع احتمالات التوتر إذا استمر دعم قوات حميدتي في السودان بتسهيلات عسكرية قادمة من شرق ليبيا الذي تسيطر عليه عائلة حفتر.
وبذلك تجد مصر نفسها أمام بيئة أمنية متعددة الاتجاهات: ضغط شرقي مرتبط بالحرب في غزة والتطورات على الحدود مع إسرائيل، وضغط غربي مرتبط بعدم الاستقرار في ليبيا، وضغط جنوبي مرتبط باستمرار الحرب في السودان، إلى جانب ضغوط اقتصادية داخلية تجعل قدرة الدولة والمجتمع على تحمل صدمات إقليمية متزامنة أكثر حساسية.
ومن منظور أوسع، فإن اجتماع هذه الضغوط في البيئة المصرية يوضح كيف يمكن أن تنتقل تداعيات الصراعات من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، ثم تعود مرة أخرى لتؤثر في البيئة الأمنية. فالحرب الإقليمية لا تحتاج إلى أن تصل إلى الأراضي المصرية بصورة مباشرة حتى تفرض تكلفة كبيرة عليها؛ يكفي أن تضرب طرق التجارة والملاحة والاستثمار والطاقة أو أن ترفع أعباء الحدود والأمن والهجرة، حتى تجد الدولة نفسها أمام أزمة متعددة الأبعاد.
بالتالي، بالنسبة إلى ليبيا ومصر معًا، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا، بالتوازي مع تصاعد الضغوط على مصر من الشرق والجنوب، يمكن أن يجعل منطقة شمال إفريقيا والبحر المتوسط جزءًا متصلًا من منظومة الأزمات الإقليمية. وإذا تزامنت هذه التطورات مع استمرار الحروب في المشرق والخليج والقرن الإفريقي، فإن تعدد بؤر الصراع وتداخلها قد يؤدي إلى انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى، بما يرفع احتمالات تشكل بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا، ويقرب المنطقة تدريجيًا من سيناريو الفوضى الشاملة.
4- منطقة القرن الإفريقي: انتقال الصراع إلى الضفة الإفريقية للبحر الأحمر:
تمثل منطقة القرن الإفريقي أكثر المناطق ارتباطًا بالتطورات العسكرية والأمنية في البحر الأحمر واليمن والخليج من خارج الجزيرة العربية، حيث تقع على الضفة الغربية لمضيق باب المندب، وتضم من بلدان المشرق السودان وإثيوبيا والصومال وإريتريا، وهي دول ترتبط فيما بينها بممرات ومصالح أمنية واقتصادية متشابكة. ولذلك فإن استمرار الحروب في السودان وإثيوبيا، بالتزامن مع تصاعد الصراع في اليمن واتساع نفوذ أنصار الله الحوثي على الساحل الغربي لليمن، يجعل منطقة القرن الإفريقي جزءًا متزايد الأهمية من منظومة الصراع الإقليمي، وليس مجرد ساحة منفصلة عنه.
ويكتسب هذا الترابط أهمية أكبر مع التقارير التي تتحدث عن تنامي التقارب بين أنصار الله الحوثي وحركة الشباب في الصومال. وتشير تقارير أممية إلى أن العلاقة بين الطرفين اتخذت طابعًا براجماتيًا يقوم على تبادل الأسلحة والتدريب والخبرات، مع بحث حركة الشباب عن قدرات عسكرية أكثر تطورًا، مقابل تمكين الحوثيين من نفوذ مهم على الضفة الأخرى من مضيق باب المندب. كما تشير تقديرات حديثة إلى أن هذا التعاون يتجاوز مجرد شبكات التهريب التقليدية، مع وجود اتصالات وتبادل للأفراد والتدريب.
تكتسب التوافقات المتنامية بين أنصار الله الحوثيين وحركة الشباب أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد تبادل السلاح أو الخبرات، لأنها تنشئ قناة تعاون بين قوتين مسلحتين تنشطان على جانبي خليج عدن والبحر الأحمر. وتشير تقارير أممية وأمريكية إلى تطور العلاقة من اتصالات وعمليات تهريب إلى تعاون يشمل نقل الأسلحة والخبرات الفنية والتدريب، بما في ذلك مجالات الطائرات المسيّرة والمتفجرات، مع انتقال عناصر من حركة الشباب إلى مناطق خاضعة للحوثيين في اليمن، وتحرك عناصر وخبراء حوثيين إلى الصومال.
وتكمن الأهمية العسكرية لهذه التوافقات في إمكانية أن يستفيد كل طرف من المجال الجغرافي والخبرة العملياتية للطرف الآخر؛ فالسيطرة الحوثية على أجزاء من الساحل اليمني تمنح الحركة منفذًا مباشرًا على خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بينما تمتلك حركة الشباب حضورًا ممتدًا في السواحل والمناطق الجنوبية للصومال. وإذا استمر هذا التعاون وتوسع، فقد يؤدي إلى زيادة تعقيد البيئة الأمنية على جانبي باب المندب وخليج عدن، وفتح المجال أمام انتقال القدرات والتقنيات والخبرات بين ساحتي اليمن والقرن الأفريقي، بما يجعل التهديد البحري والأمني أكثر ترابطًا بين المنطقتين. ومع ذلك، فإن الأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى تعاون متنامٍ وذي طابع عملي ومصلحي، وليس بالضرورة إلى تحالف استراتيجي متكامل بين الطرفين.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التطور في أنه ينقل جزءًا من الصراع الحوثي من الضفة الآسيوية للبحر الأحمر إلى الضفة الإفريقية منه. فالحوثيون، الذين عززوا وجودهم على الساحل الغربي لليمن واقتربوا من باب المندب، باتوا يمتلكون إمكانية بناء علاقات مع فاعل مسلح موجود على الجانب الآخر من خليج عدن. هذا لا يعني بالضرورة نشوء تحالف عسكري متكامل بين الطرفين، إذ ما تزال طبيعة العلاقة محدودة وبراجماتية وفق بعض التقييمات، لكنه يفتح المجال أمام نشوء شبكة تعاون يمكن أن تزيد الضغط على الملاحة والأمن البحري في باب المندب وخليج عدن.
وهنا تظهر خطورة انتقال الصراع من السيطرة على مناطق برية إلى التأثير في الممرات البحرية. فباب المندب لا يمثل مجرد ممر بحري بين اليمن وإفريقيا، وإنما يمثل حلقة وصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي تدهور مستمر في أمنه يرفع تكلفة النقل والتأمين ويؤثر في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، كما يمكن أن يدفع الشركات إلى تغيير مسارات السفن وزيادة زمن وتكلفة الرحلات. ومع تزامن ذلك مع التوتر في مضيق هرمز، يصبح الضغط على أهم الممرات البحرية التي تربط الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب جزءًا من منظومة واحدة.
وتبرز الصومال بوصفها إحدى أهم النقاط التي تتقاطع فيها أزمات القرن الإفريقي مع صراعات البحر الأحمر واليمن، خصوصًا في ظل الانقسام الفعلي بين الحكومة المركزية في مقديشو وإقليم صوماليلاند الذي أعلن انفصاله عام 1991، مع بقائه غير معترف به دوليًا كدولة مستقلة حتى اعتراف إسرائيل به في ديسمبر 2025. وتكتسب صومالي لاند أهمية استراتيجية استثنائية بسبب موقعها على خليج عدن، وميناء بربرة، المقابل جغرافيًا للساحل اليمني والقريب من باب المندب، وهو ما جعلها خلال السنوات الأخيرة مجالًا للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. وقد ارتبطت صومالي لاند بعلاقات وثيقة مع الإمارات، التي تدير ميناء ومرافق بربرة عبر شركة موانئ دبي العالمية، بينما انتقلت علاقتها مع إسرائيل خلال 2026 إلى مستوى أمني واستراتيجي أوسع بعد الاعتراف الإسرائيلي الرسمي، مع إعلان مسؤولين في صوماليلاند عن تلقي قواتها تدريبًا إسرائيليًا، في وقت نفت فيه صومالي لاند وجود قاعدة إسرائيلية لديها.
وتزداد خطورة هذا التطور لأنه يأتي في الوقت نفسه الذي يتوسع فيه الصراع الحوثي على الضفة الأخرى من خليج عدن، ويتبلور فيه تقارب بين أنصار الله الحوثي وحركة الشباب، بما يعني أن الساحة الصومالية أصبحت مرتبطة مباشرة بالصراع في اليمن من جهتين متقابلتين. فمن ناحية، يملك الحوثيون قدرة على التأثير في أمن باب المندب والساحل اليمني، ومن ناحية أخرى تتحرك حركة الشباب داخل الصومال، بينما تتحول صومالي لاند وبربرة إلى نقطة جذب للتعاون الأمني والعسكري الإماراتي والإسرائيلي. وبذلك لم يعد الصراع في الصومال مجرد صراع داخلي على السلطة أو قضية انفصال بين مقديشو وهرجيسا، وإنما أصبح جزءًا من صراع أوسع على البحر الأحمر وخليج عدن والموانئ والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي، تشارك فيه أطراف عدة.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن استمرار هذا المسار قد يدفع الصومال إلى مزيد من الاستقطاب، بحيث تتقاطع الخلافات الداخلية مع التنافس الخارجي، ويتحول الانقسام بين مقديشو وصومالي لاند إلى إحدى ساحات الصراع بين القوى الإقليمية والدولية. وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف الحكومة الصومالية من العلاقات الإماراتية مع صومالي لاند، وصولًا إلى إلغاء مقديشو في يناير 2026 عددًا من الاتفاقات مع الإمارات، معتبرة أن بعض تحركات أبوظبي تمس وحدة الصومال وسيادته. وفي المقابل، ترى صومالي لاند أن علاقاتها مع الإمارات وإسرائيل تمثل فرصة لتعزيز موقعها الدولي وترسيخ استقلالها الفعلي. وهنا يتحول الخلاف الداخلي الصومالي إلى عامل يمكن أن يغذي الاستقطاب الإقليمي بدلًا من أن يبقى محصورًا داخل الحدود الصومالية.
يزيد من احتمالات التوتر والإشتعال التواجد العسكري التركي والمصري الكبيرين نسبيًا في الصومال، ما يزيد من احتمال تورط كليهما في النزاعات الجارية حاليًا في من طقة القرن الأفريقي.
ومن ثَمَّ، فإن الصومال يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تشكل الفوضى الإقليمية من خلال تداخل عدة صراعات في مساحة جغرافية واحدة: صراع الحكومة المركزية مع حركة الشباب، والانقسام بين مقديشو وصومالي لاند، والتنافس على الموانئ والممرات البحرية، والتقارب الحوثي مع حركة الشباب، والحضور الإماراتي والإسرائيلي، وكذلك التركي والمصري، والتنافس الأوسع على البحر الأحمر وخليج عدن. وإذا استمرت هذه المسارات في الاتجاه نفسه، فإن الصومال لن يكون مجرد ساحة متأثرة بالفوضى الإقليمية، بل قد يصبح إحدى المساحات التي تنتجها وتعيد تصديرها إلى محيطها، خصوصًا أن أي اضطراب في خليج عدن أو بربرة أو باب المندب يمكن أن ينتقل سريعًا من المجال الأمني إلى الملاحة والتجارة والطاقة والاستثمار، بما يربط الأزمة الصومالية مباشرة بالاقتصاد الإقليمي والدولي. وتصبح هذه الصورة أكثر خطورة مع احتمال تفاعلها مع الحرب في اليمن وأزمات السودان وإثيوبيا وإريتريا، بما يجعل القرن الإفريقي بأكمله جزءًا من منظومة واحدة من الصراعات المتداخلة، وهي البيئة التي يمكن أن تدفع المنطقة تدريجيًا نحو الفوضى الشاملة.
أما السودان، فإن استمرار الحرب وتعدد خطوط القتال والدعم الخارجي يجعل البلاد إحدى أهم نقاط انتقال الاضطراب من وسط إفريقيا إلى البحر الأحمر. فاستمرار الصراع يضغط على الدولة والاقتصاد ويزيد حركة النزوح واللجوء، ويخلق بيئة يمكن أن تتداخل فيها شبكات السلاح والتهريب مع الصراعات القائمة في دول الجوار، خاصة في ظل الدعم الذي تقدمه إثيوبيا لقوات الدعم السريع في حملتها على الجيش السوداني في ولاية النيل الأزرق في السودان، مع وجود معسكر للمرتزقة بتمويل إماراتي داخل الحدود الإثيوبية. ومع استمرار الحرب لفترة أطول، تصبح الحدود والممرات البرية والبحرية أكثر عرضة للاستخدام من جانب أطراف مسلحة وشبكات غير نظامية، بما يزيد صعوبة الفصل بين الأزمة السودانية وبقية أزمات القرن الإفريقي.
يأتي تشكيل ائتلاف يضم سبع جماعات معارضة ومسلحة لمواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، في وقت لا تزال فيه التوترات المرتبطة بتيجراي والأمهرة والأورومو تؤثر في الاستقرار الداخلي. وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بسبب تزامنها مع المعارك في السودان، ولا سيما في إقليم النيل الأزرق المحاذي للأراضي الإثيوبية. وقد تناول تقدير موقف نشره المعهد المصري في 23 سبتمبر التداخل بين النزاعين، مشيراً إلى أن الصراعات لا تزال منفصلة من حيث بنيتها الداخلية وأطرافها المباشرة، إلا أن التحالفات المسلحة وحركة المقاتلين والدعم الخارجي والتوترات الحدودية تضعها ضمن بيئة أمنية إقليمية مشتركة. ولا تزال طبيعة العلاقات العملياتية بين الأطراف المختلفة بحاجة إلى توثيق، كما لا تعني مؤشرات الترابط القائمة أن اندلاع حرب إقليمية شاملة أصبح أمراً محسوماً. وجهت إثيوبيا اتهامات لإريتريا والسودان ومصر بالتدخل لدعم الفصائل المعارضة، في مقابل الاتهامات السودانية لإثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع، واتهامات إريتريا لإثيوبيا بالتخطيط لاختراقات في الإراضي الإريترية للوصول إلى موطئ قدم في ميناء عصب على البحر الأحمر، فضلًا عن الاتهامات المصرية المستمرة لإثيوبيا بالسعي للضغط عليها من خلال ملف سد النهضة، وحرمانها من جزء من حصتها التاريخية في مياه نهر النيل. اتسعت هذه المناوشات السياسية إلى طرد كل طرف دبلوماسيين من الأطراف الأخرى بوصفهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم، ووصل الأمر إلى قطع شامل للعلاقات الدبلواسية بين إريتريا وإثيوبيا.
في إثيوبيا، استمرار الصراعات الداخلية وتعدد الجبهات يضيف عاملًا آخر إلى عدم الاستقرار الإقليمي، خصوصًا مع ارتباط إثيوبيا بمصالح استراتيجية في البحر الأحمر، وبملف سد النهضة والعلاقات مع السودان ومصر، إضافة إلى علاقتها المتوترة أو المتغيرة مع بعض دول الجوار. ولذلك فإن أي تدهور طويل الأمد في الوضع الإثيوبي لا يبقى محصورًا داخل الحدود الإثيوبية، بل يمكن أن يؤثر في حركة التجارة والحدود والهجرة والأمن المائي، وأن يضيف ضغطًا جديدًا إلى بيئة إقليمية تعاني أصلًا من تعدد الأزمات.
