fbpx
سياسةالشرق الأوسطترجمات

تقارير متابعة قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (11)

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

 لا تزال حملة الإعلام الإيطالي لنُصرة قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني مستمرة في ظل الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير 2011 وفي نفس الوقت الذكري الخامسة لاختطاف طالب الدكتوراه الإيطالي في الخامس والعشرين من يناير 2016، ومن ثَمَّ تعذيبه وقتله على يد ضباط مصريين من جهاز الأمن الوطني، حسبما جاء في بيان مكتب المدعي العام الإيطالي. حيث كانت هذه الحملة قد تصاعدت بعد بيان مكتب المدعي العام الإيطالي الذي أعلن فيه إنهاء التحقيقات في قضية اختفاء ومقتل الطالب جوليو ريجيني في القاهرة عام 2016، مع تسمية أربعة من عناصر الأمن المصري كمتهمين مشتبه بهم؛ ثم هدأت قليلاً لتتصاعد من جديد بعد بيان النيابة العامة المصرية حول عدم إقامة الدعوى الجنائية في قضية مقتل ريجيني “لعدم معرفة الفاعل” واستبعاد اتهام 5 عناصر أمنية في الواقعة، وها هي تتصاعد مرة أخرى في ذكرى ثورة 25 يناير المجيدة، وكذلك مرور خمس سنوات على مقتل ريجيني في مصر، دون محاسبة القتلة.

وجاءت حملة الإعلام الإيطالي في دعماً لقضية ريجيني، في جانب منها، من خلال نشر العديد من المقالات والتقارير الصحفية، والتي نتناول أبرزها في هذا التقرير. وكنا قد نشرنا من قبل الجزء الأول: “تقارير متابعة: قضية ريجيني في الإعلام الإيطالي (1)” بتاريخ 15 ديسمبر 2020، والجزء الثاني بتاريخ 16 ديسمبر، و الجزء الثالث بتاريخ 17 ديسمبر؛ والجزء الرابع  بتاريخ 18 ديسمبر، والجزء الخامس بتاريخ 22 ديسمبر، والجزء السادس بتاريخ 4 يناير 2021، والجزء السابع بتاريخ 5 يناير، والجزء الثامن بتاريخ 22 يناير، والجزء التاسع بتاريخ 25 يناير، والجزء العاشر بتاريخ 26 يناير، حيث قام المعهد المصري بترجمة هذه التقارير/ المقالات من الصحافة الإيطالية. وفيما يلي الجزء الحادي عشر منها:

ملخص:

يتضمن هذا المحتوى أربع مقالات / تقارير، المقال الأول نشرته صحيفة كوريري ديلا سيرا وكتبه الصحفي فابريزيو كاتشيا يتحدث فيه عن مرور خمس سنوات على مقتل جوليو ريجيني ويتناول تعليقات والدته وبعض المسؤولين الإيطاليين؛ فتقول والدة جوليو: “منذ عام 2016، ونحن نسمع الكثير من العبارات الفارغة والأكاذيب”، ويقول رئيس الجمهورية ماتاريلا: “على مصر أن تقدم إجابات وافية”. ويقول رئيس البرلمان فيكو: “نريد الحقيقة بأي ثمن”. والمقال الثاني نشرته صحيفة لاريبوبليكا للصحفي جيوليانو فوشيني، وجاء بعنوان: “ريجيني والتزام ماتاريلا: أن “تقدم مصر إجابات وافية”، معلقاً على تشديد رئيس الجمهورية الإيطالي على ضرورة أن “تقدم مصر إجابات وافية” فيما يخص المسؤولين عن مقتل الباحث الإيطالي. وجاء المقال الثالث من صحيفة دوماني تحت عنوان: “كل هذا لا يزال يدهشني بشأن مقتل جوليو ريجيني”، كتبه الإعلامي بيرفرانشيسكو ديليبرتو، وهو مذيع تلفزيوني وصانع أفلام، ومقرب لعائلة ريجيني. ومما لا يزال يدهشه في قصة ريجيني هو الصمود الأسطوري لعائلة ريجيني في رحلتهم البحث عن الحقيقة، بالإضافة إلى أشياء أخرى تدهشه ذكرها في المقال. أما المقال الرابع فقد نشرته صحيفة كوريري ديلا سيرا للصحفي جيوفاني بيانكوني تحت عنوان: ” التحقيق لا يتوقف.. لا يزال هناك 13 مشتبهاً آخرين يجب تتبعهم”، حيث قال إن هناك ما لا يقل عن ثلاثة عشر شخصاً آخر يجب تحديد هويتهم بالكامل، لارتباطهم بالنهاية المأساوية لريجيني، حيث كان لهم دور فيما قامت به السلطات في مصر من تضليل للعدالة وتصوير الجريمة على أنها كانت مجرد حالة سطو قامت بها عصابة إجرامية.