أما إريتريا، فتكتسب أهميتها من موقعها المباشر على البحر الأحمر وقربها من باب المندب، وهو ما يجعلها طرفًا مهمًا في أي إعادة تشكيل للبيئة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ومع ازدياد الوجود العسكري والتنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والممرات البحرية، فإن الموقع الجغرافي لإريتريا يمنحها أهمية تتجاوز حجمها السكاني والاقتصادي، ويجعل أي تغير في علاقاتها الإقليمية أو العسكرية قابلًا للتأثير في توازنات البحر الأحمر.
وتزداد خطورة المشهد مع اتهام أديس أبابا القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها حتى عمق 60 كيلومترًا، في حين تنفي أسمرة مسؤوليتها عن دعم التحالف المعارض، وتتهم الحكومة الإثيوبية بالسعي إلى السيطرة على منفذ بحري إريتري. هذه التطورات قد تشير إلى أن إثيوبيا قد تدخل في حرب مع إريتريا في الفترة المقبلة إذا إستمرت الحرب الداخلية في إثيوبيا، وزاد الضغط على الحكومة الفيدرالية. كما أعلنت إثيوبيا، يوم الخميس 01 أكتوبر 2026، إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة، وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين من أديس أبابا، لترد إريتريا بإعلان قطع كل العلاقات الدبلوماسية معها. وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، إنها أغلقت سفارتها في إريتريا بسبب “أعمال عدائية وتصعيدية مباشرة وغير مباشرة تقوم بها إريتريا ضد إثيوبيا”.
وهنا يتجاوز الصراع حدوده الداخلية، ليصبح مرتبطًا بمصالح إقليمية متشابكة، في مقدمتها مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر، ومخاوف إريتريا من أن يتحول هذا الهدف إلى تحرك عسكري يستهدف ميناء عصب، فضلًا عن الخلافات المرتبطة بسد النهضة وموازين القوى في حوض النيل والقرن الإفريقي. وفي هذا السياق، قد ترى أسمرة أن استمرار الضغط على الحكومة الإثيوبية عبر جبهة تيغراي، أو عبر دعم خصومها إن ثبت ذلك، من شأنه استنزاف القوات الفيدرالية وإشغالها عن التوجه نحو الحدود الإريترية أو محاولة فرض ترتيبات جديدة للوصول إلى البحر.
تتقاطع مخاوف مصر والسودان والصومال بدرجات متفاوتة مع بعض هذه الحسابات، سواء فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، أو الخلاف على مياه النيل، أو رفض فرض ترتيبات إقليمية أحادية؛ وقد انعكس هذا التقاطع في تكثيف التشاور بينهما وبين إريتريا، لكنه لا يوجد دليل على وجود توافق كامل بينها على إسقاط الحكومة الإثيوبية أو التدخل عسكريًا لإضعافها.
وفي هذا السياق، اتهمت إثيوبيا مصر بأنها تدعم المعارضة الإثيوبية المسلحة، في مؤشر واضح على توتر العلاقة بين أديس أبابا والقاهرة بشكل أكبر. فإثيوبيا ومصر تشهد علاقاتهما منذ فترة تدهورًا كبيرًا بسبب ملف سد النهضة، الذي تعاملت فيه إثيوبيا بشكل أحادي، بما لا يراعي التحفظات والمخاوف المصرية. وأعلنت إثيوبيا يوم الخميس 1 أكتوبر 2026، أن أحد أعضاء الطاقم الدبلوماسي المصري في أديس أبابا، أحمد محرم أحمد سليمان، شخص غير مرغوب فيه، وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، بحسب خطاب وجهته وزارة الخارجية الإثيوبية إلى السفارة المصرية في العاصمة الإثيوبية. كل ذلك قد يكون مؤشرًا على تدهور أكبر في العلاقة بين مصر وأديس أبابا، قد تكون له تداعيات وأشكال أخرى خلال المرحلة المقبلة بين البلدين، في ظل إعلان إثيوبيا أنها ستقوم ببناء سدود أخرى إلى جانب سد النهضة على نهر النيل.
وفي المقابل، فإن اتهام حكومة أبي أحمد للمعارضة بامتلاك خطوط دعم خارجية لا يعني أن الحكومة الإثيوبية تخوض هذه المواجهة معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي؛ فأديس أبابا تمتلك بدورها شبكة من العلاقات الخارجية التي يمكن أن توفر لها دعمًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا في مواجهة التحالف المعارض المكوّن من سبع قوى مسلحة. وقد ظهر هذا الدعم بصورة أوضح مع إعلان الإمارات دعمها للحكومة الإثيوبية في مواجهة التصعيد الجاري، في وقت تملك فيه إسرائيل أيضًا علاقات أمنية واستراتيجية مع إثيوبيا، بما يجعل احتمال توظيف هذه العلاقات في دعم موقف الحكومة قائمًا بحسب تطورات الصراع.
ومن هنا، فإن دخول الصراع مرحلة تتداخل فيها خطوط الدعم الخارجية من الجانبين المتحاربين في إثيوبيا قد يدفع المواجهة إلى تصعيد أكبر، بحيث لا تبقى الحرب شأنًا إثيوبيًا داخليًا، وإنما تتحول تدريجيًا إلى صراع تتقاطع فيه مصالح وأدوار أطراف إقليمية متعددة. وفي المقابل، فإن توسع الدور الإريتري في دعم المعارضة، إذا انتقل من الدعم غير المباشر إلى مشاركة عسكرية أكثر وضوحًا، قد يفتح جبهة جديدة أمام الحكومة الإثيوبية ويزيد من احتمالات اتساع الحرب جغرافيًا. ويزداد هذا الاحتمال أهمية في ظل تدهور العلاقات الإثيوبية الإريترية إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في الأول من أكتوبر، بعد اتهامات إثيوبية لأسمرة بدعم التحالف المعارض، وهي اتهامات تنفيها إريتريا.
وفي حال استمرت هذه الحلقة من التصعيد وتداخل الدعم الخارجي مع الانقسامات الداخلية، فقد تتحول الأزمة إلى حالة فوضى أوسع في القرن الإفريقي، وتتقاطع الحروب الأهلية الطاحنة في إثيوبيا والسودان لتصبح حربًا كبيرة واحدة (كما رصدت الورقة التي نشرها المعهد المصري حول هذا الموضوع).
وتتداخل هذه التطورات مع العامل الاقتصادي بصورة مباشرة. فالقرن الإفريقي يعتمد بدرجات مختلفة على الموانئ والتجارة البحرية وتحويلات العاملين والمساعدات والاستثمارات الخارجية، بينما يؤدي استمرار الحروب إلى تدمير البنية التحتية وتعطيل التجارة وزيادة الإنفاق الأمني والعسكري وتوسيع أزمة النزوح. وفي المقابل، فإن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن يرفع تكلفة التجارة والطاقة والغذاء بالنسبة إلى دول المنطقة، بما يعني أن استمرار الصراع البحري يمكن أن يتحول إلى عامل إضافي في تعميق الأزمات الاقتصادية الداخلية.
والأخطر أن التقارب الحوثي مع حركة الشباب يوضح بصورة عملية كيف يمكن للصراع أن ينتقل من ساحة إلى أخرى دون انتقال الجيوش النظامية نفسها. فالتدريب والسلاح وشبكات التهريب والتمويل والمعلومات يمكن أن تنتقل عبر الحدود والممرات البحرية، لتنشأ بيئة أمنية مترابطة تمتد من اليمن إلى الصومال، ومن باب المندب إلى خليج عدن، وتتقاطع معها أزمات السودان وإثيوبيا وإريتريا. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد يصبح من الصعب التعامل مع كل أزمة باعتبارها صراعًا مستقلًا عن الآخر.
ومن هنا تبرز منطقة القرن الإفريقي باعتبارها إحدى المناطق التي يمكن أن يظهر فيها بوضوح مفهوم حروب الأحلاف وتداخل الساحات. فبدل أن تبقى الحرب في اليمن حربًا يمنية، أو الحرب في السودان حربًا سودانية، أو الأزمة الصومالية أو الإثيوبية أزمات داخلية، يمكن أن تبدأ المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية للأطراف المختلفة في الارتباط ببعضها، بحيث يؤدي التصعيد في ساحة إلى فتح مساحة جديدة للضغط في ساحة أخرى. وهذه هي الآلية التي يمكن أن تحول تعدد الصراعات من مجموعة أزمات منفصلة إلى منظومة اضطراب إقليمية واحدة.
وبذلك فإن الخطر على منطقة القرن الإفريقي لا يتمثل فقط في استمرار الحروب القائمة، وإنما في تحول المنطقة إلى مساحة تتقاطع فيها الصراعات العربية والإفريقية والبحرية، وتتشابك فيها شبكات الدول والجماعات المسلحة والممرات التجارية والمصالح الاقتصادية. وكلما زاد هذا الترابط، أصبحت أي أزمة جديدة قادرة على تغذية أزمات أخرى، وهو ما يرفع احتمالات انتقال المنطقة تدريجيًا من حالة الاستنزاف المتعدد إلى حالة أوسع من الفوضى الإقليمية، وصولًا إلى سيناريو الفوضى الشاملة الذي تختبره هذه الدراسة.
5- امتداد الصراعات على كامل الإقليم:
في هذا الجزء الأخير من دراسة تداعيات التطورات في الشهور الماضية، نتطرق إلى الإرتباط الشامل بين جميع أجزاء منطقة المشرق؛ بمعنى الحديث عن ارتباط الصراعات واحتمالات امتدادها بين عناصر الإقليم، بحيث يتم النظر في نهاية المطاف إلى الإقليم بكامله كوحدة واحدة، حيث أن طبيعة الصراعات القائمة حاليًا، وامتداداتها الإقليمية، تجعل ما يحدث من تطورات أو اضطرابات في أحد أجزاء الإقليم مؤثرًا على الأجزاء الأخرى بشكل كبير، وهو ما يزيد من احتمالات امتداد الصراعات إلى كامل الإقليم، بشكل أو بأخر.
وقد ازداد اهتمام كبار المحللين مؤخرًا بموضوع الربط بين الصراعات القائمة. كمثال على ذلك، نشر الكاتب إيثان ثارور مؤخرًا مقالًا مهمًا في مجلة النيويوركر، بعنوان: “القتال في إثيوبيا هو جزء من صراع أكبر بكثير“، ربط فيه بين جميع صراعات المنطقة، حيث ذكر أن الحرب في إثيوبيا أصبحت متشابكة مع الحرب السودانية، والخلاف الإثيوبي–الإريتري، والتنافس مع مصر والصومال، وصراعات النفوذ بين الإمارات والسعودية وقطر وتركيا وإسرائيل، في إطار أوسع يتمحور حول البحر الأحمر والموانئ والموارد والممرات الاستراتيجية. وقد تحدث عما وراء هذه الشبكة من صراعات ومصالح قوى إقليمية تشمل الإمارات والسعودية وقطر وتركيا ومصر، ويقول إنها تتحرك في قوس من الصراع والفرص يمتد من ليبيا إلى اليمن، مدفوعاً بالتنافس على الممرات البحرية والموارد، بما فيها النفط والمعادن الحيوية والمياه، إضافة إلى النفوذ السياسي.
مثال أخر مما كتبه الأكاديمي الأمريكي البارز هال براندز، في مقال نشرته له بلومبيرج، حيث يرى أن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح فرعي لأزمات الشرق الأوسط بل نقطة التقاء بين حروب الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والتنافس الدولي، ونموذجاً لما قد يبدو عليه النظام العالمي الأكثر فوضوية في السنوات المقبلة. وذكر أنه بينما يتركز الاهتمام العالمي على مضيق هرمز، فإن البحر الأحمر لا يقل أهمية؛ فهو يصل المحيط الهندي بالمتوسط، وآسيا بأوروبا، عبر باب المندب وخليج عدن وقناة السويس. وفي الظروف الطبيعية يمر عبره نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية ونحو خمسة ملايين برميل نفط يومياً، إضافة إلى معظم كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط أوروبا بآسيا.
لذلك، كما يذكر براندز، فإن فهم هذه المنطقة يبدأ برسم خريطتها بصورة صحيحة؛ فلا يمكن فهم حرب اليمن بعيداً عن الصومال والسودان وإثيوبيا، ولا فهم أمن الخليج من دون متابعة المصالح السعودية والإماراتية والتركية والإيرانية والصينية والروسية والغربية الممتدة إلى أفريقيا. لهذا يعتبر البحر الأحمر مختبراً مصغراً للنظام العالمي الجديد: تجارة وطاقة وكابلات رقمية وقواعد عسكرية وقوى عظمى ومتوسطة ودول هشة وحروب أهلية ووكلاء مسلحون ومنافسة على الموانئ والموارد. وهو ليس مجرد طريق بديل لهرمز، بل منظومة استراتيجية واحدة تضم باب المندب والسويس وينبع وجيبوتي والسودان والصومال وأرض الصومال وإثيوبيا وإريتريا. الجديد في بناء براندز أن أفريقيا لم تعد هامشاً جغرافياً لحروب الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءاً منها؛ خصومات وتحالفات الخليج تنتقل إلى القارة، والصراعات الأفريقية تعود لتؤثر في أمن الخليج والملاحة.
دراستنا للتطورات المختلفة وتداعياتها قادتنا إلى نفس القناعة، حيث لا يمكن استشراف مستقبل المنطقة واحتمالات انزلاقها إلى حالة الفوضى الشاملة التي نتوقعها من خلال دراسة الأزمات والصراعات كلٌّ على حدة، بل يتطلب الأمر تحليل الروابط التي تجمع بينها، وكيف يمكن لتصعيد في ساحة واحدة أن يطلق تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية، فتتفاعل مع أزمات قائمة في ساحات أخرى وتزيد من صعوبة احتوائها.
لا تكمن خطورة المرحلة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط في تعدد الصراعات والأزمات فحسب، بل في احتمالات تحوّلها إلى أزمات مترابطة يؤثر بعضها في بعض، وتتجاوز تداعياتها الحدود الجغرافية والسياسية للساحات التي نشأت فيها. فالأزمة التي تبدأ في منطقة قد تتحول إلى عامل ضغط على منطقة أخرى، ثم تتفاعل مع صراعات قائمة وتوازنات هشة، بما يخلق سلسلة من التداعيات المتبادلة التي يصعب احتواؤها من خلال معالجة كل أزمة بمعزل عن غيرها.
من هنا، فإن بحث احتمالات الفوضى الشاملة يتطلب الانتقال، بعد دراسة الأوضاع داخل كل دولة ومنطقة فرعية، إلى تحليل شبكة العلاقات التي تربط مناطق الإقليم، وتحديد الكيفية التي يمكن بها للتصعيد العسكري، وتداخل التحالفات، والتنافس على النفوذ والممرات الاستراتيجية، والضغوط الاقتصادية والأمنية، أن تتفاعل لتنتج حالة إقليمية أوسع من عدم الاستقرار. فالمسألة لا تتعلق بمجرد اتساع حرب قائمة، وإنما باحتمال أن يؤدي اتساعها إلى تحريك أزمات أخرى، ثم تتحول هذه الأزمات بدورها إلى عوامل تغذية للتصعيد الأصلي.