المقالات المنشورة في الصحافة الإيطالية:

1- صحيفة كوريري ديلا سيرا: نشرت صحيفة كوريري ديلا سيرا بتاريخ 26 يناير 2021 مقالا كتبه الصحفي فابريزيو كاتشيا تحت عنوان: “خمس سنوات بدون جوليو ريجيني”، وجاء على النحو التالي:

خمس سنوات بدون جوليو ريجيني.. تقول والدة جوليو ريجيني: منذ عام 2016، ونحن نسمع الكثير من العبارات الفارغة والأكاذيب”، ويقول رئيس الجمهورية ماتاريلا: “على مصر أن تقدم إجابات وافية”. ويقول رئيس البرلمان فيكو: “نريد الحقيقة بأي ثمن”.

دقيقة صمت، ليلة أمس، أمام كنيسة بلدية فيوميتشلو، قرب أوديني، شمال شرق إيطاليا، هذا ما أراده الأب كلوديو والأم باولا، والدا ريجيني. توقف الوقت عند الساعة 7.41 مساءً، وهو الوقت الذي وصلت فيه آخر رسالة نصية لجوليو ريجيني من القاهرة في 25 يناير 2016 قبل اختطافه. حول طالب الدكتوراه الفريولي (حيث ولد ريجيني ببلدة فينيتسيا الواقعة بمنطقة فريولي شمال ايطاليا) البالغ من العمر 28 عاماً والذي التحق بجامعة كامبريدج وذهب إلى مصر لكتابة أطروحة الدكتوراة حول النقابات العمالية المحلية، حيث لم يُعرف أي شيء عنه حتى 3 فبراير التالي، عندما تم العثور على جثته وعليه آثار ضرب وتعذيب على جانب الطريق السريع المؤدي من القاهرة إلى الإسكندرية.

بعد خمس سنوات، رئيس الجمهورية، سيرجيو ماتاريلا، هو الذي يرفع صوته ليسمع الجميع مطالباً بالحقيقة والعدالة لـ جوليو، “الذي تعرض للتعذيب والقتل الوحشي على أيدي معذبيه القساة”. رئيس الدولة يخاطب السلطات المصرية بشكل مباشر: “جهود مكتب المدعي العام في روما، رغم العديد من الصعوبات، أدت إلى تحقيقات حددت صورة المسؤولية الجسيمة للمتورطين. وسيتم قريبا تقديمهم للمحاكمة لينالوا العقوبات المترتبة على ما اقترفت أيديهم. نتوقع رداً كاملاً وكافياً من السلطات المصرية، وعلى دبلوماسيتنا أن تحثها على ذلك بلا هوادة”.