في هذا السياق، تبرز الحرب الأمريكية الإيرانية بوصفها نقطة ارتكاز محتملة لتوسّع المواجهة إقليميًا، في ظل تشابك المصالح والتحالفات وتعدد جبهات الصراع، من الشام والخليج إلى القرن الإفريقي وشمال إفريقيا. وينطلق هذا التحليل من فرضية أن الخطر لا يكمن في تعدد الأزمات وحده، بل في تحوّلها إلى منظومة من الضغوط المتبادلة التي قد تتجاوز قدرة الدول على احتوائها، بما يفتح المجال أمام انتقال المنطقة من صراعات متفرقة إلى حالة أوسع من الفوضى وعدم الاستقرار.
ولذلك تمثل الحرب الأمريكية الإيرانية نقطة انطلاق أساسية لتحليل مسارات التصعيد المحتملة، بالنظر إلى ارتباطها بعدد من ساحات الصراع. إلا أنها لا تمثل وحدها تفسيرًا كافيًا لاحتمالات انفجار الفوضى الشاملة في كامل المنطقة؛ فهذه الاحتمالات تتوقف على طبيعة التفاعل بين الحرب والتوازنات الإقليمية، ومدى قدرة الدول على احتواء تداعياتها، وما إذا كانت الأزمات المتزامنة ستظل قابلة للفصل والمعالجة، أم ستتحول إلى منظومة واحدة تتعزز فيها الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية بصورة متبادلة.
وعليه، يركز هذا القسم من الدراسة على بحث كيفية تطور الصراعات وانتقالها واتساع نطاقها حتى تدخل في إطار فوضوي شامل، وذلك من خلال تتبع الروابط بين مناطق الإقليم بشكل تتابعي، وليس إعادة استعراض أوضاعها منفردة، وصولًا إلى تحديد العوامل التي قد تدفع منطقة المشرق من حالة تعدد الأزمات إلى حالة من الاضطراب الإقليمي المتشابك الذي تتجاوز تداعياته قدرة دولة واحدة، أو مجموعة من الدول، على احتوائه منفردة.
أ: الحرب الأمريكية الإيرانية واختبار قدرة الإقليم على احتواء الأزمات
تتمثل نقطة الخطر الإقليمية الأولى في أن الحرب الأمريكية الإيرانية لا تجري داخل حدود جغرافية مغلقة، بل تتصل بساحات متعددة تتباين فيها طبيعة الأطراف ومصالحها، لكنها تتأثر جميعًا بمستوى التصعيد بين واشنطن وطهران، والذي سينعكس بطبيعة الحال على باقي دول الخليج. ولذلك، فإن اتساع المواجهة لا يُقاس فقط بحجم الضربات المتبادلة أو عدد الدول المنخرطة فيها، وإنما بمدى قدرتها على تغيير حسابات الفاعلين في ساحات أخرى، ودفعهم إلى إعادة تحديد مواقفهم وتحركاتهم وفقًا لتطورات الحرب.
وتكشف التطورات الإقليمية أن أحد أخطر مسارات التصعيد يتمثل في انتقال المواجهة أفقيًا، أي من ساحة الحرب الأساسية إلى جبهات أخرى، بما يزيد عدد الأزمات المتزامنة ويجعل التعامل مع كل واحدة منها، ثم معها جميعًا، أكثر صعوبة. فالتصعيد في الخليج يمكن أن يتزامن مع تحركات في اليمن والعراق ولبنان، بينما يؤدي اتساع التهديدات البحرية إلى إدخال أمن التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية في صلب المواجهة واتساعها ليشمل القرن الإفريقي والشام وما وراءها.
لكن الانتقال من تعدد الجبهات إلى الفوضى الشاملة ليس تلقائيًا. فالعامل الحاسم هو ما إذا كانت هذه الجبهات ستظل أدوات ضغط محدودة يمكن احتواؤها، أم ستتحول إلى أزمات متزامنة تتغذى بعضها من بعض. فعندما يؤدي التصعيد في ساحة إلى رد فعل في ساحة أخرى، ثم يستدعي الرد تدخلًا إضافيًا من قوى إقليمية ودولية، قد تتراجع قدرة الأطراف على التحكم في مسار المواجهة، حتى إن لم يكن أي منها يسعى إلى حرب إقليمية مفتوحة.
وفي هذا السياق، تكتسب طبيعة ما يمكن وصفه بـ”حروب الأحلاف” أهمية خاصة. فوجود علاقات سياسية وعسكرية بين إيران وقوى مسلحة في المنطقة يتيح انتقال التأثير بين ساحات مختلفة، لكنه لا يعني أن جميع هذه القوى تتحرك وفق قيادة مركزية واحدة؛ إذ تتداخل حساباتها الإقليمية مع اعتبارات محلية مستقلة نسبيًا. ومن ثم، قد يؤدي التصعيد إلى تنشيط أكثر من جبهة، بينما قد يفتح خفض التصعيد المجال أمام تهدئة بعضها، دون أن يضمن تسوية الصراعات المحلية أو إنهاء أسبابها.
وهنا تبدأ آلية مقدمات الفوضى الشاملة، عندما تصبح تسوية الأزمة في ساحة رهينة لتطورات ساحة أخرى، ويتحول احتواء التصعيد إلى عملية مترابطة تتطلب تفاهمات تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة. وإذا تزامن ذلك مع ضعف قنوات الاتصال، وتراجع الثقة، وتعدد مراكز القرار، فقد يصبح ضبط التصعيد أصعب من اتخاذ قرار التصعيد نفسه.
ومن هنا ننتقل إلى الساحة التالية.
ب: من الخليج إلى الشام واليمن والعراق.. انتقال الأزمات بين الجبهات
لا ينبغي النظر إلى الخليج والشام واليمن والعراق باعتبارها ساحات منفصلة، فالتطورات في إحداها قد تعيد تشكيل الحسابات الأمنية والسياسية في البقية. ويتضح ذلك عندما تتزامن المواجهة الأمريكية الإيرانية مع تجدد القتال في لبنان، واستمرار هشاشة الوضع الفلسطيني، وتعدد القوى المسلحة المتحفزة في العراق، وتصاعد الصراع في اليمن. عندئذ لا تكون المسألة مجرد اتساع جغرافي للحرب، بل احتمال نشوء ارتباط متبادل بين الجبهات يجعل التصعيد في إحداها سببًا لتصعيد في الأخرى.
فإذا توسعت المواجهة في الخليج، قد تزداد الضغوط على القوى المرتبطة بإيران لتحديد موقفها، سواء عبر الانخراط المباشر أو رفع مستوى الضغط في ساحات أخرى. وفي المقابل، قد يؤدي استهداف المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في الشام أو العراق إلى توسيع نطاق الردود العسكرية، بما يعيد التأثير إلى الساحة الخليجية. وهكذا تتكون حلقة تصعيد متبادل، لا تتطلب بالضرورة وجود قرار موحد بين جميع الأطراف، بل يمكن أن تنتج من تفاعل قرارات مستقلة تتقاطع آثارها.
أما اليمن، فيحتل موقعًا بالغ الحساسية في هذه المعادلة، لأن تأثيره لا يقتصر على الصراع الداخلي أو التنافس السعودي الإيراني، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب، ويرتبط بذلك بأمن الملاحة المتجهة إلى قناة السويس. وقد حذرت تحليلات حديثة من أن تزامن التصعيد في اليمن مع اضطراب مضيق هرمز يضاعف الضغوط على منظومة النقل البحري والطاقة، ويجعل البحر الأحمر امتدادًا مباشرًا للأزمة الخليجية.
ومن هنا، فإن خطورة تزامن الأزمات في هذه الساحات تكمن في أن كل تصعيد جديد قد يضيّق الخيارات المتاحة أمام الأطراف الأخرى. فالتصعيد في لبنان قد يستدعي تحركات إضافية في العراق، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر قد يدفع دول الخليج إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، بينما قد تؤدي هجمات على المصالح الأمريكية إلى توسيع التدخل الخارجي. وإذا تزامنت هذه المسارات مع غياب تسوية سياسية في فلسطين وتصعيد في قطاع غزة والضفة، فإن الإقليم يصبح أمام بيئة أكثر قابلية لتكاثر بؤر الصراع وتداخلها.
ولا يعني ذلك أن هذه الساحات ستتحرك بالضرورة في اتجاه واحد؛ فقد تدفع الكلفة المتزايدة للحرب بعض الأطراف إلى التهدئة، وقد تستخدم أطراف أخرى التفاوض في ساحة لتخفيف الضغط في ساحة مختلفة. لكن هذه الإمكانية نفسها تؤكد الترابط: فمسارات التصعيد والتهدئة باتت قابلة للتأثير المتبادل، ولا يمكن تقدير فرص الاستقرار في جبهة بمعزل عن التطورات في الجبهات الأخرى، وعن دوافع التصعيد أو التهدئة لدى الأطراف المختلفة. وتبدأ الفوضى الشاملة في الاقتراب عندما لا تعود الجبهات المتعددة قابلة للإدارة بصورة منفصلة، ويصبح كل تحرك لاحتواء أزمة معرضًا لإعادة إشعال أزمة أخرى.
ج: البحر الأحمر والقرن الإفريقي.. الجسر الذي يصل أزمات الشرق الأوسط بإفريقيا
يمثل البحر الأحمر أحد أهم المساحات التي تتقاطع فيها أزمات الشرق الأوسط مع صراعات القرن الإفريقي؛ فهو ليس مجرد ممر ملاحي، بل مجال تتداخل فيه اعتبارات الأمن العسكري، والتنافس على الموانئ والنفوذ، وأمن الطاقة والتجارة، والعلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. وتنبع خطورته من أنه يربط الخليج واليمن بشرق إفريقيا ومصر وشرق المتوسط، ما يجعل أي اضطراب واسع فيه قابلًا للانتقال بين مناطق مختلفة، حتى إن لم تكن أطرافها منخرطة مباشرة في الحرب الأصلية.
فإذا أدى التصعيد في الخليج إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فقد تزداد الأهمية الاستراتيجية للمسارات البديلة عبر البحر الأحمر، لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن البحر الأحمر سيصبح أكثر أمانًا؛ إذ إن تصاعد الصراع في اليمن أو تهديد باب المندب يمكن أن ينقل الضغط من أحد الممرين إلى الآخر، ويحوّل الأزمة من اضطراب في مسار بحري إلى اضطراب متزامن في مسارات التجارة والطاقة. وبذلك تتجاوز التداعيات حسابات الدول المطلة على الخليج لتصل إلى مصر، التي تتأثر حركة التجارة عبر قناة السويس وأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية بما يجري على امتداد هذا المسار البحري.
غير أن الترابط لا يقتصر على انتقال تداعيات الحرب من الشرق الأوسط إلى القرن الإفريقي، بل يسير أيضًا في الاتجاه المعاكس. فالتوترات بين إثيوبيا وإريتريا، والصراعات الداخلية الإثيوبية، والحرب السودانية، والتنافس على النفوذ في الصومال والمناطق الساحلية، كلها عوامل يمكن أن تزيد هشاشة البيئة الأمنية حول البحر الأحمر. وتوضح التطورات الأخيرة في القرن الإفريقي كيف تتقاطع النزاعات المحلية مع التنافس الإقليمي على الموانئ والوصول إلى البحر، ومع الاصطفافات الخارجية المتباينة.
وتكمن الخطورة هنا في احتمال تفاعل مسارين متزامنين: تصعيد قادم من الشرق الأوسط يرفع أهمية البحر الأحمر ويزيد التنافس على تأمينه أو التأثير فيه، واضطرابات داخل القرن الإفريقي تجعل السيطرة على البيئة المحيطة بالممرات البحرية أكثر تعقيدًا. وإذا تزامن ذلك مع ضعف التنسيق بين الدول المعنية، فقد تتحول المنافسة على النفوذ إلى ضغوط عسكرية متبادلة، أو دعم أطراف محلية متنافسة، أو توسيع نطاق الاستقطاب الإقليمي.
وفي هذه الحالة، لا يعود القرن الإفريقي ساحة بعيدة عن أزمات الشرق الأوسط، بل يصبح جزءًا من منظومة التأثير المتبادل بين الخليج والبحر الأحمر وشمال إفريقيا. وقد تجد الدول نفسها مضطرة إلى توزيع مواردها السياسية والأمنية على أكثر من اتجاه، في وقت تتزايد فيه التهديدات البحرية والضغوط الاقتصادية والمخاطر الحدودية.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للفوضى الشاملة، أن المنطقة التي تبدو في البداية ساحة ثانوية قد تتحول، بفعل موقعها الجغرافي وتشابك مصالح القوى فيها، إلى عامل يضاعف أزمات ساحات أخرى، ثم تتضاعف تداعياتها بدورها على الإقليم كله.
د: شمال إفريقيا.. انتقال الضغوط إلى مصر وليبيا
تتصل شمال إفريقيا بمنظومة الأزمات الإقليمية من خلال مسارات متعددة، أبرزها أمن البحر الأحمر وقناة السويس، والتطورات في السودان والقرن الإفريقي، والتعقيدات المتعلقة بملف سد النهضة، والتنافس على النفوذ في ليبيا، فضلًا عن تداعيات اضطراب أسواق الطاقة والتجارة. ولذلك، فإن ما يجري في الخليج أو القرن الإفريقي لا يبقى محصورًا في نطاقه، بل قد يتحول إلى عامل مؤثر في حسابات مصر الأمنية والاقتصادية، وفي البيئة الاستراتيجية المحيطة بليبيا.
بالنسبة إلى مصر، يتجاوز أثر اضطراب البحر الأحمر وقناة السويس خسائر الإيرادات المباشرة؛ إذ يرتبط أيضًا بحرية الحركة التجارية، وكلفة النقل، وأمن الحدود والامتدادات الاستراتيجية جنوبًا وشرقًا. وإذا تزامن الضغط على الممرات البحرية مع تصاعد التوترات في السودان والقرن الإفريقي، فإن القاهرة قد تواجه مجموعة من التحديات المتداخلة، تتطلب إدارة متزامنة لأمن الحدود، والعلاقات الإقليمية، والتوازنات العسكرية، والضغوط الاقتصادية. وتكمن الخطورة في تراكم هذه الملفات في توقيت واحد، وليس فقط في أي ملف منها منفردًا.
أما ليبيا، فتمثل حلقة أخرى في الترابط الإقليمي؛ إذ إن استمرار الانقسام السياسي والعسكري يجعلها أكثر تأثرًا بتغير علاقات القوى الخارجية، وبانتقال التنافس الإقليمي إلى ساحات جديدة. وقد يؤدي اتساع المواجهات في مناطق أخرى إلى إعادة ترتيب أولويات بعض الأطراف الخارجية أو تغيير مستوى دعمها لحلفائها المحليين، بما ينعكس على التوازنات الليبية. لكن ذلك يظل مسارًا احتماليًا يتوقف على قرارات الفاعلين، ولا يعني أن أي تصعيد في الشرق الأوسط سيؤدي تلقائيًا إلى تجدد الحرب في ليبيا.
وتتضح أهمية هذا الترابط عندما ننظر إلى مصر وليبيا والسودان والقرن الإفريقي باعتبارها فضاءً استراتيجيًا متصلًا، لا مجموعة ملفات منفصلة. فتدهور الوضع في السودان قد يزيد الضغوط على الحدود المصرية، وتصاعد التنافس في القرن الإفريقي، والاتهامات الإثيوبية بسعي مصر والسودان لدعم عدم الإستقرار في إثيوبيا، واتهام مصر والسودان لإثيوبيا بالتلاعب في ملف المياه، كل ذلك قد يؤثر في حسابات الأمن المائي والبحري، بينما يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام الليبي إلى تعقيد البيئة الأمنية في شمال إفريقيا. إذا تزامنت هذه التطورات مع أزمة ممتدة في الخليج والبحر الأحمر، فإن قدرة الدول على توزيع مواردها واهتمامها بين هذه التحديات تصبح أكثر تعرضًا للاختبار.
وبذلك لا يتمثل الخطر في افتراض أن جميع هذه الأزمات ستنفجر في وقت واحد، بل في أن تزامنها قد يقلل قدرة الدول على التعامل مع كل أزمة على حدة، ويجعل احتواء أزمة في إحدى الجهات أكثر صعوبة بسبب الضغوط الناشئة في جهة أخرى. وهذه إحدى الآليات التي يمكن أن تنتقل من خلالها الاضطرابات المتفرقة إلى حالة إقليمية أوسع من عدم الاستقرار.
ه: من التشابك العسكري إلى انتقال الفوضى عبر الاقتصاد والطاقة
لا تتحول الأزمات العسكرية المترابطة إلى فوضى إقليمية شاملة من خلال العمليات القتالية وحدها؛ إذ قد تنتقل آثارها إلى بقية الإقليم عبر الاقتصاد والطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، بما يوسع دائرة الدول المتضررة، حتى تلك التي لا تشارك مباشرة في الحرب. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة عندما تتزامن اضطرابات الممرات البحرية مع ارتفاع كلفة الطاقة والتأمين والنقل، وتراجع الثقة في استقرار الأسواق، وزيادة الأعباء المالية على الدول.
فإذا امتد اضطراب الملاحة من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، فإن التداعيات لن تقتصر على الدول المصدرة للطاقة أو الدول المطلة على هذه الممرات، بل ستشمل الدول التي تعتمد على التجارة البحرية أو تستورد الطاقة والسلع الأساسية. وقد تتعرض اقتصادات إقليمية لضغوط متزامنة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع إيرادات بعض الأنشطة المرتبطة بالتجارة والسياحة والخدمات اللوجستية. وتُظهر التحليلات المتعلقة بتشابك صراعات البحر الأحمر والقرن الإفريقي أن اضطراب الممرات البحرية يمكن أن يتفاعل مع أزمات إقليمية قائمة، فيضاعف آثارها الاقتصادية والأمنية.
وتبرز الخطورة عندما تتحول الضغوط الاقتصادية إلى عامل يزيد هشاشة الأوضاع الداخلية. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الموارد المالية، وتزايد الإنفاق الأمني والعسكري، قد تضيق معها قدرة بعض الحكومات على تمويل الخدمات العامة أو الاستجابة للأزمات الاجتماعية. وإذا تزامنت هذه الضغوط مع نزاعات داخلية أو ضعف مؤسسات الدولة أو انقسامات سياسية حادة، فقد تتراجع قدرة الحكومات على احتواء التوترات، وتزداد قابلية الأوضاع الداخلية للتدهور.
وهنا تظهر حلقة تغذية متبادلة بين الأمن والاقتصاد: فالتصعيد العسكري يرفع الكلفة الاقتصادية، والضغوط الاقتصادية تضعف قدرة بعض الدول على الاستجابة، وتراجع القدرة على الاستجابة يزيد مخاطر عدم الاستقرار، بينما قد يدفع عدم الاستقرار أطرافًا داخلية وخارجية إلى استغلال الفراغ أو توسيع نفوذها. وبذلك تصبح التداعيات الاقتصادية جزءًا من آلية اتساع الفوضى، لا مجرد نتيجة لاحقة للحرب.
ومع ذلك، لا يعني ارتفاع الأسعار أو اضطراب التجارة أن الفوضى الشاملة أصبحت حتمية؛ فالأثر يتفاوت بحسب قدرة كل دولة على امتصاص الصدمات، وتنويع مصادر الطاقة والتجارة، وتوفير الاحتياطيات المالية، والتنسيق مع الشركاء الإقليميين. لكن كلما تزامنت الصدمات الاقتصادية مع أزمات أمنية وعسكرية متعددة، ازدادت احتمالات تحولها إلى عامل يضاعف الاضطراب بدلًا من أن يظل أثرها محدودًا.
و: متى يتحول تعدد الأزمات إلى فوضى شاملة
إن وجود حروب متزامنة، أو توترات بين الدول، أو تنافس على النفوذ، لا يكفي وحده لوصف الوضع بأنه يتجه إلى الفوضى الشاملة. فالفارق الأساسي يكمن في طبيعة العلاقات بين الأزمات، ومدى قدرة النظام الإقليمي على منع انتقالها من ساحة إلى أخرى، والحفاظ على حد أدنى من التنسيق والاحتواء.
يقصد بمفهوم الفوضى الشاملة في هذه الدراسة حالة إقليمية تتجاوز مجرد وجود عدد كبير من الحروب أو الأزمات في وقت واحد، إلى مرحلة تصبح فيها هذه الأزمات مترابطة وظيفيًا، بحيث يؤدي التصعيد في إحدى الساحات إلى زيادة الضغوط أو تغيير الحسابات في ساحات أخرى. وفي هذه الحالة، لا يعود من الممكن احتواء كل أزمة بصورة مستقلة، لأن أدوات الصراع نفسها – من التحالفات والقوى المسلحة إلى الممرات البحرية والطاقة والتجارة والنزوح والضغوط الاقتصادية – تتحول إلى قنوات لنقل آثار الأزمة عبر الإقليم.
وعليه، لا يشترط لقيام حالة الفوضى الشاملة انهيار الدول أو اندلاع حرب واحدة تضم جميع الأطراف، وإنما يكفي أن ترتفع درجة الترابط بين الصراعات إلى المستوى الذي تصبح فيه قدرة النظام الإقليمي على الفصل بين الأزمات واحتوائها أقل من سرعة انتقال تداعياتها. وبهذا المعنى، فإن الفارق بين «تعدد الأزمات» و«الفوضى الشاملة» هو أن الأولى تسمح ببقاء الأزمات منفصلة نسبيًا، بينما تتحول في الثانية إلى منظومة تغذي فيها كل أزمة أزمات أخرى وتحد من قدرة الأطراف على استعادة السيطرة على مسار التصعيد.
يمكن تحديد أربعة شروط رئيسية قد تجعل التحول لحالة الفوضى الشاملة أكثر احتمالًا:
أولها، تزامن التصعيد في ساحات متعددة مع غياب آليات فعالة لاحتوائه. فإذا اتسعت المواجهة الأمريكية الإيرانية بالتزامن مع تصعيد في الشام واليمن والخليج، وازدياد التوترات في القرن الإفريقي، فإن تعدد الجبهات قد يشتت الموارد والاهتمام السياسي والعسكري، ويزيد احتمالات سوء التقدير.
وثانيها، تحول التحالفات إلى قنوات لنقل الصراع بدلًا من احتوائه. فحين تؤدي الروابط بين الدول والقوى المسلحة إلى انتقال المواجهة من ساحة إلى أخرى، قد يصبح التصعيد في جبهة سببًا لفتح جبهة جديدة. ولا يتطلب ذلك تطابق مصالح جميع الأطراف؛ بل قد ينشأ من تفاعل قرارات منفصلة، أو من ردود فعل متبادلة لم يكن أي طرف يخطط لتداعياتها الكاملة.
وثالثها، تراجع قدرة الدول على احتواء الضغوط المتزامنة. فكلما تزامنت التحديات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والأمنية والحدودية، ازدادت صعوبة تخصيص الموارد والاستجابة لكل ملف. وتكون المخاطر أكبر في الدول التي تعاني أصلًا من انقسامات داخلية أو مؤسسات ضعيفة أو صراعات ممتدة.
أما الشرط الرابع، فهو تراجع فرص التسوية والتنسيق الإقليمي. فحتى مع تعدد الأزمات، يمكن للدبلوماسية والتفاهمات الأمنية أن تمنع انتقالها إلى صراع أوسع. لكن إذا تراجعت قنوات الاتصال، وفقدت الأطراف الثقة في الوساطات، وأصبحت التسويات في ساحة مرتبطة بمواقف متصلبة في ساحات أخرى، فقد تتقلص فرص احتواء التصعيد.
وعند اجتماع هذه العوامل، قد تتكون حلقة من الأزمات المتبادلة والمتسلسلة: كل أزمة تزيد الضغوط على بقية الساحات، وكل استجابة لها تنتج تداعيات إضافية، بينما تتراجع قدرة الدول على كسر هذه الحلقة. وعند هذه النقطة، لا تعود الفوضى الشاملة مجرد اتساع رقعة القتال، بل تصبح حالة من الاضطراب المتشابك الذي تتفاعل فيه الصراعات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتتراجع فيه قدرة النظام الإقليمي على منع انتقال الأزمات واحتوائها. في هذه الأجواء، تنتظر سلسلة الأزمات الشرارة، التي يمكن أن تكون حادثًا بسيطًا في الظروف العادية، لكي ينفرط العقد وتصبح الأمور خارج نطاق السيطرة.
مقياس الاقتراب من الفوضى الشاملة
يمكن تقدير درجة اقتراب المنطقة من الفوضى الشاملة أو ابتعادها عنها من خلال مقياس يشمل خمسة متغيرات رئيسية:
مستوى التصعيد العسكري في الساحات الكبرى؛ ودرجة انتقال الصراع بين الجبهات المختلفة؛ ومدى تحول الممرات البحرية والطاقة والتجارة إلى أدوات للصراع؛ وقدرة الدول على امتصاص الضغوط الاقتصادية والأمنية والاجتماعية المتزامنة؛ وأخيرًا قدرة الوساطات وقنوات الاتصال والترتيبات الإقليمية على منع انتقال التصعيد من ساحة إلى أخرى.
ولا يحمل أي متغير من هذه المتغيرات بمفرده دلالة كافية على الانتقال إلى الفوضى الشاملة. فقد تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا حادًا في ساحة معينة مع بقاء بقية الساحات تحت السيطرة، أو تواجه اضطرابًا اقتصاديًا واسعًا دون أن يتحول إلى أزمة أمنية. إلا أن الخطورة ترتفع عندما تتحرك عدة مؤشرات في الاتجاه نفسه وفي توقيت متقارب؛ أي عندما يتزامن اتساع العمليات العسكرية مع انتقالها إلى ساحات جديدة، واضطراب الممرات والطاقة، وتراجع قدرة الدول على امتصاص الصدمات، وفشل آليات الاحتواء السياسي والدبلوماسي. وعندئذ يصبح الانتقال من حالة الاستنزاف إلى حالة الفوضى أكثر احتمالًا.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين السيناريو التحليلي والواقع القائم؛ فتداخل الأزمات يرفع مخاطر التصعيد، لكنه لا يثبت أن الإقليم يتجه حتمًا إلى انهيار شامل. فقد تدفع الكلفة المتزايدة للحرب بعض الأطراف إلى التهدئة، وقد تؤدي الوساطات أو التفاهمات الجزئية إلى فصل بعض المسارات عن بعضها، حتى مع استمرار أزمات أخرى.
لكن التطورات الراهنة، وفقًا للمسارات التي تناولتها الدراسة، تشير إلى محدودية فرص التوصل إلى تسويات مستدامة في جميع مناطق النزاع، بما يبقي احتمالات التصعيد قائمة بقوة ويعزز مخاطر انتقاله من ساحة إلى أخرى.
ففي إيران، ما زالت المواجهة مع الولايات المتحدة محكومة بأدوات الضغط العسكري والبحري؛ إذ يستمر الحصار الأمريكي، في مقابل الإجراءات الإيرانية في مضيق هرمز واستهداف السفن التي لا تلتزم بتعليمات طهران، وفق المعطيات المطروحة، وتتواتر الأنباء عن تحضيرات أمريكية وإسرائيلية لضربة ساحقة وشيكة. ويشير استمرار هذه الإجراءات المتبادلة إلى أن الخيار العسكري لا يزال حاضرًا، وأن انتهاء مرحلة من المواجهة لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب أو معالجة أسبابها. كما أن فرص التوصل إلى تسوية تعالج جذور الصراع وتمنع تجدده تظل شبه معدومة ما دامت أدوات الضغط المتبادل مستمرة، وهو ما يبقي احتمال العودة إلى تصعيد أوسع قائمًا، خصوصًا إذا تعثرت المساعي السياسية، وهو ما يحدث على طول الخط.
وفي فلسطين ولبنان وسوريا، لا تظهر مؤشرات على تسوية مستقرة تنهي بؤر التوتر. ففي غزة، يستمر الحصار وتتواصل الخلافات بشأن الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، بما يبقي احتمالات تجدد المواجهة قائمة، ويتصاعد عنف المستوطنين والإعتداءات على السكان والممتلكات في الضفة. وفي لبنان، يثير استمرار العمليات الإسرائيلية وهدم المنازل وتهجير السكان في الجنوب، إلى جانب الخلافات بشأن تنفيذ التفاهمات، مخاطر تجدد المواجهة مع حزب الله، الذي لا تزال لديه دوافع للعودة إلى القتال إذا رأى أن الظروف تبرر ذلك. أما في الجنوب السوري، فإن استمرار التحركات والانتهاكات الإسرائيلية وتوسيع نطاق السيطرة في بعض المناطق يضعف فرص تثبيت ترتيبات أمنية مستقرة، ويضيف مصدرًا آخر للتوتر إلى بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
وفي العراق، تظل الأوضاع قابلة للتأثر بأي تصعيد واسع بين إيران والولايات المتحدة، أو بتوسع المواجهة في فلسطين ولبنان واليمن، في ظل وجود فصائل مسلحة، ترفض التخلي عن سلاحها للدولة، قد تنخرط في الصراع وفقًا لتطوراته وحساباتها. ومن شأن انتقال المواجهة إلى الساحة العراقية أن يوسع نطاقها ويزيد صعوبة احتوائها، خاصة إذا تزامن ذلك مع استهداف المصالح الأمريكية أو الخليجية، أو توسع الردود العسكرية المتبادلة.
أما القرن الإفريقي، فقد أصبحت أزماته أكثر تشابكًا، في وقت تبدو فيه فرص تسوية النزاعات عبر الدبلوماسية محدودة. ولا تقتصر خطورة هذه الأزمات على دولها، بل تمتد إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب وخطوط التجارة والملاحة، بما يربطها مباشرة بالتطورات في اليمن والخليج.
وتأتي مصر ضمن الدول التي سوف تتأثر حتمًا بتراكم هذه الضغوط، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها وحساسية موقعها من التطورات في غزة والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. فاستمرار الاضطراب في الممرات البحرية، أو اتساع المواجهات الإقليمية، قد يضيف أعباءً على التجارة والطاقة والاستثمار، ويزيد الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل من اختلالات وتحديات كبيرة.