ستعقد جلسة الاستماع التمهيدية أمام القاضي بمحكمة الاستماع التمهيدية في روما في 29 أبريل لأربعة من عملاء الأمن الوطني المصري (ولكن لا يزال يتعذر تعقبهم) المتهمين من قبل القضاة الإيطاليين باختطاف وتعذيب وقتل ريجيني. لكن مصر لم تتعاون حتى الآن. وبالفعل، رفض مكتب النائب العام بالقاهرة كل ما توصل إليه زملاؤه في روما من نتائج ووصفها بأنها “غير صحيحة”. ولكن أمس، في الذكرى الخامسة لوفاة جوليو، اجتمع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل بناء على طلب من الوزير لويجي دي مايو لمناقشة قضية ريجيني. وقال دي مايو إنه حتى لو كانت مصر “محاوراً أساسياً في البحر المتوسط”، فلا يمكن أن يحدث حوار على حساب حقوق الإنسان. يجب على أوروبا أن تختار الجانب الذي ستنحاز له “. وقد استجابت أوروبا. حيث قال الممثل السامي جوزيف بوريل “قضية ريجيني مسألة خطيرة بالنسبة للاتحاد الأوروبي بأسره” والاتحاد الأوروبي “يواصل حث مصر على التعاون الكامل مع السلطات الإيطالية، من أجل تحقيق العدالة”. وأراد رئيس البرلمان، روبرتو فيكو، المشاركة شخصياً في حفل فيوميتشلو، حيث تم وضع 33 شمعة على الأرض، على العشب، بعدد السنوات التي كان يمكن أن يكون جوليو قد عاشها حتى اليوم، وقال: “نريد الحقيقة بأي ثمن. إنها مسألة دولة ”. ومع ذلك، استمر والدا الباحث الشاب في المطالبة باستدعاء السفير الإيطالي من القاهرة، وأعربوا أمس عن مرارة كبيرة: وقالت الأم باولا “عبر تلك السنوات الخمس التي مضت، لم نسمع فقط الكثير من الكلمات الفارغة من المؤسسات الإيطالية، ولكن أيضاً الكثير من الأكاذيب. مثلما قال رئيس الوزراء في ذلك الوقت (ماتيو رينزي) إنه لم يتم إخطاره باختفاء جوليو إلا يوم 31 يناير. وهو ما يبدو مستحيلاً بالنسبة لنا. لقد كنت أتساءل منذ ذلك الحين لماذا لم يتم إنقاذ ابني، وهي فكرة طالما عذّبتني.”

2- صحيفة لاريبوبليكا: نشرت صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية بتاريخ 25 يناير 2021 تقريراً أعده الصحفي   جيوليانو فوشيني بعنوان: “ريجيني والتزام ماتاريلا: أن “تقدم مصر إجابات وافية”، وجاء على النحو التالي:

قبل خمس سنوات وفي نفس توقيت آخر رسالة نصية أرسلت من هاتف الباحث الإيطالي من القاهرة، سار موكب من المشاعل إلى مسقط رأسه في فيوميتشلو للمطالبة بالحصول على “الحقيقة والعدالة”. فالأسرة تقول: “يجب أن تخبرنا إيطاليا أيضاً بما حدث”. أما جامعة كامبريدج فتقول: “كان بمثابة اعتداء على الحرية”