وعليه، فإن خطورة المشهد لا تكمن في وجود أزمات متعددة فحسب، بل في تزامنها وتفاعلها مع محدودية فرص التسوية في عدد من الساحات. فاستمرار الحرب أو تجددها في ساحة واحدة قد يحفز أطرافًا في ساحات أخرى على التدخل، أو يدفعها إلى استغلال انشغال القوى الإقليمية والدولية، بما يخلق دوائر متتابعة من التصعيد يصعب احتواؤها بصورة منفردة. وهنا يبرز خطر الفوضى الشاملة بوصفها نتيجة محتملة لتراكم الأزمات وتغذية بعضها بعضًا، لا باعتبارها انهيارًا مفاجئًا أو نتيجة حتمية، وإنما مسارًا يتشكل تدريجيًا كلما تراجعت فرص التسوية، واتسعت دوائر المواجهة، وعجزت الأطراف عن الفصل بين ساحات الصراع واحتواء تداعياتها المتبادلة.
تتمثل الخلاصة الأساسية إذن لهذا الجزء من الدراسة في أن احتمالات الفوضى الشاملة في منطقة المشرق لا يمكن تقديرها من خلال قياس خطورة كل أزمة منفردة، بل من خلال تحليل مدى اتصال الأزمات ببعضها، وقدرتها على نقل الضغوط من منطقة إلى أخرى، وتحويل الصراعات المحلية أو المحدودة إلى منظومة أوسع من عدم الاستقرار.
فالحرب الأمريكية الإيرانية تمثل محورًا بالغ التأثير في هذه المعادلة، لكنها لا تفسر وحدها جميع مصادر الاضطراب. إذ تتحدد تداعياتها وفقًا لعلاقتها بجبهات الشام والخليج واليمن والعراق، وبأمن الممرات البحرية، والتنافس في القرن الإفريقي، والتوازنات في شمال إفريقيا، فضلًا عن قدرة الاقتصادات والدول على امتصاص الصدمات المتزامنة. كما أن التطورات في هذه المناطق لا تظل مجرد نتائج للحرب، بل يمكن أن تؤثر بدورها في حسابات الأطراف الرئيسية، وتزيد كلفة المواجهة أو تفتح مسارات لاحتوائها.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر خطورة ليس بالضرورة اندلاع حرب واحدة تشمل جميع دول المنطقة، وإنما نشوء نظام من الأزمات المترابطة التي تغذي بعضها بعضًا، بحيث يؤدي التصعيد في إحدى الساحات إلى إضعاف الاستقرار في ساحات أخرى، ثم تعود التداعيات الجديدة لتزيد الضغط على الساحة الأولى. وفي هذه الحالة، قد تتجاوز آثار الأزمة حدود الدول المتحاربة لتطال الدول المحيطة، والممرات البحرية، وأسواق الطاقة، والاقتصادات، وقدرة المؤسسات على الحفاظ على الاستقرار.
ومن ثم، فإن رصد احتمالات اقتراب الفوضى الشاملة يتطلب متابعة مؤشرات الترابط بقدر متابعة الأحداث العسكرية نفسها: هل تتزامن الجبهات وتتبادل التأثير؟ هل تتراجع قدرة الدول على الاحتواء؟ هل تتحول الممرات البحرية والضغوط الاقتصادية إلى عوامل مضاعفة للصراع؟ وهل تظل قنوات التسوية قادرة على فصل الأزمات، أم تصبح كل تسوية رهينة لتطورات ساحات أخرى؟
إن الفوضى الشاملة لا تبدأ بالضرورة عندما تنهار جميع الدول أو تندلع الحروب في كل المناطق، بل قد تبدأ عندما تفقد الأزمات قدرتها على البقاء منفصلة، وتصبح كل واحدة منها عاملًا في تفاقم الأخرى. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يتركز عليها تقدير المخاطر: ليس افتراض حتمية الانفجار الإقليمي، وإنما تحديد الظروف التي قد تجعل احتواء أزمة واحدة غير كافٍ لمنع اتساع الاضطراب في الإقليم كله.
القسم الثالث: المسارات والسيناريوهات
الإطار المنهجي لبناء السيناريوهات
السؤال المركزي الذي ينطلق منه هذا المحور هو: هل تتجه منطقة المشرق إلى احتواء الصراعات والعودة التدريجية إلى الاستقرار، أم ستبقى في حالة من التوتر والاستنزاف والترقب، أم أن تفاعل الصراعات وانتقالها بين الساحات، وفي مقدمتها تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية، قد يدفع المنطقة إلى حالة المزيد من الإضطراب ثم الفوضى الشاملة؟
وتنطلق الدراسة في بناء السيناريوهات من متغيرين رئيسيين. الأول هو اتجاه الحروب والصراعات بين التصعيد والاحتواء، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية الأمريكية، التي أصبحت متغيرًا مركزيًا في البيئة الأمنية للمنطقة، بالنظر إلى امتداد آثارها إلى الخليج والعراق والأردن واليمن والبحر الأحمر والممرات البحرية والطاقة. أما المتغير الثاني فهو مدى ترابط الساحات الإقليمية، أي ما إذا كانت الصراعات ستبقى منفصلة نسبيًا داخل حدود كل ساحة، أم أن تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية والحرب اليمنية وصراعات القرن الإفريقي وغيرها من الصراعات ستنتقل من ساحة إلى أخرى، بحيث يصبح التصعيد في إحدى المناطق سببًا في تغيير موازين القوى أو إشعال أزمات جديدة في مناطق أخرى.
وقد اتسع أثر الحرب الإيرانية الأمريكية ليشمل بالفعل المواجهة حول مضيق هرمز، واستهداف الملاحة والطاقة، وتداعياتها على دول المنطقة، بينما لا تزال التسوية النهائية بين واشنطن وطهران غير محسومة. وتكتسب الحرب الإيرانية الأمريكية هذه الأهمية لأنها لا تمثل مجرد حرب بين دولتين، وإنما أصبحت عاملًا يؤثر في مجمل النظام الإقليمي. فاستمرارها أو احتواؤها ينعكس على أمن الخليج، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وأمن الطاقة، واليمن والبحر الأحمر، والعراق، والأردن، والعلاقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، كما يؤثر في حسابات الدول العربية التي تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع تداعيات الحرب حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيها. ولذلك فإن مسار هذه الحرب سيكون أحد المحددات الأساسية لمسار المنطقة بأكملها.
ويعتمد بناء السيناريوهات كذلك على تحديد الفاعلين الرئيسيين ومصالحهم وقدراتهم. ويأتي في مقدمتهم الولايات المتحدة وإيران باعتبارهما طرفي الحرب الرئيسية، إلى جانب إسرائيل التي ترتبط مباشرة بمسار المواجهة والدفع به إلى الإشتعال في المنطقة كلها كهدف استراتيجي، والدول الخليجية التي تتحمل جانبًا من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن القوى والفاعلين في اليمن والعراق ولبنان وسوريا والقرن الإفريقي، وبقية الدول التي يمكن أن تتأثر بتوسع الحرب. كما تشمل القراءة القوى الدولية والإقليمية التي تمتلك القدرة على التأثير في مسارات الاحتواء أو التصعيد.
ولا تقتصر عملية بناء السيناريوهات على دراسة العمليات العسكرية، وإنما تشمل أيضًا الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. فالحرب الإيرانية الأمريكية أثرت في حركة الطاقة والملاحة والتجارة، وأصبحت تكاليف الحرب والضغوط الاقتصادية جزءًا من أدوات الصراع نفسها. وقد أدى استمرار المواجهة حول مضيق هرمز إلى اضطرابات واسعة في حركة الشحن والطاقة، بما يوضح أن تداعيات الحرب تتجاوز ميدان العمليات العسكرية إلى الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
ومن ثم، فإن نقاط التحول الأساسية التي ستحدد اتجاه المنطقة تتمثل في مسار الحرب الإيرانية الأمريكية نفسها، ومدى قدرة واشنطن وطهران على الوصول إلى تسوية أو تثبيت وقف إطلاق النار، ومستقبل مضيق هرمز، ومدى استمرار التصعيد في اليمن والبحر الأحمر، واتجاه المواجهة في غزة ولبنان وسوريا والعراق، ومدى قدرة الدول الإقليمية على منع انتقال الصراع من ساحة إلى أخرى.
كما تعتمد الدراسة على مجموعة من المؤشرات المبكرة التي يمكن من خلالها تحديد اتجاه المنطقة قبل الوصول إلى النتيجة النهائية. فخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وفتح مسارات تفاوضية مستقرة، وعودة الملاحة في هرمز، وتراجع العمليات العسكرية في بقية الساحات، والتوصل لتفاهمات سياسية بين أطراف الصراعات تمثل مؤشرات على الاحتواء. وفي المقابل، فإن انهيار مسارات التفاوض، وعودة الضربات واسعة النطاق، واستمرار استهداف الملاحة والطاقة، وفتح جبهات جديدة، وانتقال العمليات إلى دول إضافية، تمثل مؤشرات على اتساع دائرة الحرب.
وبناءً على هذه المتغيرات والاتجاهات، يمكن اشتقاق ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار المنطقة، مع التأكيد على أنها يمكن أن تكون متداخلة، وهي تشكل مسارات محتملة تتحدد درجة اقتراب المنطقة منها وفقًا لتطور صراع ما وتفاعله مع بقية الصراعات.
السيناريو الأول: الهدوء والاستقرار
يقوم هذا السيناريو على نجاح مسار الاحتواء، وفي مقدمته التوصل إلى ترتيبات مستقرة أو تسوية مرحلية بين الولايات المتحدة وإيران تنهي الحرب أو تخفض مستواها بصورة كبيرة. ويشكل احتواء الحرب الإيرانية الأمريكية هنا نقطة الانطلاق الأساسية لخفض مستوى التوتر في باقي المنطقة، لأن تراجع المواجهة بين واشنطن وطهران سيقلل من دوافع انتقال الصراع إلى الساحات المرتبطة به. يقوم ذلك أيضًا على حدوث هدوء على الجبهة اليمنية، والوصول لتسوية ما في الملف اليمني، أو على الأقل ينحصر الصراع داخل الساحة اليمنية.
وفي هذا المسار، يتم التوصل إلى صيغة بشأن القضايا الرئيسية محل الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران، بما يسمح بإعادة فتح مضيق هرمز وعودة الملاحة تدريجيًا، وتراجع الضغوط على الطاقة والتجارة، بينما تتراجع الهجمات المرتبطة بالحرب في الخليج واليمن والبحر الأحمر. وتستفيد دول المنطقة من انخفاض مستوى الاستنفار العسكري وتراجع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، بما يتيح لها إعادة توجيه جزء من مواردها نحو الاقتصاد والتنمية.
يقتضي هذا فتح مسارات تفاوضية جديدة، بعد فشل جميع المحاولاتت حتى الأن، تبحث ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز بعد تلبية بعض المطالب الإيرانية، ورفع بعض الضغوط الاقتصادية، وهو ما يجعل مسار الاحتواء أحد المسارات الممكنة، وإن كان الوصول إلى تسوية مستقرة لا يزال مستبعدًا لارتباطه بخلافات جوهرية بين الطرفين.
ولا يتوقف هذا السيناريو عند الحرب الإيرانية الأمريكية، وإنما يفترض أن يؤدي احتواؤها إلى خلق مساحة لتسويات أو تفاهمات في الساحات الأخرى. فتستقر التهدئة في غزة، ويتم التعامل مع قضية سلاح المقاومة، ويتراجع التصعيد في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بينما تعود دول الخليج إلى التركيز على الاستقرار الاقتصادي والأمني بدلًا من التعامل المستمر مع تداعيات الحرب.
ويفترض هذا السيناريو أيضًا أن تبقى الساحات الإقليمية منفصلة نسبيًا، بحيث لا يؤدي أي نزاع محلي إلى إعادة إشعال الحرب الإيرانية الأمريكية أو توسيعها، أو أن يمتد إلى ساحات أخرى. كما يتراجع مستوى التدخل العسكري الخارجي، وتصبح أدوات الدبلوماسية والوساطة والضغط السياسي والاقتصادي أكثر حضورًا من الأدوات العسكرية.
وتتمثل مؤشرات الانتقال نحو هذا السيناريو في استمرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ونجاح المفاوضات، وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، وتراجع استهداف منشآت الطاقة والملاحة، وانخفاض العمليات العسكرية في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، وتثبيت التهدئة في غزة، والتوصل لتسويات في نزاعات القرن الإفريقي، أو على الأقل تنحصر على مستوى الصراعات الداخلية المحدودة، إلى جانب انخفاض مستوى الاستنفار العسكري الإقليمي.
وعلى الرغم من أن هذا هو السيناريو الذي يفترض أن يكون مرغوبًا، وفي صالح دول المنطقة، ما يُنتظر أن يدفعها للسعي إلى تحقيقه، إلا أن أفاق تحققه محدودة جدًا، حتى الأن على الأقل.
السيناريو الثاني: استمرار التوترات وحالة الاستنزاف والترقب (المسار الحالي)
يقوم هذا السيناريو على عدم قدرة الولايات المتحدة وإيران على الوصول إلى تسوية نهائية، مع عدم عودة الحرب إلى مستوى المواجهة الشاملة، وإنما تستمر من وقت لأخر في موجات من التصعيد المحدود ثم التهدئة. وبذلك تتحول الحرب الإيرانية الأمريكية إلى حالة طويلة من الاستنزاف المتبادل، تتخللها ضربات محدودة وتهديدات متبادلة وفترات من الهدوء يعقبها تصعيد جديد.
وفي هذا المسار تبقى القضية الإيرانية هي العامل المركزي في البيئة الأمنية للمنطقة، لكن من دون أن تؤدي إلى حرب إقليمية شاملة. وقد شهد مسار الحرب بالفعل فترات من وقف إطلاق النار والتفاوض ثم عودة القتال، وهو ما يوضح إمكانية استمرار المنطقة في حالة بين الحرب والتسوية. كما تشير التقديرات الحالية إلى أن الولايات المتحدة وإيران تواجهان في الوقت نفسه تكاليف عسكرية واقتصادية متزايدة، بما يجعل استمرار الاستنزاف أحد المسارات الممكنة بدلًا من الحرب الشاملة، في حال تعذر الحسم أو التسوية.
وفي هذه الحالة، تستمر الضغوط على الخليج ومضيق هرمز، وتبقى حركة الطاقة والملاحة معرضة للاضطراب، بينما يظل اليمن والبحر الأحمر والعراق والأردن وغيرها من الساحات عرضة لتداعيات الحرب. ولا يعني ذلك بالضرورة فتح جبهات جديدة بصورة واسعة (رغم أن هناك عدة جبهات مفتوحة بالفعل، لكن دون أن تتوسع إلى خارجها)، وإنما استمرار حالة التوتر التي تجعل المنطقة في حالة استعداد دائم للتصعيد.
وفي الوقت نفسه، تبقى الصراعات الأخرى دون تسويات نهائية. فقد تستمر التهدئة في غزة بصورة هشة، ويبقى ملف سلاح المقاومة نقطة قابلة لإعادة تفجير المواجهة، وتستمر المعارك في اليمن بالوتيرة الحالية من كر وفر دون تحقيق أي من الأطراف نصرًا حاسمًا، ويستمر التوتر في لبنان وسوريا والعراق، بينما تستمر أزمات السودان وإثيوبيا والصومال وليبيا بدرجات مختلفة، لكنها تظل محصورة في نطاقها الجغرافي.
ويكون العامل الاقتصادي شديد الأهمية في هذا السيناريو، لأن استمرار الحرب الإيرانية الأمريكية لفترة طويلة يعني استمرار اضطراب الطاقة والملاحة والتجارة، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وزيادة الإنفاق العسكري، وهو ما يضغط على اقتصادات المنطقة حتى في غياب حرب شاملة. كما أن استمرار الاستنزاف قد يدفع الدول إلى إعادة حساباتها بشأن الاعتماد على المظلات الأمنية والتحالفات العسكرية الخارجية.
وتتمثل مؤشرات هذا السيناريو في استمرار الضربات المحدودة بين الولايات المتحدة وإيران، وفشل الوصول إلى تسوية نهائية، وعودة المفاوضات بصورة متقطعة دون اتفاق مستقر، واستمرار التوتر حول مضيق هرمز، واستمرار القتال في اليمن على الوتيرة الحالية، وبقاء البحر الأحمر والعراق والقرن الإفريقي في حالة استنفار، مع عدم انتقال الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
ويشكل هذا السيناريو، من وجهة نظرنا، وضعًا انتقاليًا وغير مستدام، يمكن أن تتحرك منه المنطقة في اتجاهين؛ فإذا نجحت جهود الاحتواء وأصبحت أكثر جدية، يمكن أن تنتقل تدريجيًا إلى سيناريو الاستقرار، أما إذا تزامن الاستنزاف مع تصاعد في وتيرة العمليات العسكرية، واتساع الروابط بين الساحات وفتح جبهات جديدة، فقد يتحول إلى مسار الإضطراب الشديد الذي قد يقود إلى الفوضى الشاملة. هذه الفوضى ليست حتمية، لكنها تصبح أكثر قابلية للتحقق كلما انتقلت المنطقة من تعدد الأزمات إلى ترابطها، ومن الاحتواء المحلي إلى التداخل الإقليمي.
السيناريو الثالث: الإضطراب الشديد والفوضى الشاملة
يمثل هذا السيناريو أخطر المسارات المحتملة، ويقوم على فشل احتواء الحرب الإيرانية الأمريكية وتحولها من حرب بين طرفين رئيسيين إلى مركز لصراعات مترابطة تمتد إلى عدة ساحات إقليمية. وفي هذه الحالة لا تعود الحرب الإيرانية الأمريكية مجرد صراع مستقل، وإنما تصبح المحرك الذي يعيد ترتيب بقية الصراعات ويدفعها إلى التداخل والتزامن.
ويبدأ هذا المسار إذا انهارت مسارات التفاوض والتهدئة بين واشنطن وطهران بشكل غير قابل للعودة، وعادت العمليات العسكرية إلى مستويات واسعة، أو اتسعت لتشمل أهدافًا ومناطق جديدة.
مسارات التفاوض متوقفة الأن بالفعل ولا تظهر أفاق جدية لاستعادتها، بينما تتواتر الدلائل على ترتيب الولايات المتحدة وإسرائيل لضربة ساحقة جديدة على إيران، مع الإختلاف على توقيتها قبل الانتخابات الإسرائيلية، أو بعدها مباشرة، أو بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، سواءً بعدها مباشرة أو قبل نهاية العام.
المتداول في التصور الأمريكي الإسرائيلي، وفقًا لمصادر كثيرة، أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستوجهان ضربة ساحقة على مدار ثلاثة أيام، تستهدف كل منصات إطلاق الصواريخ والمنشأت النووية ومنشأت الطاقة في إيران، بما يدفع النظام الإيراني للاستسلام، خاصة وأن الأزمة الإقتصادية في إيران ستكون قد استحكمت، بما يدفع الشعب الإيراني للخروج سعيًا لتغيير النظام، خاصة في ظل الوضع المأساوي الذي ستنتجه الضربة الجديدة.
من المفترض أنه قد تم جمع قدر هائل من المعلومات الاستخبارية خلال الأشهر الماضية حول جميع الأهداف المستهدفة، وفي ظل ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية أو غيابها، فالتقدير الأمريكي الإسرائيلي أن الضربة ستكون ناجحة.
هناك دوافع كثيرة لاتخاذ قرار بهكذا ضربة، منها ما يتعلق بفشل المسارات السابقة في تحقيق أهدافها، أو بانسداد أفق التسوية، أو بعوامل سياسية داخلية تتعلق بترامب ونتنياهو، أو في أهداف لأطراف معينة تسعى لتحقيقها ، خاصة في الجانب الإسرائيلي، ما تم الحديث عنه من قبل حول ما يتعلق بتغيير شكل المنطقة ككل، أو غير ذلك.
في إطار الحديث عن بدأ هذا السيناريو في التسارع، ليس من المهم دقة التقدير الأمريكي الإسرائيلي في إمكانية تحقيقها للنجاح المنشود من الضربة، وهو ما توجد شكوك كثيرة بالفعل في إمكانية تحققه، وإنما المهم هو انطلاق شرارة العملية الجديدة.
من الممكن أيضًا، في ظل تأكد القيادة الإيرانية من حتمية توجيه هذه الضربة لها، أن تتخذ قرارًا بأخذ المبادرة من جهتها، وتوجيه ضربات واسعة النطاق بعرض المنطقة.
وسواءً نجحت العملية بعد أيام قليلة، أو أدت لاشتعال المنطقة بعدها لفترة طويلة في ظل رد الفعل الإيراني المنتظر، ورد فعل الأطراف المرتبطة بها، فإن سيناريو الإضطراب الشديد والفوضى الشاملة سيكون قد انطلق بالفعل وسيصعب إيقافه. وسواءً استمر انخراط الولايات المتحدة في الحالة الفوضوية، أو انسحبت بسرعة تاركة الأطراف المختلفة في المنطقة في حالة صراع لا ينتهي، فالنتيجة واحدة بالنسبة لمنطقة الخليج؛ الفوضى الشاملة.
في هذه الحالة سيتزايد الضغط الشديد على منطقة الخليج، ويستمر غلق مضيق هرمز وتوقف الملاحة فيه بشكل كامل، ويتزايد الدمار في منطقة الخليج بكاملها، بما قد يشمله من تدمير للمنشأت النفطية ومحطات الكهرباء وتحلية المياه، فضلًا عن مراكز البيانات وكابلات الإنترنت البحرية، التي هددت طهران باستهدافها إذا تمت الضربة عليها. سيؤدي ذلك بسرعة إلى أن تتوسع تداعيات الحرب إلى المزيد من التصعيد بجر العراق للصراع، مع استهداف الأردن، والمزيد من التصعيد كذلك في اليمن والبحر الأحمر ، بما يضع جميع دول المنطقة أمام ضغوط أمنية وعسكرية شديدة. وقد أظهرت الحرب بالفعل أن استهداف الملاحة والطاقة يمكن أن يحول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى أزمة تتجاوز طرفيها، إذ طالت آثارها حركة الشحن وأسعار الطاقة والدول المحيطة بمسرح العمليات.
وفي هذه المرحلة، يمكن أن تتزامن الحرب الإيرانية الأمريكية مع عودة الحرب في غزة، أو اتساع المواجهة في لبنان وسوريا، وتفجر جبهة جديدة من صراع تركي إسرائيلي على الأراضي السورية، وتصاعد العمليات في اليمن، مع امكانية بدء تحركات حوثية برية إلى داخل المملكة، أو استهداف قوات ذهبت للدفاع عن المملكة من هجمات الحوثي مثل القوات الباكستانية والفرنسية والمصرية، مما يدفعها للانخراط بشكل أكبر في العمليات العسكرية. سيصاحب ذلك اندلاع الاضطرابات في العراق، وتفجر الأوضاع في القرن الإفريقي إذا اتصلت بصراع اليمن مع تبلور التحالف العسكري بين الحوثيين وتنظيم الشباب، ثم دخول أطراف أخرى إلى الصراع العسكري مثل تركيا إذا ما استهدفت إسرائيل سوريا بشكل أكبر، بما يجعل جميع الساحات مرتبطة بصورة مباشرة. وعندها يصبح من الصعب التعامل مع كل أزمة بصورة منفصلة، بل ستصبح أزمة إقليمية كبرى وشاملة، لأن كل تصعيد في ساحة يمكن أن ينتج رد فعل في ساحة أخرى.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا تزايد تحول الممرات البحرية ومصادر الطاقة إلى ساحات رئيسية للصراع، في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر. ففي هذه الحالة لن تقتصر تداعيات الحرب على الجيوش والقواعد العسكرية، وإنما تمتد إلى التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد والتأمين والاستثمار، وهو ما يمكن أن يحول الحرب الإقليمية إلى أزمة اقتصادية ذات آثار دولية تتداعى بسرعة.
كما يمكن أن تتفاقم الضغوط داخل الدول التي لا تشارك مباشرة في الحرب، نتيجة وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها أو قربها الجغرافي من ساحات القتال. ويصبح الأردن مثالًا على دولة يمكن أن تتحمل كلفة أمنية بسبب موقعها والتزاماتها العسكرية، بينما تتحمل مصر كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة نتيجة موقعها الجغرافي واتصالها بغزة والبحر الأحمر وقناة السويس.
وفي هذا السيناريو، لا يكون العامل الاقتصادي مجرد نتيجة للحرب، وإنما يصبح جزءًا من آلية الفوضى نفسها. فتعطل الطاقة والملاحة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية واضطراب سلاسل التوريد وتراجع التجارة والاستثمار، بينما يؤدي التدهور الاقتصادي إلى زيادة الضغوط الاجتماعية والسياسية، بما قد يضعف قدرة بعض الدول على إدارة أزماتها الداخلية. وهكذا تبدأ دائرة متبادلة بين الحرب والاقتصاد والاضطراب الاجتماعي والسياسي.
في هذه الحالة، تصبح “حروب الأحلاف” عاملًا إضافيًا في توسيع الصراع. فكلما ازدادت التحالفات والالتزامات العسكرية، يصبح من الصعب على الدول البقاء خارج الحرب إذا تعرض حلفاؤها أو قواعدها أو مصالحها للتهديد. ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من التجارب التاريخية للحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية بوصفها أمثلة على خطورة تداخل الصراعات والتحالفات، دون افتراض أن المنطقة ستكرر تلك التجارب حرفيًا. فالخطر ليس في وجود تحالفات بحد ذاته، وإنما في أن تؤدي أزمة محدودة إلى سلسلة من الالتزامات والردود المتبادلة تجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة.
وبالتالي، ونظرًا لارتباط الصراعات كما أوضحنا، فسوف تنتقل الفوضى من ساحة إلى أخرى، من الخليج إلى اليمن والبحر الأحمر، ومن العراق إلى الشام، ومن القرن الإفريقي إلى مصر وليبيا، بحيث تصبح كل منطقة مصدر ضغط على الأخرى. وهنا تظهر “عدوى الفوضى” بوصفها أخطر مراحل هذا السيناريو؛ إذ لا يعود المطلوب أن تنهار دولة واحدة حتى تصبح المنطقة في حالة فوضى، وإنما يكفي أن تبدأ الأزمات في تغذية بعضها البعض، وأن تنتقل آثار الحرب والسلاح والنزوح والاضطراب الاقتصادي والأمني عبر الحدود.
وتتمثل المؤشرات الرئيسية على الاقتراب من هذا السيناريو في انهيار مسارات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، وعودة العمليات العسكرية واسعة النطاق، ودخول إسرائيل على خط العمليات العسكرية مرة أخرى، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد استهداف الملاحة والطاقة، وتصاعد الحرب في جبهة اليمن، وفتح جبهات جديدة، واتساع العمليات في البحر الأحمر والعراق ولبنان وسوريا، وعودة الحرب في غزة والضفة، قد تكون مقترنة بعمليات نزوح سكاني أو تهجير واسعة، وازدياد التدخل العسكري الخارجي، وظهور تحالفات ميدانية جديدة تربط أكثر من ساحة بالصراع.
اختبار الفرضيات ومؤشرات الانتقال بين السيناريوهات
لا ينبغي التعامل مع السيناريوهات الثلاثة باعتبارها حالات مغلقة أو نتائج حتمية، وإنما باعتبارها مسارات يمكن أن تنتقل المنطقة بينها. ولذلك فإن الاختبار المستمر للفرضيات يمثل جزءًا أساسيًا من عملية التقدير.
وتتمثل الفرضية الأولى في أن الحرب الإيرانية الأمريكية يمكن احتواؤها من خلال تسوية أو وقف إطلاق نار مستقر، وهو ما يفتح المجال أمام تراجع التصعيد في بقية الساحات. وتضعف هذه الفرضية كلما استمرت الضربات، أو انهارت المفاوضات، أو توسع نطاق العمليات.
أما الفرضية الثانية فتقوم على أن الحرب ستتحول إلى استنزاف طويل دون قدرة أي طرف على الحسم أو فرض تسوية نهائية، دون الاندفاع نحو صراع شامل. وتصبح هذه الفرضية أكثر قوة إذا استمرت الضربات المحدودة والمفاوضات المتقطعة، وبقيت الساحات الأخرى تحت السيطرة النسبية دون انفجار واسع.
وتقوم الفرضية الثالثة على أن الحرب الإيرانية الأمريكية ستصبح مركزًا لسلسلة من الصراعات المترابطة، بحيث يؤدي التصعيد الكبير فيها إلى تحريك ساحات أخرى، ثم تؤدي هذه الساحات بدورها إلى تغذية الحرب الأصلية. وتصبح هذه الفرضية أكثر ترجيحًا إذا تزامن التصعيد الأمريكي الإيراني مع انهيار التهدئة في غزة، واتساع الحرب في اليمن، وتصاعد المواجهة في لبنان وسوريا والعراق، واستمرار المواجهات الدموية في القرن الإفريقي، واضطراب الملاحة والطاقة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.
ومن ثم، فإن المعيار الأهم في تحديد اتجاه المنطقة ليس وقوع حادثة عسكرية منفردة، وإنما اتجاه المتغيرات الرئيسية مجتمعة. فإذا اتجهت الحرب الإيرانية الأمريكية نحو الاحتواء، وبقيت الساحات منفصلة نسبيًا، اقتربت المنطقة من سيناريو الهدوء والاستقرار. وإذا استمرت الحرب في صورة ضربات متقطعة مع بقاء بقية الساحات تحت السيطرة، فإن المنطقة ستبقى في حالة الاستنزاف والترقب. أما إذا فشل الاحتواء، واتسعت الحرب الإيرانية الأمريكية، وتزامن ذلك مع انتقال الصراع بين الساحات وتداخل التحالفات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فإن المنطقة ستقترب من سيناريو الفوضى الشاملة.