تبتسم سيدتان أمام فيلا في بيريس، على بعد بضع كيلومترات من فيوميتشلو، وهما تقولان: لا تحمل لافتات “الحقيقة لجوليو” أي علامة للزمن. فعند الضرورة، نأخذهم بضع ساعات من أجل غسلهم وتجديدهم”،. “الوقت لن يجعلها تتلاشى”. مرت خمس سنوات على اختطاف جوليو ريجيني على أيديهم، وتوصل مكتب المدعي العام في روما لما لا يقل عن أربعة من عناصر جهاز الأمن الوطني، وهو جهاز المخابرات المدنية المصرية، إلى هذا الاستنتاج. فبعد تسعة أيام من اختطافه، عُثر على جثة جوليو، الباحث من جامعة كامبريدج، وقد دمرها التعذيب ملقاة على جانب الطريق بين القاهرة والإسكندرية. قالت باولا، والدة جوليو: “لقد رأيت كل الشرور في العالم”. لقد مرت خمس سنوات وباولا ريجيني هنا. إلى جانب زوجها كلاوديو وأليساندرا باليريني، المحامية التي رافقت العائلة في هذه السنوات من المعركة من أجل الحقيقة والعدالة، وكما هو مكتوب على برج الجرس المطل على الميدان، أن الساعة 7:41 مساءً، وقت آخر علامة على أن جوليو حينها كان لا يزال على قيد الحياة، يحمل حوالي خمسين شخصاً مشاعلهم في أيديهم، الجو بارد، ومع ذلك يمكنك أن تتنفس رائحة حضن طويل ودافئ. في 29 أبريل، مع جلسة الاستماع الأولية، ستبدأ محاكمة القتلة الأربعة المشتبهين لجوليو، وهي نتيجة لم تكن متوقعة في بداية هذه القصة. تقول السيدة باولا: “الطريق طويل”. لقد مضى وقت طويل لأن المحاكمة لم تبدأ بعد، ونحن “نريد جميع حلقات السلسلة: المنفذون ومن أصدر الأمر ليقدموا جميعا للمحاكمة، لكن هناك ثلاثة عشر آخرين على الأقل، بمن فيهم عملاء ورجال شرطة من جهاز الأمن الوطني، ولا يزال مكتب المدعي العام في روما يبحث عن الأسماء: بعضها هناك بعض الآثار الموصلة إليه، والبعض الآخر لديهم أرقام هواتفهم فقط.

لا يزال هذا وقت طويل، لكن عائلة ريجيني لن تستسلم للعناء. يقول كلوديو: “لأننا لسنا وحدنا، نشعر من حولنا بدفء الناس، الذين رافقونا منذ بداية هذه المعركة”.

قال رئيس الجمهورية، سيرجيو ماتاريلا، أمس: “أنا قريب منكم”. “أدت الإجراءات التي اتخذها مكتب المدعي العام في روما إلى اختتام التحقيقات التي حددت صورة المسؤولية الجسيمة. ونتوقع استجابة كاملة وكافية من السلطات المصرية. التزام مشترك ومتقارب للوصول إلى الحقيقة وتقديم أولئك الذين ارتكبوا جريمة استدعت عن حق الاهتمام والتضامن من الاتحاد الأوروبي”. وأرادت جامعة كامبريدج، الجامعة التي كان جوليو ريجيني يدرس فيها عندما قُتل في القاهرة، أن تتذكره أيضاً بالأمس. فقال نائب رئيس الجامعة، ستيفن جيه توب، إن “الاغتيال اعتداء على مبدأ حرية البحث الأكاديمي لجميع الجامعات، وهو ما جسّده جوليو”.

لذلك، فإن عائلة ريجيني ليست وحدها. لكنها تطالب بـ “الحقيقة الكاملة” من المؤسسات؛ من المصريين بطبيعة الحال، ولكن أيضاً من الإيطاليين. تقول السيدة باولا: “في هذه السنوات الخمس سمعنا أيضاً الكثير من الأكاذيب. عندما قال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينزي إنه لم يتم إبلاغه عن اختفاء جوليو إلا يوم 31 يناير. وهو ما يبدو مستحيلاً بالنسبة لنا من خلال البيانات المتوفرة لدينا. ساعدتنا التحقيقات على فهم ما حدث في مصر من 25 يناير إلى 3 فبراير، لكننا لا نعرف حتى الآن ما حدث في إيطاليا، ولماذا لم يتم إنقاذ جوليو، وما الذي أعاق كل هذا. هذه الأفكار تطاردنا. وخمس سنوات فترة طويلة”. “هكذا هي الأمور، من المهم أن نفهم ما حدث في تلك الأيام”. كان رئيس البرلمان روبرتو فيكو متواجداً في الميدان الصغير في فيوميتشلو ، ويحمل شعلة صفراء في يده كواحدة من 33 موقعاً مرسوماً على الأرض، 33 مثل تلك السنوات التي كان يمكن أن يعيشها جوليو حتى اليوم. يقول فيكو: “هذا هو المكان الذي يجب أن أكون فيه، لأن قضية جوليو هي مسألة دولة. أنا واثق من أن الإجابات ستأتي من التقرير النهائي للجنة البرلمانية”. كانت الساعة الثامنة مساءً عندما فرغ ميدان فيوميتشلو. وكانت لا تزال بعض المشاعل مشتعلة. لا تزال جميع اللافتات الموجودة على الشرفات تسطع باللون الأصفر.