مؤشرات الإنذار المبكر
يمكن تقسيم مؤشرات الإنذار المبكر التي ينبغي مراقبتها خلال المرحلة المقبلة إلى خمس مجموعات مترابطة. الأولى مؤشرات عسكرية، وفي مقدمتها عودة المواجهات الأمريكية الإيرانية إلى نطاق واسع، وفتح جبهات جديدة، وانتقال الضربات إلى دول لم تكن منخرطة مباشرة في المواجهة. والثانية مؤشرات بحرية واقتصادية، مثل استمرار تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب، وارتفاع مستوى استهداف منشآت الطاقة والسفن، واتساع اضطراب التجارة وسلاسل الإمداد،وارتفاع كبير في أسعار النفط، وحدوث نقص حاد في إمدادات الوقود، خاصة وقود الديزل ووقود الطائرات، فضلًا عن سلع استراتيجية أخرى مثل الأسمدة والألومينيوم والهيليوم وغيرها.
أما المجموعة الثالثة فتتعلق بالتحالفات وانتقال الصراع بين الساحات، وتظهر في ازدياد مشاركة القوى الحليفة أو الوكلاء في جبهات لا ترتبط مباشرة بصراعاتهم الأصلية، أو ظهور ترتيبات وتحالفات ميدانية جديدة تربط بين أكثر من ساحة. وتتعلق المجموعة الرابعة بالقدرة الداخلية للدول على امتصاص الصدمات، بما في ذلك تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والاحتجاجات وتراجع قدرة المؤسسات على توفير الخدمات أو إدارة الأزمات. أما المجموعة الخامسة فهي مؤشرات الاحتواء السياسي، وفي مقدمتها استمرار أو انهيار قنوات التفاوض والوساطة واحتواء الصراع، وقدرة الأطراف على تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار ، وفصل ملفات الصراع بعضها عن بعض. وكلما تحركت هذه المجموعات الخمس بالتزامن نحو التصعيد، ارتفعت درجة الإنذار من الانتقال إلى السيناريو الثالث.
ترجيح السيناريوهات
تكشف قراءة المتغيرات السابقة أن الحرب الإيرانية الأمريكية تمثل المتغير المركزي في تحديد المسار الإقليمي خلال المرحلة المقبلة، لكنها ليست المتغير الوحيد أو الحاكم. فمسار هذه الحرب سيتفاعل مع أزمات الخليج واليمن وغزة ولبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومع قدرة الدول الإقليمية على تحمل الضغوط الاقتصادية والأمنية الناتجة عنها.
وعليه، فإن السؤال الأساسي لا يتمثل فقط في معرفة ما إذا كانت الحرب الإيرانية الأمريكية ستستمر أو تتوقف، وإنما في معرفة ماذا ستفعل هذه الحرب ببقية النظام الإقليمي. فإذا أمكن احتواؤها ومنع انتقال تداعياتها إلى بقية الساحات، يمكن أن تصبح نقطة بداية لمسار تدريجي نحو الاستقرار، بشكل نسبي على الأقل. وإذا استمرت في صورة استنزاف طويل، فإن المنطقة ستبقى في حالة توتر مزمن. أما إذا تحولت إلى حرب مفتوحة تتداخل معها صراعات الساحات الأخرى، فإن الخطر الحقيقي سيكون في تحول المنطقة من مجموعة أزمات منفصلة إلى منظومة فوضى واحدة.
ومن هنا، فإن مدى ترابط الساحات يمثل المتغير الحاسم الثاني بعد اتجاه الحرب الإيرانية الأمريكية. فالفوضى الشاملة لا تحتاج بالضرورة إلى حرب واحدة كبرى، وإنما يمكن أن تنشأ من تزامن عدة حروب وأزمات، بحيث تغذي كل واحدة منها الأخرى، وتنتقل آثارها العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود. وفي هذه الحالة تصبح المنطقة أمام مسار من «عدوى الفوضى» التي تبدأ في ساحة، ثم تنتقل إلى ساحات أخرى، وصولًا إلى حالة إقليمية يصعب معها الفصل بين حرب وأخرى أو أزمة وأخرى.
وبذلك، فإن السيناريوهات الثلاثة ليست مجرد احتمالات متساوية، وإنما هي مسارات مرتبطة بتطور متغيرات يمكن مراقبتها وقياسها. ويبقى العامل الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستتجهان إلى احتواء الحرب، أو ستستمران في الاستنزاف، أو ستدخلان في مرحلة تصعيد جديد يسمح بانتقال الحرب إلى بقية المنطقة. وفي الحالة الأخيرة، فإن تزامن التصعيد مع هشاشة عدد من الساحات الإقليمية قد يفتح الطريق أمام انتقال المنطقة من مرحلة الحروب المتعددة إلى مرحلة الفوضى الشاملة.
ينبغي هنا التمييز بين السيناريو الذي توجد فيه المنطقة في اللحظة الراهنة، وبين السيناريو الذي ترتفع مخاطر الانتقال إليه. فالمعطيات الحالية تشير إلى أن المنطقة لا تزال سائرة وفقًا للسيناريو الثاني، أي حالة الاستنزاف والتوتر المزمن التي تتخللها موجات من التصعيد والتهدئة دون انتقال كامل إلى مواجهة إقليمية شاملة. إلا أن أهمية السيناريو الثالث تنبع من أن عددًا متزايدًا من المتغيرات التي يمكن أن تقود إليه أصبح حاضرًا بالفعل، حتى وإن لم تجتمع شروطه كاملة بعد.
ومن ثم، فإن ترجيحنا لسيناريو الفوضى الشاملة لا يعني أن المنطقة دخلته بالفعل، ولا يعني بالضرورة أنه أصبح أكثر احتمالًا من السيناريو الثاني في اللحظة الحالية، وإنما يعني أن اتجاه عدد من المتغيرات الرئيسية يزيد احتمالات الانتقال إليه إذا استمر التصعيد وتعاظمت درجة الترابط بين الساحات. وبذلك يمكن وصف السيناريو الثاني بأنه «المسار القائم»، بينما يمثل السيناريو الثالث «الخطر الاستراتيجي الصاعد»، الذي قد يتحول إلى المسار الغالب إذا فشلت آليات الاحتواء واتسعت دوائر الصراع.
ترجيح السيناريو الثالث: الفوضى الشاملة
من خلال استعراضنا وتحليلنا المفصل في الجزئين الأول والثاني من الدراسة للتطورات المتلاحقة على مدى الأشهر الماضية، وتصاعدها بشكل أكبر كلما مر الوقت، والتداعيات المترتبة على هذه التطورات، يميل تقديرنا للموقف إلى ترجيح سيناريو الفوضى الشاملة، ليس باعتباره نتيجة حتمية، وإنما بوصفه المسار الأكثر رجحانًا في ضوء تفاعل التطورات الإقليمية التي تناولتها الدراسة. فاستمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، وتعدد ساحات الصراع المرتبطة بها، وانسداد الأفق السياسي لحل الصراعات، وتداخل المصالح والتحالفات، بالتزامن مع هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في عدد من دول الإقليم، تخلق بيئة قابلة لانتقال التصعيد من ساحة إلى أخرى، بحيث تتحول الأزمات المتزامنة إلى منظومة من الضغوط المتبادلة يصعب احتواؤها بصورة منفردة.
ويزداد ترجيح هذا السيناريو بالنظر إلى الأطراف الساعية لاستمرار وتوسيع نطاق الحرب، ومنها ما أطلقنا عليه “الروافع الخمسة” التي تدفع نحو استمرار الحرب، والتي تتجاوز حسابات المواجهة العسكرية المباشرة إلى قوى ومصالح تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، أو توظيف الصراع لتحقيق أهداف جيوسياسية وأيديولوجية وغيرها من الأهداف المرتبطة بمشروعاتها الاستراتيجية. هذه الروافع لا تتطابق بالضرورة في أهدافها النهائية، لكنها قد تتقاطع في مصلحتها باستمرار الصراع، أو في رفض تسويات لا تحقق أهدافها، بما يضعف فرص احتواء الحرب ويزيد احتمالات انتقال تداعياتها إلى ساحات أخرى. أنظر هنا ورقة (الروافع الخمسة الرئيسية للحرب الحالية – إلى أين يتم الدفع بمسار الحرب؟)، وكذلك ورقة (خريطة التحالفات الجديدة في المنطقة والمفهوم الجديد للأمن القومي الإسرائيلي)، وأيضًا (الحروب الحالية جزء من مشروع واحد لفرض نظام عالمي تقوده الحضارة الغربية).
من الروافع التي من الممكن أن تكون أيضًا ساعية لاستمرار الحرب ما بدأ يتكشف حول إعادة رسم خريطة النفط العالمية، لاتجاه مركز الثقل تدريجيًا حول الغرب، وهو ما تحدثت عنه ورقة صدرت مؤخرًا للمعهد المصري حول الموضوع. بقاء أسعار النفط مرتفعة مع تقليل كمية النفط التي تخرج من منطقة الخليج، والذي يتنامى مع استمرار الحرب، يساعد على زيادة حصة النفط الذي تنتجه الأمريكتين في السوق العالمي، وهو ما يحتاج بقاء الأسعار مرتفعة لتعويض الاستثمارات الأولية الضخمة المطلوبة له. قد يفسر ذلك جزئيًا السلوك الترامبي الذي يبدو متناقضا ومحيرا في الكثير من الأحيان.
استمرار هذا الامر يخدم بالطبع شركات النفط الأمريكية وارباحها، والتي لاتخفى صلتها الوثيقة مع ترامب وعائلته. إلا أنه بعيدًا عن ترامب ومصالحه، فإن ذلك يتناغم أيضًا مع عقيدة مونرو التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية بالسعي لممارسة الهيمنة انطلاقا من الامريكتين. قد لا تؤدي هذه الاعتبارات فقط لمجرد تقليص خروج النفط من مضيق هرمز، ولكنها قد تحفز أيضًا الدفع بتوجيه ضربات استراتيجية للمنشأت النفطية الخليجية لتعطيلها لفترات طويلة.
وتكمن الخطورة في تفاعل المسارين معًا: تطورات ميدانية وإقليمية تدفع نحو اتساع نطاق المواجهة، وروافع تعمل على إطالة أمدها أو تعطيل احتوائها. وإذا تزامن ذلك مع تراجع قدرة الدول على تحمل الضغوط المتعددة، فقد تنتقل المنطقة من مرحلة الحروب المتعددة إلى حالة من الفوضى الشاملة، لا بسبب حرب واحدة بالضرورة، وإنما نتيجة تراكم الأزمات وتغذية بعضها بعضًا. وعليه، فإن ترجيح هذا السيناريو يستند إلى اتجاهات قائمة ومخاطر متفاعلة، مع بقاء مساره النهائي مرهونًا بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد وكسر حلقات انتقاله بين ساحات الإقليم بما يصب في صالحها جميعا.
ذلك لأنه، ومع ترجيحنا للسيناريو الثالث، بسبب العوامل التي تدفع نحو اتساع الاضطراب الإقليمي، فإن هناك في المقابل مجموعة من عوامل الكبح التي يمكن أن تمنع الانتقال إلى الفوضى الشاملة أو تؤخره. وفي مقدمتها ارتفاع الكلفة العسكرية والاقتصادية للحروب على جميع الأطراف، بما قد يدفعها إلى تفضيل الاحتواء على المواجهة المفتوحة، إلى جانب قدرة الوساطات والتفاهمات الجزئية على فصل بعض ساحات الصراع ومنع انتقال التصعيد بينها.
كما تمثل قدرة الدول على امتصاص الصدمات عاملًا حاسمًا في الحد من اتساع الفوضى؛ فالدول التي تحتفظ بمؤسسات أكثر تماسكًا، واحتياطيات اقتصادية أكبر، وقدرات على تنويع مصادر الطاقة والتجارة وحماية بنيتها التحتية، تكون أكثر قدرة على منع تحول الضغوط الخارجية إلى اضطرابات داخلية. كذلك قد يؤدي اختلاف مصالح القوى المتحالفة وعدم تطابق أهدافها النهائية إلى الحد من قدرة التحالفات على التحول إلى حروب واسعة النطاق.
وتعني هذه العوامل أن الانتقال إلى الفوضى ليس مسارًا خطيًا أو حتميًا. فقد ترتفع مؤشرات التصعيد في مرحلة معينة ثم تتراجع نتيجة تسوية أو تغير في حسابات أحد الفاعلين. ولذلك ينبغي أن يظل تقدير السيناريو الثالث مرتبطًا بموازنة مستمرة بين «عوامل الدفع نحو الفوضى» و«عوامل الكبح والاحتواء»، بدل التعامل مع استمرار التصعيد بوصفه وحده دليلًا كافيًا على حتمية الانفجار الإقليمي.
الخلاصة الاستراتيجية
تشير مجمل المعطيات التي تناولناها في هذه الدراسة إلى أن المنطقة تقف اليوم في مرحلة رمادية تميل إلى القتامة؛ فلا هي دخلت مسار التسوية والتهدئة والاستقرار، ولا انزلقت بعد إلى الفوضى الشاملة. وهي مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يمكن أن تتحرك فيها المنطقة في اتجاهين متناقضين: الأبيض، حيث تسوية النزاعات واحتواء الصراعات والانتقال تدريجيًا نحو التهدئة والتنمية والتعاون، أو الأسود، حيث تتداعى الأزمات بعضها فوق بعض، فتتحول المنطقة إلى ساحة صراعات مفتوحة تعيد تشكيل بنيتها السياسية والأمنية والاستراتيجية بالكامل.
لكن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في استمرار الحروب القائمة، وإنما في تغير طبيعة العلاقة بينها. فالصراعات لم تعد تدور داخل حدود جغرافية واضحة، ولم يعد من السهل التعامل مع كل حرب باعتبارها أزمة مستقلة لها أطرافها وأسبابها ومسارها الخاص. فالحرب في اليمن ترتبط بأمن الخليج والبحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بقناة السويس والاقتصاد المصري، بينما ترتبط أزمات القرن الإفريقي بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وتتداخل الحرب في السودان مع أمن مصر وليبيا والقرن الإفريقي، في حين ترتبط أزمات العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بالتنافس الإيراني الإسرائيلي والتركي وبالوجود الأمريكي في المنطقة. وبذلك أصبح انتقال التداعيات بين الساحات أحد أهم سمات البيئة الاستراتيجية الحالية.
والأخطر أن ما يجري حاليًا لم يعد مجرد مجموعة من الحروب المنفصلة، وإنما يمكن وصفه بأنه نمط متزايد من حروب الأحلاف؛ إذ تتحرك قوى إقليمية ودولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر حلفاء ووكلاء وقوى محلية في ساحات متعددة، بما يجعل كل ساحة جزءًا من شبكة أوسع من المصالح والالتزامات والردود المتبادلة. وهذا النمط عرفه التاريخ في سياقات الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما لم تبدأ الحربان باعتبارهما حربًا عالمية منذ اللحظة الأولى، وإنما ساهم تداخل التحالفات وتشابك المصالح واتساع الالتزامات العسكرية في تحويل أزمات ومواجهات محدودة إلى صراعات أوسع. ولا يعني ذلك أن المنطقة تتجه حتمًا إلى تكرار التجربة التاريخية نفسها، وإنما يوضح أن تعدد الصراعات يصبح أكثر خطورة عندما تتحول ساحاتها إلى منظومة مترابطة.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في اندلاع حرب جديدة، فقد أصبحت المنطقة بالفعل تعيش عدة حروب وصراعات متزامنة، وإنما في انتقالها من مرحلة تعدد الحروب إلى مرحلة تفاعل الحروب. ففي الحالة الأولى يمكن لكل طرف أن يحاول احتواء جبهته، أما في الحالة الثانية فإن التصعيد في جبهة واحدة يمكن أن يغير حسابات أطراف في جبهات أخرى، ويفتح ساحات جديدة للضغط، ويعيد تشكيل التحالفات، ويغير أولويات توزيع القوات والموارد، ويخلق ردود فعل لا يستطيع طرف واحد التحكم في مسارها بالكامل.