3- صحيفة دوماني: نشرت صحيفة دوماني الإيطالية بتاريخ 25 يناير 2021 مقالا كتبه الإعلامي بيرفرانشيسكو ديليبرتو تحت عنوان: “كل هذا لا يزال يدهشني بشأن مقتل جوليو ريجيني”، وجاء على النحو التالي:

قبل أيام قليلة اقترحت على هذه الصحيفة كتابة تعليق على جوليو ريجيني حيث كان يسيطر على تفكيري أنه يمس كل خيوط الروح البشرية: الألم، الأمل، الكبرياء. ربما كان حديثي بلاغياً بعض الشيء، ولكنه قد يكون أيضا شبه ملزِم لي أن أقوم به. لقد كنت أحاول بالفعل كتابة هذا التعليق على مدى أسبوع تقريباً، تاهت مني الأفكار ولم يخطر ببالي أي شيء. الشعور الوحيد الذي أشعر به في الوقت الحالي هو الشعور بالدهشة.

لأنني مندهش

لنبدأ بمصر، نظام السيسي. حيث ترفض السلطات المصرية التعاون مع القضاء الإيطالي، لأنه “نظرا لوفاة المتهم، لا يوجد سبب لاتخاذ إجراءات جنائية بخصوص سرقة ممتلكات الضحية، مما ترك آثار الجروح على جسده”، ما زال يدعم هذه السردية. أن جوليو قُتل على يد عصابة من المجرمين، متخصصة في السرقة من الأجانب، وتم القضاء عليها خلال عملية اعتقالهم من الشرطة المصرية. لكنهم في الوقت نفسه يؤيدون أيضاً سردية أن “أطرافاً غامضة معادية لمصر وإيطاليا “تريد استغلال مقتل جوليو ريجيني للإضرار بالعلاقات” بين البلدين.

وليس من قبيل المصادفة أن عمليات الخطف والتعذيب والقتل تحدث فقط عندما كان هناك وفد إيطالي في القاهرة (أثناء زيارة وزيرة التنمية الاقتصادية الإيطالية لمصر آنذاك على رأس وفد من ممثلي مجتمع الأعمال الإيطالي). إن الاعتقاد بأن عصابة من اللصوص العاديين، والمتخصصة في السرقة من الأجانب، تريد تخريب العلاقات الدولية بين البلدين هو أمر سخيف للغاية. لذا أتساءل: كيف يمكنكم التفكير في مثل هذا النوع من التضليل الغبي؟ وهل تريدون أن تعلمونا تلك الطرق البالية للتضليل؟ نحن الذين مارسنا علم التضليل في كل مجازر البلاد الكبرى؟ لماذا لا يزال يتعين على الحكومة الإيطالية الاستمرار في الارتباط بنظام السيسي في ظل مواقفه التي لا تُطاق؟

الشيء الآخر الذي طالما أدهشني هو لماذا يريد شخص ما تسييس قضية جوليو ريجيني. هناك نوع من عدم الثقة، إن لم يكن العداء الصارخ، حتى من أولئك الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم “سلطة سيادية”. ومع ذلك، فإن جميع العناصر السيادية موجودة في هذه السردية: مواطن إيطالي تم اختطافه وتعذيبه وقتله على يد مسلمين سيئين في بلد عربي. ومع ذلك، فالقائد الأعلى للسيادة الإيطالية ظل دائماً فاتراً تجاه ذلك، مقارنة بمعاركه السياسية الساخنة. ما زلت أتذكر عندما قال “إنني أتفهم طلب العدالة من عائلة جوليو ريجيني. لكن بالنسبة لنا، بالنسبة لإيطاليا، من الضروري أن تكون لدينا علاقات جيدة مع دولة مهمة مثل مصر “. وبعد ذلك، عندما عاد من لقاء في القاهرة، قال: “لقد تحدثت عن ذلك مع السيسي، لكن من الواضح في مصر أنهم لا يملكون كل هذه الرغبة لإخراج الحقيقة”. إن هذا الأمر يشبه إلى حد ما عندما ترسل صديقاً لك وأنت في المدرسة الإعدادية لمعرفة ما إذا كانت الفتاة التي أحببتها تبادلك نفس الشعور.