وتكشف الحرب الأمريكية الإيرانية بصورة واضحة عن هذه المعضلة. فالصراع لم يبقَ محصورًا في الأراضي الإيرانية أو في المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، وإنما امتدت آثاره إلى الخليج واليمن والسعودية والأردن والعراق والممرات البحرية. وأصبح مضيق هرمز نفسه إحدى أدوات الصراع والتفاوض، بينما ارتبط التصعيد الحوثي في اليمن بأمن السعودية وباب المندب والبحر الأحمر. وقد أدى اضطراب الملاحة في هرمز بالفعل إلى انخفاض كبير في حركة السفن، في الوقت الذي استمرت فيه المخاوف بشأن أمن باب المندب، بما يوضح كيف يمكن لجبهتين جغرافيتين منفصلتين أن تتحولا إلى جزء من معادلة استراتيجية واحدة.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الحروب الحديثة التي ناقشتها الدراسة، أو ما يعرف بالحرب غير المتماثلة، وهي أن القوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بحجم الجيوش والأساطيل والمساحات التي يمكن السيطرة عليها. فقد تستطيع قوة محدودة، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والوسائل غير التقليدية، أن تؤثر في ممر بحري ذي أهمية عالمية، أو ترفع تكلفة استخدامه، أو تدفع الشركات إلى تغيير مساراتها، فتنتقل آثار الصراع من ساحة المعركة إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن السيطرة أو القدرة على التأثير في مضيق هرمز أو باب المندب لا تمنح الطرف القادر عليها ميزة ضد خصمه المباشر فقط، وإنما تمنحه قدرة على التأثير في التجارة والطاقة والتأمين وسلاسل الإمداد على نطاق يتجاوز أطراف الحرب نفسها.
وهذا التحول يفرض أزمة حقيقية في المفاهيم الاستراتيجية التقليدية؛ لأن الدولة قد تنتصر عسكريًا في مواجهة مباشرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنهاء قدرة خصم يستخدم أسلوبًا غير متماثل على إحداث اضطراب اقتصادي وأمني إذا بقي هذا الخصم قادرًا على تهديد نقطة اختناق أو استنزاف منظومة الحماية. ومن ثم أصبحت المعركة الحديثة لا تدور فقط حول تدمير القوات، وإنما حول قدرة كل طرف على الاستمرار، وحماية اقتصاده، وتأمين خطوط إمداده، وحماية ممراته، وإجبار الخصم على تحمل تكلفة أكبر من قدرته على الاحتمال.
وهنا أيضًا تتداخل الحرب مع الاقتصاد بصورة لم تعد ثانوية. فكلما اتسعت الحرب، لم تعد تكلفة الصراع محصورة في الإنفاق العسكري والدمار المباشر، وإنما امتدت إلى الطاقة والتجارة والاستثمار والسياحة والتأمين والملاحة وأسعار الغذاء والعملات والتحويلات. وهذا يعني أن دولة قد لا تكون طرفًا مباشرًا في الحرب يمكن أن تتحمل جزءًا من تكلفتها الاقتصادية لمجرد وجودها بالقرب من ممر بحري أو منطقة صراع. وتظهر مصر مثالًا واضحًا على ذلك، حيث يمكن لأي تصعيد إقليمي واسع أن يضغط على إيرادات قناة السويس والاستثمار وتحويلات العاملين بالخارج والأموال الساخنة، بالتوازي مع الضغوط الأمنية والعسكرية التي تتحملها الدولة.
ومن ثم فإن استمرار الحروب بهذه الصورة قد ينتج دائرة متبادلة بين الأمن والاقتصاد: الحرب تضغط على الاقتصاد، والضغط الاقتصادي يحد من قدرة الدول على تحمل أعباء الحرب والأمن، بينما يؤدي ضعف البيئة الاقتصادية والاجتماعية إلى زيادة قابلية بعض المجتمعات والدول للاضطراب. وفي هذه الحالة لا تعود الفوضى نتيجة عسكرية فقط، وإنما تصبح نتاجًا لتفاعل عسكري وأمني واقتصادي واجتماعي في الوقت نفسه.
كما أن التطورات في القرن الإفريقي تضيف بعدًا آخر لهذه المعادلة. فالتقارب بين أنصار الله الحوثي وحركة الشباب، إلى جانب الصراعات في السودان وإثيوبيا وأوضاع الصومال وإريتريا، يعني أن البحر الأحمر وخليج عدن لم يعودا مجرد مسرح بحري للحرب في اليمن، وإنما أصبحا مساحة تتقاطع فيها صراعات عربية وإفريقية وإقليمية ودولية. وكلما ارتبطت الجماعات المسلحة بالممرات البحرية وشبكات السلاح والتمويل والتدريب، أصبحت قدرة الصراع على الانتقال بين الساحات أكبر، وأصبح الفصل بين الأمن البحري والأمن البري أكثر صعوبة.
والأمر نفسه ينطبق على المشرق. فاستمرار الحرب في فلسطين، والضغط على لبنان، والتطورات في سوريا، ووضع العراق، والتنافس الإسرائيلي الإيراني التركي في بعض الساحات، لا يمكن قراءته باعتباره مجموعة ملفات منفصلة تمامًا. فكل تغير في إحدى هذه الساحات يمكن أن يغير حسابات الأطراف في ساحات أخرى، سواء من خلال تحريك القوات أو إعادة توزيع الموارد أو تغيير التحالفات أو فتح قنوات جديدة للدعم العسكري والسياسي.
وفي هذه البيئة، تصبح الدول التي تحاول الحفاظ على الحياد أو الابتعاد عن الصراع أمام مشكلة مختلفة؛ إذ قد تجد نفسها متأثرة بالحرب رغم عدم مشاركتها فيها. فالموقع الجغرافي قد يجعل الدولة جزءًا من معادلة الصراع، والممر البحري قد يحولها إلى طرف في حسابات الأمن الدولي، والقواعد العسكرية الأجنبية قد تجعل أراضيها جزءًا من بيئة الاستهداف، بينما يمكن للأزمات الاقتصادية الناتجة عن الحرب أن تصل إلى الداخل حتى من دون سقوط صاروخ واحد على أراضيها.
ولهذا فإن مفهوم الأمن القومي نفسه يعاد تشكيله. فلم تعد حماية الحدود وحدها كافية، وإنما أصبح أمن الطاقة والمياه والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والاقتصاد والاتصالات والبنية التحتية جزءًا من الأمن القومي. وأصبحت قدرة الدولة على الصمود الاقتصادي والاجتماعي لا تقل أهمية عن قدرتها على خوض الحرب عسكريًا. كما أصبح امتلاك القدرة على منع انتقال الحرب إلى أراضيها أو اقتصادها هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن تحقيق التفوق في ساحة القتال.
وفي المقابل، لا تزال هناك فرصة للخروج من هذه الدائرة. فالترابط نفسه الذي يجعل الصراعات أكثر خطورة يمكن أن يجعل التسويات أكثر فاعلية إذا انتقلت الدول من إدارة الأزمات منفردة إلى بناء ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية تقلل من فرص انتقال الصراع. ووقف الحرب في ساحة واحدة يمكن أن يخفف الضغط عن ساحات أخرى، كما أن إعادة فتح الممرات البحرية وتثبيت الأمن فيها يمكن أن يخففا جزءًا من الضغوط الاقتصادية التي تنتقل إلى دول بعيدة عن خطوط القتال. ولذلك فإن التسوية في المنطقة لن تكون مجرد إنهاء لحرب واحدة، وإنما قد تكون عملية متدرجة لفك شبكة الأزمات المترابطة.
لكن في الاتجاه المقابل، فإن استمرار الحروب من دون تسويات سياسية، مع تزايد الاعتماد على الحلفاء والجماعات المسلحة، وتوسع نطاق الاستهداف غير المباشر، واستمرار التنافس على الممرات البحرية والموانئ والطاقة، قد يدفع المنطقة نحو مرحلة يصبح فيها التصعيد هو القاعدة والتهدئة هي الاستثناء. وفي هذه الحالة لن يكون السؤال فقط: أين ستندلع الحرب المقبلة؟ وإنما: أي حرب ستؤدي إلى إشعال حرب أخرى، وأي أزمة اقتصادية ستتحول إلى أزمة أمنية، وأي ممر استراتيجي سيصبح نقطة ضغط قادرة على نقل آثار الصراع إلى خارج المنطقة؟
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس بالضرورة حربًا شاملة تبدأ بقرار واحد واضح، وإنما عملية تراكمية تتوسع فيها الأزمات تدريجيًا، بحيث يصبح كل طرف أكثر ارتباطًا بصراع حلفائه، وتصبح كل دولة أكثر حساسية تجاه أمن حدودها واقتصادها وممراتها، وتتحول كل أزمة جديدة إلى فرصة لفتح جبهة أخرى. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول المنطقة إلى منظومة أزمات يصعب على أي قوة منفردة احتواؤها.
وبذلك، فإن المنطقة تمر، في تقديرنا، بواحدة من أدق وأخطر المراحل الاستراتيجية في تاريخها الحديث؛ ليس فقط بسبب حجم الحروب القائمة، وإنما لأن الحدود بين ساحاتها أصبحت أكثر تداخلًا، وأصبح من الصعب فصل تأثير أزمة عن أخرى. إننا أمام بيئة استراتيجية تتحرك فيها الجغرافيا والسلاح والاقتصاد والتحالفات والممرات البحرية في منظومة واحدة، بحيث يمكن لتطور محدود في إحدى الساحات أن ينتج أثرًا واسعًا في ساحات أخرى.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مرحلة حرب فقط، وإنما باعتبارها مرحلة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي نفسه. فموازين القوة تتغير، والتحالفات يعاد تعريفها، وأدوار القوى الإقليمية والدولية يعاد توزيعها، بينما تتغير طبيعة القوة العسكرية نفسها مع صعود الصواريخ والمسيرات والحرب غير المتماثلة، وتزداد أهمية الموانئ والمضائق والممرات البحرية والقدرة على حماية الاقتصاد. وكل ذلك يعني أن نتائج الصراعات الحالية لن تتوقف عند حدود وقف إطلاق النار، وإنما يمكن أن تحدد شكل المنطقة وعلاقات دولها وموازين القوى فيها لعقود قادمة.
وستحدد التطورات المقبلة ما إذا كانت هذه المرحلة الرمادية ستقود إلى تسويات تدريجية تفتح الطريق أمام الاستقرار، أم ستتحول إلى نقطة انطلاق لفوضى واسعة تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات وموازين القوة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. وبين المسارين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على منع انتقال الصراعات من مرحلة التنافس والاحتواء إلى مرحلة التفاعل والانفجار، لأن الفوضى الشاملة لا تبدأ بالضرورة بانفجار واحد كبير، وإنما قد تبدأ بتراكم أزمات صغيرة ومتوسطة، ثم تفاعلها في لحظة يصبح فيها احتواء الأزمة أصعب من منعها في الأساس.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المرحلة الحالية؛ فالمنطقة لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، لكنها تقترب من بيئة يصبح فيها هامش الخطأ الاستراتيجي أضيق، وتصبح تكلفة الحسابات الخاطئة أعلى، ويصبح أي قرار عسكري أو أمني قادرًا على إنتاج تداعيات تتجاوز الساحة التي اتُخذ فيها. ولذلك فإن السنوات المقبلة لن تحدد فقط من ينتصر في حرب بعينها، وإنما قد تحدد ما إذا كانت منطقة المشرق والقرن الإفريقي سيتجهان نحو بناء ترتيبات إقليمية جديدة أكثر استقرارًا، أم سيدخلان في دورة طويلة من الصراعات المتداخلة التي تجعل الفوضى الشاملة واقعًا ممتدًا بدلًا من أن تبقى مجرد سيناريو محتمل.
الدلالات الاستراتيجية
تتمثل الدلالة الاستراتيجية الأولى لهذه الدراسة في أن إدارة الأمن الإقليمي لم تعد ممكنة من خلال التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا. فكلما ازدادت الروابط بين الصراعات، أصبحت قدرة الدول على حماية نفسها مرتبطة ليس فقط بتعزيز قدراتها العسكرية، وإنما أيضًا بمنع انتقال الأزمات إليها عبر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتحالفات والحدود. ومن ثم، فإن مفهوم الصمود الاستراتيجي يصبح عنصرًا رئيسيًا في الأمن القومي، ويشمل حماية سلاسل الإمداد والبنية التحتية والموانئ والطاقة والاتصالات والقدرة المالية والاجتماعية للدولة، إلى جانب القدرات العسكرية التقليدية.
أما الدلالة الثانية فتتمثل في أن منع الفوضى الشاملة يتطلب سياسات تهدف إلى «فك الارتباط» بين ساحات الصراع، بحيث لا يؤدي التصعيد في جبهة إلى فتح جبهة أخرى بصورة تلقائية. ويقتضي ذلك الحفاظ على قنوات الاتصال حتى بين الخصوم، وتعزيز آليات الوساطة والإنذار المبكر، وتطوير ترتيبات لحماية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة، وتقليل قدرة الأزمات المحلية على التحول إلى نقاط اشتعال إقليمية.
وتتمثل الدلالة الثالثة في ضرورة رفع قدرة الدول على امتصاص الصدمات المتزامنة. فالمشكلة في السيناريوهات الأكثر خطورة لا تنبع فقط من حجم التهديد العسكري، وإنما من تعرض الدولة في الوقت نفسه لضغوط أمنية واقتصادية واجتماعية وحدودية وطاقوية. وكلما زادت قدرة الدول على تنويع مواردها، وتأمين احتياجاتها الأساسية، والحفاظ على تماسك مؤسساتها، انخفضت قابلية انتقال الفوضى إليها حتى في حال استمرار الاضطراب في البيئة الإقليمية المحيطة.
وأخيرًا، تشير الدراسة إلى أن نجاح المنطقة في تجنب السيناريو الثالث، وإجهاض مخططات القوى التي تسعى لإشعال الفوضى والسيطرة على المنطقة، لن يتحقق بالضرورة عبر تسوية كبرى واحدة تشمل جميع الملفات، وإنما قد يبدأ بسلسلة من إجراءات الاحتواء الجزئية التي تمنع اتصال الأزمات ببعضها. فوقف التصعيد في جبهة، وتثبيت أمن ممر بحري، أو منع أزمة داخلية من التحول إلى صراع إقليمي، يمكن أن يقطع إحدى حلقات انتقال الفوضى. ومن هنا، فإن المعركة الاستراتيجية في المرحلة المقبلة قد لا تكون فقط حول إنهاء الحروب القائمة، وإنما حول منع تحولها إلى منظومة واحدة يصعب بعد ذلك تفكيكها.
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.