وإذا كان القائد الأعلى للسيادة الإيطالية يعتقد ذلك، فما بالك بما يمكن أن يفعله المستويات الأدنى من القادة.

ما زلت أعترف بدهشتي وحيرتي، عندما أزال رئيس بلدية تريست، روبرتو دي بيازا، في أكتوبر 2016، لافتة “الحقيقة لجوليو ريجيني” من واجهة قاعة المدينة، وعلق مكانها لافتة إرشادية عن صحة الأسنان: “وهكذا قمت بخلع أسناني التي نخرها السوس”. لماذا كل هذا العداء تجاه قضية كهذه؟ لماذا تحولها إلى معركة سياسية؟ لماذا لا يبقى العالم السياسي الإيطالي تحت الضغط لمرة واحدة؟

كما أنه يذهلني، على الرغم من التضليل المصري المستمر والواضح، أن رئيس الوزراء حاول طمأنتنا بالقول إن الجنرال “السيسي وافق على التعاون القضائي معنا؛ نعم هو ليس المستوى من التعاون الذي كنا نحلم به، ولكنه أعلى بكثير من مستوى التعاون الذي يقدمونه لبلدان أخرى “.

مما يعني أنه كان يمكنهم مضايقتنا والتمادي في ذلك كثيراً، كما يفعلون مع البلدان الأخرى، لكنهم لم يفعلوا. كما لو أن هذا الأمر يمكن أن يواسينا. علينا أن نتذكر أول محاولة تضليل مصري فج: عندما أعلنوا أنهم عثروا على جثة جوليو، دون أن يوضحوا كيف نجحوا في ذلك، بالنظر إلى أنه عندما تم إلقاء جثته على قارعة الطريق لم تكن هناك وثيقة هوية معه ولم يكن من الممكن التعرف عليه بسبب التعذيب الذي تعرض له وعانى منه قبل أن يلفظ أنفاسه!

والدان يتحديان الموت

لكن الأشخاص الذين يدهشونني تماماً هم كلوديو وباولا ريجيني، والدا جوليو. من المنطقي الاعتقاد أنه في بداية كل هذا التاريخ، كانوا محاطين بأشخاص ربما اقتصروا على الشفقة على بحثهم المضني عن الحقيقة. لقد أشفقوا عليهما لأن الأمر يبدو مستحيلاً. إذا كان من الصعب بالفعل تحقيق العدالة في إيطاليا، فما بالك ببلد بعيد له نظام موغل في السلطة. وعندما ذهبت لأول مرة إلى فيوميتشلو، كنت أشعر بالفضول لمعرفة نواياهما شخصياً.

وهذا هو المكان الذي أثبتوا فيه أنهما أكثر روعة لعيني. على عكس ما قد يعتقده المرء، طلبا من جميع الفنانين الذين قدموا أنفسهم لهما: المطربين والرسامين والمخرجين والكتاب، عدم التعجل في إدخال جوليو في أي من مشاريعهم الفنية، ولكن إذا كانوا يستطيعون أن يشاركوا في البحث عن الحقيقة. لأنه لم يكن – ولا يزال – وقت الخطابة والتماهي، ولكن هي فقط لحظة البحث عن الحقيقة ولا شيء آخر.

وقد أقنعاني أنه في كل مرة أسمع فيها باولا تكرر هذا المفهوم، فإن أول شيء أفعله هو أن أسأل نفسي: “من يعرف من هو الفنان الذي يريد أن يفعل شيئاً في هذا الأمر؟” لقد نسيت أن أحد هؤلاء كان أنا!

وفي كل هذه السنوات، كانا حريصين جداً على تجنب أن يقوم أي شخص، طوعاً أو كرهاً، أن يلوث ولو حتى جزء من الحقيقة التي بدأت تظهر ببطء على السطح، واليوم بفضلهما أيضاً يتمكن القضاء الإيطالي من عقد هذه المحاكمة. هذه مرحلة كان لا يمكن تصورها قبل خمس سنوات.

وربما أيضاً من الصعب لكثير من الناس الانفكاك من شخصية الوالدين الحزينة والبائسة: إلى السيسي الذي لن يفهم أبداً كيف يمكن أن يكون الحديث عن جوليو ريجيني.

لأنه عندما قال  السيسي: “جوليو واحد مننا”، في رأيي، كان يقصد أنه كان واحداً من بين الكثيرين الذين اعتاد نظامه أن يقتلهم. كما أنه أيضاً بقوله هذا وضع الحكومة الإيطالية في مأزق، حيث كانت ستفضل التعامل مع آباء (مصريين) بسطاء لا عزاء لهم، وليس مع آباء (إيطاليين) نعم لا يمكن مواساتهم لكنهم في نفس الوقت يدينون الحكومة الإيطالية.

أما جامعة كامبريدج التي ربما تعتبر هذا الأمر عثرة حزينة للغاية، نظراً لعدم تعاونها في القضية، ولكنها ليست حزينة بما يكفي للتنازل عن الاسم الجامعة العريق. إن تواجد سياسيين إيطاليين مع والدين اجتمعا في الذكرى السنوية لفقد انهما أمر جيد أيضاً، لكن الاضطرار إلى التعامل معهم طوال العام هي مسؤولية غير مريحة. حتى إنه وضع عبئاً عليّ شخصياً، حيث كان يدور في ذهني أن أكتب تعليقاً مفعماً بقليل من الألم، ونصف كيلو من الأمل، وثلاثة أرباع الكيلو من العاطفة، لأحظى بخطاب صحي، على أمل الحصول على العديد من الإعجابات. ولكن بدلاً من ذلك. فإني أجدني هنا أضرب رأسي بالحائط، ربما لأنني لا أملك أن أفعل شيئاً من هذا.

لا أجد أمامي سوى والدين ضد حذلقة الخطاب، ولكنهما صامدان ومتماسكان يبحثان عن الحقيقة ولا يتنازلان.

4- صحيفة كوريري ديلا سيرا: نشرت صحيفة كوريري ديلا سيرا بتاريخ 26 يناير 2021 مقالا كتبه الصحفي جيوفاني بيانكوني تحت عنوان: ” التحقيق لا يتوقف.. لا يزال 13 آخرين جاري تتبعهم”، وجاء على النحو التالي:

هناك أربعة من ضباط جهاز الأمن الوطني المصري ​​متهمون باختطاف جوليو ريجيني (وأحدهم متهم بتعذيبه وقتله) ينتظرون معرفة ما إذا كان سيتم محاكمتهم، بالإضافة إلى مشتبه واحد هناك طلب باستبعاده. من المفترض أن يمثلوا أمام القاضي يوم 29 أبريل المقبل. فبعد خمس سنوات من اختطاف جوليو ريجيني، توصل مكتب المدعي العام في روما إلى استنتاجات كانت في غير واردة في يناير 2016، لكن التحقيقات لم تنته بعد؛ أو بالأحرى، فإن المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو يودان الاستمرار في العمل مع محققي دائرة عمليات الشرطة المركزية ووحدة العمليات الخاصة إذا ظل التعاون المطلوب في الإنابة القضائية دون إجابة من مصر.

وهناك ما لا يقل عن ثلاثة عشر شخصاً آخر يجب تحديد هويتهم بالكامل، حيث كانوا مرتبطين بجوليو ونهايته المأساوية وكل ما دار حول سردية أرادت مصر تقديمها على أنها عملية سرقة انتهت نهاية سيئة. وعلى وجه التحديد في عمليات التضليل من خلال البحث في منزل الرئيس المزعوم للعصابة الإجرامية المزعومة والذي ادّعت السلطات أنه هاجم ريجيني بهدف سرقته، وبناء عليه أظهروا من خلاله وثائق الباحث الإيطالي، حيث لا يزال هناك ما لا يقل عن ثمانية من أعضاء أجهزة إنفاذ القانون شاركت في ذلك؛ ويجب الحصول على سجلات هاتفية للتحقق من تحركاتهم وجهات اتصالهم واستجوابهم.

ثم إن هناك مستخدماً لأحد الهواتف، قال أحد أعضاء المديرية العامة لمباحث القاهرة إنه لا يتذكر من كان يستخدمه، حيث تم تداول العديد من الرسائل النصية من خلاله مع نقيب الباعة الجائلين محمد عبد الله (الذي أبلغ عن جوليو للأمن الوطني كمشتبه به، ثم نفى لاحقاً أن له نشاط سياسي مناهض للحكومة)، ومع العقيد حلمي، أحد الضباط الأربعة المتهمين  بخطف ريجيني. كان حلمي أيضاً على اتصال بمستخدم هاتف باسم مصطفى أحمد خليل، وهو ضابط مناوب في وحدة تحقيق كان لديه رسائل ومحادثات مع محامي ريجيني الذي كان أيضاً زميله في الغرفة. وكتب المدعون بروما في رسالة لم يتم الرد عليها إنه يجب تعقب خليل والاستماع إليه “لفهم درجة تورطه في القضية”. تماما مثل عضو الأمن الوطني الذي قام بتنشيط وتعطيل الميكروفون والكاميرا المقدمة لعبد الله لتسجيل الاجتماع مع ريجيني في 7 يناير 2016.

من بين المتعاونين مع الرائد شريف (المتهم باختطاف وقتل جوليو) شرطي يدعى إبراهيم، وبحسب شهادة عبد الله أنه “كان سيساهم في التحريات حول الخطر المحتمل لريجيني”، وهو شرطي آخر للتعرف عليه واستجوابه، بالإضافة إلى منتصر عبد الرحيم، الذي تحدث إلى الضابط العقيد حلمي، حيث قال الضابط إنه كان يعمل في مركز شرطة الدقي و “كان مسؤولاً عن مكتب الأمن الوطني هناك”. في 25 يناير 2016، يوم الاختطاف، كان هناك ما لا يقل عن خمس جهات اتصال، بين 11.43 و 17.22، بين هاتف حلمي ومنتصر.

في ذلك المساء نفسه، رأى الشاهد دلتا (اسم مستعار لأسباب أمنية) جوليو في مركز شرطة الدقي، بينما كان يطلب محامياً ويطالب بأن يتم تمكينه من التحدث مع القنصلية الإيطالية. وقال: “كان يرتدي سترة صوفية، ربما بين الأزرق والرمادي، ولم يتذكر ما كان يرتدي تحتها”. وهي تفاصيل لم يتحدث عنها أحد من قبل، ولم يتم الكشف عن أي تفاصيل أخرى. حسناً، لقد تحقق المحققون الإيطاليون من أن ملابس جوليو التي تم العثور عليها لا توجد سوى سترة من هذا اللون؛ من الواضح أن ريجيني ارتداها ليلة اختطافه، كما ارتداها قبل ذلك ببضع ليال أثناء عشاء في منزل صديقته نورا. وهي الصورة المتضمنة الآن في سجلات التحقيق، والتي يتبين فيها أن السترة ذات ياقة عالية، وبداخلها أبيض، “بحيث يمكن بسهولة استبدال طية صدر السترة بقميص أبيض”. هذا ما كتبه المدعي العام ميشيل بريستيبينو ونائبه سيرجيو كولايوكو في لائحة الاتهام ضد المتهمين، مما يدل على مصداقية الشاهد دلتا.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close